وثائق البردى

يقترن ذكر اوراق البردى دائما بذكر مصر القديمة . ذلك ان المصريين القدماء كانوا اول من اهتدى الى صنع صحائف للكتابة من اللباب الداخلى اللزج فى ذلك النبات الذى ينمو فى مصر فى مساحات شاسعة من مستنقعات الدلتا على وجه الخصوص و فى بعض جهات من اقليم الفيوم منذ عصور بالغة القدم .

كذلك فانه عندما تذكر اوراق البردى من حيث هى مصدر مهم من مصادر المعرفة التاريخية و التراث الحضارى القديم يتبادر الى الذهن على الفور عصور التاريخ المصرى القديم منذ الدولة الفرعونية القديمة،بل ربما منذ عصر بداية الاسرات حتى بداية العصر الاسلامى،اى على مدى زمنى يزيد على الاربعة الاف من السنين.

والواقع انه بالرغم مما تبين من ان نبات البردى كان ينمو فى انحاء قليلة متفرقة من العالم القديم غير مصر،وان شعوبا غير المصريين قد عرفت استخدام هذا النبات فى اغراض اخرى غير صناعة اوراق الكتابة(ومن هولاء اهل صقلية و فلسطين و شرقى السودان)، فان المصريين وحدهم هم الذين ابتكروا هذه الاوراق واحتكروها وجعلوا منها سلعة رائجة للتصدير الى العالم الخارجى ردحا طويلا من الزمان.وقد كان امرا طبيعيا ان يستخدم المصريون القدماء،اوراق الكتابة البردية على نطاق واسع فى تسجيل ادابهم وعلومهم وفنونهم وسائر شئون حياتهم.وبفضل جفاف التربة المصرية نسبيا خاصة الى الجنوب من الدلتا ،سلم الكثير من هذه الاوراق من البلى والتلف ، فكان ان حفظت لنا رمال مصر كنزا من المعلومات عن تاريخها و حضارتها .وحسبنا ان نذكر من سجلات التاريخ المصرى الفرعونى القديم مثلا بردية تورين التى تضم قائمة الفراعنة الذين توالوا على الحكم منذ بداية العصور التاريخة حتى وقت تسجيل البردية فى عصر الاسرة التاسعة عشرة، وأن نذكر فى مجال تراث مصر القديمة العلمى تلك البرديات الطبية الشهيرة وعلى راسها بردية ايبرزEbers ،هذا الى عدد كبير من البرديات الدينية والادبية المطولة او القصيرة.
متابعة قراءة وثائق البردى

مصر تستعيد رأس الفرعون أمنحوتب الثالث

أعلن المجلس الأعلى للآثار في مصر عن استعادة رأس تمثال الفرعون أمنحوتب الثالث من هولندا، وذلك بعد 15 عاما من سرقته من مصر. وكشف الإنتربول الدولي عن دخول التمثال الأراضي الهولندية وقام بإبلاغ السفارة المصرية في العاصمة لاهاي.

ووصل التمثال أمس بصحبة اللجنة الأثرية المصرية وسلم بمطار القاهرة إلى المتحف المصري تمهيدا لوضعه ضمن محتويات المعرض الجديد الذي يقام أثناء الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس المتحف في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية زاهي حواس إن مصر ستستعيد في الأشهر القليلة المقبلة مجموعة أخرى مهمة من القطع الأثرية من عدد من الدول بينها بريطانيا.

وكان التمثال المنحوت من حجر الكوارتزيت البني ويبلغ ارتفاعه 50 سم وعرضه 33 سم ويحمل نقوشا فرعونية تؤكد ألقاب أمنحوتب الثالث الملكية قد سرق من مخازن معبد منتو بمجمع معابد الكرنك مع 55 قطعة أخرى وتم تهريبه إلى هولندا.

وكشف الإنتربول الدولي عن وصول التمثال الذي يمثل والد فرعون أخناتون من الأسرة الثامنة عشرة (1139-1350 قبل الميلاد) إلى هولندا فور ظهور بعض القطع المسروقة لدى أحد هواة جمع الآثار وتم إبلاغ المصريين بذلك عبر سفارتهم في لاهاي.

نفرتيتي

نفرتيتي بها Winfred Brunton

يمكن القول ، لأولئك الذين لا تشارك في دراسة مصر القديمة ، وربما كان للملكة نفرتيتي بصورة أفضل من زوجها ، والمبتدع الملك Akhenaten (Amenhotep الرابع). ومن قال إن وحتى في العالم القديم ، وكان جمالها الشهير ، ولها شهرة التمثال ، عثر عليها في ورشة عمل النحات ، ليست سوى واحدة من اشهر رموز مصر القديمة ، ولكن أيضا موضوع الحديث بعض الجدل. إنها أكثر من مجرد وجه جميل ولكن لأنها تبدو وقد اتخذت حتى الآن من أهمية على مستوى لم يسبق له مثيل في الفترة من مساكين 18th الأسرة الحاكمة في مصر. في العمل الفني ، وضعها هو واضح ، ويشير إلى أن لديها ما يقرب من نفوذ زوجها. على سبيل المثال ، انها صورت ما يقرب من ضعف في كثير من الأحيان الإنتصاف زوجها ، على الأقل خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه. في الواقع ، فإنها تظهر مرة واحدة حتى في تقليدية تطرح للفرعون وهو يضرب له (أو في هذه الحالة ، عنها العدو.
متابعة قراءة نفرتيتي

حضارة إغريق مصر

وماذا كانت حال الحضارة الإغريقية في أثناء عز البطالمة وفي أثناء هوانهم؟ لاشك في أن أهم دعامة للحضارة الإغريقية كانت المدارس والمعاهد الإغريقي ، لأنها هي التي كانت تفتح لهم آفاق الفكر الإغريقي ، حتى أنه كان يوجد قول مأثور شائع بين إغريق مصر، فحواه أن التعليم هو المصدر الرئيسي للتفكير .

حسبنا دليلاً على الدور الذي لعبه التعليم في حياة الحضارة الإغريقية في مصر تلك النتائج الباهرة التي تمخض عنها. ولاشك في أن الآداب كانت أسمى مظاهر هذه الحضارة، التي أصبحت الإسكندرية أهم مراكزها منذ تم إنشاؤها، وبفضلها نسبت الحضارة الإغريقية منتعشة في مصر حتى في العصر الروماني. فإن الإسكندرية احتفظوا بشهرتهم في هذا العصر المتأخر، إذ شهدت الإسكندرية عندئذ أيضًا نشأة فلاسفة وكتاب وجعرافيين مثل فيلون وأخيلس تاتيوس (Achilles Tatios) وبطلميوس. وقد كان للأقاليم أيضًا نصيبها في هذه الحكة الأدبية في العصر الروماني، فقد ولد العالم أثينابوس في نقراطيس والفيلسوف بلوتينوس (فلوطين) في ليكوبوليس (أسيوط).

وإذا كانت الحضارة الإغريقية قد بقيت مزدهرة في مصر حتى في العصر الرومان، فإنها بلغت أوج مجدها في عصر البطالمة ولاسيما على عهد أوائلهم. وقد يقال أن الشخصيات الكبيرة التي ذاع صيتها قديمًا وحديثًا لا تمثل إلا أرستقراطية الآداب، وهي أرستقراطية باهرة لابد أنها كانت محدودة، ومن ثم فإن ذلك لا يدل على تغلغل الحضارة الإغريقية في البلاد. لكن النقوش والأوراق البردية ترينا أنه إلى جانب هذه الأرستقراطية، كانت توجد أيضاً طبقة وسطى من الإغريق المتأدبين، كانت حقًا أقل ضياء وشهرة إلا أنها كانت أكثر عددًا ونشاطًا. فقد وجد في بطوليميس نقش من نهاية عهد فيلادلفوس أو بداية عهد بطلميوس الثالث، وهو يحوي قرارًا اتخذته جمعية فناني ديونيسوس والإلهين الأخوين لتكريم أحد أعضائها جزاء ما قدمه للجمعية من الخدمات. وأهم ما يعنينا من أمر هذا النقش في هذا المقام هو قائمة أسماء أعضاء هذه الجمعية التي تلي القرار، فإنها تضم اثنين من شعراء التراجيديا، وهما فاينيبوس (Phaenippos) وديوجنتوس (Diognetos)، وأثنين من شعراء الكوميديا، وهم ستراتاجوس (Stratagos) وموسايوس (Mousaios) وثيوجنيس (Theogenes) وأرتمدوروس، وذلك عدا الموسيقيين والراقصين والممثلين.

وإذا كانت هدف التنقيب قد جارت علينا بالتعرف على كل هذا العدد من الشعراء في مدينة واحدة في قلب الصعيد، فما أكثر الذين لا نعرفهم من الشعراء الإغريق الذين كانوا يعيشون في كل أنحاء مصر، ولاسيما أن المنقبين عن الآثار يكشفون على الدوام منذ أمد طويل عن بقايا قطع عديدة من مختلف ألوان الشعر، تتميز بكثرتها وإن لم تتميز في أغلب الأحيان بقيمتها الفنية. ويبدو أن البلاد كانت زاخرة أيضاً بفئات أخرى من رجال الأدب كالمؤرخين والفلاسفة المختلفين، الذين لم يكونوا كذلك شموسًا كبيرة وإنما نجوم لامعة صغيرة سطع نورها الخافت وقتًا في سماوات مخلية، لكنه مهما كانت مواهب كل هذه الطبقة الوسطى من رجال الأدب متواضعة، فإنها على كل حال تمثل نخبة المتحضرين الإغريق في الريف. وإلى جانب هذه الطبقة كان يوجد الكثيرون ممن لا يصطنعون الأدب الإغريقي، وإن كانوا يقرأونه ويستمتعون به. وكان يوجد كذلك أولئك الذين يكتبون الإغريقية ويتكلمونها، لقضاء أشغالهم أو أشغال غيرهم من الناس ممن قد يعرفون الإغريقية لكن معرفتهم بها كانت سطحية، أو يعرفون كيف يتكلمونها ولا يعرفون كيف يكتبونها. فقد كانت البلاد تهج بالموظفين والتجار ورجال الأعمال والصناع والزراع الإغريق وأشباههم، الذين كان بينهم الكثير من أنصاف المتعلمين والأميين. ويلاحظ أنه إذا كان الإغريق الذين استقروا في مصر قد احتفظوا بشغفهم بأساليب الحياة السياسية وبإحراز قسط من الثقافة الإغريقية، فإننا مع استثناء الفئة المتعلمة تعليمًا ممتازًا من سكان العاصمة نجد أنه كان للاهتمام بشئون الحياة المادية سلطان على عقولهم لا بدانيه ما كان لميولهم العقلية أو الفنية. فقد كان أهم ما يعني به الإغريقي في وطنه الجديد هو أن يضمن لنفسه وأسرته أكبر قدر من الرفاهية المادية، ومن ثم دأب على العمل بجد ونشاط لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت معلوماتنا طفيفة عن التعليم في مصر البطلمية، فإننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أن التعليم كان على ثلاث مراحل، وأنه لم يكن إجباريًا ولا مجانًا. ويبدو أن الفقراء لم يكونوا عادة في حالة تسمح لهم بتعليم أبنائهم، أو أنهم لم يعنوا بذلك، فكان أبناؤهم يبقون أميين. أما الأسر المتوسطة الحال أو المتيسرة، فإنها كانت ترسل أبناءها لتلقي مبادئ العلم، مدة تطول أو تقصر حسب مواردها، في المدارس الخاصة التي أنشأها المعلمون في كل مكان. أما الأغنياء فإنهم كانوا يعلمون أبناءهم هذه المبادئ على أيدي من يختارونه لهم من المعلمين.

وبعد تلقي مبادئ العلم الأولية، كان التلاميذ، الذين تسمح حالتهم بمتاعبة تحصيل العلم، يذهبون إلى الجيمنازيا حيثما وجدت، أما في مواطنهم أو في القرى الكبيرة والمدن. ويبدو من القليل الذي نعرفه أنهم كانوا يتلقون في هذه المعاهد من الثقافة العلمية والتربية البدنية الإغريقية قدرًأ يماثل ما كان يدرس لنظرائهم في معاهد العصر الهلينيسي، في المدن الإغريقية القديمة في بلاد الإغريق نفسها وفي آسيا الصغرى بوجه خاص. وعلى كل حال يبدو أن هذه المعاهد كانت بمثابة مرحلة الثقافة العامة. ولم تقتصر الجيمنازيا على تعليم الشبان، بل كانت أيضًا منتديات الإغريق الذين كانوا يعيشون بالقرب منها، وبخاصة الذين تعلموا فيها وكانت تؤلف منهم “جماعات رجال الجيمنازيوم”. فلا عجب إن كانت اليجمنازيا أهم مراكز الحياة الاجتماعية عند الإغريق، إذ أنها كانت تقوم بدور المدرسة والنادي في وقت واحد. وينهض انتشار الجيمنازيا في مصر وتمتعها بتلك المكانة الهامة دليلاً على استمساك الإغريق بتقاليدهم، وعلى العناية التي كانت الطبقات العليا الإغريقية توجهها لإعطاء أبنائها ثقافة إغريقية صحيحة. وبعد انتهاء هذه المرحلة، كان عدد قليل من الشبان السعداء يذهبون لمتابعة دراستهم على كبار الأساتذة، أما في الإسكندرية أو إحدى المدن الكبيرة مثل أوكسيربنخوس.

وأوفى ما لدينا من المعلومات خاص بالمرحلة الأولى من التعليم، وذلك بفضل ما وصل إلينا من الكتب المدرسية وكراسات التلاميذ وما تحدثنا عنه الوثائق البردية. ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على هذه المرحلة التعليمية الهامة، التي كان يشترك فيها العدد الأكبر من سلالة نزلاء البلاد، وكذلك من أبناء المصريين الذين كانوا يريدون أن ينحوا نحو الأجانب. ويبدو أن المعلمين كانوا رقيقي الحال، فهم فئة مغبونة في كل عصر ومكان، إذ كانوا يتعيشون مما يدفعه لهم التلاميذ كل شهر، ومن الهدايا التي يجود بها عليهم أصحاب المرءوة تشجيعًا لهم. وترينا وثيقتان أنهم كانوا لا يستقرون في مكان واحد، إذ نراهم يتنقلون في خلال عام واحد من مكان إلى مكان. ولعلهم كانوا يذهبون لمززاولة مهنتهم حيثما كانت تبدو لهم بارقة أمل في الفوز بأ:بر عدد ممكن من التلاميذ. ولم يكن هؤلاء المدرسون متخصصين في مهنتهم، فإنه لم توجد معاهد خاصة لتخريجهم في كل أنحاء العالم الهلينيسي، ولم تشترط فيهم أية مؤهلات خ اصة إلا تمتعهم بمستو عال من الأخلاق الحميدة. وتشير الوثائق المختلفة إلى أن التلاميذ الكسالى والعابثين كانوا يعاقبون بفرض واجبات عليهم أو بضربهم، ويبدو أن العقاب الجسماني كان القاعدة السائدة. لكنه يجب ألا نظن أن حياة هؤلاء التلاميذ كانت قاسية، إذ أن آباءهم كانوا لا يحرمونهم من الهدايا واللعب، كالدمى والخيل المصنوعة من الخشب ومقدمة على عجل والسيوف والأقواس الخشبية، هذا إلى جانب الألعاب المختلفة التي كانوا يشتركون فيها سويًا.

وفي الصباح كان التلاميذ يذهبون إلى فصولهم، أما بمفردهم أو في رفقة مربيهم أو أمهاتهم. وكان صغارهم يرتدون ملابس قصيرة، وكبارهم ملابس طويلة. وكان الأنيقون منهم يلبسون رداء أبيض اللون كالجلباب. ويحملون فوقه معطفًا أرجواني أو أخضر أو أحمر فاقع اللون، ويتدلى من رقبة بعضهم على الأقل ما يقيهم شرعين السوء. وكان التلاميذ المجدون وكذلك أولئك الذين يرافقهم الكبار يمضون مباشرة إلى المدرسة ومعهم أدواتهم المدرسية، وكانت عبارة عن لوحة من الشمع أو الخشب، أو قطعة قديمة من ورق البردي استعمل أحد وجهيها من قبل، أو كسر من الفخار ليتيسر غسلها وإعادة استعمالها مراراً، وأقلامهم ومحابرهم، ومن المحتمل أيضًا كتاب للقراءة. أما التلاميذ الكسالى فكانوا كثيرًا ما يتعمدون أن يضلوا الطريق ويهربون إلى ساحات الألعاب، أو يتنزهون على ضفاف القنوات، أو يقطعون الوقت في مشاهدة الأسواق والضحك على المشادات الكلامية بين الثرثارين. وتصور لنا الواثئق المختلفة حياة التلاميذ في مدارسهم، حتى لنكد نسمع بعضهم يلثغون في قراءة دروسهم، ونرى البعض الآخر يعيشون بألواحهم، والبعض يركنون إلى الجهاد في سبيل كتابة أسمائهم والتاريخ، والبعض يختلسون فترة تسهى فيها عنهم عين المدر ليرتكبوا حماقة من الحماقات.

وقد كان أهم ما يعني به المدرسون هو ذاكرة التلاميذ، الذين كان ينبغي عليهم قبل كل شيء أن ينقشوا في ذاكرتهم أسماء حروف الهجاء وشكلها وترتيبها ونطقها. وللتأكد من ذلك، كان يجب على التلاميذ أن يحفظوا الحروف مرتبة من أولها إلى أخرها ومن أخرها إلى أولها. وبعد ذلك كان يمرن التلاميذ على تكوين مقاطع كلمات مختلفة لا معنى لها، لكنها كانت تتطلب منهارة في الكتابة ودقة في النطق. وبعد اجتياز هذه العقبات السقيمة، كان المدرس يعطي تلاميذه نماذج مختلفة للكتابة يقومون بنسخها مرات عديدة. ثم يلقن التلاميذ أسماء أشياء مختلفة من الحياة اليومية، كأسماء الحرف والشهور أو أسماء مأخوذة من القصص والتاريخ. وبعد ذلك كانت تستبدل بالمفردات جمل قصيرة أو حكايات يستسيغها الأطفال وبعض الأقوال المأثورة. بيد أنه يبين أن المدرسين لم يعنوا دائمًا يتلقين الصغار ما كان يتفق وعقليتهم، وإلا لما لقنوهم في حداثتهم مثل هذه العبارات “البحر والنار والمرأة ثالوث مزعج” أو”تزوج إمرأة ولا تتزوج صداقًا”. ولما كان الكثير من كتبة المستقبل يفشون المدارس، فإن التلاميذ كانوا يمرنون على نسخ صور للعقود والخطابات الرسمية.

وفي الوقت نفسه فيما يظن أو بعد ذلك، كان التلاميذ يمرنون على مطالعة مقطوعات مطولة من كتب أدبية مثل خرافات أيسوبوس (Aesopos) بوجه خاص، أو من فلسفة سقراط وديوجينيس. وكانت هذه المقطوعات تعطي للتلاميذ بشكل يقصد منه حضهم على التفكير. وكانوا يعطون أيضًا بعض الأحاجي على هذا النمط: ما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش أغلب الوقت في نهار؟ وما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش على الأرض؟ وما هو الطائر الذي يرضع أولاده؟. ويبدو أن هذه المعلومات الأولية كانت تتخذ أساسًا لتلقين التلاميذ قواعد اللغة التي كانوا يعطون تمارين لتطبيقها. وكانوا يمرنون أيضًا على الأملاء وعلى قراءة الآداب الإغريقية وبوجه خاص الشعر. وقد كانت أشعار هوميروس أكثر الأشعار الإغريقية تداولاً في المدارس ثم تأتي بعدها أشعار يوربييديس. وفي البداية كان المدرسون يشرحون هذه الأشعار ويفسرونها لتلاميذهم، لكنه بعد ذلك كان التلاميذ أنفسهم يتولون أمر الشرح والتفسير والتعليق.

ولم يكن التعليم في المدارس مقصورًا على الآداب فحسب، إذ لا شك في أن التلاميذ كانوا يأخذون كذلك دروسًا في التاريخ والجغرافيا، لكن لما كانت هاتان المادتان تدرسان شفويًا فإنه يتعذر علينا أن نعرف كيف كانتا تدرسان، ولا أي كتب التاريخ كانت تستخدم في المدارس. ولا يبعد أن التلاميذ كانوا يعطون فكرة عن، أو على الأقل أسماء، أشهر المشرعين والمصورين والمثالين والمعماريين والمهندسين وأمناء مكتبة الإسكندرية وعجائب الدنيا السبع، وأسماء البحار والجزر والبحيرات وأكثر الجبال ارتفاعًا وأعظم الأنهار طولاً. وقد كان للحساب نصيب محدود من عناية المدارس الابتدائية، وكان التلاميذ يعلمون أولاً الإعداد البسيطة ثم الأعداد الفردية والأعداد الزوجية، وبعد ذلك الجمع والطرح والضرب وأجزاء وحدات القياس والعملة. ويظن أن تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يتعلمون طريقة العد على الأصابع، وكانت تختلف اختلافًا بينًا عما يقصده بذلك، فقد كانت طريقة معقدة لها قواعد دقيقة يستطيع الإنسان بفضلها أن يعبر بيديه عن أي عدد صحيح ابتداءً من الواحد حتى المليون.

ومهما قيل عن طريقة التدريس أو برامج الدراسة، فلا جدال في أن المدارس الإغريقية على اختلاف أنواعها قد ساعدت على بقاء جذوة الحضارة الإغريقية مشتغلة في كل أنحاء مصر، فكانت ثقافة إغريق مصر سواء أكانوا يعيشون في المدن الإغريقية أم في المدن والقرى المصرية ثقافة إغريقية. وإذا كنا قد عرفنا أن الإغريق أحضروا معهم من بلادهم ديانتهم كما أحشروا عاداتتهم وتقاليدهم، وأنهم كانوا يخضعون لقوانين إغريقية تتمشى مع هذه العادات والتقاليد ويحاكمون أمام محاكم إغريقية، ويعيشون عادة في أوساط إغريقية: أما في المدن الإغريقية أو في جماعاتهم القومية وجمعياتهم الدينية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها، وأن أفواج الإغريق كانت تفد على مصر باستمرار حتى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد فتنعش فيهم ما ذوى وتجدد بينهم ما بلى، وأنه لا توجد أية قرينة على تزاوجهم مع المصريين حتى نهاية القرن الثالث، وأنهم كانوا يعتزون بحضارتهم الإغريقية، ولاسيما أنها كانت مصدر ما يتمتعون به من الخير العميم في مصر، فإنه بفضل عطف البطالمة وحدبهم عليهم كانوا سادة البلاد الذين يسيطرون على أسمى المناصب ويقبضون على ناصية الحكم ويتمتعون بمزايا أشعلت نار الحقد والغضب في المصريين؛ إذ كنا قد عرفنا كل ذلك، فإننا لا نشك في أنه وسط هذه الظروف قد حافظ إغريق مصر على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فبقوا إغريقًا خالصين على الأقل حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد.

لقد كان إغريق مصر يعيشون حقًا في أوساط إغريقية، لكنه يجب ألا ننسى أن هذه الأوساط كانت حتى في المدن الإغريقية تقوم في بيئة غريبة عن الحياة الإغريقية إلى أقصى حد، ولذلك كانت المحافظة على قوة الروح الإغريقي بين إغريق مصر لا تتوقف على استمساكهم بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فحسب، بل كذلك على تطعيم هؤلاء الإغريق باستمرار بدماء إغريقية جديدة من بلاد الإغريق تكون بعيدة عن كافة المؤثرات الغريبة عن الروح الإغريقي. بيد أنه منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد انقطع وفود أفواج جديدة من الإغريق، بسبب نقص عدد الإغريق في بلادهم نتيجة لحروب القرن الثالث الطويلة التي اشتركوا فيها بمثابة جنود مرتزقين، ونتيجة للحروب الداخلية التي عانتها بلاد الإغريق نفسها في خلال هذا القرن ونتيجة كذلك لاتجاه الإغريق نحو تحديد النسل من جراء قسوة الحياة وشظف العيش في بلادهم. وإزاء انقطاع وفود أفواج جديدة من الإغريق كان طبيعيًا أن يضعف الروح الإغريقي تدريجيًا بين إغريق مصر، غير أنه مهما ضعف هذا الروح لابد من أن يكون إغريق مدن مصر الإغريقية قد بقوا إغريقًا خالصين ، نتيجة لعدم الاعتراف بالزواج بينهم وبين المصريين في هذه المدن، ونتيجة لاستمرار المعاهد والمدارس الإغريقية في متابعة نشاطها، ولاسيما أن الإسكندرية كانت لا تزال منارة الحضارة الإغريقية وتتمتع بشهرتها العظيمة في العلوم و الفلسفة والآداب. وإذا كان بطلميوس الثامن قد طارد علماء الإسكندرية وفنانيها في مطلع عهده عند منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، لا بدافع مجافاة الثقافة الإغريقية نفسها التي كان يزهى بحظه منها وإنما بدافع الانتقام من العلماء والفنانين أنفسهم بسبب مناصرتهم لفيلومتور وكيلوبترة الثانية، فإن بطلميوس الثاني كفر في شيخوخته عن سوء مسلكه السابق وأسبغ عطفه و كرمه على العلماء والأدباء والفنانين فلم تلبث الإسكندرية أن استعادت شهرتها القديمة واحتفظت بها حتى فترة متأخرة في العصر الروماني.

إن العامل الذي أدى إلى ضعف الروح الإغريقي في مدن مصر الإغريقية كان له أثر أقوى بطبيعة الحال خارج هذه المدن، ولاسيما أنه منذ أواخر القرن الثاث أصبحت اقطاعات الإغريق وراثية، وبذلك أصبح لأرباب هذه الإقطاعات مصالح دائمة في البلاد. وقد كانت رعاية هذه المصالح تتطلب منهم أن يداروا أهل البلاد وألا يشمخوا بأنوفهم عليهم. وفي الوقت نفسه أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في معاملة المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، ويمنحونهم من الإمتيازات ما رفع من شأنهم وضيق شقة الفارق بينهم وبين الإغريق وساعد على التقريب بين العنصرين، مما أدى إلى تكوين عدد من الأسر المختلطة المصرية ـ الإغريقية. لكنه يجب ألا نبالغ في هذا التقريب بين العنصرين، فقد وقعت في النصف الثاني من حكم البطالمة ثورات مصرية عنيفة، وتحدثنا الوثائق عن أشخاص أسيئت معاملتهم لأنهم إغريق. وعلى كل حال فإن هذه العوامل المختلفة أضعفت الروح الإغريقي بين إغريق الأقاليم، غير أنه لما كانت الصبغة الإغريقية تكسب صاحبها مركزًا ممتازًا مهما كانت جنسيته، إذ أن فكرة أيسقراط (Isocrates) القائلة بأن قوام الإغريقي ثقافته وليس دمه أصبحت أساس معاملة الأفراد في مصر البطلمية، فهل نشك في أن غالبية الإغريق استمسكوا بحضارتهم الإغريقية؟ يبدو لنا أنه مهما ضعف روح إغريق الأقاليم، حتى كانوا يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإغريق القدماء، وأنه إذا كان بعض الإغريق قد عبدوا آلهة مصرية وتعلموا اللغة المصرية وتزوجوا مصريات واتخذوا أسماء مصرية وعادات مصرية، فإن أغلبهم بقوا إغريقًا خالصين. وذلك بفضل أثر مدن مصر الإغريقية ومعاهد الإغريق ومدارسهم، التي كانت توجد حيثما وجد عدد كاف من الإغريق، وكذلك بفضل ما كان يتمتع به الإغريق من المكانة الممتازة في البلاد. لقد أصاب روستوفتزف كبد الحقيقة بقوله أن ضعف الروح الإغريقي في مصر لم يكن نتيجة التزاوج والاندماج مع المصريين ولا نتيجة تأثير الحضارة المصرية في الإغريق، وإنما كان نتيجة ما طرأ على الروح الإغريقي ذاته من التغيير بسبب معيشة الإغريق في بيئة غريبة عنهم ووسط ظروف تختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.

ويبدو أن الروح العامة التي كانت تسيطر في بداية عصر الطبالمة على إغريق مصر لم تكن روح استكانة وتشاؤم بل روح إقدام وتفاؤل، فقد كانت تملأهم الثقة التي بثتها فيهم تعاليم الفلاسفة عن مقدرة الإنسان ومواهبه، وتفيض نفسوهم أملاً في تحقيق حياة زاخرة بالهناءة والسعادة.

وإذا كانت هذه الروح تسيطر على الملوك وأبرز الشعراء والعلماء والأدباء والمهندسين والمعماريين والمثاليين والمصورين والممثلين والموسيقيين الذين شاركوا جميعًا في القيام بأعمال انشائية مبتكرة، فإنها كانت تسيطر أيضًا على من كانوا أقل منهم شأنًا. وحسبنا دليلاً على ذلك فيلادلفوس وعلماء معهد الإسكندرية في عهده، ووزير ماليته أبولونيوس، وينون مساعد هذا الوزير، ومساعد زينون نفسه. أن الروح السائدة في خطابات زينون وغيرها من الوثائق، التي كانت تضمها سجلاته، روح تفيض بالحيوية الدافقة والنشاط الذي لا يحد في خدمة مصالح الدولة والرءوساء وفي خدمة المصلحة الخاصة. لكن هذا النشاط الذي صاحب العهد الأول لم يستمر طوال عصر البطالمة، فقد أعقب فترة الابتكار والإنشاء فترة استقرار وهدوء، ثم زلزلت الأحداث أركان دويلة البطالمة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وازدادت السلطة المركزية ضعفًا على ضعف، وتدهور حال البلاد الاقتصادية، وانحلت أخلاق الطبقة الحاكمة، وفسد نظام الحكم. فلا عجب أنه وسط هذه الظروف فقد الإغريق روح الأقدام والابتكار، واستولت عليهم روح التواكل والاستسلام، وطغت عليهم نزعات جديدة كانت أخصها النزعات الدينية. ومع كل ذلك تمكن الإغريق بوجه عام من الاحتفاظ بصبغتهم الإغريقية.

بطليموس التاسع و العاشر و الحادي عشر

بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر يرتقي العرش:

وعند وفاة يورجتيس، كان ابنه الأكبر من كليوبترا الثالثة مقيمًا في قبرص، وكان شابًا يناهز الخامسة والعشرين من عمره، وكانت كليوبترا الثالثة تضمر لهذا الابن كراهية عميقة، إذ أن باوسانياس يحدثنا بأن التاريخ لا يعرف حالة أخرى كرهت فيها أم أبنها إلى هذا الحد. فلا عجب أنها كانت تفضل تنصيب أخيه الأصغر، الإسكندر، ملكًا أما لإنها كانت تحبه أكثر منه، وإما لاعتقادها أنه كان أضعف من أن يحد من سلطتها.

لكن الإسكندرييين، وقد  أدركوا ما يترتب على عدم احترام القوانين المألوفة لوراثة العرش من بذر بذور الشقاق والنضال، حالوا دون تتويج الإسكندر، وأرغموا كليوبترا على إسناد العرش إلى صاحبه الشرعي، فاضطرت إلى النزول على رغبتهم، وإلى أن تشرك معها ابنها الأكبر بطلميوس التاسع الذي اتخذ اللقب الإلهي فيلومتور سوتر، وأطلق الأهالي عليه لقب لاثورس (Lathyros) ومعناه “حمص”. ويبدو أنه عندما ارتقى بطلميوس التاسع عرش مصر، آثر أخوه الذهاب إلى قبرص للإقامة فيها، ولم يمض وقت طويل قبل إقامته حاكمًا على هذه الجزيرة. وبالرغم من أن لقبه الرسمي كان قائد الجزيرة، فإنه فيما يبدو كان يعتبر نفسه ملكًا في الواقع، إذ أنه عندما ارتقى عرش مصر فيما بعد، اعتبر أن حكمه يبدأ من العام الرابع من حكم أخيه بطلميوس التاسع (عام 114-113)، وهو التاريخ الذي يظن أنه عين فيه حاكمًا لقبرص.

ولم يكن ملك مصر الشاب، أول الأمر، في مركز يسمح له بمقاومة إرادة أ/ه، حتى أنها عندما أردات التنكيل به وطلبت إليه أن يطلق ابنتها كليوبترا الرابعة، وكان قد تزوجها في خلال حياة أبيه وبحبها حبًا شديدًا، أذعن لإرادة أمه (عام 115) وتزوج الأخت الصغرى، كليوبترا الخامسة سليني (Selene = القمر). وإزاء ما نعرفه عن طموح كليوبترا الرابعة وشدة مراسها، يبين أن كليوبترا الثالثة لم تنشد بأقصائها عن بطلميوس التاسع تعكير صفو حياته فحسب بل إخضاعه لإرادتها وتجنيب نفسها متاعب كالتي لاقتها أمها على يديها.
وقد أثبتت كليوبترا الرابعة أنها جديرة بسلسلة الملكات اللائيحملن اسم كليوبترا، إذ أنها لم تستسلم لمصيرها بل صمت على قهر أمها كما قهرت كليوبترا الثالثة أمها من قبل فهي لم تلبث أن ذهبت إلى قبرص لتكون لنفسها جيشاً من الجنود المقيمين هناك، لكن مصادرنا لا تساعدنا على معرفة الدور الذي قام به الإسكندر في هذه المسألة، ولا إذا كانت كليوبترا الرابعة قد فاتحته في الزواج منها، والعمل على ارتقاء العرش سويًا بالقوة، كما يفترض بعض المؤرخين الحديثين، إلا أنه يبدو أن الإسكندر أيدها بعض الوقت، ثم لم تلبث أمه أن كسبت وده بتعيينه حاكمًا لقبرص. وعلى كل حال فإن كليوبترا الرابعة لم تقم طويلاً في قبرص بل برحتها إلى سوريا لتعرض يدها وجيشها على أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس (Cyzicenos) ابن كليوبترا ثيا من أنطيوخوس السابع صيديتينس، وكان قد طرد من سرويا أخاه أنطيوخوس الثامن جروبوس، ابن كليوبترا ثيا ودمتريوس الثاني، وزوج كليوبترا تروفاينا، الأخت الكبرى لكليوبترا الرابعة.

وبتعًا لذلك فإن الحزب بين الأ×وين أصبحت حربًا بين الأختين أيضاً. وعندما خرج جروبوس من مأواه في أسبندوس وانتصر على أخيه واستولى على أنطاكية، كانت كليوبترا الرابعة في هذه المدينة لكنها فرت إلى معبد أبولو في دفنه. ويقال أن الملك المنتصر كان يعتزم العفو عن شقيقة زوجه، غير أن تروفاينا لم تشارك زوجها هذا العطف على أختها وأمرت بإعدامها (عام 112). و يقال أيضاً أن يدي كليوبترا الرابعة قطعت لانتزاعها من المذبح المقدس الذي تعلقت به، وأنها لفظت نفسه الأخير وهي تستمطر اللعنات على أختها، التي لم تلبث أن لقيت حتفها في العام التالي، عندما وقعت في بضة قوزيقنوس الذي قتلها لتهدئة روح أختها (عام 111). وقد أخذت المملكة السورية في الإنهيار نتيجة لانقسامها بين الأخوين، إذ أن جروبوس كان يحكم سوريا السلوقية وقوزيقنوس جوف سوريا. ووسط انهيار السلطة المركزية، أخذت المدن الإغريقية في سوريا تتصرف باطراد كما لو كانت دولاً مستقلة وتحارب أو تتحالف مع بعضها بعضًا كما يحلو لها، وانفصلت قوماجيني (Commagene) عن الدولة، وأصبحت قيليقيا مأوى للقراصنة، وازدادت قوة النبط وكذلك إمارة اليهود، التي أخذت تتابع فتوحاتها في كنف حاكمها وكاهنها الأكبر هورقانوس (Hyrcanos).

انفجار الصراع في أسرة البطالمة، طرد بطلميوس التاسع ليخلفه العاشر:

وقد أفضت أحداث سوريا إلى انفجار الصراع الكامن في أسرة البطالمة، ذلك أن قوزيقنوس حاول عبثًا طرد جروبوس من دمشق والدفاع عن مدن مملكته من اعتداء اليهود عليها. وعندما حاصر اليهود مدينة ساماريا (Samaria) الإغريقية في أواخر أيام هورقانوس، واستغاثت بقوزيقنوس وهزمه اليهود، ناشد مساعدة بطلميوس التاسع (عام 108) فأرسل إليه جيشًا مكونًا من 6000 رجل، لكنه لم يكن نصيب هذه النجدة سوى الهزيمة، وقتل أحد القائدين اللذين تركهما قوزيقنوس أمام ساماريا، واشترى اليهود خدمة الآخر، واستولوا على المدينة وذبحوا أهليها.

وقد أثار تصرف بطلميوس التاسع غضب كليوبترا الثالثة فصممت على تدبير خطة تؤدي إلى أن يخلع الشعب الملك الذي فرضه هذا الشعب عليها. وذات يوم جرى بعض خصاة القصر في الشوارع منخضبين بالدماء وهم يتصايحون بأن الملك أراد قتل أمه وأنهم جرحوا في أثناء دفاعهم عنها. وقد ألهبت هذه المسرحية عواطف الشعب فسارع إلى القصر للقضاء على ذلك الملك العاق، لكنه تمكن من الهرب بحرًا تاركًا وراءه زوجه وابنيه (عام 107).

وعندئذ استدعت كليوبترا ابنها الإسكندر بطلميوس العاشر وأشركته معها. وإذا كانت آخر وثيقة وصلت إلينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس فيلومتور سوتر مؤرخة في 23 من أكتوبر عام 107، فإن أول وثيقة لدينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس اسكندر  الأول ترجع إلى 15 من نوفمبر عام 107، ومن ثم فإن طرد بطلميوس التاسع يكون قد وقع بين هذين التاريخين. وتشير القرائن إلى أن هذا الملك كان قد خلع مرتين قبل ذلك:

أحداهما لمدة بضعة شهور في أواخر عام 110، والآخر لمدة بضعة شهور أيضاً في النصف الأول من عام 108. وقد سارع الرومان إلى الاعتراف بالملك الجديد، ولا شك في أنه كان يسرهم أن يروا الأسر المالكة في شرق البحر المتوسط تسعى إلىح تفها بظلفها.

ولا يفوتنا أن نبين هنا أن كليوبترا قد غضبت من تصرف ابنها لثلاثة أسباب: أولها، هو أنها كانت تميل إلى جروبوس وتكره قوزيقنوس،  فهي لم تغفر له زواجه من ابنتها كيلوبترا الرابعة التي خرجت على طاعتها. والسبب الثاني هو أنه كان ليهود بيت المقدس الذين ازدادت قوتهم زيادة كبيرة تأثير على يهود الإسكندرية، ولاشك في أن هؤلاء قد أغضبهم أن يخف بطلميوس التاسع إلى مساعدة قوزيقنوس على بني جلدتهم، ويظهر أن كليوبترا كان تتطلع إلى الاستعانة بيهود الإسكندرية، لتأييدها في الصراع الداخلي، وبيهود بيت المقدس للتدخل في سوريا تدخلاً مثمراً، ولذلك اقتفت كليوبترا سياسة أبويها، فيلومتور وكبيلوبترا الثانية، في التودد إلى اليهود، ولم تتبع سياسة فيلوبانور ويورجتيس الثاني المناهضة “لشعب الله المختار”. والسبب الثالث، هو أن أقدام الابن على سياسة تعارضها الأم ينهض دليلاً على إفلاته من قبضتها وتحديه لها تحديًا سافرًا لم يكن في وسعها تجاهله، إلا إذا كانت مستعدة للنزول له عن سلطتها، وهذا أمر لم يدر طبعًا بخلدها.

وقد فر لاثوروس هاربًا إلى قبرص فأرسلت أمه قوة ضده. بيد أنه إذا صح ما يوريه يوستينوس، فإن لاثوروس أبى الاشتراك في حرب سافرة مع أمه، وفضل على ذلك الانسحاب إلى سلوقية قرب مصب نهر العاصي، لكن أمه أبت أن تتركه في سلام وجدرت حملة لطرده من تلك المدينة، ومعلوماتنا عن هذه المطاردة محدودة، فهي مقصورة على ما يرويه ديودوروس من أن الملك الطريد كشف أن أحد أصدقائه كان يتآمر ضده فألقى القبض عليه ولم يعد يعد ذلك يثق في أحد. بيد أننا نعرف أن لاثوروس عاد بعد وقت قصير إلى قبرص وأن أمه اخفقت في طرده من تلك الجزيرة.

دولة اليهود:

وقد أصبحت دولة اليهود، صديقة روما، أقوى جزء في سوريا. إذ أنه في نهاية عهد هورقانوس كان اليهود يملكون كل الإقليم جنوبي الكرمل، فيما عدا مدن الساحل: عكا وعمقلان وغزة ودورًا وستراتونوبورجوس (Stratonopyrgos) وعندما توفي هورقانوس خلفه ابنه أريستوبواوس (Aristobolos) لكنه لم يحكم إلا عامًا واحدًا (104-103)، لأنه قتل أمه وأخاه فقضى عليه وخز الضمير، غير أنه في خلال حكمه القصير أرغم الجليليين بحد السيف على اعتناق اليهودية. وبعد وفاته أقامت أرملته سالومي (أو سالينا) ابنًا آخر لهورقانوس يدعى يانايوس (Jannaios) اسكندر، يبدو الآن محققًا أنه كان أول من اتخذ لقب ملك في دولة اليهود الجديدة. ويمكن تتبع اتجاهين هامين في دولة اليهود منذ أن فازت باستقلالها حتى نهاية حكيم يانايوس اكندر، وهما ابتعاد أسرة هاسمونايوس الحاكمة تدريجيًا عن حزب القديسين، واتساع نطاق هذه الدولة تدريجيًا بالفتوحات.  وقد بلغ هذان الاتجاهات ذروتهما في عهد يانايوس، حين امتدت حدود دولة اليهود حتى كادت تطابق حدود مملكة داود.

بطلميوس التاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة يحاولون استرداد جوف سوريا:

وعندما حاصر يانايوس إسكندر مدينة عكا، استغاثت هذه المدينة بطلميوس التاسع (عام 104) فرأى هذا الملك الطريد في ذلك فرصة فريدة لدخول مصر ثانية عن طريق سوريا، كما حاولت زوجة الأولى كليوبترا الرابعة من قبل. ولعله رأى في ذلك أيضاً فرصة لاسترداد جوف سوريا. وتبعًا لذلك فإنه خف إلى عكا على رأس جيش جمعه في قبرص، يحدوه الأمل ويشجعه ما أنهاه إليه سفراء عكا من أنه سيلقى عونًا من المدن الإغريقية الساحلية. لكنه في اللحظة التي نزل فيها إلى البر، علم أن عكا قد غيرت رأيها إلى حد أنها رفضت استقباله، إذ أنه في هذه الدولة السلوقية المقطعة الأوصال كانت المدن أو الأمراء دائمًا على استعداد للإستغاثة بقوى جيرانهم البطالمة، لكن هذه القوى كانت لا تكاد تظهر حتى يثير الخوف وسوء الظن أولئك المتغيثين. وقد جرب ذلك فيلومتور ومن بعده بطلميوس التاسع. وعندئذ عمل ذلك الرجل الماهر يانايوس على شراء خدمات بطلميوس التاسع بمبلغ كبير قدره 400تالنت، وحضه على الاستيلاء على إقليم زويلوس (Zoilos) طاغية استراتونوبورجوس لإعطائه لليهود. وفي الواقع استولى بطلميوس على شخص الطاغية، لكنه علم أن يانايوس كان يتفاوض في الوقت نفسه مع كليوبترا الثالثة، فزحف ضد الملك اليهودي وأنزل به عند أسوفون هزيمة فادحة كانت عبارة عن مذبحة مروعة. وتشويها لسمعة بطلميوس نشر اليهود قصة فحواها أنه لكي يبث بطلميوس الرعب في نفوس خصومه أمر بأن تقطع النساء والأطفال إربًا، والتهم الجنود هذه الأشلاء بعد طهيها. ولم يستح المؤرخ اليهودي يوسف أن يردد هذه القصة التي تثير السخيرة. وبعد ذلك استولى بطلميوس عنوة على عكا. وكان طبيعياً أن كليوبترا الثالثة شهرت السلاح ضد أبنها، إذ لابد من أنها فطنت إلى نواياه وأدركت ما قد تجنيه من وراء حملة سوريا، ولذلك فإنها تحالفت مع يانياوس وجروبوس الذي زوجته كليوبترا سليني.

ولما كانت كليوبترا الثالثة قد أودعت الجانب الأكبر من كنوزها ووصيتها وأحفادها في حراسة معبد أسقلبيوس بجزيرة قوس، فإن هذه الاحتياطات تدل على إدراكها أنها بخروجها من مصر هي والملك والجيش والأسطول وترك مصر دون دفاع والإكندريين طليقين من كل قيد، كانت مقدمة على مخاطرة جسورة. ولا شك في أنه لم يدفعها إلى ذلك إلا الأمل في الفوز بجوف سوريا. وقد فطن إلى هدفها أعداؤها وأصدقاؤها جهودهم في صدها ولم يتحمس يانايوس وجروبوس لتحقيق هدفها. وقد طاردت بطلميوس التاسع الجيوش المصرية بقيادة خلقياس (Chelkias) وأنانياس (Ananias) وكذلك الأسطول بقيادة بطلميوس العاشر الإسكندر الأول. لكن وفاة خلقياس أخرت المطاردة وأتاحت لبطلميوس لانوروس فرصة الهرب جنوبًا صوب غزة. ومع ذلك فإن كليوبترا استولت على عدة من المدن الساحلية ووصلت حتى عكا، حيث خف يانايوس لتحية ملكة مصر.

ويروي المؤرخ يوسف أن بعض “الأصدقاء” أو عزوا إلى كليوبترا بخلع يانايوس والاستيلاء على مملكته، لكن أنانياس نصحها بعدم الإقدام على ذلك العمل الذي كان لابد من أن يفقدها صداقة اليهود قاطبة، فأصغت إلى هذه النصيحة وعقدت مع يانايوس محالفه أطلقت يده في تحقيق أطماعه. وفي تلك الأثناء كان لاثوروس قد وصل إلى غزة وعجزت كليوبترا عن ضم هذه المدينة إلى جانبها، فقد كانت غزة خصمًا عنيدًا لليهود ومن يحالفهم. ومن غزة تابع لاثوروس زحفه صوب مصر مؤملاً مفاجأتها قبل عودة جيش كليوبترا إليها، لكن كليوبترا ما كادت تعلم بزحفه حتى أرسلت جانبًا من جيشها بحرًا فبلغ بلوزيون قبل وصول لاثوروس إليها، مما اضطره إلى الانسحاب إلىغ زة حيث قضى الشتاء مع جيشه الصغير. وانتهى الأمر بعودته إلى قبرص، وعودة كليوبترا الثالثة إلى الإسكندرية (حوالي عام102)، بعد شهور طويلة من حرب لم يتنفذ منها إلا اليهود، الذين انقضوا بعد ذلك على المدن التي كانت لا تزال حرة، وهي جادارا (Gadara) في وادي الأردن، وعسقلان وغزة على الشاطئ. وقد تبع الإستيلاء على غزة (عام 96) مذابح مخيفة، ثم عاد بانايوس إلى بيت المقدس بعد أن حول هذا الشاطئ المزدهر إلى صحراء بلقع.

وفاة كليوبترا الثالثة:

ولم تعمر كليوبترا الثالثة طويلاً بعد محاولتها السورية غير المجدية، إذ أنها توفيت فيما بين 14 و26 من أ:توبر سنة 101 ق.م. ذلك أنه ورد ذكر كليوبترا الثالثة بوصفها شريكة بطلميوس إسكندر في وثيقة ترجع إلى التاريخ الأول، في حين أنه منذ التاريخ الثاني أخذت الوثائق تذكر هذا الملك مع برنيقي الثالثة ابنة بطلميوس التاسع. وبوفاة كبيوبترا الثالثة أصبح بطلميوس العاشر إسكندر الأول ملك مصر اسمًا وفعلاً. ولا نكاد نعرف شيئًا عن هذا الملك، الذي يحدثنا معاصره بوسيدونيوس (Posidonios) الرودسي بأنه كان كأبيه “البطين” منتفخًا من الشحم، إلى حد أنه كان يعجز عن المشي إلا إذا سنده خادم من كل جانب لكنه إذا شرب حتى ثمل أظهر رشاقة فائقة في أداء الرقصات الخليعة. ويتهمه يوستنيوس وباوسانياس وأثينايوس بقتل أمه. ويروي لنا يوستينوس كيف أن هذه الجريمة أثارت غضب الإسكندريين على الملك، إلى حد أنهم ثاروا عليه وطردوه من الإسكندرية. ولسنا نعرف عن يقين إذا كانت كليوبترا الثالثة قد ماتت ميتة طبيعية أم أن ابنها عجل بموتها، لكنه من المؤكد أن وفاتها لم يتمخض عنها طرد ابنها، أو على الأقل أن ابنها لم يطرد عقب وفاتها مباشرة، فقد انقضى بين الحادثتين أثنا عشر عامًا تقريبًا. ولا نعرف شيئًا عن أحداث مصر في هذه الفترة، وأما عن سوريا فإنه قضت على جروبوس طعنات وزيره هيراقليون وتزوجت أرملته سليني من منافسه قوزيقنوس (عام 96)، الذي هزمه وقتله سلوقس السادس أين أخيه، إذ أن فرعي هذه الأسر المنكودة كانا في حرب مستمرة. وقد أفاد الرومان من هذا الاضطراب، فضموا قيليقيا بعد أن أصبحت مأوى للقراصنة.

بطلميوس أبيون يورث قورينايئة لروما:

ويبدو أن أبيون قنع بحكم قورينايئة دون الاستقلال بها إلى أن انفجر الصراع بين كليوبترا الثالثة وبطلميوس التاسع، فأعلن أبيسون استقلاله في عام 107 عندما طرد من الإسكندرية بلطميوس التاسع وهو الذي كان أبيون قد تهد بالاعتراف له بالسيادة. ويبدو كذلك أنه لكي يؤمن أبيون استقلاله ويفوز بتأييد روما، اقتفى أثر أبيه في عام 155 فأوصى بقورينايئة لروما من بعده. وتبعًا لذلك فإنه عندما توفي في عام 96 آلت مملكته إلى روما، فكانت قورينايئة أول جزء  من إرث البطالمة يقع في قبضة روما، غير أنها لم تباشر في الحال حكم قورينايئة، بل سمحت لمدنها الخمس بأن تتولى بنفسها إدارة، أو على الأصح، سوء إدارة شئونها. وقد اكتفت روما بالاستيلاء على أملاك التاج هناك، وبفرض ضريبة على النبات الطبي سيلفيون (Silphion) وكان محصول قورينايئة الرئيسي. ولم تصبح قورينايئة ولاية رومانية إلا في عام 74 ق.م.

طرد بطلميوس العاشر:

وفي عام 89 ق.م كان بطلميوس العاشر، بسبب سلوكه وخوار عزيمته إزاء ضياع قورينايئة، قد أصبح شخصية كريهة، إلى حد أن الإسكندريين ثاروا عليه، وانضم الجيش إلى الثوار فرأى نجاته في الفرار من البلاد. وعندما استطاع بعد ذلك بقليل استرداد الإسكندرية بمساعدة قوة من المرتزقة، ثار عليه الإسكندريون وطردوه ثانية. فقد انفجر مرجل غضبهم عليه، لأنه سطا على مقبرة الإسكندر الأكبر واستولى على التابوت الذهبي الذي دفن فيه، لكي يتمكن من دفع أجور جيشه الجديد. وقد فر بطلميوس العاشر إلى لوقيا ومعه زوجه الملكة برنيقي الثالثة وابنته، لكنه لم يلبث أن هلك في معركة بحرية وهو يحاول، في رأي البعض، الوصول إلى قبرص، وفي رأي البعض الآخر، استعادة مصر من جديد (عام 88).

بطلميوس  التاسع يسترد عرشه:

وبوفاة بطلميوس العاشر خلا الجو لأخيه الأكبر بطلميوس التاسع، الذي اسدعاه الإسكندريون ليتولى ثانية حكم مصر وقبرص. ولما كانت آخر وثيقة مؤرخة باسم بطلميوس إسكندر ترجع إلى 6 من سبتمبر عام 88، وكانت قد وصلت إلينا من منطقة طيبة وثيقة بتاريخ 4 من أ:توبر عام 88 ومؤرخة باسم بطلميوس فيلومتور سوتر، فإن هذا يدل على أنه في خلال الفترة الواقعة بين هذين التاريخين طرد الأول واستعاد الثاني عرشه.

ولما كان بطلميوس التاسع قد بلغ عندئذ الرابعة والخمسين تقريبًا، وكانت لأحداث قد ملأت نفسه مرارة، فإنه للوفاء بمقتضيات التقاليد التي كانت تحتم وجود زوجين على العرش لم يفرك في الزواج من جديد وإنما استدعى من لوقيا ابنته برنيقي الثالثة وهي التي كانت زوجة بطلميوس العاشر، وأشركها معه في الملك وعرفاً سويًا باسم الإلهين فيلادلفوس فيلومتورس سوترس.

وفي الحال أقلق بال بلطميوس التاسع في خلال الفترة الثانية من حكمه ثورات المصريين، فزحف (عام 88) على طيبة، معقل الثورة، واشتبكت قواته معها في حرب دامت ثلاث سنوات وانتهت بتخريبها (عام 85). وفي ذلك الوقت كانت الحرب مستعرة بين روما وميثريدانس يوباتور ملك بونتوس. وكانت سياسة مصر تؤثر السلامة والعافية، فقد كانت تنطوي على الحياد إلى أن تتبين لها نتيجة هذا الصراع العنيف. وكان لسياسة الإسكندرية بعض العذر في ترددهم، فقد كان لا يتيسر لأحد عندئذ أن يتنبأ بالمستقبل، ويعرف أكانت روما أم بونتوس هي التي ستصبح أقوى دولة في الشرق الأوسط. ذلك أنه في عام 88 قهر ميثريدتيس جيشًا رومانيًا في آسيا الصغرى، واستولى على  ولاية آسيا الرومانية، وأرسل قوة إلى بلاد الإغريق، حيث ثارت أثينا على روما، ومع ذلك فإن روما كانت لا تزال قوة يخشى بأسها. وفي خلال تقدم ميثريداتس غربًا، استولى على قوس، فوقع في قبضته أحفاد كليوباترا الثالثة والكنوز المصرية، وكانت كليوبترا الثالثة قد أرسلتها إلى هذه الجزيرة مع أحفادها لتكون الكنوز وهؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان ابنى بطلميوس التاسع وكذلك ابن بطلميوس العاشر من زوجة لا نعرف من كانت، وإن كان البعض يظن أنها كليوبترا الرابعة إذا صح أنها تزوجت بطلميوس العاشر مدة وجيزة في الفترة بين انفصالها عن بطلميوس التاسع وزواجها من أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس، ولكننا نستبعد ذلك لأننا لا نعقل أقدام  بطلميوس العاشر على تحدي أمه بالزواج من أخته بعد أن طلقها أخوه الأكبر بأمر الأم. ويفسر بقاء ابن بطلميوس العاشر طوال هذه المدة في جزيرة قوس بعدم اطمئنان أبيه إلى مركزه على عرش مصر في تلك الأثناء ولعل هذا يفسر أيضاً الاحتفاظ بالكنوز المصرية في قوس. وعقب وفاة بطلميوس العاشر، كان ابنه هذا وابنا عمه هم الورثة الشرعيون لعرش مصر بعد بطلميوس التاسع، ولذلك فإنه كان يقلق بال الإسكندرية وقوعهم في قبضة ملك بونتوس.

وعندما تولى النبيل الروماني صلا قيادة الحرب ضد ميثريداتس، وأخذ يضيق الخناق على قوات ميثريداتس في بلاد الإغريق، كان ميثريداتس لا يزال قوة يخشى بأسها، هذا إلى أن مقاليد الأمور في روما لم تلبث أن انتقلت إلى الشعبيين خصوم صلا الذين اعتبروه عدوًا للدولة. ولما كان يتعذر عندئذ التنبؤ سواء بنتيجة الصراع الراهن بين ميثريداتس وصلا أم بنتيجة الصراع المقبل بين صلا وخصومه الرومان، فإن مصر وغيرها من الدولة الموالية لروما كانت لا تميل إلى توريط أنفسها بتقديم مساعدات كبيرة إلى صلا خشية اغضاب ميثريداتس من ناحية والحكومة الرومانية المناهضة لصلا من ناحية أخرى. وتبعًا لذلك فإنه في شتاء عام 87/86، حين كان صلا يحاصر أثينا، وجاء رسوله لوقولوس (Locullus) ى الإسكندرية يطلب إمدادًا من السفن، أحسن بطلميوس التاسع استقباله، لكنه لم يعطه إلا عددًا قليلاً من السفن لتصحبه حتى قبرص (عام 86)، وإن كان قد عرض عليه عدة هدايا لم يقبل منها لوقولوس إلا حجرًا كبيرًا من الزمرد عليه صورة للملك، رأى من الحكمة ألا يرفضه خشية أن يغضب الملك فيوعز بقتله في عرض البحر، مما يشير إلى الفكرة التي كونها المبعوث الروماني عن أخلاف الملك. بيد أن الأثينيين أفاضوا في امتداح بطلميوس التاسع بسبب سخائه في مساعدتهم على إعادة بناء مدينتهم، بعد الأهوال التي أنزلها صلا بأثينا انتقامًا من خروجها على طاعة روما. وقد شهد باوسانياس بعد ذلك بقرنين التمثالين اللذين أقامهما الأثينيون لبطلميوس التاسع فيلومتور سوتر وبرنيقي الثالثة عند مدخل الأوديون (Odeon). وقد توفي هذا الملك في الثانية والستين تقريبًا من عمره، في أواخر عام 81 أو أوائل عام 80 ق.م، وكان يشوبه شيء من الضعف وميل إلى القسوة، لكنه كان بريئًامن الأطماع الجامحة.

مصرع برنيقي الثالثة وبطلميوس الحادي عشر:

وعندما توفي بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر دون أن يوجد في مصر من سلالته الشرعية سوى ابنته برنيقي الثالثة، آل الملك إليها بمفردها. ولم يعترض الإسكندريون على ذلك، لأنهم كانوا يحبونها حبًا جمًا، ويخشون تجدد الخلافات الأسرية إذا أثاروا مشكلة حق إمرأة لا زوج ولا وريث لها في التربع على العرش بمفردها، فأثروا الهدوء والسكينة على مراعاة التقاليد مراعاة دقيقة.

ويحدثنا باوسانياس بأن برنيقي كانت الذرية الشرعية الوحيدة التي أنجبت بطلميوس التاسع. ومعنى ذلك أن ابنيه اللذين كانا في قوس، وأصبح أحدهما ملك مصر بطلميوس الثاني عشر والآخر بطلميوس ملك قبرص، لم يكونا شرعيين. لكن يوستينوس يحدثنا بأن بطلميوس التاسع أنجب ولدين من كليوبترا سليني. وفي نقش من قورينايئة ورد ذكر ابن بطلميوس التاسع من كليوباترا سليني. ويحدثنا شيشرون بأن بطلميوس الثاني عشر كان ابنًا شرعيًا لبطلميوس التاسع. وإزاء هذه القرائن نرجح أن ابني بطلميوس التاسع (وهما اللذان كانت كليوبترا الثالثة أرسلتهما إلى قوس حوالي عام 103 محافظة على سلامتهما ثم وقعا في قبضة ميثريداتس) كانا ابنين شرعيين. ويبدو لنا أنهما لو كانا غير شرعيين لما عنى ميثريداتس بأن يخطبهما لابنتيه على نحو ما سنرى، ولما عنيت كليوبترا الثالثة بإرسالهما إلى قوس مع الابن الشرعي لعمهما. وإذا كان من الواضح أنها أرسلت ابن بطلميوس العاشر محافظة على سلامته، فلعل الغرض الظاهر من إرسال ابني بطلميوس التاسع كان أيضًا المحافظة على سلامتهما، لكنه لعل الغرض الحقيقي كان الخوف من أن ينتهز خصومها فرصة تغيبها عن مصر فيتآمروا على إقامة أحدهما ملكًا.

وقد مر بنا أنه عندما استولى ميثريداتس على قوس (عام 88) وقع في قبضته أولئك الشبان الثلاثة، لكن ابن بطلميوس العاشر تمكن من الفرار والانضمام إلى ثلا الذي أخذه معه إلى روما (عام 83). وعندما توفي بطلميوس التاسع. كان صلا قد أصبح دكتاتور روما وسيد العالم الروماني. ولا أدل على مدى ما وصل إليهالنفوذ الروماني في مصر من أنه عندما قرر صلا أن يقيم على عرشها صنيعة له يلوذ بحمايته، وأرسل بعد وفاة بطلميوس التاسع ببضعة شهور بطلميوس إسكندر الثاني، إلى الإسكندرية مزودًا بأمر منه، لم يكن في وسع الإسكندريين مناهضته، فنؤدي بهذا الشاب ملكًا “بطلميوس الحادي عشر إسكندر الثاني” وتزوج برنيقي الثالثة ابنة عمه، وكانت أيضًا زوج أبيه فيما مضى. ولسنا نعرف إذا كان هذا الزواج قد تم بناء على توصية صلا بقصد التوفيق بين فرعي الأسرة، أو أن الإسكندريين هم الذين فرضوه على الملك الجديد، فقد جرت التقاليد بأن يتخذ الملك لنفسه زوجة من الأسرة المالكة، ولم تبق في مصر سيدة من نسل البطالمة الشرعي سوى برنيقي. وفضلاً عن ذلك فإنه وفقًا لأحكام القانون الخاص الإغريقي كان يجب على الوريثة أن تتزوج أفرب أقاربها حفاظًا على الإرث في الأسرة.

ويبدو أن برنيقي لم تعبأ بهذا التغير، لاعتقادها بأنها ستستطيع السيطرة على زوجها الصغير ووضع كل السلطة الفعلية في قبضتها، إذ أنه لم يكن معقولاً ولا مكنًا أن تنزل تلك الملكة طائعة عن السلطة التي تمتعت بها مدة طويلة، لكن بطلميوس الحادي عشر، برغم صغر سنه، كان مصممًا على أن يكون ملكًا اسمًا وفعلاً. ولذلك فإنه سرعان ما ضاق ذرعًا بزوجه وقتلها في اليوم التاسع عشر من زواجه منها، دون أن يدخل في حسابه الإسكندريين الذين أثارهم مقتل ملكتههم المحبوبة إلى حد أنهم انقضوا على القصر في الحال، وجروا الملك منه وقتلوه في الجومنازيوم، فلم يدم حكمه أكثر من تسعة عشر يومًا.

ضياع إمبراطورية البطالمة وتغلغل النفوذ الروماني في مصر:

ويتضح بجلاء مما مر بنا أنه منذ أن فقد البطالمة إمبراطوريتهم على عهد بطلميوس الخامس، اقتصرت سياستهم الخارجية ـ بقدر ما سمحت لهم الثورات القومية  والمنازعات الأسرية والسياسة الرومانية ـ على محاولة بلطميوس السادس والتاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة استرداد جوف سوريا، لكنهم باءوا بالفشل وفقدوا أيضًا قورينايئة. وقبل فشل بطلميوس السادس في استرداد جوف سوريا، نكب بهوجوم أنطيوخوس الرابع الذي لم ينقذ مصر من براثنه إلا تدخل روما، لا حبًا في استقلال مصر، ومن ثم فإن البطالمة أصبحوا يدينون لروما بعرضهم. ولا أدل على ذلك من اعتماد كل من بطلميوس السادس والثامن على روما لتأييد قضيته في أثناء نزاعهما، فلا عجب أن أفضى ذلك كله إلى ازديايد نفوذ روما في مصر. وينهض دليلاً على هذا النفوذ إقامة بطلميوس الحادي عشر على عرش مصر بأمر صلا.وإذا كانت روما قد انتهزت كل الفرص لتسيطر على السياسة المصرية في الداخل وفي الخارج، فإن مصر كانت لا تزال تحتفظ باستقلالها على الأقل في الظاهر. وعندما وقع الشرق تدريجيًا في قبضة الجمهورية الرومانية، أصبح مصير مصر مثل مصير باقي العالم الهلينيسي متوقفًا على مصير الصراع بين الأحزاب في روما، على نحو ما سنرى.