ديكيوس

ديكيوس ترايانوس ديكيوس او تراجان داكيوس حكم في (249-251) شارك حكمه مع ابنه في السنة الاخيرة ، حتى قتلوا سويا معركة abrittus . وفي عهده برز عنصر جديد من عناصر القلق لأباطرة روما فيما يتعلق بمصر وبدأ الإحساس بهذا العنصر الجديد في السياسة المصرية ولم يكن هذا العنصر إلا ازدياد قوة ونمو الديانة المسيحية مما أجبر حكام البلاد على الاعتراف بوجودها .

وفي الواقع فقد كانت هناك محاولات عارضة وذات طابع محلي في خلال القرن الثاني تهدف إلى منح انتشار الديانة الجديدة، ولكن أول هجوم عارم على تلك الديانة حدث في عهد ديكيوس عندما أصبح يُنظم اختيار أو امتحان منظم كان كل شخص يُجبر بمقتضاه على تقديم الأضحيات والقرابين للآلهة وأن يتذوق هذه القرابين وكان من يرفض القيام بذلك يقع تحت طائلة الاتهام ويعدم بينما يحصل من يؤدي هذا الاختبار ويستجيب له على شهادة من لجنة الامتحان تفيد بحسن أدائه للطقوس المطلوبة وقد وصلتنا أمثلة عديدة على مثل هذه الشهادات في أوراق البردي.

يتضامن انحدار الأحوال مع ضعف الديانة المصرية اشتداد عود الديانة المسيحية، فلا نجد لأحد هؤلاء الأباطرة التسعة من بعد “كاراكالا” ثمة ذكر على جدران المعابد المصرية أو نلمح وجود خراطيش تخصهم. وأول من نلمح له من أعمال أو خراطيش – على قلتها، هو الإمبراطور “تراجان داكيوس”.

ويظهر في لقبه اللقب المعتاد الذي يعبر عن تراجع قوة وكفاءة المؤسسة الكهنوتية في مصر وذلك منذ فترة قبل عهد “داكيوس” وهو لقب “أوتوقراتور قيصر”، تاكاس نيتخ = داكيوس . ومثل صورة باهتة لما كان عليه الأباطرة الأقوياء متابعة قراءة ديكيوس

معبد ابو سمبل الصغير

معبد ابو سمبل الصغير أومعبد “حتحور” بـ”أبى سمبل” بمدينة أسوان منحوت فى الصخر شمال المعبد العظيم ( معبد الملك رمسيس الثاني ) ، ويقف أمامه 6 تماثيل هائلة يصل ارتفاعها إلى حوالى 10 أمتار ، منها 4 تماثيل للملك “رمسيس” واقفاً ، كما يوجد تمثالان لزوجته المحبوبة الملكة ” نفرتارى” وهى واقفة أيضاً ، ويحيط بتماثيل الملك وزوجته أشكال أصغر لأمراء وأميرات الرعامسة .

أما النقوش التى على الحوائط فتصور “نفرتارى” أمام “حتحور” و”موت” وتصورالملك “رمسيس” مرة أخرى وهو منتصر .

والمدخل يؤدي الى قاعة تحتوي ستة أعمدة وهي التي تحمل كبير الألهة هاثر . متابعة قراءة معبد ابو سمبل الصغير

علي بن محمد رضا الشيرازي

علي بن محمد رضا الشيرازي

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

(تم التحويل من الباب)
اذهب إلى: تصفح, ابحث

مرقد الباب في حيفا، إسرائيل

علي محمد رضا الشيرازي الملقب بالباب (20 أكتوبر، 1819 – 9 يوليو، 1850) ولد السيد علي محمد سنة 1819 في مدينة شيراز وترجع سلالته إلى فاطمة الزهراء حسب ما يعتقد أتباعه، وتربى في رعاية أحد أخواله وقد كان والده قد توفى قبل ولادته. وشارك خاله في مهنة التجارة منذ حداثة سنه.

وفي سنة 1844 اعلن السيد علي محمد وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره انه جاء مطبقا للنبؤات والوعود السابقة وبأن مهمته هي تمهيد الطريق والتبشير بوشوك مجيء من سماه بــ (من يظهره الله) الذي سيكون مربي العالم في هذا الزمن. وأطلق على نفسه لقب الباب وجاء بشرائع واحكام وكتاب (البيان) وصار اتباعه يدعون بالبابيين. وكانت أكثر كتابات الباب في ذكر “من يظهره الله” مبشرا ان بمجيئه ستتحقق الوعود الإلهية ونبؤات الأديان السابقة المذكورة في الكتب المقدسة لتلك الاديان.

أثار انتشار الدين البابي بتلك السرعة مخاوف الحكومة الإيرانية والسلطات الدينية هناك، وقامت مناوشات عديدة بين الحكومة والبابيين الذين قاموا للدفاع عن انفسهم بعد ان تعرضوا للقتل والاذى والتعذيب. وفي النهاية قامت الحكومة بإعدام الباب في سنة 1850 (م) بعد أن سجنته في قلاع أذربيجان لعدة سنوات.

ولقد كان الميرزا حسين علي النوري الملقب ببهاء الله مؤسس الديانة البهائية من اتباع الباب وقادة البابية بعد وفاته.

حتشبسوت


بقلم جمال الدين سالم

الدولة الحديثة- النصف الثاني
من الاسرة 18 (1850ق.م-1350ق.م)

تجري أحداث هذه القصة و في عهد الأسرة الثامنة عشرة ، التي كان عصرها عصر ثروة ورخاء، وخاصة في عهد الملكة (حتشبسوت)بطلة هذه القصة، التي حكمت البلاد ردحا من الزمن مع (تحتمس) الثالث، زوج ابنتها على أحدث الآراء، وقد انفردت دونه بالحكم،واستولت على زمام الأمور مدة ثلاثة عشر عاما، حتى فاضت نفسه بالحقد عليها، مما جعله ينتقم منها بعد وفاتها بمحو اسمها من جميع المعابد، وتحطيم تماثيلها المقامة.وقد كان عهد الملكة (حتشبسوت) عهدا حافلا زاهرا، عم فيه السلام والرخاء في أرجاء البلاد، وشيدت فيه أروع المعابد وأجمل المنشآت، وازدهرت فيه التجارة بين مصر وغيرها من البلاد، بإرسال البعثات للخارج لتبادل معها، ومن أشهرها بعثة بلاد بونت المشهورة، التي سوف يأتي ذكرها خلال هذه القصة: متابعة قراءة حتشبسوت

البطالمة يفرضون على الكهنة إظهار الولاء لهم

لقد رأينا أن العامل المادي كان من أهم الوسائل التي لجأ البطالمة إليها للحصول على طاعة القساوسة وإخلاصهم، ولما كان البطالمة يريدون أن تعلن هذه الطاعة وهذا الإخلاص، فإنهم فرضوا على الكهنة أن يرسلوا كل عام ـ إلى أن أعفاهم بطليموس الخامس من ذلك ـ وفدا منهم إلى الإسكندرية للاحتفال بعيد ميلاد الملك والتعبير عن إخلاصهم وولائهم له .

ويعتقد بعض المؤرخين أن المؤتمرات الكهنة كانت تعقد كل عام يوم عيد ميلاد الملك، أي أن هؤلاء المؤرخين يربطون بين مؤتمرات الكهنة والزراية السنوية إلى الإسكندرية، على حين يرى البعض الآخر أن الزيارة والمؤتمر كنا شيئين مختلفين، وهذا في رأينا أقرب إلى الصواب، لأن زيارة الإسكندرية كانت سنوية، أما المؤتمرات فإنها كانت لا تعقد إلا في مناسبات خاصة، وإن كان الإثنان يتمان بأمر من الملك لإظهار ولاء الكهنة له. متابعة قراءة البطالمة يفرضون على الكهنة إظهار الولاء لهم

الشيخ الرئيس بن سينا

< ![CDATA[

الشيخ الرئيس بن سينا

هو أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن علي بن سينا، وهو إن كان أشهر من أن يذكر، وفضائله أظهر من أن تسطر، فإنه قد ذكر من أحواله، ووصف من سيرته ما يغني غيره عن وصفه، ولذلك إننا نقتصر من ذلك على ما قد ذكره هو عن نفسه، نقله عنه أبو عبيد الجوجزاني، قال، قال الشيخ الرئيس:

إن أبي كان رجلاً من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقربة يقال لها خرميثن من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها أفشنة، وتزوج أبي منها بوالدتي وقطن بها وسكن، وولدت منها بها، ثم ولدت أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب، وأكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى مني العجب، وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين وبعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا أسمعه وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي، وابتدأوا يدعونني أيضاً إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد اللّه النائلي وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به، ثم ابتدأت بكتاب إيساغوجي على النائلي، ولما ذكر لي حد الجنس، أنه هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجب مني كل العجب وحذر والدي من شغلي بغير المعلم، وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيراً منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب إقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى المجسطي، ولما فرغت من مقدماته وانتهيت إلى الأشكال الهندسية، قال لي النائلي تول قراءتها وحلها بنفسك، ثم اعرضها عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم بالكتاب، وأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه ومفهمته إياه، ثم فارقني النائلي متوجهاً إلى كركانج، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح، من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح علي،ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه؛ وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم الطب، وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة، ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفاً، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره وجمعت بين يدي ظهوراً، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية، ورتبتها في تلك الظهور ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر المتعسر، وكنت أرجع بالليل إلى داري واضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى أن كثيراً من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام، وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني، وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه إلى اليوم، حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي، ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة، فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظاً، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيست من نفسي وقلت هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه علي فرددته رد متبرم، معتقد أن لا فائدة من هذا العلم، فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم، وصاحبه محتاج إلى ثمنه، واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته، فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظاً على ظهر القلب، وفرحت بذلك وتصدقت في ثاني يومه بشيء كثير على الفقراء شكراً للّه تعالى، وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور، واتفق له مرض أتلج الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على القراءة، فأجروا ذكري بين يديه وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته وتوسمت بخدمته فسألته يوماً الأذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي فدخلت داراً ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر الفقه وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد،فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجب إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط، وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته أيضاً من بعد، فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه، فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري، فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم ]

]>

الشيخ الرئيس أبو علي سینا

السيرة بقلم صاحب السيرة:

قال أبو عبيد: حدثني الشيخ الرئيس أبو علي قال:

كان والدي رجلا من أهل بلخ ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام الأمير نوح بن منصور ، واشتغل بالتصرف. وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية من ضياع بخارى يقال لها خَرْمَيْثَن وهي من أمهات القرى بتلك الناحية ، وبقربها قرية يقال لها أفْشَنَة ، فتروج أبي منها بوالدتي ، وقطن بها وسكن ، وولدت أنا فيها ، ثم ولد أخي. ثم انتقلنا إلى بخارى وأحضر لي معلم القرآن ومعلم الأدب ، وكملت العشر من العمر ، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب ، حتى ] كان [ يقضى مني العجب.

متابعة قراءة الشيخ الرئيس أبو علي سینا

البطالمة والديانة المصرية

أدرك الإسكندر والبطالمة أنه كان من الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين ضد الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية ، ولذلك وضع الإسكندر والبطالمة نصبًا أعينهم الاعتراف بالديانة المصرية دينًا رسميًا .
وكان ذلك ينطوي على إظهار احترامهم وإجلالهم لهذه الديانة ، وكذلك على السماح للمصريين بحرية عبادة آلهتهم القديمة وقد سهل على البطالمة اتباع هذه السياسية عاملان: أحدهما أن “الدولية” التي تمخض عنها العصر الهلينيسي جعلت ميول هذه العصر تتجه نحو الحرية الفكرية وحرية الاعتقاد، والآخر أن الإغريق كانوا يكنون للديان المصرية احترامًا عميقًا، ولما كان الباعث على إتباع هذه السياسة هو رغبة البطالمة في توطيد دعائم ملكهم، فإنهم لم يألوا جهدًا في العمل على إظهار إجلالهم واحترامهم للديانة المصرية. وقد رأينا أدلة ملموسة على ذلك فيما أسلفناه من اهتمام البطالمة باتخاذ صفات الفراعنة، وتصويرهم على جدران المعابد على نمط الفراعنة القدماء، بل تصويرهم على الأحجار الكريمة والنقود في شكل آلهة مصرية، ولتحيق هذه السياسة، اتبعوا وسائل شتى يمكننا تلخيصها في تقديم القرابين وإرجاع تماثيل الآلهة التي كان الفرس قد أخذوها من البلاد، ومنح المعابد هبات مالية وأراضي، وإنشاء المعابد والهياكل وإصلاحها وزخرفتها، ومنح المعابد حق حماية اللاجئين إليها.
الإسكندر الأكبر:

ويمكننا الوقوف على مدى ما قام به هؤلاء الملوك الغرباء في هذا الصدد من استعراض ما وصل إلينا من أخبار كل منهم، أما الإسكندر الأكبر فإنه عندما نزل في منف، كان همه الأول أن يقدم القرابين للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس، وبعد ذلك وضع أساس معبدًا إيزيس في الإسكندرية، وشيد في معبد الأقصر أمام قدس الأقداس، مكان قاعة ذات أربعة أعمدة، هيكلا صغيرًا كان مصريًا في عمارته وزخرفته، ويزين هذا الهيكل صور تمثل الإسكندر في حضرة الآلهة آمون وموت وخنسو، الذين أهدى إليهم هذا الهيكل، وأصلح الإسكندر مدخل البوابة التي كانت تكون الواجهة الغربية في معبد الكرنك العظيم أيام تحتمس الأول وأنشأ معبدًا في الواحة البحرية.

بطليموس الأول:

وما كاد بطليموس الأول يطأ أرض مصر، عندما نصب واليًا عليها في عام 323 ق.م، حتى بادر بإظهار احترامه للديانة المصرية بأن تبرع بمبلغ قدره خمسون تالنتا (أي حوالي 10.000 جنيه) للاحتفال بجنازة أحد العجول المقدسة، ولم يكتف بطليموس بذلك، فإن نصب الوالي التذكاري، الذي عثر عليه في القاهرة في عام 1871، يعطينا صورة صادقة لمجهودات بطليموس الأول في هذه الناحية، وهذا النصب عبارة عن لوحة من الجرانيت الأسود، يزين أعلاها منظر ينقسم قسمين يمثل أحدهما ملكًا يقدم القرابين إلى حورس إليه مدينة بي (Pe) ويمثل الآخر الملك وهو يقدم القرابين إلى بوتو (Buto) إلهة مدينتي بي وتب (Tep). ويرجع تاريخ النص إلى “العام السابع من حكم الملك الإسكندر المعمر أبدًا في الوقت الذي يبدأ فيه فيضان النيل، أي في شهر يونيه عام 311، ويحدثنا هذا النص بأن أرض باتانوت (الجزء الشمالي من محافظتي الغربية وكفر الشيخ) كانت دائمًا أبدًا ملكًا لإلهي بي وتب، وأن إجزر كسيس سلب الإلهين هذه الأرض، غير أن خباش أعاد للألهين ممتلكاتهما وأضاف إليها، وحذا بطليموس حذو خباش فقد أعاد منح كافة هذه الممتلكات لإلهي بي وتب، وقد كان خباش زعيم الحركة الوطنية، التي قام بها المصريون ضد الفرس ي عام 486، ويبدو أن بطليموس الأول قد أراد بما أورده في هذا النص أن يذكر المصريين بمساوئ حكم الفرس، والفرق بين معاملتهم الآلهة المصرية ومعاملته هو هذه الآلهة، كما أنه بمحاكاته ما فعله من قبل الزعيم الوطني خباش، أراد أن يظهر في ثوب زعيم الحركة الوطنية، هذا إلى أنه رمى إلى تذكير المصريين، بطريق غير مباشر، بالخدمات التي سبق أن أسداها الإغريق للمصريين كلما ثاروا ضد الفرس، ويردد هذا النص العبارة التقليدية القائلة بأنه أعاد المعابد ما وجده في آسيا من أثاث المعابد وكتبها المقدسة وتماثيل الآلهة.

وتشير أدلة أخرى إلى أن بطليموس عني منذ قدومه إلى مصر بافتقاء أثر الفراعنة في اهتمامهم بالمنشآت الدينية، فإنه أعاد إنشاء قدس الأقداس في معبد الكرنك بسام فيليب ارهيدايوس، وزخرف باسم الإسكندر الرابع قاعة ي معبد الكرنك، يظن أنها قاعة احتفالات تحتمس الثالث، وقد وجد في هذه القاعة تمثال طريف للإسكندر الرابع، إذ أنه مثل من الأمثلة النادرة لفن النحت التي يمتزج فيها الطراز المصري بالطراز الإغريقي. وشيد بطليموس في عهد الإسكندر الرابع هيكلاً في بني حسن، وقد صور الملك في أعلى واجهة الهيكل راكعًا يقدم تمثال “الصدق” إلى الإلهة باشت (Pasht)، ووقفت الآلهة حتحور خلف الملك، الذي صور أيضًا على أحد جانبي الباب في حضرة آمون وحورس، وعلى الجانب الآخر في حضرة تحوت وخم Chem. وأقام بطليموس الأول بوابة أمام معبد الفنتين، صور عليها الإسكندر الرابع وهو يتعبد إله خنوم. وإذا كانت هذه المنشآت ثانوية، فإنها كانت على الأقل مثلاً حذا حذوة خلفاء بطليموس الأول.

بطليموس الثاني:

وتدل الوثائق التي وصلت إلينا من عصر بطليموس الثاني فيلادلفوس على أنه لم يتوان في إظهار إجلاله واحترامه للآلهة المصرية: فإن لوحة بيثوم التي أقيمت في العام الحادي والعشرين من حكمه (265 / 264 ق.م) تنبئنا بأن هذا الملك زار بيثوم ثلاث مرات. أما الزيارة الأولى فكانت في العام السادس من حكمه (عام 280 / 279) عندما بدأ العمل في القناة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، وزار بلاد الفرس وأحضر من هناك تماثيل الآلهة، وأهدى معبدين إلى توم (Toum) وأوزيريس، إلهي بيكرحت (Pikerehet). أما الزيارة الثانية فكانت في العام الثاني عشر (عام 274 / 273)، عندما اصطحب معه أخته وزوجه الملكة ارسينوي الثانية وأجزل الهبات لآلهة بيثوم. أما الزيارة الثالثة فكانت في العام الحادي والعشرين (عام 265 / 264) عندما منح الملك المعابد المصرية هبة مالية قدرها 750000 دين (Deben)، وهو ما يوازي 3125 تالتنت من الفضة، أي ما يزيد على نصف مليون جنيه. وتؤكد هذه الوثيقة مما ورد في هذه الوثيقة وفي قراري كانوب ورشيد أن البطالمة كانوا يهبون العابد منحًا معينة، إلى جانب ما كانوا يمنحونها في مناسبات خاصة، وتحدثنا لوحة مندس عن تقدير فيلادلفوس لإله هذه المدينة والهبات التي أجزلها له.

وقد شيد فيلادلفوس عددًا كبيرًا من المعابد المصرية اختص إيزيس باثنين منها، فإنه بدأ بناء معبدها الكبير في جزيرة فيلة، وأقام لهذه الإلهة معبدًا آخر في الدلتا في بهبيت الحجارة ـ بالقرب من سمنود ـ مكان معبد نكتانبو الأول، وقد امتاز هذا المعبد ببهائه ورونقة، إذا بني جميعه من جرانيت أسوان الأحمر، وأنشأ فيلادلفوس معبدًا صغيرًا لا محوتب في جزيرة فيلة. وشيد كذلك معبدين آخرين على الأقل، أحدهما في مندس والآخر في نقراطيس، وأقام بوابة أمام معبد موت في الكرنك.

بطليموس الثالث:

وتحدثنا وثيقة كانوب عن سياسة بطليموس الثالث يورجتيس نحو الديانة المصرية، فإن هذه الوثيقة تروى لنا كيف أن الملك بطليموس (بن بطليموس وأرسينوي الإلهين الأخوين) وبرينيكي أخته وزوجته، الإلهين الخيرين، يجزلان دائمًا للمعابد الوطنية نعمًا كثيرة عظيمة، ويزيدان مظاهر الإجلال للآلهة، ولا يدخران وسعًا في العناية بأبيس ومنفيس وغيرهما من الحيوانات المقدسة المشهورة مهما كفلها ذلك من النفقات، وتعيين الكهنة المناسبين، وأن الملك بعد قيامه بحملة في الخارج أعاد إلى مصر التماثيل المقدسة التي كان الفرس قد أخذوها منها…”. ثم تمضي الوثيقة في سرد لأعمال الطيبة التي قام بها الملك نحو رعاياه، فإنه نشر السلام في البلاد، ودافع عنها ضد أعدائها، وأقام فيها حكومة رشيدة، وعندما قل الفيضان عن مستواه العادي ولم يسد حاجات البلاد، نزل الملك والملكة عن جانب غير قليل من دخلهما لإنقاذ حياة الكهنة والأهالي، فإنهما أحضرا القمح من سوريا وفينقيا وقبرص وغيرها من البلاد بسعر مرتفع، وإزاء كل هذه الخدمات “قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك والملكة وأبويهما وجديهما، وأن يحمل الكهنة في كل المعابد لقب كهنة الإلهين الخيرين وذلك إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن تضاف في كل معبد قبيلة خامسة من الكهنة تحمل اسم الإلهين الخيرين وتكون على قدم المساواة مع القبائل الأربع القديمة، وأن يقيم الكهنة في أوائل كل عام في كافة المعابد حفلاً قوميًا مقدسًا، إجلالا للملك والملكة، وأن تقام لبرينيسكي ابنة الإلهين الخيرين التي توفيت فجأة مراسم الإجلال في كل المعابد، وأن يقام لها أيضًا في جميع المعابد من الدرجتين الأولى والثانية تمثال من الذهب المطعم بالأحجار الكريمة، وأن تقام في أبرز مكان في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثاني والثالثة صورة من هذا القرار، على لوحة من الحجر أو البرنز، مكتوبة باللغات الهيروغليفية والديموتيقية، ليثبت القساوسة في طول البلاد وعرضها أنهم يكرمون الإلهين الخيرين وسلالتهما كما هو حق.

إن هذه الوثيقة عبارة عن قرار أصدره مجمع الكهنة، الذي انعقد في مدينة كانوب في السادس من شهر مارس عام 237 عقب عودة بطليموس الثالث مكرهًا من حروبه في آسيا بسبب الثورة التي نشبت في مصر نتيجة لحدوث مجاعة فيها، وقد وصلت إلينا ثلاث نسخ من الحجر لهذه الوثيقة، عثر على أولاها في عام 1865 بين أطلال مدينة تانيس القديمة، ووجدت الثانية في عام 1881، وهاتان الوثيقتان موجودتان الآن في متحف القاهرة. أما النسخة الثالثة فإنها محفوظة في متحف اللوفر وبها عطب كثير.

أما عن المنشآت الدينية التي أقامها هذا الملك، فإنه أكمل معبد إيزيس في فيلة، الذي لم يتم بناؤه في عهد أبيه بطليموس الثاني، إذ أن المدخل الكبير من الناحية الشمالية يحمل نقشًا باللغة الإغريقية مؤداه أن الملك بطليموس والملكة برينيكي وأبناءهما يهدون الهيكل إلى إيزيس وحاربو كراتس، وقد وجدت في جزيرة بيجه (Biggch) المجاورة لجزيرة فيلة بقايا معبد وجد عليها اسم بطليموس الثالث وأسماء بعض الفراعنة القدماء. وقد بدأ في إقامة معبد لإيزيس في أسوان، وشيد معبدًا صغيرًا في إسنا، والباب الخارجي لمعبد فتاح والمدخل الأكبر لعبد خنسو والمعبد الشمالي لمعبد مونتو بالكرنك، ولا بد من أنه شيد معبدًا جديدًا لأوزيريس في كانوب، فقد عثر هناك على لوحة ذهبية كانت قد وضعت، كما هي العادة في أغلب الأحوال، بين أحجار الأساس، وتحمل هذه اللوحة نقشًا بالإغريقية هذا نصه: “الملك بطليموس بن بطليموس وأرسينوي، الإلهين الأخوين، والملكة برينيكي، أخت الملك وزوجته، يهديان هذا الهيكل إلى أوزيريس”. لكن لعل أهم آثار هذا العاهل في بناء المعابد هو معبد حورس في إدفو الذي وضع أساسه في 23 من أغسطس عام 237، إلا أن بناءه وزخرفته لم يتما إلا في ديسمبر عام 57 ق.م في عهد بطليموس الثاني عشر. ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أنتجه في العمارة المصرية في عهد البطالمة.

ومما يجدر بالملاحظة أنه صاحب ازدياد المنشآت الدينية المصرية التي أقامها هذا الملك عقب قرار كانوب الإقلال من القرابيين التي كانت تقدم للمعابد في أنحاء العالم الأغريقي، لأن باوسانياس، الذي شاهد كثيرًا من التمثيل والقرابين التي قدمها بطليموس الأول والثاني في كل أنحاء بلاد الإغريق، لم يذكر لنا أنه شاهد قربانًا أو تمثالاً قدمه بطليموس الثالث، على الرغم من أن سلطانه كان يمتد على بحر إيجه أكثر من سلفيه، ومعنى ذلك أن ازدياد عناية هذا الملك بالديانة المصرية قلل من اهتمامه بالديانة الإغريقية.

بطليموس الرابع:

ولما كان البطالمة الثلاثة الأوائل يعتمدون اعتمادًا كليًا على الإغريق في تكوين قواتهم الحربية، فإن جل اهتمامهم كان موجهًا إلى كسب عطف الإغريق، هذا وإن كانوا لم يغفلوا المصريين بتاتًا من حسابهم، لكنه عندما انقطع وفود الإغريق إلى مصر منذ أواخر القرن الثالث بسبب نقص عددهم، نتيجة لاشتراكهم في حروب خلفاء الإسكندر بمثابة جنود مرتزقة، وفي الحروب الداخلية التي قطعت أو صال بلاد الإغريق، ونتيجة لتحديد النسل بينهم، اضطر البطالمة منذ عهد بطليموس الرابع إلى الاعتماد على المصريين أيضًا في بناء قواتهم الحربية؛ فلم يكن هناك مفر عندئذ من أن يعدلوا سياستهم إزاء المصريين، ولذلك كان بطليموس الرابع أول من توج منهم فرعونًا على نمط الفراعنة القدماء وأول ملك من البطالمة تعرف حتى الآن. أن اسمه قرن بالألقاب الفرعونية كاملة في كافة الوثائق الرسمية سواء أكانت مسجلة بالهيروغليفية أم الديموتيقية أم الإغريقية. ولا عجب إذن أن لوحة بيثوم، التي حفظت لنا القرار الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في نوفمبر عام 217، تحدثنا بأن اهتمام بطليموس الرابع بإظهار إجلاله للآلهة والديانة المصرية على الدوام حدا به إلى أن يفيض عليها بالهبات من واسع كرمه، فكافأته الآلهة على ذلك بأن عقدت له ألوية النصر وكلأته بعنايتها وحفظته من كل مكروه. وتحدثنا هذه الوثيقة بأنه ما كاد يصل على علم الملك أنه قد لحق تماثيل الآلهة المصرية في فلسطين كثير من الأذى، حتى أصدر أمرًا كريمًا بألا يتعرض لها أحد ثانية بمكروه، وذلك رغبة منه في أن يدرك جميع الأجانب عظيم اهتمام الملك بآلهة مصر وشدة حرصه عليها، وكذلك أمر بأن تنقل إلى مصر كل موميات الحيوانات المقدسة، وبأن يقام لها حفل عظيم وتدفن في مقابرها، وبأن ينقل إلى معابدها في مصر في حفل كريم ما وجد مشوهًا من التماثيل.

وقد كان الملك معنيًا بأمر التماثيل المقدسة التي نقلت من مصر إلى آشور وفينقيا عندما انتهك الفرس حرمه المعابد المصرية، ولذلك أمر بالبحث عن هذه التماثيل وإعادتها إلى مصر، وأقام حفلاً كبيرًا إجلالاً لما وجد من هذه التماثيل، وقضي بأن تعاد إلى حيث كانت من قبل. وبعد عودة الملك إلى مصر، زار المعابد وقدم القرابين إلى الآلهة ومنح المعابد هبات كثيرة إلى جانب ما كان قد منحها من قبل، وأقام تماثيل كثيرة في المعابد بدل ما فقد منها، وأصلح التماثيل التي كانت في حاجة إلى إصلاح، وأنفق في سبيل ذلك مبالغ طائلة، وأمر بأن تصاغ آنية المعابد من الذهب والفضة، وأجزل الهبات لرجال الدين، وإزاء كل هذه الحسنات التي تفضل بها الملك، قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي كانت تقدم للمك ولأخته وأسلافهما من أسرة البطالمة، وأن يقام تماثلان من طراز مصري للملك ولأخته في أبرز مكان في كل معبد من معابد مصر، وأن يوضع تمثال الإله المحلي في كل معبد أمام تمثال الملك، أن يقيم كهنة المعابد الصلوات للتماثيل لثلاث مرات يوميًا، وأن يقام في كافة معابد مصر كل عام حفل يبدأ يوم ذكرى انتصاره على عدوه ويدوم خمسة أيام.

وكان طبيعيًا أن يوجه بطليموس الرابع اهتمامه إلى المنشآت الدينية، فقد أسهم في بناء معبد حورس في إدفو، ذلك المعبد الذي بدأه أبوه.
وتحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “قد تم بناء قاعة قدس الأقداس للإله حورس الذهبي في السابع من شهر أبيب في السنة العاشرة من حكم الملك بطليموس فيلوباتور، وزينب جدرانها بنقوش بديعة وبالاسم الأكبر لصاحب الجلالة وبصور آلهة إدفو وإلهاتها، وفي العام السادس عشر من حكم جلالة الملك تم بناء مدخلها الأكبر (أو مدخل المعبد الأكبر) والباب المزدوج لردهته الكبيرة، وعندئذ اندلع لهيب الثورة واختفت جماعات من الثوار داخل المعبد..”. وقد وجد خرطوش هذا لملك على أبنية مختلفة في الأقصر، مما يثبت أنه إذا لم يكن قد شيد هناك مباني جديدة فلا أقل من أنه زين أبنية قائمة أو أصلحها. وقد بدأ فيلو باتور غربي النهر بناء ذلك المعبد الأنيق الصغير الذي يعرف باسم دير المدينة، وحاول إتمام المعبد الصغير الذي بدأه أبوه في الفنتين، وقد وجداسم فيلو باتور على أماكن مختلفة من مجموعة المعابد في فيلة. ومما يستحق الذكر أنه وجد معبد للإله أر ـ هس ـ نفر (Ar-hes nefer) شرقي المعبد الكبير في فيلة، وأنه قد ثبت أن فيلوباتورا شيد المقصورة الداخلية ي هذا المعبد، وأن الملك النوبي إرجامنس (Ergamenes) أضاف إلى هذه المقصورة قاعة أمامها، لكنه لم يتمها. وقد وجد في دكة (جنوبي فيلة بسبعين ميلا) معبد مشايه لهذا المعبد اشترك في بنائه أيضًا إرجامنس وفيلوباتور، لكن الملك النوبي هو الذي بني هنا المقصورة الداخلية وفيلوباتور القاعة التي أمامها. وشيد فيلو باتور معبدًا لآلهة الشلال على جزيرة سهيل جنوبي أسوان، وأضاف إلى مباني معبد إيزيس في أسوان الذي بدأه أبوه، لكن بناء هذا المعبد لم يتم حتى اليوم.

بطليموس الخامس:

وتستطيع الوقوف على مدى اهتمام بطليموس الخامس إبيفانس بالديانة المصرية من قرار حجر رشيد الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في 37 من مارس عام 196. ويحدثنا هذا القرار بأن بطليموس الخامس قام بخدمات كبيرة للمعابد والآلهة ورعاياه، فإنه خصص للمعابد دخلا من المال والقمح، وتكبد نفقات طائلة ليعيد الرفاهية إلى البلاد ويقيم المعابد، وأمر بأن تحفتظ المعابد بكافة الموارد التي كانت لديها في عهد أبيه، وأحيا ما أهمل من طقوس الآلهة، وقدم من الهدايا إلى أبيس ومنفيس وسائر الحيوانات الأخرى المقدسة في مصر أكثر مما قدم إليها الملوك الآخرون، ووجه عناية كبرى إلى دفنها وما يقدم إلى هياكلها، وأحتفظ بمكانة المعابد المصرية، وصرف مبالغ طائلة في زخرفة معبد أبيس، وأسس معابد وهياكل ومذابح، وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح من المؤسسات الدينية، فقد كان إلهًا كريمًا تفيض نفيه بالبربكل ماله صلة بالديانة، ولذلك قرر القساوسة جميعًا أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك وأسلافه، وأن يقام له في أبرز مكان في كل معبد تمثال من طراز مصري يوضع إلى جانبه تمثال الإله الرئيسي في المعبد، وأن يقيم القساوسة الصلاة للتمثالين ثلاث مرات يوميًا، وأن يقام لهذا الملك في كل معبد تمثال وهيكل من الذهب يوضعان في قدس الأقداس مع الهياكل الأخرى، وأن يقام حفل كبير في المعابد في السابع عشر وفي الثلاثين من كل شهر، لأن الملك توج في السابع عشر من شهر بابه (Phaophi) وولد في الثلاثين من شهر مسري (Nesore)، وأن يقام في كل المعابد سنويًا عيد إجلالاً لملك يدوم خمسة أيام، تبدأ في اليوم الأول من شهر توت، وأن يحمل القساوسة لقب قساوسة الإله إبيفانس إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن يذكر اسم كاهن هذا الإله في الوثائق الرسمية، وأن يكتب هذا القرار على لوحة من الصخر بالهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، وتقام في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثانية والثالثة.

أما عن منشآت بطليموس الخامس الدينية، فقد حدثنا عنها هذا القرار بصفة عامة، ونجد ما يؤيد ذلك في نصوص المعابد في إدفو وفيلة، فقد ساهم إبيفانس في إتمام معبد إدفو العظيم، وأتم معبد (أر ـ هس ـ نفر) الذي بدأه أبوه والملك النوبي إرجامنس في جزيرة فيلة، ويبدو أنه شيد مدخل معبد إمحوتب في هذه الجزيرة، فقد صور على الجانب الأيسر لهذا المدخل أمام إمحوتب، وعلى الجانب الأيمن أمام ثالوث الشلال، خنوم وساتت (Satet) وأنوكت (Anuquet)، وكذلك أمام أوزيريس وإيزيس وإمحوتب. ولعل الأخطار التي تهددت الإمبراطورية المصرية والثورات التي اندلع لهيبها في البلاد شغلت هذا الملك عن القيام بمنشآت عظيمة.

بطليموس السادس:

أما بطليموس السادس فيلومتور، فإنه لم تصل إلينا نقوش من عهده لتحدثنا عن هباته للمعابد والآلهة، لكن ليس معنى ذلك أنه لم يعن بإظهار إجلاله للديانة المصرية، لأننا نرى دليلاً كافيًا على ذلك في منشآته الدينية، فقد ساهم بدوره في تشييد معبد إدفو، إذ تحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “في أول شهر طوبة في العام الخامس من حكم بطليموس فيلومتور، وضعت البوابة الخشبية الكبيرة في قاعة المنتصر الأعظم وكذلك الأبواب المزدوجة في بهو الأعمدة الثاني، واستؤنف العمل ثانية داخل قاعة الأسلحة في العام الثلاثين من حكم هذا الملك”. وشيد فيلومتور معبد سوبك وحورس في كوم أمبو. وبدأ بناء معبد خنوم في إسنا، وبنى هيكلاً في معبد موت، وأضاف مدخلاً إلى معبد فتاح بالكرنك، وأقام هو وأخوه بطليموس الثامن بابا فيم عبد آموت ـ رع هناك، وأضاف بهوًا إلى معبد أنطيوبوليس (قاو الكبير)، وساهم في إكمال معبد إيزيس الكبير فيلة، وبدأ في إقامة معبد لحتحور في هذه الجزيرة، وأضاف بوابة إلى الهيكل الذي أقامه الملك النوبي أزاخر آمون (Azechramon) في دبود ( Debod) وهي تقع جنوبي فيلة بنحو عشرة أميال.

بطليموس الثامن:

ونتبين مدى اهتمام بطليموس الثامن يورجتيس الثاني بشئون الديانة المصرية من القرار الذي أصدره في عام 118، ليضع الأمور في نصابها في مصر، بعدما عانته من الاضطرابات العنيفة بسبب المشاحنات الداخلية بين أفراد أسرة البطالمة، وخاصة بين بطليموس الثامن وكليوبترة الثانية، فقد كان من بين ما تضمنه هذا القرار قيام الخزانة الملكية بدفع نفقات دفن العجول المقدسة، وتأييد حق المعابد ـ التي تتمتع بهذا الحق ـ في حماية اللاجئين إليها. وتحدثنا نقوش معبد إدفو عن الأراضي التي وهبها البطالمة لهذا المعبد، حتى أنه في نهاية عهد بطليموس الثامن كان هذا المعبد يملك أراضي في أربع مديريات، تبلغ مساحتها أربعة عشر ميلاً مربعًا وربع الميل.

أما المنشآت الدينية التي قام بها هذا الملك فمتعددة، ونجد بين نقوش معبد إدفو “استمر العمل حتى اليوم الثامن عشر من شهر في العام الثامن والشعرين من حكم بطليموس يورجتيس الثاني وزوجه الملكة كليوبترة، لإتمام نحت النقوش على الحجر، وزخرفة الجدران بالذهب والألوان، وصنع الأبواب من الخشب وعمل قمتها من البرونز الجيد، وعمل إطارات الأبواب ومزاليجها، وتثبيت ألواح ذهبية على الأبواب، وإتمام الجزء الداخلي من المعبد”. وقد أقام هذه الملك هيكلاً للآلهة أبيت (Apit) في الكرنك، وقام بإضافات إلى معبدي دير المدينة ومدينة هابو، وشيد بالقرب من المعبد الأخير هيكلاً صغيرًا للإله توت، وبدأ بناء معبد في الكاب وأضاف بيت الولادة إلى معبد كوم أمبو، وأقام مسلتين صغيرتين من الجرانيت أمام معبد إيزيس الكبير في فيلة، وأضاف إلى الفناء الخارجي في هذا المعبد دهليز من الأعمدة، وأتم معبد حتحور في فيلة، الذي بدأه أخوه بطليموس السادس، وأضاف إلى معبدي دبود، ودكة.

بطليموس التاسع والعاشر:

وتحدثنا نقوش معبد إدفو بأن الأخوين، بطليموس التاسع سوتر الثاني وبطليموس العاشر الإسكندر الأول، أعطيا معبد إدفو هبات من الأراضي مساحتها خمسة أميال مربعة وربع الميل، وقد منح بطليموس العاشر في عام 95 ق.م. معبد أثرببيس (Artribis) حق حماية اللاجئين، وأضاف بطليموس التاسع إلى مباني معبد مداموت، وأعاد بناء بوابة طهراقة في معبد مدينة هابو، وأتم معبد الكاب، وشيد أقبية معبد دندرة، وأتم بيت الولادة الذي بدأه بطليموس الثامن أمام معبد حورس في إدفو، وأضاف إلى هذا المعبد الفناء الخارجي، بما فيه من أعمدة عددها اثنان وثلاثون عمودًا، وأضاف إلى معبد إيزيس الكبير في فيلة، ونجد آثار منشآت هذا الملك في تالميس (كلبشة) بالنوبة وفي الواحة الخارجة. أما بطليموس العاشر فإنه أعاد بناء معبد دندرة، وأتم المنشآت التي كان أخوه قد بدأها، ومثل ذلك الجدار الخارجي الذي يحيط بمعبد إدفو.

بطليموس أوليتس وكليوبترة السابعة:

ولم يقم بطليموس الثاني عشر (الزمار) إلا بمنشآت ثانوية، فإنه أقام مذبحًا لإيزيس وخم (Khem) وهه (Heh) في فقط، وأتم بناء وزخرفة معبد إدفو، فإنه وضع أبوابًا برونزية للبوابة الكبرى في هذا المعبد، وزين هذه البوابة بمناظر تمثله وهو يضرب أعداءه ف يحضرة حورس إله إدفو وزجه حتحور إلهة دندرة. وقد ساهم أيضًا في إتمام بناء الجزء الرئيسي من معبد كوم أمبو، وشيد البوابة الخارجية لهذا المعبد، ونجد صورة وخرطوشة في عدد من المعابد ف يجزيرتي فيلة وبيجه، وفي الكرنك ودندرة، مما يدل على أنه خصص جانبًا من عنايته وأمواله للديانة المصرية، وليس أدل على اهتمام الملكة كليوبترة السابعة بالديانة المصرية من ذهابها في خلال العام الأول من حكمها إلى الوجه القبلي، حيث اشتركت بنفسها، على رأس جمع حاشد من رجالها وكهنة طيبة وهرمونثيس، في موكب بوخيس (Buchis)، عجل هرمونثيس المقدس، وكان يعتبر الصورة المجسدة لإله الشمس رع، الذي كانت هي ابنته، ويضاف إلى ذلك أنها أقامت معبدًا في هرمونثيس، صورت في جدرانه القصة التي زعمت فيها أنها انجبت قيصرون ن الإله آمون رع، وفضلاً عن ذلك فإنها أمرت بتصوير نفسها هي وقيصرون على جدران معبد دندرة.

إشراك ملوك وملكات البطالمة في العبادة مع الآلهة المصرية

إشراك ملوك وملكات البطالمة في العبادة مع الآلهة المصرية
وتحدثنا لوحة مندس بأن بطليموس الثاني أشرك زوجه أرسينوي الثانية مع كبس مندس “الإله الاكبر، حياة رع، الكبش الذي ينتج، أمير الشابات، صديق البنت والأخت الملكية، الملكة وسيدة البلاد، أرسينوي التي تعيش إلى الأبد”.

وقد أشركت أرسينوي كذلك مع توم (Toum) في بيثوم، ونيت في سايس، وفتاح في منف، وموت (Mout) في طيبة، ومونت في هرموننيس، وخفسو في الكرنك، وسبك في كروكديلبوليس بالفيوم، وإيزيس في فيلة إلخ.

ونتبين من قرار كانوب أن الإلهين المنقذين الأخوين والإلهين الخيرين كانوا يعتبرون قرناء الآلهة المصرية في كل المعابد ويشركون في العبادة، وأن القرابين كانت تقدم للإلهين الخيرين ثلاث مرات شهريًا، وذلك إلى جانب الاحتفال بأعيادهما السنوية، مثل عيد ميلاد الملك وعيد ارتقائه العرش، وأنه تقرر عبادة ابنتهما برينيكي في كل معابد مصر، وفي عهد بلطميوس الرابع أشرك الإلهان المحبان لأبيهما، وفي عهد بطليموس الخامس أشرك الإلهان الظاهران، وهكذا يبدو أن إشراك الملك الحاكم وزوجه في العبادة مع من سبقه من البطالمة المؤلهين والآلهة المصرية كان تقليدًا مرعيًا منذ عهد بطليموس الثاني بل لا يبعد منذ أتخذ البطالمة صفات الفراعنة، فقد مر بنا أن فرعون كان يعتبر ابن الإله المحلي في كل مكان وتقام الطقوس باسمه في كل معبد ، وقد كان نتيجة طبيعية لاعتبار الملك بطليموس وزوجه إلهين شريكين للآلهة المصرية في المعابد التي أقيمت من أجل تلك الآلهة أن جدران المعابد كانت تزين بصورهما في ملابس الفراعنة وأوضاعهم باعتبارهما إلهين، تحيط بهما نقوش هيروغليفية تسبغ على الملك ألقاب الفراعنة التقليدية وتسجل تقواه وما جاد به من الخيرات، ويجب أن يلاحظ أن الصور التي تمثل أي ملك من ملوك البطالمة على جدران المعابد المصرية صور تقليدية للملك بوصفه فرعونًا اصطنعت وفقًا لتقاليد الفن المقدس، وليست فيها أية محاولة لإبراز صورة حقيقية للملك، فلا يمكن أن نستخلص من تلك الصور شكل الملك الحقيقي ولا الرداء الذي كان يضعه فعلاً في حياته اليومية. وقد ترتب على عبادة أفراد أسرة البطالمة باعتبارهم آلهة مصرية ما نجد لهم من التماثيل وكذلك الصور سواء على النقود أم على الأحجار الكريمة في شكل الآلهة والآلهات المصرية. وأكثر هذه التماثيل والصور تمثل أميرات البطالمة في شكل الإله إيزيس.

ويستوقف النظر أنه عندما نصب البطالمة أنفسهم آلهة وعبدهم الإغريق عبادة رسمية، كان كهنة هذه العبادة الإغريقية يذكرون في ديباجة الوثائق في كل أنحاء البلاد، على حين أن كهنة عبادة البطالمة عبادة مصرية كانا لا يذكرون في ديباجة الوثائق، غير أن كتاب الوثائق (Monographoi) الوطنيين كانوا يكتفون عادة بأن يذكروا بعد التوقيع أنهم يكتبون باسم القبائل الخمس من كهنة آمون رع مثلاً في طيبة، وكهنة مونت في هرمونثيس، و”لآلهة الأخرى المشتركة معه”. وفي بعض الأحيان كان الكتاب يعددون من هذه الآلهة الأخرى الشريكة (Synnaoi Paredroi)، أي الملوك المؤلهين الذين كانت لهم ألقابهم المقدسة، وتقوم القبيلة الخامسة من الكهنة بطقوسهم الخاصة، فنجد في آخر وثيقة، بتاريخ 29 كيهك في الثالث والعشرين من حكم بطليموس الخامس (3 فبراير 182 ق.م)، “كتب هذا بابي (Pabi) ابن كلودج (Kloudj) باسم كهنة القبيلة الخامسة، الذين كانوا كهنة آمون ـ رع ـ سونتر (Mounrasonther) والإلهين الأخوين والإلهين الخيرين والإلهين المحبين لأبيهما والإلهين الظاهرين”. ويبدو أن النص هنا على القبيلة الخامسة بدلاً من الصيغة العادية “باسم القبائل الخمس” يشير بجلاء إلى أن عبادة البطالمة في المعابد المصرية كانت من اختصاص هذه القبيلة الخامسة، التي يبدو أن بطليموس الثالث أنشأها لهذا الغرض.
Comments
أضف جديد بحث RS

حضارة إغريق مصر

وماذا كانت حال الحضارة الإغريقية في أثناء عز البطالمة وفي أثناء هوانهم؟ لاشك في أن أهم دعامة للحضارة الإغريقية كانت المدارس والمعاهد الإغريقي ، لأنها هي التي كانت تفتح لهم آفاق الفكر الإغريقي ، حتى أنه كان يوجد قول مأثور شائع بين إغريق مصر، فحواه أن التعليم هو المصدر الرئيسي للتفكير .

حسبنا دليلاً على الدور الذي لعبه التعليم في حياة الحضارة الإغريقية في مصر تلك النتائج الباهرة التي تمخض عنها. ولاشك في أن الآداب كانت أسمى مظاهر هذه الحضارة، التي أصبحت الإسكندرية أهم مراكزها منذ تم إنشاؤها، وبفضلها نسبت الحضارة الإغريقية منتعشة في مصر حتى في العصر الروماني. فإن الإسكندرية احتفظوا بشهرتهم في هذا العصر المتأخر، إذ شهدت الإسكندرية عندئذ أيضًا نشأة فلاسفة وكتاب وجعرافيين مثل فيلون وأخيلس تاتيوس (Achilles Tatios) وبطلميوس. وقد كان للأقاليم أيضًا نصيبها في هذه الحكة الأدبية في العصر الروماني، فقد ولد العالم أثينابوس في نقراطيس والفيلسوف بلوتينوس (فلوطين) في ليكوبوليس (أسيوط).

وإذا كانت الحضارة الإغريقية قد بقيت مزدهرة في مصر حتى في العصر الرومان، فإنها بلغت أوج مجدها في عصر البطالمة ولاسيما على عهد أوائلهم. وقد يقال أن الشخصيات الكبيرة التي ذاع صيتها قديمًا وحديثًا لا تمثل إلا أرستقراطية الآداب، وهي أرستقراطية باهرة لابد أنها كانت محدودة، ومن ثم فإن ذلك لا يدل على تغلغل الحضارة الإغريقية في البلاد. لكن النقوش والأوراق البردية ترينا أنه إلى جانب هذه الأرستقراطية، كانت توجد أيضاً طبقة وسطى من الإغريق المتأدبين، كانت حقًا أقل ضياء وشهرة إلا أنها كانت أكثر عددًا ونشاطًا. فقد وجد في بطوليميس نقش من نهاية عهد فيلادلفوس أو بداية عهد بطلميوس الثالث، وهو يحوي قرارًا اتخذته جمعية فناني ديونيسوس والإلهين الأخوين لتكريم أحد أعضائها جزاء ما قدمه للجمعية من الخدمات. وأهم ما يعنينا من أمر هذا النقش في هذا المقام هو قائمة أسماء أعضاء هذه الجمعية التي تلي القرار، فإنها تضم اثنين من شعراء التراجيديا، وهما فاينيبوس (Phaenippos) وديوجنتوس (Diognetos)، وأثنين من شعراء الكوميديا، وهم ستراتاجوس (Stratagos) وموسايوس (Mousaios) وثيوجنيس (Theogenes) وأرتمدوروس، وذلك عدا الموسيقيين والراقصين والممثلين.

وإذا كانت هدف التنقيب قد جارت علينا بالتعرف على كل هذا العدد من الشعراء في مدينة واحدة في قلب الصعيد، فما أكثر الذين لا نعرفهم من الشعراء الإغريق الذين كانوا يعيشون في كل أنحاء مصر، ولاسيما أن المنقبين عن الآثار يكشفون على الدوام منذ أمد طويل عن بقايا قطع عديدة من مختلف ألوان الشعر، تتميز بكثرتها وإن لم تتميز في أغلب الأحيان بقيمتها الفنية. ويبدو أن البلاد كانت زاخرة أيضاً بفئات أخرى من رجال الأدب كالمؤرخين والفلاسفة المختلفين، الذين لم يكونوا كذلك شموسًا كبيرة وإنما نجوم لامعة صغيرة سطع نورها الخافت وقتًا في سماوات مخلية، لكنه مهما كانت مواهب كل هذه الطبقة الوسطى من رجال الأدب متواضعة، فإنها على كل حال تمثل نخبة المتحضرين الإغريق في الريف. وإلى جانب هذه الطبقة كان يوجد الكثيرون ممن لا يصطنعون الأدب الإغريقي، وإن كانوا يقرأونه ويستمتعون به. وكان يوجد كذلك أولئك الذين يكتبون الإغريقية ويتكلمونها، لقضاء أشغالهم أو أشغال غيرهم من الناس ممن قد يعرفون الإغريقية لكن معرفتهم بها كانت سطحية، أو يعرفون كيف يتكلمونها ولا يعرفون كيف يكتبونها. فقد كانت البلاد تهج بالموظفين والتجار ورجال الأعمال والصناع والزراع الإغريق وأشباههم، الذين كان بينهم الكثير من أنصاف المتعلمين والأميين. ويلاحظ أنه إذا كان الإغريق الذين استقروا في مصر قد احتفظوا بشغفهم بأساليب الحياة السياسية وبإحراز قسط من الثقافة الإغريقية، فإننا مع استثناء الفئة المتعلمة تعليمًا ممتازًا من سكان العاصمة نجد أنه كان للاهتمام بشئون الحياة المادية سلطان على عقولهم لا بدانيه ما كان لميولهم العقلية أو الفنية. فقد كان أهم ما يعني به الإغريقي في وطنه الجديد هو أن يضمن لنفسه وأسرته أكبر قدر من الرفاهية المادية، ومن ثم دأب على العمل بجد ونشاط لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت معلوماتنا طفيفة عن التعليم في مصر البطلمية، فإننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أن التعليم كان على ثلاث مراحل، وأنه لم يكن إجباريًا ولا مجانًا. ويبدو أن الفقراء لم يكونوا عادة في حالة تسمح لهم بتعليم أبنائهم، أو أنهم لم يعنوا بذلك، فكان أبناؤهم يبقون أميين. أما الأسر المتوسطة الحال أو المتيسرة، فإنها كانت ترسل أبناءها لتلقي مبادئ العلم، مدة تطول أو تقصر حسب مواردها، في المدارس الخاصة التي أنشأها المعلمون في كل مكان. أما الأغنياء فإنهم كانوا يعلمون أبناءهم هذه المبادئ على أيدي من يختارونه لهم من المعلمين.

وبعد تلقي مبادئ العلم الأولية، كان التلاميذ، الذين تسمح حالتهم بمتاعبة تحصيل العلم، يذهبون إلى الجيمنازيا حيثما وجدت، أما في مواطنهم أو في القرى الكبيرة والمدن. ويبدو من القليل الذي نعرفه أنهم كانوا يتلقون في هذه المعاهد من الثقافة العلمية والتربية البدنية الإغريقية قدرًأ يماثل ما كان يدرس لنظرائهم في معاهد العصر الهلينيسي، في المدن الإغريقية القديمة في بلاد الإغريق نفسها وفي آسيا الصغرى بوجه خاص. وعلى كل حال يبدو أن هذه المعاهد كانت بمثابة مرحلة الثقافة العامة. ولم تقتصر الجيمنازيا على تعليم الشبان، بل كانت أيضًا منتديات الإغريق الذين كانوا يعيشون بالقرب منها، وبخاصة الذين تعلموا فيها وكانت تؤلف منهم “جماعات رجال الجيمنازيوم”. فلا عجب إن كانت اليجمنازيا أهم مراكز الحياة الاجتماعية عند الإغريق، إذ أنها كانت تقوم بدور المدرسة والنادي في وقت واحد. وينهض انتشار الجيمنازيا في مصر وتمتعها بتلك المكانة الهامة دليلاً على استمساك الإغريق بتقاليدهم، وعلى العناية التي كانت الطبقات العليا الإغريقية توجهها لإعطاء أبنائها ثقافة إغريقية صحيحة. وبعد انتهاء هذه المرحلة، كان عدد قليل من الشبان السعداء يذهبون لمتابعة دراستهم على كبار الأساتذة، أما في الإسكندرية أو إحدى المدن الكبيرة مثل أوكسيربنخوس.

وأوفى ما لدينا من المعلومات خاص بالمرحلة الأولى من التعليم، وذلك بفضل ما وصل إلينا من الكتب المدرسية وكراسات التلاميذ وما تحدثنا عنه الوثائق البردية. ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على هذه المرحلة التعليمية الهامة، التي كان يشترك فيها العدد الأكبر من سلالة نزلاء البلاد، وكذلك من أبناء المصريين الذين كانوا يريدون أن ينحوا نحو الأجانب. ويبدو أن المعلمين كانوا رقيقي الحال، فهم فئة مغبونة في كل عصر ومكان، إذ كانوا يتعيشون مما يدفعه لهم التلاميذ كل شهر، ومن الهدايا التي يجود بها عليهم أصحاب المرءوة تشجيعًا لهم. وترينا وثيقتان أنهم كانوا لا يستقرون في مكان واحد، إذ نراهم يتنقلون في خلال عام واحد من مكان إلى مكان. ولعلهم كانوا يذهبون لمززاولة مهنتهم حيثما كانت تبدو لهم بارقة أمل في الفوز بأ:بر عدد ممكن من التلاميذ. ولم يكن هؤلاء المدرسون متخصصين في مهنتهم، فإنه لم توجد معاهد خاصة لتخريجهم في كل أنحاء العالم الهلينيسي، ولم تشترط فيهم أية مؤهلات خ اصة إلا تمتعهم بمستو عال من الأخلاق الحميدة. وتشير الوثائق المختلفة إلى أن التلاميذ الكسالى والعابثين كانوا يعاقبون بفرض واجبات عليهم أو بضربهم، ويبدو أن العقاب الجسماني كان القاعدة السائدة. لكنه يجب ألا نظن أن حياة هؤلاء التلاميذ كانت قاسية، إذ أن آباءهم كانوا لا يحرمونهم من الهدايا واللعب، كالدمى والخيل المصنوعة من الخشب ومقدمة على عجل والسيوف والأقواس الخشبية، هذا إلى جانب الألعاب المختلفة التي كانوا يشتركون فيها سويًا.

وفي الصباح كان التلاميذ يذهبون إلى فصولهم، أما بمفردهم أو في رفقة مربيهم أو أمهاتهم. وكان صغارهم يرتدون ملابس قصيرة، وكبارهم ملابس طويلة. وكان الأنيقون منهم يلبسون رداء أبيض اللون كالجلباب. ويحملون فوقه معطفًا أرجواني أو أخضر أو أحمر فاقع اللون، ويتدلى من رقبة بعضهم على الأقل ما يقيهم شرعين السوء. وكان التلاميذ المجدون وكذلك أولئك الذين يرافقهم الكبار يمضون مباشرة إلى المدرسة ومعهم أدواتهم المدرسية، وكانت عبارة عن لوحة من الشمع أو الخشب، أو قطعة قديمة من ورق البردي استعمل أحد وجهيها من قبل، أو كسر من الفخار ليتيسر غسلها وإعادة استعمالها مراراً، وأقلامهم ومحابرهم، ومن المحتمل أيضًا كتاب للقراءة. أما التلاميذ الكسالى فكانوا كثيرًا ما يتعمدون أن يضلوا الطريق ويهربون إلى ساحات الألعاب، أو يتنزهون على ضفاف القنوات، أو يقطعون الوقت في مشاهدة الأسواق والضحك على المشادات الكلامية بين الثرثارين. وتصور لنا الواثئق المختلفة حياة التلاميذ في مدارسهم، حتى لنكد نسمع بعضهم يلثغون في قراءة دروسهم، ونرى البعض الآخر يعيشون بألواحهم، والبعض يركنون إلى الجهاد في سبيل كتابة أسمائهم والتاريخ، والبعض يختلسون فترة تسهى فيها عنهم عين المدر ليرتكبوا حماقة من الحماقات.

وقد كان أهم ما يعني به المدرسون هو ذاكرة التلاميذ، الذين كان ينبغي عليهم قبل كل شيء أن ينقشوا في ذاكرتهم أسماء حروف الهجاء وشكلها وترتيبها ونطقها. وللتأكد من ذلك، كان يجب على التلاميذ أن يحفظوا الحروف مرتبة من أولها إلى أخرها ومن أخرها إلى أولها. وبعد ذلك كان يمرن التلاميذ على تكوين مقاطع كلمات مختلفة لا معنى لها، لكنها كانت تتطلب منهارة في الكتابة ودقة في النطق. وبعد اجتياز هذه العقبات السقيمة، كان المدرس يعطي تلاميذه نماذج مختلفة للكتابة يقومون بنسخها مرات عديدة. ثم يلقن التلاميذ أسماء أشياء مختلفة من الحياة اليومية، كأسماء الحرف والشهور أو أسماء مأخوذة من القصص والتاريخ. وبعد ذلك كانت تستبدل بالمفردات جمل قصيرة أو حكايات يستسيغها الأطفال وبعض الأقوال المأثورة. بيد أنه يبين أن المدرسين لم يعنوا دائمًا يتلقين الصغار ما كان يتفق وعقليتهم، وإلا لما لقنوهم في حداثتهم مثل هذه العبارات “البحر والنار والمرأة ثالوث مزعج” أو”تزوج إمرأة ولا تتزوج صداقًا”. ولما كان الكثير من كتبة المستقبل يفشون المدارس، فإن التلاميذ كانوا يمرنون على نسخ صور للعقود والخطابات الرسمية.

وفي الوقت نفسه فيما يظن أو بعد ذلك، كان التلاميذ يمرنون على مطالعة مقطوعات مطولة من كتب أدبية مثل خرافات أيسوبوس (Aesopos) بوجه خاص، أو من فلسفة سقراط وديوجينيس. وكانت هذه المقطوعات تعطي للتلاميذ بشكل يقصد منه حضهم على التفكير. وكانوا يعطون أيضًا بعض الأحاجي على هذا النمط: ما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش أغلب الوقت في نهار؟ وما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش على الأرض؟ وما هو الطائر الذي يرضع أولاده؟. ويبدو أن هذه المعلومات الأولية كانت تتخذ أساسًا لتلقين التلاميذ قواعد اللغة التي كانوا يعطون تمارين لتطبيقها. وكانوا يمرنون أيضًا على الأملاء وعلى قراءة الآداب الإغريقية وبوجه خاص الشعر. وقد كانت أشعار هوميروس أكثر الأشعار الإغريقية تداولاً في المدارس ثم تأتي بعدها أشعار يوربييديس. وفي البداية كان المدرسون يشرحون هذه الأشعار ويفسرونها لتلاميذهم، لكنه بعد ذلك كان التلاميذ أنفسهم يتولون أمر الشرح والتفسير والتعليق.

ولم يكن التعليم في المدارس مقصورًا على الآداب فحسب، إذ لا شك في أن التلاميذ كانوا يأخذون كذلك دروسًا في التاريخ والجغرافيا، لكن لما كانت هاتان المادتان تدرسان شفويًا فإنه يتعذر علينا أن نعرف كيف كانتا تدرسان، ولا أي كتب التاريخ كانت تستخدم في المدارس. ولا يبعد أن التلاميذ كانوا يعطون فكرة عن، أو على الأقل أسماء، أشهر المشرعين والمصورين والمثالين والمعماريين والمهندسين وأمناء مكتبة الإسكندرية وعجائب الدنيا السبع، وأسماء البحار والجزر والبحيرات وأكثر الجبال ارتفاعًا وأعظم الأنهار طولاً. وقد كان للحساب نصيب محدود من عناية المدارس الابتدائية، وكان التلاميذ يعلمون أولاً الإعداد البسيطة ثم الأعداد الفردية والأعداد الزوجية، وبعد ذلك الجمع والطرح والضرب وأجزاء وحدات القياس والعملة. ويظن أن تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يتعلمون طريقة العد على الأصابع، وكانت تختلف اختلافًا بينًا عما يقصده بذلك، فقد كانت طريقة معقدة لها قواعد دقيقة يستطيع الإنسان بفضلها أن يعبر بيديه عن أي عدد صحيح ابتداءً من الواحد حتى المليون.

ومهما قيل عن طريقة التدريس أو برامج الدراسة، فلا جدال في أن المدارس الإغريقية على اختلاف أنواعها قد ساعدت على بقاء جذوة الحضارة الإغريقية مشتغلة في كل أنحاء مصر، فكانت ثقافة إغريق مصر سواء أكانوا يعيشون في المدن الإغريقية أم في المدن والقرى المصرية ثقافة إغريقية. وإذا كنا قد عرفنا أن الإغريق أحضروا معهم من بلادهم ديانتهم كما أحشروا عاداتتهم وتقاليدهم، وأنهم كانوا يخضعون لقوانين إغريقية تتمشى مع هذه العادات والتقاليد ويحاكمون أمام محاكم إغريقية، ويعيشون عادة في أوساط إغريقية: أما في المدن الإغريقية أو في جماعاتهم القومية وجمعياتهم الدينية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها، وأن أفواج الإغريق كانت تفد على مصر باستمرار حتى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد فتنعش فيهم ما ذوى وتجدد بينهم ما بلى، وأنه لا توجد أية قرينة على تزاوجهم مع المصريين حتى نهاية القرن الثالث، وأنهم كانوا يعتزون بحضارتهم الإغريقية، ولاسيما أنها كانت مصدر ما يتمتعون به من الخير العميم في مصر، فإنه بفضل عطف البطالمة وحدبهم عليهم كانوا سادة البلاد الذين يسيطرون على أسمى المناصب ويقبضون على ناصية الحكم ويتمتعون بمزايا أشعلت نار الحقد والغضب في المصريين؛ إذ كنا قد عرفنا كل ذلك، فإننا لا نشك في أنه وسط هذه الظروف قد حافظ إغريق مصر على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فبقوا إغريقًا خالصين على الأقل حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد.

لقد كان إغريق مصر يعيشون حقًا في أوساط إغريقية، لكنه يجب ألا ننسى أن هذه الأوساط كانت حتى في المدن الإغريقية تقوم في بيئة غريبة عن الحياة الإغريقية إلى أقصى حد، ولذلك كانت المحافظة على قوة الروح الإغريقي بين إغريق مصر لا تتوقف على استمساكهم بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فحسب، بل كذلك على تطعيم هؤلاء الإغريق باستمرار بدماء إغريقية جديدة من بلاد الإغريق تكون بعيدة عن كافة المؤثرات الغريبة عن الروح الإغريقي. بيد أنه منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد انقطع وفود أفواج جديدة من الإغريق، بسبب نقص عدد الإغريق في بلادهم نتيجة لحروب القرن الثالث الطويلة التي اشتركوا فيها بمثابة جنود مرتزقين، ونتيجة للحروب الداخلية التي عانتها بلاد الإغريق نفسها في خلال هذا القرن ونتيجة كذلك لاتجاه الإغريق نحو تحديد النسل من جراء قسوة الحياة وشظف العيش في بلادهم. وإزاء انقطاع وفود أفواج جديدة من الإغريق كان طبيعيًا أن يضعف الروح الإغريقي تدريجيًا بين إغريق مصر، غير أنه مهما ضعف هذا الروح لابد من أن يكون إغريق مدن مصر الإغريقية قد بقوا إغريقًا خالصين ، نتيجة لعدم الاعتراف بالزواج بينهم وبين المصريين في هذه المدن، ونتيجة لاستمرار المعاهد والمدارس الإغريقية في متابعة نشاطها، ولاسيما أن الإسكندرية كانت لا تزال منارة الحضارة الإغريقية وتتمتع بشهرتها العظيمة في العلوم و الفلسفة والآداب. وإذا كان بطلميوس الثامن قد طارد علماء الإسكندرية وفنانيها في مطلع عهده عند منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، لا بدافع مجافاة الثقافة الإغريقية نفسها التي كان يزهى بحظه منها وإنما بدافع الانتقام من العلماء والفنانين أنفسهم بسبب مناصرتهم لفيلومتور وكيلوبترة الثانية، فإن بطلميوس الثاني كفر في شيخوخته عن سوء مسلكه السابق وأسبغ عطفه و كرمه على العلماء والأدباء والفنانين فلم تلبث الإسكندرية أن استعادت شهرتها القديمة واحتفظت بها حتى فترة متأخرة في العصر الروماني.

إن العامل الذي أدى إلى ضعف الروح الإغريقي في مدن مصر الإغريقية كان له أثر أقوى بطبيعة الحال خارج هذه المدن، ولاسيما أنه منذ أواخر القرن الثاث أصبحت اقطاعات الإغريق وراثية، وبذلك أصبح لأرباب هذه الإقطاعات مصالح دائمة في البلاد. وقد كانت رعاية هذه المصالح تتطلب منهم أن يداروا أهل البلاد وألا يشمخوا بأنوفهم عليهم. وفي الوقت نفسه أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في معاملة المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، ويمنحونهم من الإمتيازات ما رفع من شأنهم وضيق شقة الفارق بينهم وبين الإغريق وساعد على التقريب بين العنصرين، مما أدى إلى تكوين عدد من الأسر المختلطة المصرية ـ الإغريقية. لكنه يجب ألا نبالغ في هذا التقريب بين العنصرين، فقد وقعت في النصف الثاني من حكم البطالمة ثورات مصرية عنيفة، وتحدثنا الوثائق عن أشخاص أسيئت معاملتهم لأنهم إغريق. وعلى كل حال فإن هذه العوامل المختلفة أضعفت الروح الإغريقي بين إغريق الأقاليم، غير أنه لما كانت الصبغة الإغريقية تكسب صاحبها مركزًا ممتازًا مهما كانت جنسيته، إذ أن فكرة أيسقراط (Isocrates) القائلة بأن قوام الإغريقي ثقافته وليس دمه أصبحت أساس معاملة الأفراد في مصر البطلمية، فهل نشك في أن غالبية الإغريق استمسكوا بحضارتهم الإغريقية؟ يبدو لنا أنه مهما ضعف روح إغريق الأقاليم، حتى كانوا يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإغريق القدماء، وأنه إذا كان بعض الإغريق قد عبدوا آلهة مصرية وتعلموا اللغة المصرية وتزوجوا مصريات واتخذوا أسماء مصرية وعادات مصرية، فإن أغلبهم بقوا إغريقًا خالصين. وذلك بفضل أثر مدن مصر الإغريقية ومعاهد الإغريق ومدارسهم، التي كانت توجد حيثما وجد عدد كاف من الإغريق، وكذلك بفضل ما كان يتمتع به الإغريق من المكانة الممتازة في البلاد. لقد أصاب روستوفتزف كبد الحقيقة بقوله أن ضعف الروح الإغريقي في مصر لم يكن نتيجة التزاوج والاندماج مع المصريين ولا نتيجة تأثير الحضارة المصرية في الإغريق، وإنما كان نتيجة ما طرأ على الروح الإغريقي ذاته من التغيير بسبب معيشة الإغريق في بيئة غريبة عنهم ووسط ظروف تختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.

ويبدو أن الروح العامة التي كانت تسيطر في بداية عصر الطبالمة على إغريق مصر لم تكن روح استكانة وتشاؤم بل روح إقدام وتفاؤل، فقد كانت تملأهم الثقة التي بثتها فيهم تعاليم الفلاسفة عن مقدرة الإنسان ومواهبه، وتفيض نفسوهم أملاً في تحقيق حياة زاخرة بالهناءة والسعادة.

وإذا كانت هذه الروح تسيطر على الملوك وأبرز الشعراء والعلماء والأدباء والمهندسين والمعماريين والمثاليين والمصورين والممثلين والموسيقيين الذين شاركوا جميعًا في القيام بأعمال انشائية مبتكرة، فإنها كانت تسيطر أيضًا على من كانوا أقل منهم شأنًا. وحسبنا دليلاً على ذلك فيلادلفوس وعلماء معهد الإسكندرية في عهده، ووزير ماليته أبولونيوس، وينون مساعد هذا الوزير، ومساعد زينون نفسه. أن الروح السائدة في خطابات زينون وغيرها من الوثائق، التي كانت تضمها سجلاته، روح تفيض بالحيوية الدافقة والنشاط الذي لا يحد في خدمة مصالح الدولة والرءوساء وفي خدمة المصلحة الخاصة. لكن هذا النشاط الذي صاحب العهد الأول لم يستمر طوال عصر البطالمة، فقد أعقب فترة الابتكار والإنشاء فترة استقرار وهدوء، ثم زلزلت الأحداث أركان دويلة البطالمة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وازدادت السلطة المركزية ضعفًا على ضعف، وتدهور حال البلاد الاقتصادية، وانحلت أخلاق الطبقة الحاكمة، وفسد نظام الحكم. فلا عجب أنه وسط هذه الظروف فقد الإغريق روح الأقدام والابتكار، واستولت عليهم روح التواكل والاستسلام، وطغت عليهم نزعات جديدة كانت أخصها النزعات الدينية. ومع كل ذلك تمكن الإغريق بوجه عام من الاحتفاظ بصبغتهم الإغريقية.

المعابد المصرية

المعابد المصرية

المعابد المصريةة ( ادفو )لقد قصر البطالمة منشآتهم الدينية في بداية عهدهم على الدور التقليدي الذي كان الفراعنة يقومون به في العصور السابقة ، وهو القيام ببعض الإصلاحات أو الإضافات الجزئية أو إكمال زخرفة بعض الجدران . ففي معبد الأقصر أقيم على عهد الإسكندر الأكبر هيكل صغير كان مصريًا في تصميمه وعمارته وزخرفته .

وفي المعبد الأكبر بالكرنك أنشئ هيكل آخر من الطراز نفسه أيام فيليب أرهيدايوس. ويبدو هذا الاتجاه نفسه نحو تقليد الفن القديم في زخرفة إحدى قاعات هذا المعبد، وهي التي تحمل اسم الإسكندر الرابع، فزخر فتها تشبه زخرفة ما يجاورها من القاعات .

ولا شك في أن ما تم باسم فيليب أرهيدايوس والإسكندر الرابع كان من عمل بطلميوس الأول عندما كان واليًا بحكم مصر باسميهما وقد بنى بطلميوس الثالث الباب الخارجي في معبد فتاح بالكرنك، وقد بنى بطلميوس الرابع مدخل هذا المعبد معبد خنسو، وشيد بطلميوس الثامن معبدًا صغيرًا بالكرنك للآلهة ابيت. ونرى كذلك أثر منشآت البطالمة في المعابد الجنازية على ضفة النيل الغربية في معبدي دير المدينة ومدينة هابو .
معبد أدفو :

وإلى جا نب هذه المنشآت الثانوية التي اقتفت أثر الفن المصري القديم، وأنشأ البطالمة معابد مصرية كبيرة في ادفو ودندرة وكوم أمبو واسنا وفيله. وأكمل هذه المعابد اليوم وأكبرها هي المعابد الثلاث الأولى ، وقد وضع بطلميوس الثالث أساس معبد أدفو في 23 أغسطس عام 237 ق.م إلا أن بناءه لم يتم قبل 5 ديسمبر سنة 57 ق.م. ولهذا المعبد كالمعابد الفرعونية بوابة مصرية صميمة، لكنه لا توجد أمامها أي أثار لتماثيل ضخمة أو مسلات على نحو ما كان يوجد عادة في المعابد الفرعونية. وتزين هذه البوابة زخرفة تقليدية ترينا في أعلاها مناظر دينية مختلفة، وتحتها الملك ينقض على أعدائه في حضرة الإله حورس .

وتؤدي البوابة هنا ، كما هي الحال في معبد خنسو ، إلى فناء يحيط بجانبيه وبالجدار الذي فيه المدخل دهلير ذو أعمدة تحمل رءوساً من طرازي النخيل وزهرة اللوتس، وكذلك من الطراز المعروف باسم رءوس الزهور أو الرءوس المركبة، كالتي توجد في معبد نكتانبو الذي يرجع إلى عهد الأسرة الثلاثين . وتشبه كل رأس من الرءوس المركبة ناقوسًا يزين جوانبه عدد من الأزهار وأوراق نباتات مختلفة رتبت في أوضاع متباينة ، وتقوم فوق الناقوس ، بمثابة أفريز ، رأس من رءوس حتحور ، وهي عبارة عن مكعب ضخم تزين كل وجه من وجهه الأربعة رأس سيدة لها أذنًا بقرة . وقد زينت الأعمدة والجدران التي خلفها بمناظر دينية ونقوش، نحتت في جوف الصخر ولطبت بالألوان، على نحو العادة المألوفة في آثار الأسرة الثامنة عشرة.

وكما هي الحال في معبد خنسو ، توجد خلف الفناء صالة ذات أعمدة ، تقوم إلى كل من جانبي مدخلها ثلاثة أعمدة تصل بين بعضها بعضًا وكذلك بينها وبين الجدارين الجانبين في هذه الصالة ستة جدران قصيرة ، لا يتعدى ارتفاعها نصف ارتفاع الأعمدة . ووراء هذه الأعمدة الستة صفان آخران في كل منهما ستة أعمدة ، صفت خلف أعمدة الواجهة واتفقت معها في الطراز. ورءوس هذه الأعمدة من طرازي رءوس النخيل ورءوس الزهور على التعاقب .

ويثير منشأ الجدران القصيرة خلافًا كبيرًا في الرأي لا نرى موجبًا له ، لأن هذه الستائر ليست بدعة استحدثت في عصر البطالمة وأن كل استخدامها قد شاعر في هذا العصر ، فإنها لم تظهر لأول مرة في معابد البطالمة بل ظهرت قبل ذلك ، على عهد الدولة الحديثة في المرنك وفي مدينة هابو ، وكذلك على عهد الأسرة الثلاثين في مدينة هابو وفيلة . ويمكن تتفسير استخدام هذه الستئار بالرغبة في السماح لقدر كبير من الضوء والهواء بالوصول إلى الأجزاء الداخلية بالمعبد ، وهي الرغبة نفسها التي أدت إلى أن يستبدل بنظام الإضاءة الشائع قديمًا عن طريق الفتحات العليا المترتبة على ازدياد ارتفاع الأعمدة الوسطى على ارتفاع الأعمدة الجانبية نظام آخر ، عرف كذلك في بعض المعابد الفرعونية وكان عبارة عن عمل فتحات كبيرة في السقف ، وقد زينت جدران هذه الصالة وأعمدتها بمناظر تمثل بطلميوس الثامن وهو يقوم ببعض الطقوس التي تتصل بإنشاء هذا المعبد .

وفي الجدار الشمالي بهذه القاعة مدخل يؤيد على صالة أعمدة ثانية أصغر من الأولى ، لكن جمالها يعيضها خيرًا عن صغر حجمها . وبهذه القاعة أثنا عشر عمودًا من طراز الأعمدة ذات الرءوس المركبة . وهذه الأعمدة مرتبة في ثلاثة صفوف ، يتألف كل منها من أربعة أعمدة أقل ضخامة من أعمدة الصالة الأولى . وزخرفة هذه الصالة الثانية تشبه في الموضوع زخرفة الصالة الأولى ، إلا أننا لا نرى فيها بطلميوس الرابع بدلاً من الثامن ، هذا إلى أنها تمتاز بالمستوى الرفيع الذي بلغه فنها . وليس لهذه الصالة مثيل في معبد خنسو ، لكنه لها نظائر في معابد فرعونية أخرى مثل معبد مدينة هابو والرامسيوم . وكما هي الحال في هذين المعبدين، توجد هنا كذلك غرف صغيرة إلى جانبي هذه الصالة الثانية .

وكما هي الحال في الرامسيوم تؤدي هذه الصالة إلى قاعتين صغيرتين أحداهما خلف الأخرى ، وقد زينت جدران هاتين القاعتين بمناظر تمثل الملك وهو يتعبد إلى آلهة مختلفة . وتؤدي القاعة الخلفية إلى قدس الأقداس ، وهو قاعة مستطيلة بها باب واحد يقع على المحور الرئيسي للمعبد . وتمثل المناظر التي زخرفت بها جدران قدس الأقداس الملك وهو يعبد حورس وزوجته حتحور . ويقوم وسط هذه القاعة مذبح واطئ كانت توضع عليه المركب المقدسة ، وعند نهاية هذه القاعة يوجد ناءوس صغير وضع فيه تمثال بديع للصقر المقدس . وكانت هذه الغرفة تبقى مغلقة مختومة ، لا تكسر اختامها ولا يفتح بابها إلا في الأعياد الكبرى ، ولا يسمح بدخولها إلا للكاهن الأكبر وفرعون ، الذي كان مركزه يخول له أن يقوم بمهام الكاهن الأكبر في أي معبد ، وكما هي الحال في معبد خنسو ، يحيط بقدس الأقداس دهليز يفتح عليه عدة غرف صغيرة . خصصت كل منها لعبادة أحد الآلهة ويوجد في هذا المعبد ، كما يوجد في المعابد الفرعونية ، سلمان أحدهما في الجانب الشرفي والآخر في الجانب الغربي لبلوغ سطح المعبد . وقد غطيت جدران السلمين بمناظر مهرجانات دينية .

وكما هي الحال في معبد الكرنك ، يوجد في معبد ادفو دهليز خارجي يدور حول أجزائه الداخلي ابتداء من صالة الأعمدة الأولى . وقد زينت الواجهة الداخلية لجدران هذا الدهليز بمناظر معارك حورس مع ست ، وبمناظر للطقوس التي تخلد انتصار حورس ، أما الواجهة الخارجية لجدرانه فتحمل مناظر لبطلميوس العاشر اسكندر الأكبر وزوجه الملكة برينيكي وهما يعيدان آلهة مختلفة .

ويتبين لنا من كل ما مر بنا أن معبد ادفو معبد مصري بحت في تصميمه وعمارته وطراز زخرفته ، حتى أن علماء الآثار لم يستطيعوا التعرف على تاريخه قبل قراءة نصوصه مما يدل على أنه يخلو من التأثيرات الإغريقية خلوا تمامًا .

معبد دندرة :

في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد ، أمر أحد البطالمة الأواخر ، ولعله كان بطلميوس التاسع سوتر الثاني ، بإزالة بناء المعبد القديم الذي أقيم منذ عهد الملك خوفو لحتحور الآلهة لحتحور الآلة الحامية لدندرة ، وإقامة معبد آخر جديد على أنقاضه ، لم يتم إلا حوالي منتصف القرن الأول ، في عهد أباطرة الرومان ، ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أخرجه فن المعمار في عصر البطالمة والرومان وهو يشارك معابد ذلك العصر في الخواص المميزة لها .

ويمتد حول بناء المعبد كله جدار خارجي يتوسطه في الناحية الشمالية باب المعبد ، الذي يؤدي إلى فناء لا سقف له . وتقع وراء الفناء صالة الأعمدة الكبرى ، وهي قاعة كبيرة يحمل سقفها أربعة وعشرون عمودًا ضخمًا ، رتبت في أربع صفوف يكون أولها جدار البهو الخارجي ، إذ تربط أعمدة هذا الصف بعضها ببعض حوائط قصيرة على نمط ما رأينا في معبد ادفو . وتصل هذه الستائر هنا أيضًا إلى نحو منتصف ارتفاع الأعمدة ، وهي تحمل افريزا ضخمًا بزينه قرص شمس ذو جناحين . وفي الإفريز نقش ينبئنا بأن بناء هذه الصالة قد تم في العام العشرين من حكم الإمبراطور تيبريوس ، وبأن أهالي المديرية وعاصمتها قد أهدوه باسم هذا الإمبراطور إلى الآلهة أفروديتي (أي حتحور) وأقرانها من الآلهة . وتعلو هذه الأعمدة رءوس من النوع المعروف برءوس أعمدة حتحور وتزين هذه الأعمدة والجدران مناظر دينية ونقوش ورموز ، مرتبة درجات ، الواحدة فوق الأخرى في كثرة جعلتها تزاحم بعضها بعضًا ، لكن المناظر لا تخلو من الطرافة إذ أننا نتبين فيها زيارة ملكية إلى المعبد وإهداء ضياع إلى آلهته . أما السقف فكله مزين بمناظر فلكية .

وتؤدي هذه الصالة الكبيرة إلى صالة أعمدة صغيرة يحمل سقفها ستة أعمدة ، رءوسها من النوع المعروف برءوس الزهور أو الرءوس المركبة ، وتزين أعمدة هذه الصالة وجدرانها مناظر تتصل ببناء المعبد . وتتصل بكل جانب من جانبي هذه الصالة ثلاث غرف كانت تستخدم لتخزين حاجات المعبد والنذور . وتؤدي صالة الأعمدة الصغرى إلى قاعتين صغيرتين ، أحداهما وراء الأخرى على نمط معبد أدفو ، وتسمى القاعة الأولى “قاعة المذبح”، حيث كانت تقدم القرابين ، وتغطي جدرانها مناظر تمثل الملك وهو يقدم القرابين إلى حتحور وابنها . وإلى يمين هذه القاعة ويسارها توجد السلالم التي تصل إلى سطح المعبد . وتزين جدران هذه السلالم مناظر موكب الآلهة في غدوة إلى السطح ورواحه ، عندما كانت تحمل في جمع حاشد ، تحفها مظاهر العظمة والجلال ، لتلقي نظرة على ممتلكاتها العظيمة ، وتسمى القاعة الثانية “قاعة التسع المقدسة” ، وهي لا تزيد على ممر بسيط يغطي جدرانه مناظر تشير إلى أن حتحور وقد تجسمت فيها كل الآلهة الأخرى أصبحت وحدها منبع الحياة ، وإلى جانبي كل من هاتين القاعتين توجد غرفتان .

وتؤدي القاعة الثانية إلى قدس الأقداس ، وهو قاعة مزينة بمناظر زيارة فرعون للآلهة ، ويحيط بهذه القاعة المقدسة دهليز يؤدي إلى إحدى عشرة غرفة صغيرة بجانب بعضها بعضًا ، كان لكل منها اسم خاص ، مثل “غرفة اللهب” و”عرش رع” و”اتحاد الوجهين” و”غرفة الميلاد” و”غرفة البعث” الخ.. لكنه قد أصبح من المتعذر علينا الآن استبانة الغرض من هذه الغرف ، بعد أن فقدت أسماؤها الدلالة التي توحي بها .

ومن أهم خواص هذا المعبد كثرة الأقبية ، التي بنيت في سمك الجدران تحت مستوى الأرض وغطيت مداخلها بألواح صخرية متحركة وكل هذه الأقبية مزينة بنقوش بارزة ملونة. وقد كانت بعضها لإقامة الطقوس السرية للآلهة ، والبعض الآخر لحفظ كنوز المعبد التي لابد من أنها كانت ذات قيمة كبيرة .

وتزين جدران المعبد من الخارج مناظر تمثل عبادة عدد من الآلهة . ويرى في هذه المناظر كليوبترة السابعة ، في شكل الآلهة إيزيس ، وابنها فيصرون وهما يتعبدان إلى الآلهة .

إن هذا المعبد كغيره من معابد البطالمة والرومان ، بالرغم من تأخر عهده وإنشائه بعد زوال دولة الفراعنة وانتشار الفن الإغريقي في مصر ، لا يختلف في جوهره عن معابد الفراعنة ولا نلمس فيه أي أثر للفن الإغريقي ، فهو مصري خالص في تخطيط وعمارته ونقوشه .

معبد كوم أمبو :

لقد انشئ هذا المعبد في عهد بطلميوس السادس فيلومتور ، لكن زخرفته لم تتم إلا في العصر الروماني ونرى في هذا المعبد أيضًا الخواص نفسها التي نجدها في غيره من المعابد المصرية البطلمية من حيث التصميم والعمارة والزخرفة، غير أنه لهذا المعبد ميزة خاصة تمخضت عن العبادة المحلة في المكان، حيث كان الناس يعبدون إلهين محليين وهما سبك وحورس ذو رأس الصقر، وعلى الرغم من اختلاف هذين الإلهين في النشأة وفي الطابع، فقد عاشا جنبًا إلى جنب قرونًأ طويلة دون أن يمزجا أو يقرنا ببعضهما بعضًا، و من ثم فإنه لا يوجد في هذا المعبد قدسان متجاوران للأقداس فقط بل توجد فيه كذلك على محور كل من هذين القدسين أبواب إلى جانب بعضها بعضًا، في الجدار الخارجي وفي جدران صالتي الأعمدة وما وراءهما، وتبعًا لذلك ينقسم المعبد قسمين خصص كل منهما لعبادة أحد هذين الإلهين.

وقد زينت جدران هذا المعبد بزخرفة مصرية صميمة، تمتاز بدقة صنعها وحسن انسجامها وبجمال ما فيها من التوازن بين شخصيات مناظرها وما حولها من النقوش الهيروغليفية التي تتمم هذه المناظر.

رءوس الأعمدة:

وقد بقى أن نذكر كلمة عن رءوس الأعمدة المختلفة التي كانت شائعة في عصر البطالمة، وكلها معروفة من قبل هذا العصر ولاسيما ما يعرف منها برءوس حتحور ورءوس النخيل ورءوس اللوتس ورءوس البردي، وهي رءوس مصرية صميمة لم يرق الشك إطلاقًا إلى طرازها المصري.
وأكثر رءوس الأعمدة انتشارًا في عصر البطالمة هي رءوس الأعمدة المركبة، التي يرى فيها البعض دون موجب ولا سبب معقول أثراً لرءوس الأعمدة الكورنثية. أما نحن فنعتقد أنها مصرية صميمة، وثمرة النهضة الفنية التي ازدهرت في خلال العصر الصاوي ـ أي في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ـ وكانت تستهدف أحياء التقاليد القديمة، التي أخرجت الكثير من آيات الفن المصري. وبيان ذلك أننا نعرف أن عمودي البردي واللوتس يرجعان في أصلهما إلى القوائم البدائية، التي كان يحمل عليها السقف وتزين رءوسها بالأزهار، لكن لما كان الفنان في العصر الصاوي يفوق بطبيعة الحال فنان الدولة القديمة في التقدم ورقة الشعور، فإنه لم يرجع القهقري إلى تلك القوائم البدائية، بل اتخذ نواة عموده من عامود البردي المزدهر (Campaniform) ذي الرأس المفتوحة، وزينة كما فعل أجداده من قبل بباقة من الزهور. غير أنه اختار الزهور من عدة أنواع بدلاً من نوع واحد، مثل اللوتس أو البردي، كما فعل فنانو الدولة القديمة.

والأنواع المتعددة المعقدة لهذه الرءوس الجديدة لا يمكن أن تكون قد استنبطت في خلال فترة قصيرة، بل لابد من أنها كانت ثمرة تطور طبيعي طويل، لكنه من العسير بل من المحال أن نتتبع الآن أدوار هذا التطور نظرًا إلى تهدم معابد العصر الصاوي. وظهور أنواع هذه الرءوس كاملة على عهد الأسرة الثلاثين في معبد نكتانبو الثاني، أي في أواسط القرن الرابع قبل الميلاد، يحملنا على الاعتقاد بأن تاريخ هذه الرءوس لابد من أنه يرجع إلى عصر سابق على الأسرة الثلاثين. وإذا ما محصنا جميع الاعتبارات المختلفة وجدنا أن العصر الصاوي أنسب وقت لذلك بسبب نهضة الفنية وما ساد فيه من السلام والرخاء. وإذا كانت هذه الرءوس في دور التكوين في خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، أي قبل ظهور العامود الكورنثي بمدة طويلة، وإذا ما تذكرنا أصل الأعمدة المصرية المزدانة بالزهور، وإذا ما عرفنا أن العناصر التي تتكون منها الرءوس الجديدة مصرية بحت، فإنه يتضح لنا بطلان الزعم الذي يرى في الرءوس الجديدة أثرًا للعامود الإغريقي الكورنثي. وإذا كانت ثمة علاقة بين الاثنين، فإن العكس أقرب إلى الصواب، لأن المصري كان يزين رءوس أعمدته بالأزهار قبل عهد الإغريق بالأعمدة، كما أن الحلقات (Volutes) الجانبية في الرءوس الكورنثية تحمل شبهًا كبيرًا للأطراف المتدلية من أوراق زهرة السوسن (Iris)، التي كانت رمز مصر العليا، وتستعمل في الزخرفة في مصر الدولة الوسطى.

بطليموس التاسع و العاشر و الحادي عشر

بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر يرتقي العرش:

وعند وفاة يورجتيس، كان ابنه الأكبر من كليوبترا الثالثة مقيمًا في قبرص، وكان شابًا يناهز الخامسة والعشرين من عمره، وكانت كليوبترا الثالثة تضمر لهذا الابن كراهية عميقة، إذ أن باوسانياس يحدثنا بأن التاريخ لا يعرف حالة أخرى كرهت فيها أم أبنها إلى هذا الحد. فلا عجب أنها كانت تفضل تنصيب أخيه الأصغر، الإسكندر، ملكًا أما لإنها كانت تحبه أكثر منه، وإما لاعتقادها أنه كان أضعف من أن يحد من سلطتها.

لكن الإسكندرييين، وقد  أدركوا ما يترتب على عدم احترام القوانين المألوفة لوراثة العرش من بذر بذور الشقاق والنضال، حالوا دون تتويج الإسكندر، وأرغموا كليوبترا على إسناد العرش إلى صاحبه الشرعي، فاضطرت إلى النزول على رغبتهم، وإلى أن تشرك معها ابنها الأكبر بطلميوس التاسع الذي اتخذ اللقب الإلهي فيلومتور سوتر، وأطلق الأهالي عليه لقب لاثورس (Lathyros) ومعناه “حمص”. ويبدو أنه عندما ارتقى بطلميوس التاسع عرش مصر، آثر أخوه الذهاب إلى قبرص للإقامة فيها، ولم يمض وقت طويل قبل إقامته حاكمًا على هذه الجزيرة. وبالرغم من أن لقبه الرسمي كان قائد الجزيرة، فإنه فيما يبدو كان يعتبر نفسه ملكًا في الواقع، إذ أنه عندما ارتقى عرش مصر فيما بعد، اعتبر أن حكمه يبدأ من العام الرابع من حكم أخيه بطلميوس التاسع (عام 114-113)، وهو التاريخ الذي يظن أنه عين فيه حاكمًا لقبرص.

ولم يكن ملك مصر الشاب، أول الأمر، في مركز يسمح له بمقاومة إرادة أ/ه، حتى أنها عندما أردات التنكيل به وطلبت إليه أن يطلق ابنتها كليوبترا الرابعة، وكان قد تزوجها في خلال حياة أبيه وبحبها حبًا شديدًا، أذعن لإرادة أمه (عام 115) وتزوج الأخت الصغرى، كليوبترا الخامسة سليني (Selene = القمر). وإزاء ما نعرفه عن طموح كليوبترا الرابعة وشدة مراسها، يبين أن كليوبترا الثالثة لم تنشد بأقصائها عن بطلميوس التاسع تعكير صفو حياته فحسب بل إخضاعه لإرادتها وتجنيب نفسها متاعب كالتي لاقتها أمها على يديها.
وقد أثبتت كليوبترا الرابعة أنها جديرة بسلسلة الملكات اللائيحملن اسم كليوبترا، إذ أنها لم تستسلم لمصيرها بل صمت على قهر أمها كما قهرت كليوبترا الثالثة أمها من قبل فهي لم تلبث أن ذهبت إلى قبرص لتكون لنفسها جيشاً من الجنود المقيمين هناك، لكن مصادرنا لا تساعدنا على معرفة الدور الذي قام به الإسكندر في هذه المسألة، ولا إذا كانت كليوبترا الرابعة قد فاتحته في الزواج منها، والعمل على ارتقاء العرش سويًا بالقوة، كما يفترض بعض المؤرخين الحديثين، إلا أنه يبدو أن الإسكندر أيدها بعض الوقت، ثم لم تلبث أمه أن كسبت وده بتعيينه حاكمًا لقبرص. وعلى كل حال فإن كليوبترا الرابعة لم تقم طويلاً في قبرص بل برحتها إلى سوريا لتعرض يدها وجيشها على أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس (Cyzicenos) ابن كليوبترا ثيا من أنطيوخوس السابع صيديتينس، وكان قد طرد من سرويا أخاه أنطيوخوس الثامن جروبوس، ابن كليوبترا ثيا ودمتريوس الثاني، وزوج كليوبترا تروفاينا، الأخت الكبرى لكليوبترا الرابعة.

وبتعًا لذلك فإن الحزب بين الأ×وين أصبحت حربًا بين الأختين أيضاً. وعندما خرج جروبوس من مأواه في أسبندوس وانتصر على أخيه واستولى على أنطاكية، كانت كليوبترا الرابعة في هذه المدينة لكنها فرت إلى معبد أبولو في دفنه. ويقال أن الملك المنتصر كان يعتزم العفو عن شقيقة زوجه، غير أن تروفاينا لم تشارك زوجها هذا العطف على أختها وأمرت بإعدامها (عام 112). و يقال أيضاً أن يدي كليوبترا الرابعة قطعت لانتزاعها من المذبح المقدس الذي تعلقت به، وأنها لفظت نفسه الأخير وهي تستمطر اللعنات على أختها، التي لم تلبث أن لقيت حتفها في العام التالي، عندما وقعت في بضة قوزيقنوس الذي قتلها لتهدئة روح أختها (عام 111). وقد أخذت المملكة السورية في الإنهيار نتيجة لانقسامها بين الأخوين، إذ أن جروبوس كان يحكم سوريا السلوقية وقوزيقنوس جوف سوريا. ووسط انهيار السلطة المركزية، أخذت المدن الإغريقية في سوريا تتصرف باطراد كما لو كانت دولاً مستقلة وتحارب أو تتحالف مع بعضها بعضًا كما يحلو لها، وانفصلت قوماجيني (Commagene) عن الدولة، وأصبحت قيليقيا مأوى للقراصنة، وازدادت قوة النبط وكذلك إمارة اليهود، التي أخذت تتابع فتوحاتها في كنف حاكمها وكاهنها الأكبر هورقانوس (Hyrcanos).

انفجار الصراع في أسرة البطالمة، طرد بطلميوس التاسع ليخلفه العاشر:

وقد أفضت أحداث سوريا إلى انفجار الصراع الكامن في أسرة البطالمة، ذلك أن قوزيقنوس حاول عبثًا طرد جروبوس من دمشق والدفاع عن مدن مملكته من اعتداء اليهود عليها. وعندما حاصر اليهود مدينة ساماريا (Samaria) الإغريقية في أواخر أيام هورقانوس، واستغاثت بقوزيقنوس وهزمه اليهود، ناشد مساعدة بطلميوس التاسع (عام 108) فأرسل إليه جيشًا مكونًا من 6000 رجل، لكنه لم يكن نصيب هذه النجدة سوى الهزيمة، وقتل أحد القائدين اللذين تركهما قوزيقنوس أمام ساماريا، واشترى اليهود خدمة الآخر، واستولوا على المدينة وذبحوا أهليها.

وقد أثار تصرف بطلميوس التاسع غضب كليوبترا الثالثة فصممت على تدبير خطة تؤدي إلى أن يخلع الشعب الملك الذي فرضه هذا الشعب عليها. وذات يوم جرى بعض خصاة القصر في الشوارع منخضبين بالدماء وهم يتصايحون بأن الملك أراد قتل أمه وأنهم جرحوا في أثناء دفاعهم عنها. وقد ألهبت هذه المسرحية عواطف الشعب فسارع إلى القصر للقضاء على ذلك الملك العاق، لكنه تمكن من الهرب بحرًا تاركًا وراءه زوجه وابنيه (عام 107).

وعندئذ استدعت كليوبترا ابنها الإسكندر بطلميوس العاشر وأشركته معها. وإذا كانت آخر وثيقة وصلت إلينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس فيلومتور سوتر مؤرخة في 23 من أكتوبر عام 107، فإن أول وثيقة لدينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس اسكندر  الأول ترجع إلى 15 من نوفمبر عام 107، ومن ثم فإن طرد بطلميوس التاسع يكون قد وقع بين هذين التاريخين. وتشير القرائن إلى أن هذا الملك كان قد خلع مرتين قبل ذلك:

أحداهما لمدة بضعة شهور في أواخر عام 110، والآخر لمدة بضعة شهور أيضاً في النصف الأول من عام 108. وقد سارع الرومان إلى الاعتراف بالملك الجديد، ولا شك في أنه كان يسرهم أن يروا الأسر المالكة في شرق البحر المتوسط تسعى إلىح تفها بظلفها.

ولا يفوتنا أن نبين هنا أن كليوبترا قد غضبت من تصرف ابنها لثلاثة أسباب: أولها، هو أنها كانت تميل إلى جروبوس وتكره قوزيقنوس،  فهي لم تغفر له زواجه من ابنتها كيلوبترا الرابعة التي خرجت على طاعتها. والسبب الثاني هو أنه كان ليهود بيت المقدس الذين ازدادت قوتهم زيادة كبيرة تأثير على يهود الإسكندرية، ولاشك في أن هؤلاء قد أغضبهم أن يخف بطلميوس التاسع إلى مساعدة قوزيقنوس على بني جلدتهم، ويظهر أن كليوبترا كان تتطلع إلى الاستعانة بيهود الإسكندرية، لتأييدها في الصراع الداخلي، وبيهود بيت المقدس للتدخل في سوريا تدخلاً مثمراً، ولذلك اقتفت كليوبترا سياسة أبويها، فيلومتور وكبيلوبترا الثانية، في التودد إلى اليهود، ولم تتبع سياسة فيلوبانور ويورجتيس الثاني المناهضة “لشعب الله المختار”. والسبب الثالث، هو أن أقدام الابن على سياسة تعارضها الأم ينهض دليلاً على إفلاته من قبضتها وتحديه لها تحديًا سافرًا لم يكن في وسعها تجاهله، إلا إذا كانت مستعدة للنزول له عن سلطتها، وهذا أمر لم يدر طبعًا بخلدها.

وقد فر لاثوروس هاربًا إلى قبرص فأرسلت أمه قوة ضده. بيد أنه إذا صح ما يوريه يوستينوس، فإن لاثوروس أبى الاشتراك في حرب سافرة مع أمه، وفضل على ذلك الانسحاب إلى سلوقية قرب مصب نهر العاصي، لكن أمه أبت أن تتركه في سلام وجدرت حملة لطرده من تلك المدينة، ومعلوماتنا عن هذه المطاردة محدودة، فهي مقصورة على ما يرويه ديودوروس من أن الملك الطريد كشف أن أحد أصدقائه كان يتآمر ضده فألقى القبض عليه ولم يعد يعد ذلك يثق في أحد. بيد أننا نعرف أن لاثوروس عاد بعد وقت قصير إلى قبرص وأن أمه اخفقت في طرده من تلك الجزيرة.

دولة اليهود:

وقد أصبحت دولة اليهود، صديقة روما، أقوى جزء في سوريا. إذ أنه في نهاية عهد هورقانوس كان اليهود يملكون كل الإقليم جنوبي الكرمل، فيما عدا مدن الساحل: عكا وعمقلان وغزة ودورًا وستراتونوبورجوس (Stratonopyrgos) وعندما توفي هورقانوس خلفه ابنه أريستوبواوس (Aristobolos) لكنه لم يحكم إلا عامًا واحدًا (104-103)، لأنه قتل أمه وأخاه فقضى عليه وخز الضمير، غير أنه في خلال حكمه القصير أرغم الجليليين بحد السيف على اعتناق اليهودية. وبعد وفاته أقامت أرملته سالومي (أو سالينا) ابنًا آخر لهورقانوس يدعى يانايوس (Jannaios) اسكندر، يبدو الآن محققًا أنه كان أول من اتخذ لقب ملك في دولة اليهود الجديدة. ويمكن تتبع اتجاهين هامين في دولة اليهود منذ أن فازت باستقلالها حتى نهاية حكيم يانايوس اكندر، وهما ابتعاد أسرة هاسمونايوس الحاكمة تدريجيًا عن حزب القديسين، واتساع نطاق هذه الدولة تدريجيًا بالفتوحات.  وقد بلغ هذان الاتجاهات ذروتهما في عهد يانايوس، حين امتدت حدود دولة اليهود حتى كادت تطابق حدود مملكة داود.

بطلميوس التاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة يحاولون استرداد جوف سوريا:

وعندما حاصر يانايوس إسكندر مدينة عكا، استغاثت هذه المدينة بطلميوس التاسع (عام 104) فرأى هذا الملك الطريد في ذلك فرصة فريدة لدخول مصر ثانية عن طريق سوريا، كما حاولت زوجة الأولى كليوبترا الرابعة من قبل. ولعله رأى في ذلك أيضاً فرصة لاسترداد جوف سوريا. وتبعًا لذلك فإنه خف إلى عكا على رأس جيش جمعه في قبرص، يحدوه الأمل ويشجعه ما أنهاه إليه سفراء عكا من أنه سيلقى عونًا من المدن الإغريقية الساحلية. لكنه في اللحظة التي نزل فيها إلى البر، علم أن عكا قد غيرت رأيها إلى حد أنها رفضت استقباله، إذ أنه في هذه الدولة السلوقية المقطعة الأوصال كانت المدن أو الأمراء دائمًا على استعداد للإستغاثة بقوى جيرانهم البطالمة، لكن هذه القوى كانت لا تكاد تظهر حتى يثير الخوف وسوء الظن أولئك المتغيثين. وقد جرب ذلك فيلومتور ومن بعده بطلميوس التاسع. وعندئذ عمل ذلك الرجل الماهر يانايوس على شراء خدمات بطلميوس التاسع بمبلغ كبير قدره 400تالنت، وحضه على الاستيلاء على إقليم زويلوس (Zoilos) طاغية استراتونوبورجوس لإعطائه لليهود. وفي الواقع استولى بطلميوس على شخص الطاغية، لكنه علم أن يانايوس كان يتفاوض في الوقت نفسه مع كليوبترا الثالثة، فزحف ضد الملك اليهودي وأنزل به عند أسوفون هزيمة فادحة كانت عبارة عن مذبحة مروعة. وتشويها لسمعة بطلميوس نشر اليهود قصة فحواها أنه لكي يبث بطلميوس الرعب في نفوس خصومه أمر بأن تقطع النساء والأطفال إربًا، والتهم الجنود هذه الأشلاء بعد طهيها. ولم يستح المؤرخ اليهودي يوسف أن يردد هذه القصة التي تثير السخيرة. وبعد ذلك استولى بطلميوس عنوة على عكا. وكان طبيعياً أن كليوبترا الثالثة شهرت السلاح ضد أبنها، إذ لابد من أنها فطنت إلى نواياه وأدركت ما قد تجنيه من وراء حملة سوريا، ولذلك فإنها تحالفت مع يانياوس وجروبوس الذي زوجته كليوبترا سليني.

ولما كانت كليوبترا الثالثة قد أودعت الجانب الأكبر من كنوزها ووصيتها وأحفادها في حراسة معبد أسقلبيوس بجزيرة قوس، فإن هذه الاحتياطات تدل على إدراكها أنها بخروجها من مصر هي والملك والجيش والأسطول وترك مصر دون دفاع والإكندريين طليقين من كل قيد، كانت مقدمة على مخاطرة جسورة. ولا شك في أنه لم يدفعها إلى ذلك إلا الأمل في الفوز بجوف سوريا. وقد فطن إلى هدفها أعداؤها وأصدقاؤها جهودهم في صدها ولم يتحمس يانايوس وجروبوس لتحقيق هدفها. وقد طاردت بطلميوس التاسع الجيوش المصرية بقيادة خلقياس (Chelkias) وأنانياس (Ananias) وكذلك الأسطول بقيادة بطلميوس العاشر الإسكندر الأول. لكن وفاة خلقياس أخرت المطاردة وأتاحت لبطلميوس لانوروس فرصة الهرب جنوبًا صوب غزة. ومع ذلك فإن كليوبترا استولت على عدة من المدن الساحلية ووصلت حتى عكا، حيث خف يانايوس لتحية ملكة مصر.

ويروي المؤرخ يوسف أن بعض “الأصدقاء” أو عزوا إلى كليوبترا بخلع يانايوس والاستيلاء على مملكته، لكن أنانياس نصحها بعدم الإقدام على ذلك العمل الذي كان لابد من أن يفقدها صداقة اليهود قاطبة، فأصغت إلى هذه النصيحة وعقدت مع يانايوس محالفه أطلقت يده في تحقيق أطماعه. وفي تلك الأثناء كان لاثوروس قد وصل إلى غزة وعجزت كليوبترا عن ضم هذه المدينة إلى جانبها، فقد كانت غزة خصمًا عنيدًا لليهود ومن يحالفهم. ومن غزة تابع لاثوروس زحفه صوب مصر مؤملاً مفاجأتها قبل عودة جيش كليوبترا إليها، لكن كليوبترا ما كادت تعلم بزحفه حتى أرسلت جانبًا من جيشها بحرًا فبلغ بلوزيون قبل وصول لاثوروس إليها، مما اضطره إلى الانسحاب إلىغ زة حيث قضى الشتاء مع جيشه الصغير. وانتهى الأمر بعودته إلى قبرص، وعودة كليوبترا الثالثة إلى الإسكندرية (حوالي عام102)، بعد شهور طويلة من حرب لم يتنفذ منها إلا اليهود، الذين انقضوا بعد ذلك على المدن التي كانت لا تزال حرة، وهي جادارا (Gadara) في وادي الأردن، وعسقلان وغزة على الشاطئ. وقد تبع الإستيلاء على غزة (عام 96) مذابح مخيفة، ثم عاد بانايوس إلى بيت المقدس بعد أن حول هذا الشاطئ المزدهر إلى صحراء بلقع.

وفاة كليوبترا الثالثة:

ولم تعمر كليوبترا الثالثة طويلاً بعد محاولتها السورية غير المجدية، إذ أنها توفيت فيما بين 14 و26 من أ:توبر سنة 101 ق.م. ذلك أنه ورد ذكر كليوبترا الثالثة بوصفها شريكة بطلميوس إسكندر في وثيقة ترجع إلى التاريخ الأول، في حين أنه منذ التاريخ الثاني أخذت الوثائق تذكر هذا الملك مع برنيقي الثالثة ابنة بطلميوس التاسع. وبوفاة كبيوبترا الثالثة أصبح بطلميوس العاشر إسكندر الأول ملك مصر اسمًا وفعلاً. ولا نكاد نعرف شيئًا عن هذا الملك، الذي يحدثنا معاصره بوسيدونيوس (Posidonios) الرودسي بأنه كان كأبيه “البطين” منتفخًا من الشحم، إلى حد أنه كان يعجز عن المشي إلا إذا سنده خادم من كل جانب لكنه إذا شرب حتى ثمل أظهر رشاقة فائقة في أداء الرقصات الخليعة. ويتهمه يوستنيوس وباوسانياس وأثينايوس بقتل أمه. ويروي لنا يوستينوس كيف أن هذه الجريمة أثارت غضب الإسكندريين على الملك، إلى حد أنهم ثاروا عليه وطردوه من الإسكندرية. ولسنا نعرف عن يقين إذا كانت كليوبترا الثالثة قد ماتت ميتة طبيعية أم أن ابنها عجل بموتها، لكنه من المؤكد أن وفاتها لم يتمخض عنها طرد ابنها، أو على الأقل أن ابنها لم يطرد عقب وفاتها مباشرة، فقد انقضى بين الحادثتين أثنا عشر عامًا تقريبًا. ولا نعرف شيئًا عن أحداث مصر في هذه الفترة، وأما عن سوريا فإنه قضت على جروبوس طعنات وزيره هيراقليون وتزوجت أرملته سليني من منافسه قوزيقنوس (عام 96)، الذي هزمه وقتله سلوقس السادس أين أخيه، إذ أن فرعي هذه الأسر المنكودة كانا في حرب مستمرة. وقد أفاد الرومان من هذا الاضطراب، فضموا قيليقيا بعد أن أصبحت مأوى للقراصنة.

بطلميوس أبيون يورث قورينايئة لروما:

ويبدو أن أبيون قنع بحكم قورينايئة دون الاستقلال بها إلى أن انفجر الصراع بين كليوبترا الثالثة وبطلميوس التاسع، فأعلن أبيسون استقلاله في عام 107 عندما طرد من الإسكندرية بلطميوس التاسع وهو الذي كان أبيون قد تهد بالاعتراف له بالسيادة. ويبدو كذلك أنه لكي يؤمن أبيون استقلاله ويفوز بتأييد روما، اقتفى أثر أبيه في عام 155 فأوصى بقورينايئة لروما من بعده. وتبعًا لذلك فإنه عندما توفي في عام 96 آلت مملكته إلى روما، فكانت قورينايئة أول جزء  من إرث البطالمة يقع في قبضة روما، غير أنها لم تباشر في الحال حكم قورينايئة، بل سمحت لمدنها الخمس بأن تتولى بنفسها إدارة، أو على الأصح، سوء إدارة شئونها. وقد اكتفت روما بالاستيلاء على أملاك التاج هناك، وبفرض ضريبة على النبات الطبي سيلفيون (Silphion) وكان محصول قورينايئة الرئيسي. ولم تصبح قورينايئة ولاية رومانية إلا في عام 74 ق.م.

طرد بطلميوس العاشر:

وفي عام 89 ق.م كان بطلميوس العاشر، بسبب سلوكه وخوار عزيمته إزاء ضياع قورينايئة، قد أصبح شخصية كريهة، إلى حد أن الإسكندريين ثاروا عليه، وانضم الجيش إلى الثوار فرأى نجاته في الفرار من البلاد. وعندما استطاع بعد ذلك بقليل استرداد الإسكندرية بمساعدة قوة من المرتزقة، ثار عليه الإسكندريون وطردوه ثانية. فقد انفجر مرجل غضبهم عليه، لأنه سطا على مقبرة الإسكندر الأكبر واستولى على التابوت الذهبي الذي دفن فيه، لكي يتمكن من دفع أجور جيشه الجديد. وقد فر بطلميوس العاشر إلى لوقيا ومعه زوجه الملكة برنيقي الثالثة وابنته، لكنه لم يلبث أن هلك في معركة بحرية وهو يحاول، في رأي البعض، الوصول إلى قبرص، وفي رأي البعض الآخر، استعادة مصر من جديد (عام 88).

بطلميوس  التاسع يسترد عرشه:

وبوفاة بطلميوس العاشر خلا الجو لأخيه الأكبر بطلميوس التاسع، الذي اسدعاه الإسكندريون ليتولى ثانية حكم مصر وقبرص. ولما كانت آخر وثيقة مؤرخة باسم بطلميوس إسكندر ترجع إلى 6 من سبتمبر عام 88، وكانت قد وصلت إلينا من منطقة طيبة وثيقة بتاريخ 4 من أ:توبر عام 88 ومؤرخة باسم بطلميوس فيلومتور سوتر، فإن هذا يدل على أنه في خلال الفترة الواقعة بين هذين التاريخين طرد الأول واستعاد الثاني عرشه.

ولما كان بطلميوس التاسع قد بلغ عندئذ الرابعة والخمسين تقريبًا، وكانت لأحداث قد ملأت نفسه مرارة، فإنه للوفاء بمقتضيات التقاليد التي كانت تحتم وجود زوجين على العرش لم يفرك في الزواج من جديد وإنما استدعى من لوقيا ابنته برنيقي الثالثة وهي التي كانت زوجة بطلميوس العاشر، وأشركها معه في الملك وعرفاً سويًا باسم الإلهين فيلادلفوس فيلومتورس سوترس.

وفي الحال أقلق بال بلطميوس التاسع في خلال الفترة الثانية من حكمه ثورات المصريين، فزحف (عام 88) على طيبة، معقل الثورة، واشتبكت قواته معها في حرب دامت ثلاث سنوات وانتهت بتخريبها (عام 85). وفي ذلك الوقت كانت الحرب مستعرة بين روما وميثريدانس يوباتور ملك بونتوس. وكانت سياسة مصر تؤثر السلامة والعافية، فقد كانت تنطوي على الحياد إلى أن تتبين لها نتيجة هذا الصراع العنيف. وكان لسياسة الإسكندرية بعض العذر في ترددهم، فقد كان لا يتيسر لأحد عندئذ أن يتنبأ بالمستقبل، ويعرف أكانت روما أم بونتوس هي التي ستصبح أقوى دولة في الشرق الأوسط. ذلك أنه في عام 88 قهر ميثريدتيس جيشًا رومانيًا في آسيا الصغرى، واستولى على  ولاية آسيا الرومانية، وأرسل قوة إلى بلاد الإغريق، حيث ثارت أثينا على روما، ومع ذلك فإن روما كانت لا تزال قوة يخشى بأسها. وفي خلال تقدم ميثريداتس غربًا، استولى على قوس، فوقع في قبضته أحفاد كليوباترا الثالثة والكنوز المصرية، وكانت كليوبترا الثالثة قد أرسلتها إلى هذه الجزيرة مع أحفادها لتكون الكنوز وهؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان ابنى بطلميوس التاسع وكذلك ابن بطلميوس العاشر من زوجة لا نعرف من كانت، وإن كان البعض يظن أنها كليوبترا الرابعة إذا صح أنها تزوجت بطلميوس العاشر مدة وجيزة في الفترة بين انفصالها عن بطلميوس التاسع وزواجها من أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس، ولكننا نستبعد ذلك لأننا لا نعقل أقدام  بطلميوس العاشر على تحدي أمه بالزواج من أخته بعد أن طلقها أخوه الأكبر بأمر الأم. ويفسر بقاء ابن بطلميوس العاشر طوال هذه المدة في جزيرة قوس بعدم اطمئنان أبيه إلى مركزه على عرش مصر في تلك الأثناء ولعل هذا يفسر أيضاً الاحتفاظ بالكنوز المصرية في قوس. وعقب وفاة بطلميوس العاشر، كان ابنه هذا وابنا عمه هم الورثة الشرعيون لعرش مصر بعد بطلميوس التاسع، ولذلك فإنه كان يقلق بال الإسكندرية وقوعهم في قبضة ملك بونتوس.

وعندما تولى النبيل الروماني صلا قيادة الحرب ضد ميثريداتس، وأخذ يضيق الخناق على قوات ميثريداتس في بلاد الإغريق، كان ميثريداتس لا يزال قوة يخشى بأسها، هذا إلى أن مقاليد الأمور في روما لم تلبث أن انتقلت إلى الشعبيين خصوم صلا الذين اعتبروه عدوًا للدولة. ولما كان يتعذر عندئذ التنبؤ سواء بنتيجة الصراع الراهن بين ميثريداتس وصلا أم بنتيجة الصراع المقبل بين صلا وخصومه الرومان، فإن مصر وغيرها من الدولة الموالية لروما كانت لا تميل إلى توريط أنفسها بتقديم مساعدات كبيرة إلى صلا خشية اغضاب ميثريداتس من ناحية والحكومة الرومانية المناهضة لصلا من ناحية أخرى. وتبعًا لذلك فإنه في شتاء عام 87/86، حين كان صلا يحاصر أثينا، وجاء رسوله لوقولوس (Locullus) ى الإسكندرية يطلب إمدادًا من السفن، أحسن بطلميوس التاسع استقباله، لكنه لم يعطه إلا عددًا قليلاً من السفن لتصحبه حتى قبرص (عام 86)، وإن كان قد عرض عليه عدة هدايا لم يقبل منها لوقولوس إلا حجرًا كبيرًا من الزمرد عليه صورة للملك، رأى من الحكمة ألا يرفضه خشية أن يغضب الملك فيوعز بقتله في عرض البحر، مما يشير إلى الفكرة التي كونها المبعوث الروماني عن أخلاف الملك. بيد أن الأثينيين أفاضوا في امتداح بطلميوس التاسع بسبب سخائه في مساعدتهم على إعادة بناء مدينتهم، بعد الأهوال التي أنزلها صلا بأثينا انتقامًا من خروجها على طاعة روما. وقد شهد باوسانياس بعد ذلك بقرنين التمثالين اللذين أقامهما الأثينيون لبطلميوس التاسع فيلومتور سوتر وبرنيقي الثالثة عند مدخل الأوديون (Odeon). وقد توفي هذا الملك في الثانية والستين تقريبًا من عمره، في أواخر عام 81 أو أوائل عام 80 ق.م، وكان يشوبه شيء من الضعف وميل إلى القسوة، لكنه كان بريئًامن الأطماع الجامحة.

مصرع برنيقي الثالثة وبطلميوس الحادي عشر:

وعندما توفي بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر دون أن يوجد في مصر من سلالته الشرعية سوى ابنته برنيقي الثالثة، آل الملك إليها بمفردها. ولم يعترض الإسكندريون على ذلك، لأنهم كانوا يحبونها حبًا جمًا، ويخشون تجدد الخلافات الأسرية إذا أثاروا مشكلة حق إمرأة لا زوج ولا وريث لها في التربع على العرش بمفردها، فأثروا الهدوء والسكينة على مراعاة التقاليد مراعاة دقيقة.

ويحدثنا باوسانياس بأن برنيقي كانت الذرية الشرعية الوحيدة التي أنجبت بطلميوس التاسع. ومعنى ذلك أن ابنيه اللذين كانا في قوس، وأصبح أحدهما ملك مصر بطلميوس الثاني عشر والآخر بطلميوس ملك قبرص، لم يكونا شرعيين. لكن يوستينوس يحدثنا بأن بطلميوس التاسع أنجب ولدين من كليوبترا سليني. وفي نقش من قورينايئة ورد ذكر ابن بطلميوس التاسع من كليوباترا سليني. ويحدثنا شيشرون بأن بطلميوس الثاني عشر كان ابنًا شرعيًا لبطلميوس التاسع. وإزاء هذه القرائن نرجح أن ابني بطلميوس التاسع (وهما اللذان كانت كليوبترا الثالثة أرسلتهما إلى قوس حوالي عام 103 محافظة على سلامتهما ثم وقعا في قبضة ميثريداتس) كانا ابنين شرعيين. ويبدو لنا أنهما لو كانا غير شرعيين لما عنى ميثريداتس بأن يخطبهما لابنتيه على نحو ما سنرى، ولما عنيت كليوبترا الثالثة بإرسالهما إلى قوس مع الابن الشرعي لعمهما. وإذا كان من الواضح أنها أرسلت ابن بطلميوس العاشر محافظة على سلامته، فلعل الغرض الظاهر من إرسال ابني بطلميوس التاسع كان أيضًا المحافظة على سلامتهما، لكنه لعل الغرض الحقيقي كان الخوف من أن ينتهز خصومها فرصة تغيبها عن مصر فيتآمروا على إقامة أحدهما ملكًا.

وقد مر بنا أنه عندما استولى ميثريداتس على قوس (عام 88) وقع في قبضته أولئك الشبان الثلاثة، لكن ابن بطلميوس العاشر تمكن من الفرار والانضمام إلى ثلا الذي أخذه معه إلى روما (عام 83). وعندما توفي بطلميوس التاسع. كان صلا قد أصبح دكتاتور روما وسيد العالم الروماني. ولا أدل على مدى ما وصل إليهالنفوذ الروماني في مصر من أنه عندما قرر صلا أن يقيم على عرشها صنيعة له يلوذ بحمايته، وأرسل بعد وفاة بطلميوس التاسع ببضعة شهور بطلميوس إسكندر الثاني، إلى الإسكندرية مزودًا بأمر منه، لم يكن في وسع الإسكندريين مناهضته، فنؤدي بهذا الشاب ملكًا “بطلميوس الحادي عشر إسكندر الثاني” وتزوج برنيقي الثالثة ابنة عمه، وكانت أيضًا زوج أبيه فيما مضى. ولسنا نعرف إذا كان هذا الزواج قد تم بناء على توصية صلا بقصد التوفيق بين فرعي الأسرة، أو أن الإسكندريين هم الذين فرضوه على الملك الجديد، فقد جرت التقاليد بأن يتخذ الملك لنفسه زوجة من الأسرة المالكة، ولم تبق في مصر سيدة من نسل البطالمة الشرعي سوى برنيقي. وفضلاً عن ذلك فإنه وفقًا لأحكام القانون الخاص الإغريقي كان يجب على الوريثة أن تتزوج أفرب أقاربها حفاظًا على الإرث في الأسرة.

ويبدو أن برنيقي لم تعبأ بهذا التغير، لاعتقادها بأنها ستستطيع السيطرة على زوجها الصغير ووضع كل السلطة الفعلية في قبضتها، إذ أنه لم يكن معقولاً ولا مكنًا أن تنزل تلك الملكة طائعة عن السلطة التي تمتعت بها مدة طويلة، لكن بطلميوس الحادي عشر، برغم صغر سنه، كان مصممًا على أن يكون ملكًا اسمًا وفعلاً. ولذلك فإنه سرعان ما ضاق ذرعًا بزوجه وقتلها في اليوم التاسع عشر من زواجه منها، دون أن يدخل في حسابه الإسكندريين الذين أثارهم مقتل ملكتههم المحبوبة إلى حد أنهم انقضوا على القصر في الحال، وجروا الملك منه وقتلوه في الجومنازيوم، فلم يدم حكمه أكثر من تسعة عشر يومًا.

ضياع إمبراطورية البطالمة وتغلغل النفوذ الروماني في مصر:

ويتضح بجلاء مما مر بنا أنه منذ أن فقد البطالمة إمبراطوريتهم على عهد بطلميوس الخامس، اقتصرت سياستهم الخارجية ـ بقدر ما سمحت لهم الثورات القومية  والمنازعات الأسرية والسياسة الرومانية ـ على محاولة بلطميوس السادس والتاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة استرداد جوف سوريا، لكنهم باءوا بالفشل وفقدوا أيضًا قورينايئة. وقبل فشل بطلميوس السادس في استرداد جوف سوريا، نكب بهوجوم أنطيوخوس الرابع الذي لم ينقذ مصر من براثنه إلا تدخل روما، لا حبًا في استقلال مصر، ومن ثم فإن البطالمة أصبحوا يدينون لروما بعرضهم. ولا أدل على ذلك من اعتماد كل من بطلميوس السادس والثامن على روما لتأييد قضيته في أثناء نزاعهما، فلا عجب أن أفضى ذلك كله إلى ازديايد نفوذ روما في مصر. وينهض دليلاً على هذا النفوذ إقامة بطلميوس الحادي عشر على عرش مصر بأمر صلا.وإذا كانت روما قد انتهزت كل الفرص لتسيطر على السياسة المصرية في الداخل وفي الخارج، فإن مصر كانت لا تزال تحتفظ باستقلالها على الأقل في الظاهر. وعندما وقع الشرق تدريجيًا في قبضة الجمهورية الرومانية، أصبح مصير مصر مثل مصير باقي العالم الهلينيسي متوقفًا على مصير الصراع بين الأحزاب في روما، على نحو ما سنرى.

الفتح المقدوني

فيليب الثاني يوحد الإغريق ويقرر محاربة الفرس:

لم تكن بلاد الإغريق دولة تنتظمها رابطة الوحدة السياسية، وإنما كانت تنقسم إلى عدد كبير من الدويلات تحرص كل منها أشد الحرص على استقلالها وحريتها وتفرق بينها المنازعات والأحقاد .

وإذا كانت هذه الدويلات قد بلغت شأوا بعيدًا في القرن الخامس قبل الميلاد، فإنها أخذت تضعف وتشيع الفوضى بين أرجائها في خلال القرن الرابع، في حين أن مقدونيا على حدودها الشمالية كانت جادة في توحيد كلمتها وأعلاء شأنها. وعندما ارتقى فيليب الثاني عرش مقدونيا، رأى أن ينتهز حالة بلاد الإغريق فيوحدها بزعامة مقدونيا سياسيًا وحربيًا ويقوم الإغريق في حرب قومية ضد أعدائهم القدماء الفرس، وكانوا يسيطرون على إغريق آسيا الصغرى ويهددون سلامة بلاد الإغريق، فيصيب فيليب بذلك هدفين: وأحدهما هو ضخوع بلاد الإغريق له وتأييدها إياه لأنه سيصبح قائد حرب الانتقام من الفرس، والآخر هو القضاء على الخطر الفارسي، وقد أدرك الإغريق أغراض فيليب وانقسموا أزاءها قسمين غير متعادلين، يؤيدها أقلهم ويعارضها أغلبهم وكانوا يرون أن المسألة هي حرية الإغريق، وهذه كانوا لا يفرقونها عن استقلال المدن، وأنه يتهدد حريتهم العزيزة عليهم خطران كانت مقدونيا أقربهما وبلاد الفرس أبعدهما فكان يجب القضاء على الخطر المباشر بأي ثمن. ولذلك تآلفت أثينا وبويوتيا لفدع هذا الخطر الداهم، ولكن فيليب أنزل بالإغريق في عام 338 هزيمة ساحقة في موقعة خايرونيا (Chaeronea) وألف من أغلب الدول الإغريقية عصبة ؟؟؟
الإسكندر الأكبر ينقذ مشروع أبيه :
وقد لقى فيليب حتفه في عام 336 قبل تحقيق أمنيته، ؟؟ الإسكندر الثالث الملقب بالأكبر ـ وقد ورث عنه جيشه وتك؟؟؟ الإغريق في حرب شاملة ضد الفرس انتقاماً لما ؟؟؟ في بلاد؟؟ منذ قرن ونصف قرن ـ لم يكد الأمر ؟؟ حتى ؟؟ محاربة الفرس، برغم ما كان يكتنف ذلك من ؟؟ أهمها أن ؟؟ يعتمدون على موارد إمبراطورية لا تنضب، ؟؟ بسيادة وذلك في حين أن موارد الإسكندر كانت ضد ؟؟؟، ولا يستطيع الاعتماد على قوى الإغريق البرية؟؟، فقد ضياع حريتهم وخضوعهم لمقدونيا، ومن ثم فإن ؟؟؟ طبيعيًا ألا تأييد مشروعاتها، بيد أن مقدونيا استعاضت عن ؟؟ أنها أمة فتية قوية تتألف من جنود أشداء ، أحدث والمعدات. ويقودها ملك شاب يجمع بين عدد من القواد المجربين.
الإسكندر الأكبر يستولى على قواعد الاسطول الفارسي :
وبعد انتصار الإسكندر في موقعة جرافي؟؟؟؟؟؟؟؟ التي تصدت له بمجرد بلوغه أسيا الصغرى ؟؟ للقضاء على سيادة الفرس البحرية هي الاستيلاء على قواعد الفارسي الواحدة بعد الأخرى. ولذلك يبين ؟؟ شواطئ أسيا الصغرى وسوريا وفينيقيا ؟؟ أيضًا وكذلك على فورينابئة ((برقة) فيضمن على ؟؟ ويترك الأسطول الفارسي بلا مأوى يلجأ إليه لا؟؟ المراكب ؟؟ مصر ضرورة للإسكندر لأنه كان من ناحية ؟؟؟ ومن ناحية أخرى بمثابة ضمان لوضع بلاد الإغريق تحت رحمة الإسكندر، لأن استيلاءه على مصر بعد الدردنيل كان يضع في قبضته أكبر مصدرين تعتمد عليهما بلاد الإغريق في استيراد ما تحتاج إليه من القمح. وفضلاً عن ذلك فإن هذا الفتح كان يضع في قبضته موارد الغنية، فيسهل عليه أن يتابع محاربة الفرس. ولعل عدم اطمئنان الإسكندر إلى مصر لم يكن مبعثه خضوعها للفرس بقدر ما كان الخوف من أن تتخذها العناصر المعادية للإسكندر مأوى لها، أو الخوف من قيام ثورة وطنية فيها تقودها الأرستقراطية المصرية ـ وكان لا يزال لها شأن كبير في الدلتا ـ ويتحالف معها الإغريق، فقد كان في وسع مثل هذا الحلف إخضاع قبرص وفينيقيا، أو على الأقل تهديد سلامتها.
حقًا أن استيلاء الإسكندر على فينيقيا قد أزال من طريقه الخطر الرئيسي الذي كان يتهدده، لأن سفن فينيقيا وقبرص ـ وكانت أفضل جزء في الأسطول الفارسي ـ انضمت عندئذ إلى الإسكندر، غير أن أجيس ملك اسبرطة كان لا يزال يعمل مجدًا في إثارة الحرب ضد الإسكندر، وإلى جانب ذلك كله كان يوجد اعتبار سياسي له خطره. فقد كان الإسكندر على وشك تكوين إمبراطورية إغريقية أسيوية. وكان لا يمكن تصور قيام ههذ الإمبراطورية دون أن يكون بحر أيجة بمثابة قطب الرحي فيها، وكان يتعذر السيطرة على هذا البحر بل على شرق البحر الأبيض المتوسط دون السيطرة أولاً على مصر.
الإسكندر الأكبر يفتح مصر:
وإزاء ذلك كله فإن الإسكندر عندما دحر داراً الثالث ملك الفرس في موقعة أسوس (Issos) في خريفه عام 333 لم يتابع انتصاراته باقتفاء أثر الملك الأكبر الذي فر هاربًا إلى بابل، وإنما أثر أن يفتح أولاً فينيقيا ومصر وقورينايئة (برقة). وما كاد يستولى على صور وغزة حتى ؟؟ وجهه شطر مصر فبلغ بلوزيون (Pelousion) في نوفمبر وقد طوقته هالة من جلال انتصاراته الحديثة.
ومما يستحق الذكر أنه عندما كان الإسكندر في صور كتاب يعرض عليه فيه محالفته وكل إمبراطوريته غربي الفر؟؟ بارمنيو قائده العجوز “لو كنت أنا الإسكندر لقبلت هذا ” فرد عليه الإسكندر بعبارته المشهورة “وأنا لو كنت بارمنيو أيضاً” . وفي هذا دلالة على مدى اتساع الأهداف الإسكندر يتوخاها من وراء حملته ضد الفرس.
ولم يجد مازاقس (Mazakes) ـ الوالي الفارسي الذي ؟؟؟ مصر إذ ذاك ـ مفرًا من التسليم، لأنه أدرك أن المقاومة مجدية ولا سيما أن المصريين لم يخفوا عواطفهم نحو الإسكندر المصائب التي جلبها عليهم الفرس والمساعادت التي لقيها الإغريق كلما حاولوا التخلص من ربقة الملك الأكبر، على آنفًا. فقد كانت تدور في مخيلة المصريين ذكرى آثام قمبيز أوخوس وكفاحهم المستمر بمساعدة الإغريق ليستخلصوا من براثن الفرس. وقد ظن المصريون أن الإسكندر قدم ؟؟ من بلائهم، كما قدم الإغريق مراراً من قبل، إذ كان المصريون حلفاء طبيعيين على عدوهم المشترك: الفرس. ولم يفطر حينذاك إلى الإغريق لم يأتوا هذه المرة حلفاء، وإنما ليفرط عليهم ويقيموا مكان الحكم الفارسي حكمًا أشد بأسًا وأطول أن الإسكندر والبطالمة من بعده حرصوا على إظهار أجلالهم للديانة المصرية واتخذوا منها وسيلة لدعم مركزهم والسيطرة على ؟؟ وموارد البلاد.
وقد استطاعت مصر دائمًا عقب الغزوات الخارجية السابقة ثانية في كل مرة أسرة ملكية جديدة من أهل البلاد، تحتفظ القومية القديمة في نظم الحكم والحضارة واللغة، ولكنه منذ هذه اللحظة لم يرتق عرش مصر ثانية فرعون مصري، إذ أنه منذ قدوم الإسكندر خضعت مصر ما يقرب من عشرة قرون لحكام أجانب من المقدونيين ثم من الورمان. وبعد ذلك أصبحت مصر جزءًا من العالم الإسلامي، ففقدت طابعها القديم واكتسبت طابعًا آخر تميزه لغة جديدة ونظام اجتماعي جديد وديانة جديدة.
الإسكندر الأكبر في منف:
ولم يتوقع المصريون شيئًا من هذا كله عندما رحبوا بالإسكندر بوصفه حليفًا طبيعيًا جاء لانقاذهم من العدو المشترك. وقد وصل الإسكندر إلى بلوزيون على رأس جيش يتألف من نحو 40.000 مقاتل، يحرس جناحهم الأيمن أسطول الإسكندر الذي سار بحذاء الشاطئ حتى هذا الميناء، ثم دخل فرع النيل وتقدم حتى منف. وأما الإسكندر فإنه ترك حامية في لوزيون، وقتدم عبر الصحراء إلى هليوبوليس ومنها إلى منف. ولما كان من بين الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين على الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية، فقد كان أول هم الإسكندر عندما حط رحالة في منف هو أن يظهر احترامه للديانة المصرية، ولذلك قدم القرابين في معبد الإله فتاح للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس بل يذكر مصدر قديم أن الإسكندر رسم نفسه فرعونًا في معبد فتاح طبقًا للطقوس الدينية المصرية. وإذا كان الإسكندر قد أظهر احترامه للآلهة المصرية فإنه لم ينس أنه كان القائد الأعلى لعصبة فورنثة وأنه يوم خرج من بلاد الإغريق قاصدًا فتح الشرق قد أعلن نفسه رافع لواء الحضارة الإغريقية وحامي حمى الإغريق، ولكي يثبت ذلك للإغريق المستوطنين في منف ونقراطيس، فإنه، كما قدم القرابين للآلهة أقام في منف حفلاً إغريقيًا رياضيًا وموسيقيًا اشترك فيه الموسيقيين والممثلين الذين ذاع صيتهم في العالم الإغريقي. ولا أن تتحقق كيف اتفق وجود هؤلاء الفنانين في مصر في هذه ويذهب بعض المؤخين إلى حد القول بأن هؤلاء الفنانين دعوا لإقامة هذا الحفل، يوتخذون من وجودهم دليلاً على أن الإسكندرية قد اتفق مع مازاقس على التسليم منذ مدة طويلة قبل الغزو، بعض آخر أن هؤلاء الفنانين الإغريق ذهبوا إلى مصر كي يحيوا تمثيليًا في نقراطيس بين أصدقائهم الإغريق ويكونوا قربيين إذا ؟؟ إليهم الإسكندر.
تأسيس الإسكندرية:
بعد أن فرغ الإسكندر من مهامه في منف. ركب فرع النيل تحف به شارات الملك، وهناك على شاطئ البحر الأبيض المتوسط عن مصب هذا الفرع، ومن ثم في منأى عن الرواسب الطميية بها النيل على الدوام في البحر المتوسط، وفوق الشقة الضيقة بحيرة مريوط عن البحر. وعند القربة المصرية القديمة راوتيس أساس أول مدينة نعرف عن يقين أنه أنشأها في خلال ؟؟؟ وقد كان في ضمير الدهر أن هذه المدينة ستصبح أعظم المدن اسم الإسكندر بل أعظم عواصم العالم الإغريقي في هذا العصر.
وبعد أن وضع الإسكندر أساس مدينته الجديدة وقد عليه أيجه قائداه أمفوتروس (Amphoteros) وهجاوخوس بعد القضاء على آخر مقاومة للفرس في الجزر. وقرار فارنابازوس (pharnabazos) وتحرير لسبسوس وتندوس وخيوس وفوس القبض على الطغاة الذين كان فارنا باتزوس قد أقامهم، وكذلك على حكم الأقلية في خيوس وكانوا قد خانوا الأمانة وأعانوا ممنون على مدينتهم. وقد قضى الإسكندر بسجن هؤلاء الحكام في النتين، أما الطغاة فإنه قضى بإعادة كل منهم إلى بلده لتفصل في أمره. وعهد إلى أمفوتروس بحماية قريت ضد آجيس والضرب على أيدي القراصنة الذين كانوا قد مدوا يد المساعدة لفارنابانزوس لكن هذا لم يتحقق على الإطلاق لأن الحرب ضد اسبرطة حولت أسطول أمفروتورس نحو بلاد الإغريق.
الإسكندر الأكبر يزور معبد الوحي في سيوة:
وبعد ذلك أخذ الإسكندر جزءًا من جيشه ونفرا من صحبه واتجه غربًا محاذاة الشاطئ حتى وصل إلى بارايتونيون (Paraetonion مرسى مطروح)، ثم ضرب في بطن الصحراء، وحج إلى معبد آمون في واحة سيوة. وهنا يجب أن نتساءل لماذا حج الإسكندر المبادرة قدر الطاقة إلى ملاقاة دارا، الذي كان الفاتح المقدوني وافقاً دون شك على استعداداته الضخمة، فإننا نعتقد أن الإسكندر لم يخاطر بالقيام بتلك الزيارة التي أبعدته ستة أسابيع عن قاعدته المصرية إلا بلدوافع قوية. وفي الواقع يبين لنا أن الإسكندر أراد أن يحقق ثلاث غايات من وراء هذه الزيارة: أولاً اثبات صلة نسبة بالآلهة، فنحن نعتقد أن الإسكندر توج نفسه فرعونًا في منف وغدًا على هذا النحو الها في نظر المصريين، لكنه بقى عليه أن يثبت لهم بل للعالم أجمع أنه لم يكن الها فحسب بل ابن إله أيضا.
وقد كان في وسعه إثبات ذلك في معبد طيبة التالد دون تجشم صعاب الذهاب إلى معبد سيوة لو أن أغراضه كانت محلية، أي مقصورة على تقديس سلطانه في نظر المصريين وحدهم. لكن الأمر لم يكن كذلك فقد كان الإسكندر على وشك أن يبنى إمبراطورية واسعة مترامية تضم بين جوانبها عناصر من الشرق ومن الغرب، وكان يرى أن نفوذه في أرجائها يقتضي إظهار نفسه للملأ أجمع أنه ملك إله
ومع أن فيلكن وتارن يسلمان برسامة الإسكندر فرعونًا إلا أنهما ينكران أنه ذهب إلى سيوة لإثبات أصله الإلهي فكرة مولده الإلهي نبتت من أن كبير كهنة آمون عندما رحم بلقب “ابن آمون”.
وهذا رأى عجيب لا نستطيع أن نقره، إذ كيف يتأتى أن ذلك الأثر نتيجة لهذه المناداة، ولا يكون نتيجة لرسامته فرصة وما صحب ذلك من أغداق الألقاب الفرعونية عليه “ابن آمون”؟
ولعل الأدنى إلى الصحة أن تكون هذه الفكرة قد نبتت نتيجة لمزاعم أولومبياس بأنها لم تنجب الإسكندر من فيليب، ثم عندما رسم فرعونًا في منف تأصلت هذه الفكرة في نفسه الملكة الإلهية، ولا سيما أن أستاذه أرسطو كان قد لقته ؟؟ ضرورة تألبه الرجل الذي يسوء على كل مواطنيه في الخلق ؟؟
ولما كانت تقوم صلات قديمة وثيقة بين معبد آمون في ؟؟ الذين يقيمون بالقرب منه أو على بعد عنه ـ في فوريانيئة ؟؟ آسيا وفي المدن الأوروبية الإغريقية ولا سيما أثينا و؟؟ هذا المعبد يتمتع منذ عدة قرون بشهرة عالمية تضارع ما ؟؟ في دودونا ومعبد أبولو في دلفي. فقد رأى الإسكندر ؟؟ برغم أنه كان لا يداني حتى من بعد معبد طيبة في الأهم المصريين كان خير مكان لإثبات صلة نسبة الألهة أمام الرأي ولا أدل على شهر هذا المعبد من أن فروبسوس ملك ؟؟ آلهة الإغريق، ومن أن يبندارس (Pindanos) أهدي معلقة لآمون سيوة، ومن أن الإغريق أمثال أهل أليس (Elis) واسبرطة وأثينا كانوا يوفدون الرسل لاستلهام آ/ون الوحين ومن أن يرويبيدس يتحدث عن “مقر آمون غير الممطر”، كما لو كان مكانًا مألوفًا للإغريق يهرعون إليه كلما كانوا في حاجة إلى نصيحة الهية، ومن أن الأثنيين أتموا في عام تشييد معبد للإله آمون في أثينا، وأطلقوا على مركبهم المقدس أسم سالامينيا أمونياس (Salaminta Ammonias)، ومن أن أوسطوفانيس قد شاد في راوية “الطيور” بمعبد آمون في واحدة سيوة، ومن أن أفلاطون قد ذكر في كتابه عن القوانين وحي آمون جنبًا إلى جنب وحي دلفي ودودونا.
وكانت الغاية الثانية التي تغياها الإسكندر من وراء، حجه إلى معبد آمون سيوة هي الحصول أمام الرأي العام الدولي على تأييد الإله آمون لمشوعاته التي كانت ترمي إلى بسط سيادته على العالم، وأما الغاية الثالثة فكانت إشباع ميوله للمخاطرة ورغبته في أن يقتفي أثر بطلي الأساطير الإغريقية برسيوس (Perseos) وهرقل اللذين شاع الاعتقاد قديمًا أن الإسكندر ينحدر من سلالتها، فقد و رد في الأساطير أن هذين البطليين تزودا بشورة آمون سيوة قبل أن يقدما على جلائل أعمالها ويجب ألا يعرب عن البطل أن ما تعتبره اليوم قصصاً وأساطير كان في نظر إغريق القرن الرابع قبل الميلاد تاريخًا صحيحًا.
ولماذا ذهب الإسكندر إلى سيوة عن طريق بارايتونيون مع أن الطريق الطبيعية من وادي النيل إلى سيوة كانت عبر وادي النطرون؟
ولا يمكن تفسير ذلك بأن الإسكندر قبل ذهابه مباشرة إلى لم يكن في الوادي نفسه وإنما كان عند الأطارف الشمالية الغربية من أجل تأسيس مدينته الجديدة، ومن ثم كان أيسر عليه عندما يأخذ طريق بارايتونيون، إذ أن القرائن توحي بأن تأسيس الإسكندرية جاء عفو الخاطر ودون تدبير سابق. وإنما يمكن تفسير ذلك من أن طريق باريتونيون كانت الطريق الطبيعية التي يسلكها ذهابهم إلى سيوة، لكننا نعرف كذلك أنها كانت أيضاً الطريق قورينايئة وأن الإسكندر كان يرغب في الاستيلاء على كل شرق الأبيض المتوسط كي يترك أسطول أعدائه معلقًا في الهواء، ولا قورنايئة كانت اقليمًا هامًا يهدد سلامة حدود مصر الغربية إذا قبضة يد قوية. ولا داعي لأن نذهب بعيدًا في التدليل على أهمية لمصر، متى إدركنا ما وقع على حدود مصر الغربية من أحداث العالمية الثانية، فهل كان الإسكندر يعتزم إخضاع قورينايئة أم أنه بتركها مفتوحة أمام أعدائه؟ أي هل يمكن أن يكون قد غفل عم البطالمية نصب أعينهم؟ أزاء هذه الاعتبارات، وإزاء ما تذكره بعض القديمة من أنه عندما وفد الإسكندر يعتزم إخضاع قورينايئة أم أنه بتركها مفتوحة أمام أعدائه؟ أي هل يمكن أن يكون قد غفل البطالمة نصب أعينهم؟ إزاء هذه الإعتبارات، وإزاء ما تذكره بعض القديمة من أنه عندما وقد الإسكندر على بارايتوفيون وجد في سفراء قورينايئة الذين أهدوا إليه بضع مئات من الخيول الممتاز على خضوع بلادهم له. نرجح أن الإسكندر كان ينشد السيطرة قورينايئة وأنه قد تعمد الذهاب إلى سيوة عن طريق بارايتونيون الطريق التي ألف الإغريق أن يسلكوها عند حجم إلى معبد وليقوم بمظاهرة عسكرية تلقي أنباؤها الرعب في قورينايئة إعلان خضوعها له إذ أنه لم يكن في وسعها مقاوميته، وبالفعل قابلة في بارايتونيون وقدموا له فروض الطاعة.
ومن بارايتونيون توغل الإسكندر في قلب الصحراء، وقطع حتى واحدة سيوة في اثنى عشر يومًا، تحدثنا كل المصادر القديمة كانت حافلة بالأخطار والغرائب، فتروي كيف أنه حين فقدت وكاد الإسكندر وصحبه يهلكون عطشاً تلبد الجو فجأة بالسحب وأمطرت السماء على غير عادتها في هذا الإقليم، مما اعتبر دليلاً على عطف الآلهة.
وقد ازداد الاعتقاد في هذا العطف عندما ضل الأدلاء طريقهم وهداهم إلى قصدهُم، وفقًا لإحدى الروايات، ثعبانان كانا يزحفان أمامهم، أو وفقًا لرواية أخرى، غرابان كانا يطيران مسافات قصيرة في مقدمتهم. وإذا كان القدماء قد اعتبروا هذه الظواهر من المعجزات، فإن المحدثين لا يجدون مشقة في تفسيرها، إذ أن هطول الأمطار هناك نادر إلا أنه غير خارق للعادة، أما عن الثابين أو الغربان، فإن وجودها في الصحراء أمر غير بعيد الاحتمال، وطبيعي أن اقتراب الإسكندر وصحبه منها وسط الصحراء ازعجها فأخذت تفر أمامهم. ويحدثنا سائح زار سيوة في عام 1847، وكان قد ضل الطريق حينًا، بأنه “بينما كنا في هذه الحالة القلقة أبصرنا غرابين يحلقان في الهواء برهة من الزمن ثم أتجها صوب الجنوب الغربي، ولو أننا كنا في عصر الخرافات لاعتبرنا ذلك إشارة كافية وتبعنا هذين الدليلين الطيبين، اللذين يحتمل أنهما من سلالة الطيور التي تحدثنا القصص بأنها في مناسبة مشابهة. وعلى قرب شديد جدًا من المكان الذي وصلنا إليه، أنقذت الإسكندر من الضلال في الصحراء. ولو أننا تبعنا الغرابين لما أخطأنا الطريق لكننا لم نخضع لإيحاء مخيلاتنا وانتظرنا عودة الدليل” .
ويحدثنا ديودوروس. نقلاً عن قلايتارخوس، بأن سكان واحة آمون كانوا يعيشون في قرى وبأنه في وسط الواحة كان يقوم مكان مرتفع تحصنه ثلاثة أسوار، وكان داخل السور الأول يقوم قصر الحكام القدماء وداخل الثاني بيوت النساء والأطفال وغيرهم من أقارب الحراس وكذلك هيكل الإله والنبع المقدس الذي كانت تظهر فيه قربن الإله. وداخل السور الثالث فكانت توجد ثكنات الجنود ومنازل الحرس الخاص للملك. وعلى مسافة يسيرة من هذه القلعة كان يوجد في ظلال أكمة، الأشجار معبد للإله آمون. وبالقرب من هذا المعبد يوجد نبع يسمى “نبع الشمس”. واليوم يعرف المعبد الأول بمعبد أغورمي، وهي إحدى القريتين الرئيسيتين في واحة سيوة، والثاني بمعبد أم عبيدة وقد كان الرأي السائد حتى منتصف القرن التاسع عشر هو أن معبد عبيدة كان معبد الوحي المشهور، لكنه منذ زار هاميلتون معبد “أغورمي” في عام 1853 اتجه الرأي إلى اعتبار هذا الهيكل معبد الوحي.
وتدل بقايا هذا المعبد على أن بناءه قد أعيد في عهد الحكم الفارسي وأنه كان يتألف من فناءين وصالة تقوم وراءها، على المحور نفسه، قام قدس الأقداس وإلى جانبها الأيس قاعة مربعة الشكل تقريبًا وإلى جانب الأيمن وخلفها دهليز ضيق. ولما كان قد وجد في الواجهة الخلفية المجد الشرقي لقدس الأقداس المطلة على الدهليز ثلاث فتحات على ارتفاع 66سم من الأرضية وكذلك تجويفان قرب السقف، وكانت هناك وثيقة بين هذا الجزء من المعبد وبين الوحي. فقد استخلص من ذلك الكلمات التي كانت تسمع في البهو ويتصور الناس أنها صادرة عن آمون كان مصدرها في الواقع كاهنًا يختفي في الدهليز.
وقدس الأقداس حجرة متوسطة الحجم كان يقوم في وسطها مركب آمون المقدس فوق مكعب من الخشب أو الحجر. ويقال أن المركز نفسه كان مصوغًا من الذهب، معنى هذا أنه كان مصنوعًا من خشب مغطى بطلاء من الذهب. ونستطيع أن نكون نكرة عن هذا المركز المقدس من زخرفة جدران معابد الأقصر والكرنك التي تصور مراكب آمون طيبة، ونستخلص منها أن مركب أمون المقدس كان ذا جدران رقيقة مرتفعة، يزينه رءوس كباش ويقوم بملاحته جماعة من الآلهة ويحمل بين جوانبه القرابين وقاعة مقدسة يستقر فيها تمثال الإله. ويحدثنا قورتيوس بأن تمثال آمون سيوة كان كتلة مخروطية الشكل (Omphalos) تتكون من الزمرد وغيره من الأحجار الكريمة.
وعندما عثر رايزنر (Reisner) في نباتا داخل المعبد الكبير لآمون على كتلة من الحجر الجيري مخروطية الشكل، بادر جريفبث (Griffith) إلى بيان وجه الشبه بين هذا الأثر وتمثال آمون سيوة على نحو ما يصفه قورتيوس وكذلك تمثال (Omphalos) معبد الوحي في دلفي، واستخلص من ذلك أنه لابد من أن أثر نباتا يتصل بوحي نوبي هناك، وأن فكرة صنع تماثيل للآلهة على هذا النحو مأخوذة من دلفي. وقد اعتنق هذا الرأي وينرايت (wainwright) الذي وجد شبهًا بين هذا الأثر وبين تمثال آمون سيوة وتماثيل مصرية مماثلة. وأول الأمر أيد شتايدروف (Steindorf) فكرة جريفيث واستخلص من قرب الشبه بين أثري سيوة ونباتا وجود صلة قوية بين وحي آمون سيوة ووحي آمون الذي قيل بوجوده في نباتا.
غير أن شتايندورف لم يلبث أن ناهض هذا الرأي عندما رأى بنفسه أثر نباتا وتبين له أنه في شكل خلية نحل في واجهتها نافذة (0.24×0.20مترًا) وفي قاعدتها الداخلية تجويف (حوالي 0.085×0.13متر) يسمح بوضع تمثال صغير. وقد خرج من ذلك بنتيجة تتلخص في أن أثر نباتا ليس تمثالاً للإله آمون وإنما هيكل صغير صنع على شكل كوخ إفريقي كان يوضع داخله تمثال الإله،وفي أن ذلك كان أيضًا شأن تمثال آمون سيوة.
ويعتقد ماسبرو أن تمثال آمون سيوة، كغيره من التماثيل التي يصدر عنها لوحي، كان مصنوعًا بحيث يمكن تحريك رأسه أو ذراعه أو يديه عندما يجذب الكاهن المختص حبلاً معينًا.
وقد اقتفى راديه (Radet) أثر ماسبرو في الرأي، لكنه لم يلبث أن عدل عنه ونادى بالرأي الآخر.
فأي الرأيين إذن أصح، أو بعبارة أخرى هل كان الشكل الذي صور فيه آمون سيوة تمثالاً كتماثيل غيره من الآلهة أم أنه كان كتلة مخروطية الشكل؟ إزاء وصف قورتيوس الذي لم ينقضه ما ورد في غيره من المصادر القديمة، وإزاء ذلك الأثر الذي عثر عليه في نباتا وأشباهه التي وجدت في الكرنك، ومدامود ومدينة هابو ومنف وأسيوط نشارك غالبية الباحثين المحدثين في ترجيح الرأي الثاني.
ومهما يختلف المؤرخون حول شكل صورة الإله، فإنها وفقًا لرواية ديودوروس وقورتيوس كانت توضع في مركب آمون المقدس. وعند إجابة الوحي عما يوجه إليه من الأسئلة كان يحمل المركب وداخله صورة الإله ثمانون كاهنًا يدورون في أرجاء المعبد ومن ورائهم الكاهنات يرتلن الأناشيد.
وعلى ضوء رواية هذين المرخين يفسر فريق من المحدثين ما أورده استرابون، نقلاً عن قاليسثنيس بأن حركات المركب المقدس في هذا المهرجان كانت تعبر عن رد الوحي على ما وجه إليه من أسئلة، وبأن الكاهن الأكبر كان يقوم بتفسير هذه الحركات بإشارات وإيماءات تقليدية يفهم الناس المراد منها. لكن رواية قاليسثنيس تحتمل تفسيرًا آخر مؤداه أن الوحي كان يصدر مباشرة عن الكاهن الأكبر مبا يأتيه من إشارات وإيماءات. ومعنى ذلك أن الكاهن الأكبر كان يقوم بدور الإله، وأن إجابة الوحي لم تقتض إقامة مهرجان يحمل فيه المركب المقدس وصورة الإله.
ولما كنا نجد في بعض وثائق طيبة التي ترجع إلى العصر الفرعوني أن الوحي كان يصدر عن تمثال الإله، وكان التجويف الموجود قرب السقف بالجدار الخلفي للهيكل في معبد خنسو ينم عن أنه كان يصدر عن الكاهن مباشرة، وكنا نعرف أنه كانت توجد في الواجهة الخلفية للجدار الشرقي لقدس الأقداس في معبد سيوة ثلاث فتحات قرب الأرضية وتجويفان قرب السقف فهل من المحتمل أنه في بعض الأحيان أو ربما على الأصح في بعض المناسبات الخاصة كان يقام المهرجان ويصدر الوحي وفقًا للتفسير الأول، وفي البعض الآخر كان الوحي يصدر وفقًا للتفسير الثاني؟ هذا جائز.
ولما كان الإسكندر قد رسم فرعونًا في منف وكان قد أصبح تبعًا لذلك “ابن آمون رع” مثل من سبقه من الفراعنه، فإن كبير الكهنة الذي رحب بمقدمه عند وصول إلى المعبد خاطبه بلقب “ابن آمون”، وهو اللقب الذي كان يحمله سائر الفراعنة منذ عهد بعيد ـ ودعاء وجده لدخول قدس الأقداس، حيث سأل الوحي عما يريد الوقوف عليه وتلقي الإجابة عن أسئلته. أما رفاقه فإنه لم يسمح لهم إلا بدخول فناء المعبد فقط وذلك بعد تغيير ملابسهم، وهناك ألقوا بأسئلتهم وأجيبوا عنها. وإزاء ذلك يبدو أنه لم يقم مهرجان للإجابة عن أسئلة الإسكندر، غير أنه لا يستبعد أن يكون قد أقيم مهرجان للإجابة عن أسئلة رفاقه.
وقد كان فرعون قبل زيارة أي معبد يُعتل ويتطهر ويتطيب ويرتدي ثيابه الرسمية وخاصة تاج الوجهين. وإذا كان من المرجح أن الإسكندر قد فعل ذلك في منف، فإنه عندما زار معبد آمون في سيوة احتفظ بملابسه العادية، مما ينهض دليلاً على أنه قد قام بهذه الزيارة بوصفه قبل كل شيء ملك مقدونيا والقائد الأعلى للإغريق، وكذلك على أن الأهداف المحلية كانت تأتي عنده في المرتبة الثانية بعد أهدافه الدولية.
وعندما خرج الإسكندر من قدس الأقداس وعاد إلى صحبه في الفناء وسأله أصدقائه عما حدث لم يجب إلا بقوله أنه سمع ما تمنى. ولعله قد فعل ذلك لأمر في نفسه أو لأن الكاهن الأكبر أفهمه أن التقاليد المصرية تقضي بذلك لأن الإله قد خاطب ابنه. وعلى كل حال فإن الإسكندر كتم السر، إذ أنه كتب بعد ذلك بقليل إلى أمه أولومبياس بأنه قد أبلغ توجيهات سرية سيقضي بها إليها وحدها عند عودته إلى مقدونيا، غير أنه توفي قبل ذلك وحمل سره معه إلى القبر. وإذا كنا لن نعرف عن يقين الأسئلة التي وجهها الإسكندر إلى الوحي والإجابات التي فاز بها فإنه لا يصعب استنتاجها، ولا سيما في ضوء إجابة الإسكندر على تساؤل أصدقائه فهي توحي بأن كل تصرفات الإسكندر التالية كانت بموافقة الإله الأكبر.
وبالرغم من أن الإسكندر قد كتم ما دار بينه وبين الوحي، فإن قلايتارخوس (Cleitarchus) لم يلبث بعد انقضاء بعض الوقت أن كتب يقول أن الإسكندر سأل الوحي عما إذا كان قتلة أبيه قد عوقبوا وأن الوحي نهاه عن هذا التساؤل الفاحش لأن أباه إله ولا يمكن أن يمسه سوء، وعندئذ سأله الإسكندر عما إذا كان كل قتله قيليب قد عوقبوا فرد الوحي بالإيجاب. وبعد ذلك تساءل الإسكندر عما إذا كان سيصبح سيد العالم وكان الرد بالإيجاب.
وإذا كان الشك يرقى إلى تصوير ما حدث بين الإسكندر والوحي على هذا النحو الدقيق لأن الإسكندر احتفظ بذلك سرًا لم يبح به لأحد فأننا لا نرى سبيلاً إلى الشك في أن الوحي اعتبر الإسكندر ابن الإله الأكبر آمون، لأن الإسكندر كان فرعونًا ولأن كل فرعون منذ حوالي عام 2000 ق.م. كان يعتبر رسميًا ابن الإله آمون رع. ولا سبيل إلى الشك أيضاً في أن الوحي منح الإسكندر السيطرة على العالم بأسره، لأنه كان جزءًا من طقوس الإله آمون أن يسأل الكاهن الإله ـ باسم فرعون ـ السيطرة على العالم فيمنحه الإله هذه السيطرة. ومن ثم يبين أن زيارة الإسكندر لمعبد الوحي في سيوة قد تمخضت على الأقل عن الاعتراف بأصله الإلهي ويحقه في السيطرة على العالم أجمع. ويقال أنه في عام 331 جاء منف رسل من ميلتوس لينشروا في الناس ما أعلنه وحي برانخيداي من أن الإسكندر قد ولد من أب سماوي، ومن أنه سيسيطر على العالم أجمع، وهو ما أكده أيضًا وحي أرتريا في أيونيا. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أنه كانت تتملك الإسكندر عندئذ رغبة قوية في الاعتبارف بأصله الإلهي وبحقه في السيطرة على العالم، وعلى أن أمر هذه الرغبة لم يكن خافيًا على المطلعين على بواطن الأمور مثل مصادر الوحي، وكان يهمها عادة مسايرة رغبات ذوي النفوذ. وهذا يؤيد ما نراه من أن الإسكندر ذهب إلى معبد الوحي في سيوة لتحقيق هذه الرغبة أمام الرأي العام الدولي.
ومنذ ذلك الوقت حرص الإسكندر على لقب ابن آمون وقضى بأن تزين صورته على النقود التي سكها بقرني كبش آمون المقدس. وقد أصبحت ذكرى الإسكندر مرتبطة بهذه الصورة إلى حد أنه ورد في روايات العرب باسم “الإسكندر ذي القرنين”. ولم يصبح الإسكندر إلهاً مصريًا فحسب، بل أن المدن الإغريقية ـ التي كانت تتألف منها عصبة قورنثة ـ رفعته إلى مصاف الآلهة في عام 324. ونحن نميل إلى الرأي القائل بأن هذا تأليه كان بإيعاز من الإسكندر نفسه لكي يتمكن من التمتع بنفوذ واسع في هذه المدن، إذ أنه لا يعقل أن تكون هذه المدن قد أققدمت من تلقاء نفسها على تأليه الإسكندر مع أنها كانت ناقمة عليه لحرمانها حريتها. وجدير بالملاحظة أنه إذا كان الإسكندر قد عبد في مصر على اعتبار أنه ابن آمون، وفي بلاد الإغريق على اعتبار أنه ابن زيوس، فإن الفرس لم يعبدوه، كما أن الإسكندر لم يدع أنه الإله الوحيد أو الإله الأكبر، بل ليس هناك أي دليل على أنه كانت توجد للإسكندر عبادة رسمية عامة في أنحاء الإمبراطورية. وعندما يرح الإسكندر واحة سيوة لم يسلك الطريق التي جاء منها وإنما فيما يبدو طريق القارة (Gara) والمغرة (Moghara) عبر صحراء النطرون عائدًا إلى منف، حيث أقام حفلاً إغريقيًا ثانيًا إجلالاً لزيوس، واستقبل البعثات من الدول الإغريقية والإمدادات من مقدونيا. ويقال أن أرسطو كان قد أوصى الإسكندر بدراسة أسباب فيضان النيل. ومن ثم فإنه في أثناء أقامته في مصر أوفد بعثة عليه إلى أعالي النيل لهذا الغرض. لكنه يبدو أنه لا أساس من الصحة لهذه القصة لأن أرسطو كان قد عرف هذه الأسباب قبل ذلك.
نظم الإسكندر:
وقبل أن يبرح الإسكندر مصر، قام بتنظيم البلاد تنظيمًا دقيقًا. ولما كان المصريون قدرحبوا به باعتباره محرر بلادهم، وكان الكهنة المصريون قد أولوه تأييدهم فمنحوه لقب ابن آمون والسيطرة على العالم، فإن الإسكندر لم ير داعيًا لاتخذا تدابير خاصة لتأمين سلطانه ضد المصريين في نظام الإدارة الذي وضعه لهم، بل كان كل همه منحصرًا في منع كل أولئك الذين عهد إليهم بمقاليد بمقاليد الحكم من الشطط في حكمهم، أو من الفتنة ضده.
وتبعًا لذلك فإن الإسكندر منح مصر استقلالاً داخليًا، ووضع وادي النيل تحت أمرة حاكمين يدعى أحدهما بتيسيس (Petisis) وكان مصريًا ويدعى الآخر دولو آسبيس (Doloaspis) وهو اسم يبدو أنه أناضولي، أو فارسي، لكن الأول لم يلبث أن اعتزل منصبه فانفرد الأخير بالحكم. ووضعت الأقاليم المتاخمة للدلتا تحت إشراف رجلين من الإغريق، فقد نصب أبولونيوس (Apolonios) بن خارينوس (Charinos) حاكمًا على منطقة ليبيا، وقليومنيس (Cleomenes) النقراطيسي حاكمًا على المنطقة العربية المجاورة لهروؤنوبوليس (Heroonpolis). وكلف قليومنيس بأن يفرض على بتيسيس ودولو آسبيس أن يرعيا في حكمهما التقاليد المصرية القديمة، وبأن يحصل منهما الضرائب، بعد قيامهما بجمعها، فقد كانت الإدارة المالية بأجمعها في قبضة قليومنيس. وترك الإسكندر مصر في حماية جيش وأسطول سنعود إلى الكلام عنهما فيما بعد. ويبين أن الإسكندر كان قد عهد إلى قليومنيس أيضًا في السهر على إنشاء الإسكندرية.
وتمتاز هذه النظم التي وضعها الإسكندر لمصر بظاهرتين واحدهما هي تقسيم السلطة بين عدد من الأفراد لتفادي خطر استبداد فرد واحد بها مما كان يتعارض مع صوالح الإمبراطورية ولا سيما في بلد مثل مصر، إذ أن مركزها الطبيعي كان يجعلها من المناعة والقوة إلى حد يسهل معه على شخص قوي أن يحميها من الغارات الخارجية. وإذا كانت كل السلطة قد آلت حتى في حياة الإسكندر نفسه إلى شخص واحد هو قليومنس، فإن ذلك لم يكن في الحسبان، ولم يكن المسئول عنه النظم التي وضعها الإسكندر بل ضعف الحكام الأخرين ومهارة قليومنيس نفسه. والظاهرة الأخرى هي روح العطف التي أبداها الإسكندر نحو المصريين، فإنه فعل ما لم يفعله البطالمة فيما بعد حتى أواخر أيام دولتهم، إذ أن الإسكندر اختار من بين المصريين حاكمي الوجه البحري والوجه البلي، أو على الأقل أحد هذين الحاكمين إذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذا كان هذا النظام يتمشى مع الطريقة التي اتبعها الإسكندر اختار من بين المصريين حاكمي الوجه البحري والوجه القبلي، أو على الأقل أحد هذين الحاكمين إذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذا كان هذا النظام يتمشى مع الطريقة التي اتبعها الإسكندر في حكم الولايات الأخرى، فهل عندما استدل في نهاية حياته، في أغلب الحالات، مقدونيين أو أغريق بالشرقيين لأن هؤلاء خانوه أو غدروا به، فعل ذلك أيضاً في مصر؟ هذا جائز فكتاب الاقتصاد المنحول على أرسطو يقرن اسم قليومنيس بلقب ساتراب أي وال، والخطبة المنحولة على دموسثنيس تصف قليومنس بأنه حاكم مصر، وباوسانياس يقول صرحاة أن الإسكندر عين قليومنيس واليًا على مصر. غير أن مصدرنا الرئيسي، وهو أربانوس، وكذلك كوينتوس قورتيوس لا يذكران شيئًا من ذلك. هذا إلى أنه لو صح أن الإسكندر كان قد عين قليومنيس واليًا على مصر، لاحترم خلفاؤه إرادته ولما عينوا بطلميوس مكان قليومنيس على نحو ما سنرى. أم يجب أن تعزو التغيير الذي طرأ على نظام الحكم في مصر إلى مهارة قليومنس، الذي قبض على مصدر كل السلطان فيها بفضل إشرافه على إراداتها المالية؟ أن الشيء الثابت هو أنه عندما فاض روح الإسكندر لم تكن مصر سوى ولاية يهيمن عليها قليومنيس، وهو الذي أصبح يدعى فيما بعد قليومنيس الأسكندي وذلك فيما يبدو بسبب مشاركته في إنشاء الإسكندرية.
قليومنيس النقراطيسي:
ويبدو أنه قد صاحب ازدياد سلطة قليومنيس ازدياد كراهية الناس له، فقد اتهم باتخاذ تدابير أدت إلى رفع أسعار القمح في العالم الإغريقي، وبالالتجاء إلى شتى الوسائل لابتزاز الأموال. ويستدل على ذلك مما ورد في كتاب الاقتصاد المتحول على أرسطو وجاء فيه أنه “عندما نزل بالأقاليم المجاورة قحط شديد لم تتأثر به مصر إلى حد كبير، منع قليومنيس الإسكندري وإلى مصر تصدير القمح. وعندما شكا الحكام من أنهم لا يستطيعون دفع جزيتهم (الضرائب) بسبب هذا الحظر، أباح التصدير، لكنه فرض سعرًا عاليًا على القمح حتى أن كمية صغيرة صدرت إلى الخارج بيعت بمبلغ كبير وبذلك تخلص من معاذير الحكام. هذا إلى أنه عندما ركب النيل ومر بالمديرية التي يعبد فيها التمساح وافترس تمساح أحد عبيدة، جمع الكهنة وأخبرهم بأنه يجب أن يثأر من هذا الاعتداء الأثيم وأمر بسيد التماسيح. وقد جمع الكهنة كل ما يستطيعون من الذهب وأعطوه للوالي ابتغاء رضاه حتى لا يدنس الههم. وفضلاً عن ذلك فإنه عندما أمره الإسكندر بإنشاء مدينة بالقرب من فاروس (مدينة الإسكندرية) وبنقل سوق تجارة قانوب إليها، ذهب إلى قانوب وأخبر كل قساوستها وأثريائها بأنه أتى ليخرجهم منها، فجمعوا مبلغًأ كبيرًا من المال وأعطوه إياه لكي يحتفظوا بسوقهم. فرحل عنهم، لكنه بعد قليل، عندما أعد كل شيء لبدء بناء المدينة الجديدة، أتى إليها ثانية وطلب منهم مبلغًا من المال أكبر من الأول، معلنًا أن هذا المبلغ يعادل الفرق بين وجود السوق هناك وبين وجوده في الإسكندرية. وعندما قالوا أنهم لا يستطيعون دفعه نقلهم جميعًا إلى المدينة الجديدة .. وحدث أنه عندما كان سعر القمح (أي سعر المديمنوس (Madimnos) ما يزيد قليلاً على كيلتين عشر دراخمات، دعار الزراع وسألهم عن السعر الذي يريدون أن يبيعوا به القمح له، فأجابوه بأنهم يبيعونه له بسعر أقل مما يبيعون به للتجار. وعندئذ طلب إليهم أن يبيعوه له بالسعر نفسه الذي يبيعون به للآخرين، لكنه حدد سعر القمح (للتصدير) بمبلغ قدره 32 دراخمة وباع بهذا السعر. وحدث مرة أخرى أن جمع القساوسة وأخبرهم بأن نفقات الديانة في البلاد باهظة، ولذلك يجب إغلاق بعض المعابد وطرد عدد من القساوسة، فأعطاه القساوسة مالاً من جيوبهم الخاصة ومن دخل المعابد لأنهم ظنوا أنه كان ينوي حقًا إنقاص عدده، ولأن كلاً منهم كان يريد الاحتفاظ بمعبده وبمنصبه الكهنوتي.
وإزاء إجماع المصادر القديمة على إدانة قليومنيس يبدو أنه كان جديرًا بسمعته السيئة. وإذا كان قيامه باحتكار تصدير القمح لم يضر بالمزارعين المصريين، فإنه دون شك قد ألحق بالتجار المصريين ضرراً بليغًا، لأنه هو الذي كان يشتري القمح من المزارعين مباشرة. ومن المسلم به في كل حالات الاحتكار، قديمًا وحديثًا في كل بلاد العالم، أن المحتكر لا يدخر وسعًا في الحصول على كل ما يمكن أن تصل إليه يده من السلعة المحتكرة. فما بالنا وقليومنيس كان صاحب الأمر والنهي في مصر حين احتكر تجارة القمح، وكانت قد استبدت به رغبة جامحة في جمع المال إلى حد أنها زينت له بالابتزاز، وكان كلما زادت كمية مشترواته من القمح زادت كمية صادراته ومن ثم زاد مقدار ربحه. وإزاء ذلك لا نستبعد أن قليومنيس لم يدخر وسعًا في شراء معظم المحصول، ولا أن أنتيجة المنطقية كانت نقص المعروض في الأسواق المحلية وتبعًا لذلك ارتفاع ثمنه، أي الأضرار بمجموع الشعب المصري. ولا ريب في أن السعر المرتفع الذي كان قليومنيس يبيع به القمح للدول الإغريقية يعتبر نوعًا من الابتزاز السافر وقرينة على سلوكه لا نستبعد معها الوسائل الأخرى التي لجأ إليها لابتزاز الأموال من المعابد وغير ذلك. ولا أدل على طغيانه في ابتزاز الأموال مما يقال من أنه جمع 8000 تالنت في وقت كانت لا تزيد فيه ثروة أغنى رجل في بلاد الإغريق على 160 تالنت، بل أن هاربالوس (Harpalos) الذي كانت كنوز الإسكندر في متناول يده لم يفلح في سرقة أكثر من 5000تالنت. ويبدو معقولاً أن الإسكندر وهو في أواسط آسيا وفي غمرة مشاغله لم يصل إلى عفا عن قليومنيس وسمح له بأن يعمل ما يروق له، فهي غير مقبولة وذلك لسببين وأحدهما هو أن هذه القصة مستمدة من وثيقة مزيفة، والآخر هو أنه قبل ذلك مباشرة كان الإسكندر قد قضى بإعدام رجل من الأرستقراطية المقدونية يدعى قلياندروس لنفس ما أتهم به قليومنيس.
وعندما فرغ الإسكندر من مهامه في مصر برحها في ربيع عام 331 قاصدًا بابل ليلقي الجيش الفارسي ثانية، بعد أن أعاد تنظيمه وتولى قيادته الملك الأكبر. وفي موقعة جاوجميلا (Gaugamela) أوتى الإسكندر في العالم نفسه نصرًا حاسمًا، تابع بعده الاستيلاء على ولاية بعد أخرى من ولايات الإمبراطورية الفارسية. وعند مشارف الهند، أبى الجيش التقدم إلى ما وراء ذلك فاضطر إلى العودة إلى بابل. وفي ليلة 10/11 من يونية عام 323 قضى الإسكندر نحبه في بابل، قبل أن يتم الثالثة والثلاثين من عمره. ويرى بعض المؤرخين أنه كان سعيدًا في وفاته إذ ذاك، لأنه توفي في أوج مجده قبل أن يواجه العبء الحقيقي، فقد أوتي من الانتصارات ما لم يسعد به سوى القليل، لكنه بقى عليه وضع النظم التي تصلح لحكم ذلك العالم الذي فتحه.