عصور الدولة القديمة (3200ـ 2780ق.م ) – (ج 1)

الاهرامات تسمى عصور الدولة القديمة بعصور بناة الأهرامات نظرا لحرص كل ملك من ملوكها على إقامة هرم خاص به ،كما تسمى أيضا بالعصور المنفية نظرا لا ستقرار الحكم لأغلب ملوكها في مدينة منف ( ميت رهينة ) مركز البدرشين حاليا و تشمل الدولة القديمة الاسرات من الثالثة و حتى السادسة .

متابعة قراءة عصور الدولة القديمة (3200ـ 2780ق.م ) – (ج 1)

العمارة المصرية القديمة

كانت مصر تمتلك منذ أقدم العصور الجيولوجية المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم .

ومن هنا فلا غني للفنان المصري التعرف علي العوامل المختلفة التي كان له فيها تأثير واضح مثل طبيعة مصر وما لها من اثر علي سكانها وعلي الفنانين وهي تمتاز بقوة شخصيتها ووضوح معالمها وجلاء مظاهرها وانتظام أحوالها ومن هنا نلاحظ أن فن كل أمه يخضع المؤثرات لمدة تختص بطبيعة الإقليم الذي نشأت فيه ومن الخطأ مقارنة فن دولة بفن دولة أخري وكل ذلك لأن الفن عامة والعمارة خاصة تتأثر بالعديد من العوامل المختلفة المتعلقة بالدولة مثل التأثيرات الجغرافية والمناخية والدينية وغيرها .
وسوف نتحدث عن العوامل التى اثرت على العمارة الفرعونية القديمة:-

1 ـ العوامل الجغرافية :
متابعة قراءة العمارة المصرية القديمة

الشيخ الرئيس بن سينا

< ![CDATA[

الشيخ الرئيس بن سينا

هو أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن علي بن سينا، وهو إن كان أشهر من أن يذكر، وفضائله أظهر من أن تسطر، فإنه قد ذكر من أحواله، ووصف من سيرته ما يغني غيره عن وصفه، ولذلك إننا نقتصر من ذلك على ما قد ذكره هو عن نفسه، نقله عنه أبو عبيد الجوجزاني، قال، قال الشيخ الرئيس:

إن أبي كان رجلاً من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقربة يقال لها خرميثن من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها أفشنة، وتزوج أبي منها بوالدتي وقطن بها وسكن، وولدت منها بها، ثم ولدت أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب، وأكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى مني العجب، وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين وبعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا أسمعه وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي، وابتدأوا يدعونني أيضاً إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد اللّه النائلي وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به، ثم ابتدأت بكتاب إيساغوجي على النائلي، ولما ذكر لي حد الجنس، أنه هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجب مني كل العجب وحذر والدي من شغلي بغير المعلم، وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيراً منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب إقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى المجسطي، ولما فرغت من مقدماته وانتهيت إلى الأشكال الهندسية، قال لي النائلي تول قراءتها وحلها بنفسك، ثم اعرضها عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم بالكتاب، وأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه ومفهمته إياه، ثم فارقني النائلي متوجهاً إلى كركانج، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح، من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح علي،ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه؛ وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم الطب، وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة، ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفاً، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره وجمعت بين يدي ظهوراً، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية، ورتبتها في تلك الظهور ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر المتعسر، وكنت أرجع بالليل إلى داري واضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى أن كثيراً من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام، وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني، وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه إلى اليوم، حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي، ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة، فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظاً، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيست من نفسي وقلت هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه علي فرددته رد متبرم، معتقد أن لا فائدة من هذا العلم، فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم، وصاحبه محتاج إلى ثمنه، واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته، فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظاً على ظهر القلب، وفرحت بذلك وتصدقت في ثاني يومه بشيء كثير على الفقراء شكراً للّه تعالى، وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور، واتفق له مرض أتلج الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على القراءة، فأجروا ذكري بين يديه وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته وتوسمت بخدمته فسألته يوماً الأذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي فدخلت داراً ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر الفقه وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد،فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجب إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط، وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته أيضاً من بعد، فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه، فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري، فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم ]

]>

الشيخ الرئيس أبو علي سینا

السيرة بقلم صاحب السيرة:

قال أبو عبيد: حدثني الشيخ الرئيس أبو علي قال:

كان والدي رجلا من أهل بلخ ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام الأمير نوح بن منصور ، واشتغل بالتصرف. وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية من ضياع بخارى يقال لها خَرْمَيْثَن وهي من أمهات القرى بتلك الناحية ، وبقربها قرية يقال لها أفْشَنَة ، فتروج أبي منها بوالدتي ، وقطن بها وسكن ، وولدت أنا فيها ، ثم ولد أخي. ثم انتقلنا إلى بخارى وأحضر لي معلم القرآن ومعلم الأدب ، وكملت العشر من العمر ، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب ، حتى ] كان [ يقضى مني العجب.

متابعة قراءة الشيخ الرئيس أبو علي سینا

حضارة إغريق مصر

وماذا كانت حال الحضارة الإغريقية في أثناء عز البطالمة وفي أثناء هوانهم؟ لاشك في أن أهم دعامة للحضارة الإغريقية كانت المدارس والمعاهد الإغريقي ، لأنها هي التي كانت تفتح لهم آفاق الفكر الإغريقي ، حتى أنه كان يوجد قول مأثور شائع بين إغريق مصر، فحواه أن التعليم هو المصدر الرئيسي للتفكير .

حسبنا دليلاً على الدور الذي لعبه التعليم في حياة الحضارة الإغريقية في مصر تلك النتائج الباهرة التي تمخض عنها. ولاشك في أن الآداب كانت أسمى مظاهر هذه الحضارة، التي أصبحت الإسكندرية أهم مراكزها منذ تم إنشاؤها، وبفضلها نسبت الحضارة الإغريقية منتعشة في مصر حتى في العصر الروماني. فإن الإسكندرية احتفظوا بشهرتهم في هذا العصر المتأخر، إذ شهدت الإسكندرية عندئذ أيضًا نشأة فلاسفة وكتاب وجعرافيين مثل فيلون وأخيلس تاتيوس (Achilles Tatios) وبطلميوس. وقد كان للأقاليم أيضًا نصيبها في هذه الحكة الأدبية في العصر الروماني، فقد ولد العالم أثينابوس في نقراطيس والفيلسوف بلوتينوس (فلوطين) في ليكوبوليس (أسيوط).

وإذا كانت الحضارة الإغريقية قد بقيت مزدهرة في مصر حتى في العصر الرومان، فإنها بلغت أوج مجدها في عصر البطالمة ولاسيما على عهد أوائلهم. وقد يقال أن الشخصيات الكبيرة التي ذاع صيتها قديمًا وحديثًا لا تمثل إلا أرستقراطية الآداب، وهي أرستقراطية باهرة لابد أنها كانت محدودة، ومن ثم فإن ذلك لا يدل على تغلغل الحضارة الإغريقية في البلاد. لكن النقوش والأوراق البردية ترينا أنه إلى جانب هذه الأرستقراطية، كانت توجد أيضاً طبقة وسطى من الإغريق المتأدبين، كانت حقًا أقل ضياء وشهرة إلا أنها كانت أكثر عددًا ونشاطًا. فقد وجد في بطوليميس نقش من نهاية عهد فيلادلفوس أو بداية عهد بطلميوس الثالث، وهو يحوي قرارًا اتخذته جمعية فناني ديونيسوس والإلهين الأخوين لتكريم أحد أعضائها جزاء ما قدمه للجمعية من الخدمات. وأهم ما يعنينا من أمر هذا النقش في هذا المقام هو قائمة أسماء أعضاء هذه الجمعية التي تلي القرار، فإنها تضم اثنين من شعراء التراجيديا، وهما فاينيبوس (Phaenippos) وديوجنتوس (Diognetos)، وأثنين من شعراء الكوميديا، وهم ستراتاجوس (Stratagos) وموسايوس (Mousaios) وثيوجنيس (Theogenes) وأرتمدوروس، وذلك عدا الموسيقيين والراقصين والممثلين.

وإذا كانت هدف التنقيب قد جارت علينا بالتعرف على كل هذا العدد من الشعراء في مدينة واحدة في قلب الصعيد، فما أكثر الذين لا نعرفهم من الشعراء الإغريق الذين كانوا يعيشون في كل أنحاء مصر، ولاسيما أن المنقبين عن الآثار يكشفون على الدوام منذ أمد طويل عن بقايا قطع عديدة من مختلف ألوان الشعر، تتميز بكثرتها وإن لم تتميز في أغلب الأحيان بقيمتها الفنية. ويبدو أن البلاد كانت زاخرة أيضاً بفئات أخرى من رجال الأدب كالمؤرخين والفلاسفة المختلفين، الذين لم يكونوا كذلك شموسًا كبيرة وإنما نجوم لامعة صغيرة سطع نورها الخافت وقتًا في سماوات مخلية، لكنه مهما كانت مواهب كل هذه الطبقة الوسطى من رجال الأدب متواضعة، فإنها على كل حال تمثل نخبة المتحضرين الإغريق في الريف. وإلى جانب هذه الطبقة كان يوجد الكثيرون ممن لا يصطنعون الأدب الإغريقي، وإن كانوا يقرأونه ويستمتعون به. وكان يوجد كذلك أولئك الذين يكتبون الإغريقية ويتكلمونها، لقضاء أشغالهم أو أشغال غيرهم من الناس ممن قد يعرفون الإغريقية لكن معرفتهم بها كانت سطحية، أو يعرفون كيف يتكلمونها ولا يعرفون كيف يكتبونها. فقد كانت البلاد تهج بالموظفين والتجار ورجال الأعمال والصناع والزراع الإغريق وأشباههم، الذين كان بينهم الكثير من أنصاف المتعلمين والأميين. ويلاحظ أنه إذا كان الإغريق الذين استقروا في مصر قد احتفظوا بشغفهم بأساليب الحياة السياسية وبإحراز قسط من الثقافة الإغريقية، فإننا مع استثناء الفئة المتعلمة تعليمًا ممتازًا من سكان العاصمة نجد أنه كان للاهتمام بشئون الحياة المادية سلطان على عقولهم لا بدانيه ما كان لميولهم العقلية أو الفنية. فقد كان أهم ما يعني به الإغريقي في وطنه الجديد هو أن يضمن لنفسه وأسرته أكبر قدر من الرفاهية المادية، ومن ثم دأب على العمل بجد ونشاط لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت معلوماتنا طفيفة عن التعليم في مصر البطلمية، فإننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أن التعليم كان على ثلاث مراحل، وأنه لم يكن إجباريًا ولا مجانًا. ويبدو أن الفقراء لم يكونوا عادة في حالة تسمح لهم بتعليم أبنائهم، أو أنهم لم يعنوا بذلك، فكان أبناؤهم يبقون أميين. أما الأسر المتوسطة الحال أو المتيسرة، فإنها كانت ترسل أبناءها لتلقي مبادئ العلم، مدة تطول أو تقصر حسب مواردها، في المدارس الخاصة التي أنشأها المعلمون في كل مكان. أما الأغنياء فإنهم كانوا يعلمون أبناءهم هذه المبادئ على أيدي من يختارونه لهم من المعلمين.

وبعد تلقي مبادئ العلم الأولية، كان التلاميذ، الذين تسمح حالتهم بمتاعبة تحصيل العلم، يذهبون إلى الجيمنازيا حيثما وجدت، أما في مواطنهم أو في القرى الكبيرة والمدن. ويبدو من القليل الذي نعرفه أنهم كانوا يتلقون في هذه المعاهد من الثقافة العلمية والتربية البدنية الإغريقية قدرًأ يماثل ما كان يدرس لنظرائهم في معاهد العصر الهلينيسي، في المدن الإغريقية القديمة في بلاد الإغريق نفسها وفي آسيا الصغرى بوجه خاص. وعلى كل حال يبدو أن هذه المعاهد كانت بمثابة مرحلة الثقافة العامة. ولم تقتصر الجيمنازيا على تعليم الشبان، بل كانت أيضًا منتديات الإغريق الذين كانوا يعيشون بالقرب منها، وبخاصة الذين تعلموا فيها وكانت تؤلف منهم “جماعات رجال الجيمنازيوم”. فلا عجب إن كانت اليجمنازيا أهم مراكز الحياة الاجتماعية عند الإغريق، إذ أنها كانت تقوم بدور المدرسة والنادي في وقت واحد. وينهض انتشار الجيمنازيا في مصر وتمتعها بتلك المكانة الهامة دليلاً على استمساك الإغريق بتقاليدهم، وعلى العناية التي كانت الطبقات العليا الإغريقية توجهها لإعطاء أبنائها ثقافة إغريقية صحيحة. وبعد انتهاء هذه المرحلة، كان عدد قليل من الشبان السعداء يذهبون لمتابعة دراستهم على كبار الأساتذة، أما في الإسكندرية أو إحدى المدن الكبيرة مثل أوكسيربنخوس.

وأوفى ما لدينا من المعلومات خاص بالمرحلة الأولى من التعليم، وذلك بفضل ما وصل إلينا من الكتب المدرسية وكراسات التلاميذ وما تحدثنا عنه الوثائق البردية. ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على هذه المرحلة التعليمية الهامة، التي كان يشترك فيها العدد الأكبر من سلالة نزلاء البلاد، وكذلك من أبناء المصريين الذين كانوا يريدون أن ينحوا نحو الأجانب. ويبدو أن المعلمين كانوا رقيقي الحال، فهم فئة مغبونة في كل عصر ومكان، إذ كانوا يتعيشون مما يدفعه لهم التلاميذ كل شهر، ومن الهدايا التي يجود بها عليهم أصحاب المرءوة تشجيعًا لهم. وترينا وثيقتان أنهم كانوا لا يستقرون في مكان واحد، إذ نراهم يتنقلون في خلال عام واحد من مكان إلى مكان. ولعلهم كانوا يذهبون لمززاولة مهنتهم حيثما كانت تبدو لهم بارقة أمل في الفوز بأ:بر عدد ممكن من التلاميذ. ولم يكن هؤلاء المدرسون متخصصين في مهنتهم، فإنه لم توجد معاهد خاصة لتخريجهم في كل أنحاء العالم الهلينيسي، ولم تشترط فيهم أية مؤهلات خ اصة إلا تمتعهم بمستو عال من الأخلاق الحميدة. وتشير الوثائق المختلفة إلى أن التلاميذ الكسالى والعابثين كانوا يعاقبون بفرض واجبات عليهم أو بضربهم، ويبدو أن العقاب الجسماني كان القاعدة السائدة. لكنه يجب ألا نظن أن حياة هؤلاء التلاميذ كانت قاسية، إذ أن آباءهم كانوا لا يحرمونهم من الهدايا واللعب، كالدمى والخيل المصنوعة من الخشب ومقدمة على عجل والسيوف والأقواس الخشبية، هذا إلى جانب الألعاب المختلفة التي كانوا يشتركون فيها سويًا.

وفي الصباح كان التلاميذ يذهبون إلى فصولهم، أما بمفردهم أو في رفقة مربيهم أو أمهاتهم. وكان صغارهم يرتدون ملابس قصيرة، وكبارهم ملابس طويلة. وكان الأنيقون منهم يلبسون رداء أبيض اللون كالجلباب. ويحملون فوقه معطفًا أرجواني أو أخضر أو أحمر فاقع اللون، ويتدلى من رقبة بعضهم على الأقل ما يقيهم شرعين السوء. وكان التلاميذ المجدون وكذلك أولئك الذين يرافقهم الكبار يمضون مباشرة إلى المدرسة ومعهم أدواتهم المدرسية، وكانت عبارة عن لوحة من الشمع أو الخشب، أو قطعة قديمة من ورق البردي استعمل أحد وجهيها من قبل، أو كسر من الفخار ليتيسر غسلها وإعادة استعمالها مراراً، وأقلامهم ومحابرهم، ومن المحتمل أيضًا كتاب للقراءة. أما التلاميذ الكسالى فكانوا كثيرًا ما يتعمدون أن يضلوا الطريق ويهربون إلى ساحات الألعاب، أو يتنزهون على ضفاف القنوات، أو يقطعون الوقت في مشاهدة الأسواق والضحك على المشادات الكلامية بين الثرثارين. وتصور لنا الواثئق المختلفة حياة التلاميذ في مدارسهم، حتى لنكد نسمع بعضهم يلثغون في قراءة دروسهم، ونرى البعض الآخر يعيشون بألواحهم، والبعض يركنون إلى الجهاد في سبيل كتابة أسمائهم والتاريخ، والبعض يختلسون فترة تسهى فيها عنهم عين المدر ليرتكبوا حماقة من الحماقات.

وقد كان أهم ما يعني به المدرسون هو ذاكرة التلاميذ، الذين كان ينبغي عليهم قبل كل شيء أن ينقشوا في ذاكرتهم أسماء حروف الهجاء وشكلها وترتيبها ونطقها. وللتأكد من ذلك، كان يجب على التلاميذ أن يحفظوا الحروف مرتبة من أولها إلى أخرها ومن أخرها إلى أولها. وبعد ذلك كان يمرن التلاميذ على تكوين مقاطع كلمات مختلفة لا معنى لها، لكنها كانت تتطلب منهارة في الكتابة ودقة في النطق. وبعد اجتياز هذه العقبات السقيمة، كان المدرس يعطي تلاميذه نماذج مختلفة للكتابة يقومون بنسخها مرات عديدة. ثم يلقن التلاميذ أسماء أشياء مختلفة من الحياة اليومية، كأسماء الحرف والشهور أو أسماء مأخوذة من القصص والتاريخ. وبعد ذلك كانت تستبدل بالمفردات جمل قصيرة أو حكايات يستسيغها الأطفال وبعض الأقوال المأثورة. بيد أنه يبين أن المدرسين لم يعنوا دائمًا يتلقين الصغار ما كان يتفق وعقليتهم، وإلا لما لقنوهم في حداثتهم مثل هذه العبارات “البحر والنار والمرأة ثالوث مزعج” أو”تزوج إمرأة ولا تتزوج صداقًا”. ولما كان الكثير من كتبة المستقبل يفشون المدارس، فإن التلاميذ كانوا يمرنون على نسخ صور للعقود والخطابات الرسمية.

وفي الوقت نفسه فيما يظن أو بعد ذلك، كان التلاميذ يمرنون على مطالعة مقطوعات مطولة من كتب أدبية مثل خرافات أيسوبوس (Aesopos) بوجه خاص، أو من فلسفة سقراط وديوجينيس. وكانت هذه المقطوعات تعطي للتلاميذ بشكل يقصد منه حضهم على التفكير. وكانوا يعطون أيضًا بعض الأحاجي على هذا النمط: ما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش أغلب الوقت في نهار؟ وما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش على الأرض؟ وما هو الطائر الذي يرضع أولاده؟. ويبدو أن هذه المعلومات الأولية كانت تتخذ أساسًا لتلقين التلاميذ قواعد اللغة التي كانوا يعطون تمارين لتطبيقها. وكانوا يمرنون أيضًا على الأملاء وعلى قراءة الآداب الإغريقية وبوجه خاص الشعر. وقد كانت أشعار هوميروس أكثر الأشعار الإغريقية تداولاً في المدارس ثم تأتي بعدها أشعار يوربييديس. وفي البداية كان المدرسون يشرحون هذه الأشعار ويفسرونها لتلاميذهم، لكنه بعد ذلك كان التلاميذ أنفسهم يتولون أمر الشرح والتفسير والتعليق.

ولم يكن التعليم في المدارس مقصورًا على الآداب فحسب، إذ لا شك في أن التلاميذ كانوا يأخذون كذلك دروسًا في التاريخ والجغرافيا، لكن لما كانت هاتان المادتان تدرسان شفويًا فإنه يتعذر علينا أن نعرف كيف كانتا تدرسان، ولا أي كتب التاريخ كانت تستخدم في المدارس. ولا يبعد أن التلاميذ كانوا يعطون فكرة عن، أو على الأقل أسماء، أشهر المشرعين والمصورين والمثالين والمعماريين والمهندسين وأمناء مكتبة الإسكندرية وعجائب الدنيا السبع، وأسماء البحار والجزر والبحيرات وأكثر الجبال ارتفاعًا وأعظم الأنهار طولاً. وقد كان للحساب نصيب محدود من عناية المدارس الابتدائية، وكان التلاميذ يعلمون أولاً الإعداد البسيطة ثم الأعداد الفردية والأعداد الزوجية، وبعد ذلك الجمع والطرح والضرب وأجزاء وحدات القياس والعملة. ويظن أن تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يتعلمون طريقة العد على الأصابع، وكانت تختلف اختلافًا بينًا عما يقصده بذلك، فقد كانت طريقة معقدة لها قواعد دقيقة يستطيع الإنسان بفضلها أن يعبر بيديه عن أي عدد صحيح ابتداءً من الواحد حتى المليون.

ومهما قيل عن طريقة التدريس أو برامج الدراسة، فلا جدال في أن المدارس الإغريقية على اختلاف أنواعها قد ساعدت على بقاء جذوة الحضارة الإغريقية مشتغلة في كل أنحاء مصر، فكانت ثقافة إغريق مصر سواء أكانوا يعيشون في المدن الإغريقية أم في المدن والقرى المصرية ثقافة إغريقية. وإذا كنا قد عرفنا أن الإغريق أحضروا معهم من بلادهم ديانتهم كما أحشروا عاداتتهم وتقاليدهم، وأنهم كانوا يخضعون لقوانين إغريقية تتمشى مع هذه العادات والتقاليد ويحاكمون أمام محاكم إغريقية، ويعيشون عادة في أوساط إغريقية: أما في المدن الإغريقية أو في جماعاتهم القومية وجمعياتهم الدينية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها، وأن أفواج الإغريق كانت تفد على مصر باستمرار حتى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد فتنعش فيهم ما ذوى وتجدد بينهم ما بلى، وأنه لا توجد أية قرينة على تزاوجهم مع المصريين حتى نهاية القرن الثالث، وأنهم كانوا يعتزون بحضارتهم الإغريقية، ولاسيما أنها كانت مصدر ما يتمتعون به من الخير العميم في مصر، فإنه بفضل عطف البطالمة وحدبهم عليهم كانوا سادة البلاد الذين يسيطرون على أسمى المناصب ويقبضون على ناصية الحكم ويتمتعون بمزايا أشعلت نار الحقد والغضب في المصريين؛ إذ كنا قد عرفنا كل ذلك، فإننا لا نشك في أنه وسط هذه الظروف قد حافظ إغريق مصر على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فبقوا إغريقًا خالصين على الأقل حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد.

لقد كان إغريق مصر يعيشون حقًا في أوساط إغريقية، لكنه يجب ألا ننسى أن هذه الأوساط كانت حتى في المدن الإغريقية تقوم في بيئة غريبة عن الحياة الإغريقية إلى أقصى حد، ولذلك كانت المحافظة على قوة الروح الإغريقي بين إغريق مصر لا تتوقف على استمساكهم بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فحسب، بل كذلك على تطعيم هؤلاء الإغريق باستمرار بدماء إغريقية جديدة من بلاد الإغريق تكون بعيدة عن كافة المؤثرات الغريبة عن الروح الإغريقي. بيد أنه منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد انقطع وفود أفواج جديدة من الإغريق، بسبب نقص عدد الإغريق في بلادهم نتيجة لحروب القرن الثالث الطويلة التي اشتركوا فيها بمثابة جنود مرتزقين، ونتيجة للحروب الداخلية التي عانتها بلاد الإغريق نفسها في خلال هذا القرن ونتيجة كذلك لاتجاه الإغريق نحو تحديد النسل من جراء قسوة الحياة وشظف العيش في بلادهم. وإزاء انقطاع وفود أفواج جديدة من الإغريق كان طبيعيًا أن يضعف الروح الإغريقي تدريجيًا بين إغريق مصر، غير أنه مهما ضعف هذا الروح لابد من أن يكون إغريق مدن مصر الإغريقية قد بقوا إغريقًا خالصين ، نتيجة لعدم الاعتراف بالزواج بينهم وبين المصريين في هذه المدن، ونتيجة لاستمرار المعاهد والمدارس الإغريقية في متابعة نشاطها، ولاسيما أن الإسكندرية كانت لا تزال منارة الحضارة الإغريقية وتتمتع بشهرتها العظيمة في العلوم و الفلسفة والآداب. وإذا كان بطلميوس الثامن قد طارد علماء الإسكندرية وفنانيها في مطلع عهده عند منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، لا بدافع مجافاة الثقافة الإغريقية نفسها التي كان يزهى بحظه منها وإنما بدافع الانتقام من العلماء والفنانين أنفسهم بسبب مناصرتهم لفيلومتور وكيلوبترة الثانية، فإن بطلميوس الثاني كفر في شيخوخته عن سوء مسلكه السابق وأسبغ عطفه و كرمه على العلماء والأدباء والفنانين فلم تلبث الإسكندرية أن استعادت شهرتها القديمة واحتفظت بها حتى فترة متأخرة في العصر الروماني.

إن العامل الذي أدى إلى ضعف الروح الإغريقي في مدن مصر الإغريقية كان له أثر أقوى بطبيعة الحال خارج هذه المدن، ولاسيما أنه منذ أواخر القرن الثاث أصبحت اقطاعات الإغريق وراثية، وبذلك أصبح لأرباب هذه الإقطاعات مصالح دائمة في البلاد. وقد كانت رعاية هذه المصالح تتطلب منهم أن يداروا أهل البلاد وألا يشمخوا بأنوفهم عليهم. وفي الوقت نفسه أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في معاملة المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، ويمنحونهم من الإمتيازات ما رفع من شأنهم وضيق شقة الفارق بينهم وبين الإغريق وساعد على التقريب بين العنصرين، مما أدى إلى تكوين عدد من الأسر المختلطة المصرية ـ الإغريقية. لكنه يجب ألا نبالغ في هذا التقريب بين العنصرين، فقد وقعت في النصف الثاني من حكم البطالمة ثورات مصرية عنيفة، وتحدثنا الوثائق عن أشخاص أسيئت معاملتهم لأنهم إغريق. وعلى كل حال فإن هذه العوامل المختلفة أضعفت الروح الإغريقي بين إغريق الأقاليم، غير أنه لما كانت الصبغة الإغريقية تكسب صاحبها مركزًا ممتازًا مهما كانت جنسيته، إذ أن فكرة أيسقراط (Isocrates) القائلة بأن قوام الإغريقي ثقافته وليس دمه أصبحت أساس معاملة الأفراد في مصر البطلمية، فهل نشك في أن غالبية الإغريق استمسكوا بحضارتهم الإغريقية؟ يبدو لنا أنه مهما ضعف روح إغريق الأقاليم، حتى كانوا يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإغريق القدماء، وأنه إذا كان بعض الإغريق قد عبدوا آلهة مصرية وتعلموا اللغة المصرية وتزوجوا مصريات واتخذوا أسماء مصرية وعادات مصرية، فإن أغلبهم بقوا إغريقًا خالصين. وذلك بفضل أثر مدن مصر الإغريقية ومعاهد الإغريق ومدارسهم، التي كانت توجد حيثما وجد عدد كاف من الإغريق، وكذلك بفضل ما كان يتمتع به الإغريق من المكانة الممتازة في البلاد. لقد أصاب روستوفتزف كبد الحقيقة بقوله أن ضعف الروح الإغريقي في مصر لم يكن نتيجة التزاوج والاندماج مع المصريين ولا نتيجة تأثير الحضارة المصرية في الإغريق، وإنما كان نتيجة ما طرأ على الروح الإغريقي ذاته من التغيير بسبب معيشة الإغريق في بيئة غريبة عنهم ووسط ظروف تختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.

ويبدو أن الروح العامة التي كانت تسيطر في بداية عصر الطبالمة على إغريق مصر لم تكن روح استكانة وتشاؤم بل روح إقدام وتفاؤل، فقد كانت تملأهم الثقة التي بثتها فيهم تعاليم الفلاسفة عن مقدرة الإنسان ومواهبه، وتفيض نفسوهم أملاً في تحقيق حياة زاخرة بالهناءة والسعادة.

وإذا كانت هذه الروح تسيطر على الملوك وأبرز الشعراء والعلماء والأدباء والمهندسين والمعماريين والمثاليين والمصورين والممثلين والموسيقيين الذين شاركوا جميعًا في القيام بأعمال انشائية مبتكرة، فإنها كانت تسيطر أيضًا على من كانوا أقل منهم شأنًا. وحسبنا دليلاً على ذلك فيلادلفوس وعلماء معهد الإسكندرية في عهده، ووزير ماليته أبولونيوس، وينون مساعد هذا الوزير، ومساعد زينون نفسه. أن الروح السائدة في خطابات زينون وغيرها من الوثائق، التي كانت تضمها سجلاته، روح تفيض بالحيوية الدافقة والنشاط الذي لا يحد في خدمة مصالح الدولة والرءوساء وفي خدمة المصلحة الخاصة. لكن هذا النشاط الذي صاحب العهد الأول لم يستمر طوال عصر البطالمة، فقد أعقب فترة الابتكار والإنشاء فترة استقرار وهدوء، ثم زلزلت الأحداث أركان دويلة البطالمة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وازدادت السلطة المركزية ضعفًا على ضعف، وتدهور حال البلاد الاقتصادية، وانحلت أخلاق الطبقة الحاكمة، وفسد نظام الحكم. فلا عجب أنه وسط هذه الظروف فقد الإغريق روح الأقدام والابتكار، واستولت عليهم روح التواكل والاستسلام، وطغت عليهم نزعات جديدة كانت أخصها النزعات الدينية. ومع كل ذلك تمكن الإغريق بوجه عام من الاحتفاظ بصبغتهم الإغريقية.

ملتقى طلاب المحروسة _ ذاكــرة التـاريخ _ حالة مصر منذ الأسرة السادسة والعشرين حتى الفتح المقدوني

حالة مصر منذ الأسرة السادسة والعشرين حتى الفتح المقدوني

لما كان أول عهد مصر باستقرار الإغريق فيها يرجع إلى ما قبل الفتح المقدوني بعدة قرون، وكان الإغريق قد لعبوا دوراً هامًا في تاريخ مصر منذ العصر الصاوي، فإنه لكي تفهم بجلاء تاريخ مصر في عصر البطالمة، يجدر بنا أن نستعرض في إيجاز حالة مصر منذ العصر الصاوي.

ملوك نباتا يردون على الوادي وحدته:

عندما سيطرت أسرة ليبية على مصر في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد، انقسمت البلاد إلى إمارات محلية، ورفض كهنة آمون، سادة طيبة، الخضوع لسلطان الليبيين يبدو أن الكثيرين منهم آثروا الهجة جنوبًا إلى بلاد كوش، وكانت تعتبر ملكًا لآمون، وهناك عند الشلال الرابع في المدينة التجارية الكبيرة “نباتا” أقام كبير الكهنة القادمين من طيبة ملكًا جديدًا وجعل من نفسه وارثًا شرعيًا لعرش فرعون، ولم يكد الملك الشاب بعنخي يستوى على عرش نباتا حتى صح عزمه على أن ينقذ شمال وادي النيل من أيدي الغاصبين وعلى أن يرد على الوادي وحدته، وفي عام 740 كللت مجهوداته بالنجاح.

أشور تفتح مصر:

وعندما استولت آشور على مصر في عام 671 ولم يستطع طهراقا. خامس ملوك نباتا، ضد الغزو الأجنبي عن شمال مملكته انسحب جنوبًا تاركًا الدلتا تحت رحمة الآشوريين، وما كاد أشيور حادون (Esarhaddon) يعود إلى نبنوي، حتى استعاد طهراقا سطرته على الدلتا. وعندما ارتقى أشور بانيبال العرش أعاد فتح مصر في عام 667 ثم أقام نخاو، أمير سايس. حاكمًا على الدلتا وأحاطه برجال أشوريين وبذلك حال دون نجاح طهراقا في استعادة الدلتا. وعندما أفلح تنوت أموت (Tanutamon) خليفة طهراقا. في غزو الدلتا ونصب نفسه في منف فرعونًا على مصر بأجمعها، استنباط أشور بأنيبال غضبًا وغزا مصر ثانية في عام 663وطارد تنوت أمون في الوجه القبلي، ثم ترك مصر تحت أمرة ابستيك. ومع ذلك يبدو أن تنوت أمون احتفظ بنفوذه في طيبة حتى عام 661، وهو العام الذي حمل فيه ايستيك ألقاب الفراعنة بعد أن بسط سلطانه على مصر كلها، وأصبح ملكها دون منازع من البحر إلى أسوان.

تأسيس الأسرة السادسة والعشرين:

وهكذا أسس أبستيك (663ـ 609) الأسرة السادسة والعشرين وجعل سايس (صا الحجرة بالقرب من كفر الزيات) حاضرتها، ولم يبث أن حرر مملككته من كل تبعية لأشور. وبيان ذلك أنه إزاء انهماك أشور حينذاك في حربها مع علام (Elam) لم يعبأ أشور بانيبال بما كان جارياً في مصر مادام أبستيك يدفع له الجزية، ويحتمل أنه استمر يفعل ذلك بانتظام حتى حوالي عام 651 عندما سحبت الحامية الأشورية من الدلتا بسبب مقتضيات حرب علام ونشوب ثورة في بابل. ومن ثم توقف أبستيك عن دفع الجزية لأشور، وبعد حروب علام المضنية. كان ابستيك يفضل جنوده المرتزقة في مركز أقوى من أن تتهدده أشور.

استقرار الإغريق في مصر:

وقد كان في مصر إذا ذاك عدد كبير من الإغريق، فإنه منذ حوالي 725 ق “م” أخذ تجار ميلتوس (Miletos = ملطة) يترددون كثيراً على مصاب نهر النيل وبخاصة المصب العربي. عند قانوب (أبر قير) لها لسيولة الوصول إليه من بحر أبجة وأما بعد عن حركة تشاو الفينيقيين. وقد ترتب على ازدياد تدفق التجارة الإغريقية أن فرع النيل القانوني أخذ يزداد في الأهمية على فرعه بلوزي، وكانت تجارة مصر مع فينيقيا قد أكسبته أهمية كبيرة في عهد الأسرتين العشرين والثانية والعشرين، أي في عهد الرعامة (حوالي 1198 ـ 1090) وملوك بوباسطس (حوالي 945ـ 725).

تأسيس نقراطيس:

وعلى مقربة من سايس، أسس تجار ميلتوس محلة لهم، أطلق عليها اسم “قلعة أهل ميلتوس”، ويحدثنا استرابون بأن تجار ميلتوس أقاموا محلتهم في عصر أبستيك، أي حوالي عام 650ق.م. ولكنه من المحتمل أنها أقيمت حوالي عام 700 أو قبل ذلك، ولعل أن ما حدث في عصر أبستيك هو أن القلعة ازداد اتساعها، وأصبحت تعرف باسم نقراطيس (Naucratis= نوم جعيف بمحافظة البحيرة) ويفضل الثروة التي عادت على مصر من تجارة الإغريق تسكن أبستيك من استخدام عدد كبير من الجنود الإغريق والأناضوليين ساعدوه على توطيد مركزه في مصر، وبذلك تخلص من منافسيه ومن تهديد ملوك نباتا ومن سيطرة الأشوريين.

عطف ملوك العصر الصاوي على الإغريق:

وعندما استتب الأمر لأبستيك كافأ جنوده المرتزقة بأن اتخذ منهم وحدهم حرسه الخاص ما أساء إلى الجنود المصريين. فلم يكن من الحامية التي وشعها الملك عند أسوان للدفاع عن الحدود الجنوبية إلا أنها هاجرت إلى بلاد النوبة، فقد عز عليها أن يختص الملك جنوده الإغريق بتكوين حرسه الخاص.

وقد أقام أبستيك لهؤلاء الجنود معسكرين، أحدهما في ماريا (Marea) بالقرب من فانوب، والآخر في دفنة (Dephna= تل دفنة عند برزخ السويس) ليكونا بمثابة حصنين يصدان هجمات كل من تحدثه نفسه بالاعتداء على مصر، وأباح أبستيك للإغريق أن يشئوا مؤسسات في سايس ونقراطيس وقانوب. وقد هدأت الحال في مصر بفضل الحزم الذي أبداه أبستيك، وسرعان ما أصبحت علاقته مع أشور علاقة الند للند، لكنه لما كان هذا الملك مديناً بمركزه في مصر لأشور، فإنه لم ينس ذلك وبقى حليفًا أمينًا لأشور حتى توفي في عام 609، وخلفه ابنه نخاو الثاني الذي حاول دون جدوى مساعدة أشور على بابل. ومن ثم وقف جهوده على الأعمال السليمة في مصر، فاهتم بشق قناة تربط النيل بالبحر الأحمر، وأوفد بعثة لترتاد سواحل إفريقيا، ووجه عناية خاصة إلى تجارة مصر، فأثرت البلاد، وازدهرت فيها فنون السلم، وظهر في كل فروع الفن طراز جديد يمتاز بأحياء طراز الدولة القديمة.

وعندما توفي نخاو الثاني في عام 593، خلفه ابنه أبستيك الثاني الذي حكم حتى عام 588. ولعل أهم ما يعنينا في هذا المقام من أمر أبستيك الثاني هو أنه اقتفى أثر أبيه وجده في إتباع سياسة مشربة بروح العطف نحو الإغريق. ولا جدال في أن عطف ملوك مصر في العصر الصاوي على الإغريق يرجع إلى ما كانوا مدينين به من ثروتهم لتجارة الإغريق، وكذلك إلى ما كانوا يستشعرونه من الحاجة الملحة إلى معونة الإغريق العسكرية، وذلك من ناحية للذود عن حياض مصر ضد المالك الفنية القوية في أسيا، ومن ناحية أخرى لدفع ما يتهدد العرش من الأخطار الداخلية.

ازدياد العطف على الإغريق يلهب شعور المصريين:

بيد أن ازدياد ذلك العطف أثار شعور المصريين بالتدريج، حتى دفعهم إلى الثورة على إبريس (Apries) (588-566) وكان شاباً متهوراً، خاضعًا لجنوده الإغريق إلى حد بعيد. وقد أزكى حقد المصريين عليه فشل الحملة التي أرسلها لمساعدة الليبيين ضد إغريق قوريني، فاندلع لهيب ثورة قومية سعادية للأجانب، حمل لواءها قائد مصري يدعي أماسيس (Amasis) ولم تنته هذه الثورة في عام 569 إلا بإعلانه شريكًا لأبريس في المك، لكن ابريس قبل بعد ذلك بثلاث سنوات وخلفه أماسيس وحده على العرش.

ارتقى أماسيس العرش بوصفه عدو الإغريق، لكنه كان أفطن من أن يحتفظ بهذه الصفة وكذلك من أن يصبح صديقًا حميمًا للإغريق وبخاصة أول الأمر، فنهج في سياسته طريقًا وسطًا. و لكي يرضى شعور الشعب ألغى معسكر دفنه ونقل جند هذا المعسكر إلى منف، حيث اتخذ منهم حرسًا خاصًا بحجة وضعهم تحت رابته، وأمر بأن ينزل في نقراطيس جميع الإغريق المدنيين المقيمين في مصر. وبالتدريج ازداد عطفه على الإغريق وضوحًا. ونستدل على ذلك من صداقته لبولوقرانس (Polycrates) طاغية ساموس وقرويسوس (Croesos) ملك لوديا، ومن هداياه الثمينة للمعابد الإغريقية، ومن اتخاذه زوجة له سيدة إغريقية قورينية لعلها كانت أميرة من أسرة باتوس ملوك قوريني.

وفي عهد أماسيس ساد الأمن والسلام في البلاد، فازدادت ثروة مصر نتيجة لرواج تجارتها شمالاً وشرقًا وجنوبًا كما ازداد عدد سكانها، وأنشئت عدة معابد كبيرة، وازدهرت العلوم والفنون حتى بلغت شأوا بعيدًا. وفي هذه الأثناء كان قورش يشيد صرح دولة فتية هي دولة الفرس التي أصبحت قوة يخشى بأسها بعد استيلاء قورش على ميديا في عام 550، مما أفزع قرويسوس ملك لوديا وحدًا به إلى محاولة درء هذا الخطر بتكوين حلف من ثلاث دول كبرى وهي لوديا وبابل ومصر. فما كان من قورش إلا أنه بادر إلى غزو لوديا ولم يواف عام 546 حتى كان قد استولى عليها، وشفع ذلك بالاستيلاء على كل الشواطئ الجنوبية لآسيا الصغرى، وفي عام 539 استولى على بابل، وبعد ذلك بقليل دخلت سوريا وفلسطين حظيرة الإمبراطورية الفارسية. وأما مصر فإنها كانت لا تزال مستمتعة باستقلالها عند وفاة أماسيس في عام 526.

الفرس يفتحون مصر:

وفي عصر أبستيك الثالث غزا قمبيز مصر، وتوج نفسه ملكًا عليها في مايو عام 525، واتخذ لقب فرعون ليكسب نفسه مركزًا شرعيًا في نظر المصريين، لكنه لم يلبث أن أثار عواطفهم بانتهاكه حرمة الديانة المصرية. وفي عام 522 خلفه دار على العرش، فأظهر بعد نظر وكياسة جدير بن بملك عظيم وزار مصر حوالي عام 518 حيث توج عليها فرعونًا. ولعل أهم بقايا عصره في مصر معبد هبيس في الواحة الخارجية. ويضاف إلى ذلك أنه أتم قناة نخاو وكانت تصل النيل بالبحر الأحمر، مخترقة وادي الطميلات. واتبع دارا سياسة التسامح ليمحو أثر الآثام التي أساء بها سلفه إلى المصريين.

الثورة المصرية الأولى على الفرس:

ومع ذلك فإنه ما كاد المصريون يعرفون أن دارا قد توفي حتى هبوا ثائرين ونصبوا خباش ملكًا عليهم في عام 485. وقد ساعد الأثينيون المصريين في ثورتهم لأن الفرس كانوا عدوًا مشتركًا للفريقين، ولا يزالون يشكلون خطرًا داهما على الإغريق كافة برغم فشلهم في غزو أثينا قبل هذه الثورة بخمس سنوات. وفي عام 484 أتى أجزركسيس (Xerxes) ابن دارا إلى مصر وأخذ الثورة وقضى على خباش، وفرض غرامة كبيرة على معبد بوتو (Buto) في الدلتا لأنه كان قد نادى بالثورة، وجعل حالة مصر أسوأ مما كانت عليه قبل، وضيق الخناق على المصريين فوضع فرسًا حتى في الوظائف غير الكبيرة. وإذا كان يرجح أنه قد كان بين جباة الضرائب الذين عجت بهم البلاد عندئذ كثيرون من المصريين، فلا شك في أنه كان بينهم أيضًا كثيرون من السوريين والبابليين والفرس، وكان كل همهم ملء خزانة الملك الأكبر. غير أن مصر، وقد أثرت ثراء كبيرًا في العهد الصاوي، بقيت غنية كذلك على الأقل في بداية العهد الفارسي برغم كل ما عانته من الغزو والمذابح والاضطهاد. وتشير الوثائق الكثيرة التي وجدت في مصر من عصر دارا إلى رفاهية البلاد ورخائها، لكننا لا نجد لهذه الوثائق نظائر بعد ثورة خباش والنير الذي وضعه أجزر كسير على رقاب المصريين. وكثيرًا ما نجد في الوثائق الأرامية التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس أسماء يهودية أو سورية أو بابلية، مما يشير إلى أن عدد كبيرًا ما نجد في الوثائق الأرامية التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس أسماء يهودية أو سورية أو بابلية، مما يشير إلى أن عددًا كبيرًا من صغار التجار الشرقيين قد تبعوا الفرس وجباتهم إلى مصر. ولاشك في أنه قد ترتب على الحروب الطويلة التي خاضتها الفرس في بداية القرن الخامس مع أثينا وحلفائها أن انقطعت تقريبًا تجارة مصر مع بلاد الإغريق مما عاد بضرر بليغ على نقراطيس، لكنه لا سبيل إلى الشك في أنه كانت لمصر تجارة واسعة برًا وبحرًا مع بلاد العرب وسوريا وفينيقيا وأيونيا، إلى جانب تجارتها المنكمشة مع بلاد الإغريق. وكان يقوم بنقل كل هذه التجار بحارة أو رجال قوافل من الأجانب. وفي هذا الوقت استقرت القبائل العربية النبطية في مدينة البتراء، حيث سيطروا على طريقين تجاريين أحدهما من خليج العقبة إلى فلسطين والآخر من مصر إلى بابل عبر جرها (Gerrha).

الثورة المصرية الثانية:

وفي عام 465 توفي أجزركسيس، فكان ذلك إيذانا بيدء ثورة جديدة في مصر للتخلص من النير الفارسي. وقد حمل لواء هذه الثورة أحد أمراء أسرة أبستيك وكان يدعى أيناروس (Inaros)، فطرد جباة الضرائب الفرس وأخيمنس (Achaemenes) نائب الملك، ولكن الحامية الفارسية انسحبت إلى منف فحالت دون انضمام وادي النيل إلى الدلتا. وعندما تحرج مركز ابناروس، لعجزه عن الحصول على مساعدة الوجه القبلي وعودة أخيمس على رأس جيش جديد، وفدت على مصر نجدة إغريقية. وبيان ذلك أن أسطولاً أثينيا مكونًا من مائتي مركب كان يقوم بأعمال حربية بالقرب من شواطئ قبرص وعندما علم القواد الأثينيون بثورة أيناروس بادروا بمد المعونة له، فقد كان هذا الأسطول على أتم استعداد لمساعدة أي عدو للفرس. وبفضل هذه المساعدة انتصر المصريون على العدو المشترك.

ولم يغادر الأثينيون مصر بعد ذلك بل بقوا سادة البلاد فحاول أرتجازركريكس (Artaxerxes) دون جدوى اغراء اسبرطة بغزو أنيقا لكي يضطر الأثينيون إلى الخروج من مصر. وأخيرًا أرسل الملك الأكبر جيشًا قويًا إلى مصر هزم المصريين وحلفاءهم وطرد الإغريق من منف وحاصرهم في جزيرة بروسويس (Prosopis) عامًا ونصف عام، حتى أاخضعهم (456) وقضى على أيناروس. وهكذا أخضع الفرس مصر ثانية. فيما عدا أميرتايوس (Amyrtaeos) “ملك الأدغال” الذي عجز الفرس عن القضاء عليه بسبب اتساع الأدغال، ولأن أهل الأدغال كانوا أكثر المصريين مقدرة على الحرب. وحدث أن أرسل الأثينيون خمسين مركبًا لنجدة قواتهم في مصر، فدخلت هذه المراكب فرع النيل المنديسي (نسبة إلى مندس Mendes = تل الربع قرب السنبلاوين بمحافظة الدقهلية) دون علم بما كان قد حدث، فهوجمت برًا وبحرًا ولم ينج منها سوى عدد قليل.

هرودوتوس يزور مصر:

وفي عصر أرتاجزركسيس الأول زار هرودوتوس مصر. ويرجح أن هذه الزيارة تمت بين عام 448، عندما عقدت أثينا الصلح مع الفرس، وعام 445، عندما كان في أثينا قبل ذهابه إلى ثوربى (Thurii) التي أشترك في تأسيسها عام 443، وكانت مصر تنعم إذ ذاك بالهدوء، لكنه كان هدوء منوك القوى المستسلم، ذلك أنه بوفاة الزعيم الأثيني قيمون (Cimon) وعقد صلح قالياس (Callias) في عام 448 انتهت المحاولات الأثينية لتحطيم قوة الفرس وشد أزر مصر، فنعم الفرس بفترة من الراحة أطالت أمدها الحروب البلوبونيزية بين أثينا واسبرطة (431-404).

ويحدثنا هرودوتوس بأن البلاد كانت في رخاء، لأن التجارة والصناعة كانتا رائجتين. برغم الضرائب الثقيلة المفروضة عليها وكان معدلها يزداد غالبًا دون وجه حق. ولا جدال في أن المصريين أثبتوا مراراً مقدرة غير عادية على النهوض بعد أي خطب نزل بهم، بيد أنه ازاء الثورتين العارمتين اللذين قاموا بهما ضد الفرس في خلال ربع قرن، وما واكب هاتين الثورتين من قتال وتخريب وما أعقبهما من مذابح واضطهاد وإزاء ما سنراه من الجهود التي اضطر البطالمة الأوائل إلى بذلها ـ بسبب ما ترتب على ذلك كله ـ للنهوض برافق مصر الاقتصادية. وإزاء ما يرويه هرودوتوس نفسه عن الضرائب الثقيلة يساورنا الشك فيما يحدثنا به هذا المؤرخ عن رخاء مصر حين زارها في أعقاب الثورة الثانية. ويبدو مما يرويه هرودوتوس أن أبواب البلاد كانت مفتوحة أمام السائحين الأجانب، وأنه كان في وسعهم زبارة المعابد وكل معالم البلاد دون صعوبة أو التعرض لأي خطر من الأهالي ولا يحدثنا هرودوتوس عن مشاهدته أي آثار للتخريب في الوجه القبلي، مما يبعث على الظن بأن الكفاح بين الفرس والمصريين كان مقصورًا على الدلتا وما يجاور منف.

ويبدو من رواية هرودوتوس أن مظاهر الحياة لم تختلف عما كانت عليه قبل ذلك بألفي عام وتشبه عن قرب في بعض النواحي ما هي عليه إلى اليوم، فإن وصف هرودوتوس لحفل ديني في بوباسطس يكاد أن يكون وصفًا لإحدى الحفلات الدينية التي تقام اليوم عن الاحتفال بمولد أحد “الأولياء”. وكان يوجد إذ ذاك كما يوجد اليوم السائحون والأدلاء ، فقد كان هرودوتوس سائحًا وكثيرًا ما كان ضحية لأحد الأدلاء الادعياء ومع ذلك فإن هردوتوس حصل على معلومات تاريخية قيمة، يبين أن مصدرها كان أحيانًا من حادثهم من الكهنة، لكنه يبدو أنه لم يلق الكثيرين من هؤلاء الكهنة. ولم يعتمد هرودوتوس على ما سمعه وحده بل اعتمد أيضًا على ما رآه بنفسه، ثم فسر ما توافر لديه من المعلومات حسبما تراءى له. ويعتقد بعض المؤرخين أن معلومات هرودوتوس عن مصر، على ما بها من أخطاء، ليست عديمة القيمة إلى الحد الذي يعتقده بعض آخر. وفي الواقع بالرغم من كل ما بهذه المعلومات من أخطاء تاريخية، فإنها تعطينا صورة حية لتاريخ مصر في القرن الخامس قبل الميلاد.

إغريق نابهون يزورون مصر:

ولم يكن هرودوتوس الإغريقي النابه الوحيد الذي زار مصر قبل الفتح المقدوني، فإن العلاقات القوية التي نشأت منذ العصر الصاوي بين مصر وبلاد الإغريق شجعت وفود الكثيرين من الإغريق على مصر، أما لمجرد الزيارة والاستطلاع وأما لتلقي العلوم، فيقال أن الفيلسوف الإغريقي طالس Thales زار مصر، ويرجح أنه أخذ عنها فكرته القائلة بأن الماء أحد العناصر الطبيعية الثلاثة، كما أنه تعلم في مصر أصول الهندسة والحساب. وإذا كان هناك شك في أن فيثاغورس وفرقودس (Pherecydes، وهراقليتوس Heraclitos وأنا كساجوراس Anaxagoras) زاروا مصر، فلا شك في أن أفلاطون زارها وتزود منها بالمعلومات كما تزود دموقريتوس (Democritos). ويرجح أن الفكرة الإغريقية عن الروح البشرية القائلة بأنها عبارة عن إنسان له رأس طائر قد أخذت عن مصر، لكنه يظن أن الإغريق لم يأخذوا شيئًا آخر عن مصر إذ ذاك إلى أن جاء عصر البطالمة.

ولم يدم صلح “الثلاثين عامًا” الذي عقد بين أثينا واسبرطة في عام 445 نصف تلك المدة، فقد اندلع لهيب الحرب البلوبونيزية في عام 431، لكن السلام كان سائدًا بين الفرس وبين أثينا واسبرطة، فلم يبال المصريون أكانت أثينا واسبرطة في حرب أم في صلح ما دامت هاتان الدولتان صديقتين للفرس. ووسط الحرب البلوبونيزية توفي أرتاجزركسيس في عام 424، لكن مصر ظلت هادئة حتى نهاية القرن الخامس.
وجدير بالذكر هنا وثيقة أرامية من أواخر هذا القرن عشر عليها في جزيرة الفئتين بأسوان، وهي عبارة عن شكوى كهنة الجالية اليهودية في الفئتين من القائد الفارسي في أسوان لأنه سمح لكنة الإله خنوم المصريين بتدمير المعبد اليهودي هناك ونهبه. وقد يرجع وجود هذه الجالية اليهودية إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن السادس، عندما وقد كثيرون من اليهود على مصر، على نحو ما رأينا وسنرى فيما بعد.

الثورة المصرية الثالثة

وعندما انتهت الحرب البلوبونيزية في عام 404 بهزيمة أثينا، آلت زعامة بلاد الإغريق إلى اسبرطة، وهي التي وجدت نفسها بعد بضع سنين مشتبكة في صراع مع الفرس، فكان ذلك مواتيًا لمصر، وكانت قد ثارت على الفرس في عام 404، عقب وفاة دارا الثاني. وقد قاد هذه الثورة الجديدة أميرتايوس الثاني الذي حكم مصر ست سنوات لكن حكمه كان مزعزعًا، إلى أن اشتبكت اسبرطة مع الفرس، ولم يساعده على الاحتفاظ بملكه في خلال الشطر الأول من حكمه إلا اشتغال ارتاجزركسيس الثاني بخيانة أخيه قورش (Cyrus). وعقب انتصار الملك الأكبر على أخيه في عام 401، اشتبكت اسبرطة مع الفرس، إلا أن مالك مصر لم يلبث أن حاول اكتساب عطف الملك الأكبر المنتصر، فأثار بذلك عواطف المصريين وكانت معادية للفرس، مما دفعهم إلى خلع أميرتايوس في عام 398 والمناداة بنقريتس (Ne[herites) مكانه ملكًا على مصر وفي عام 396 جمع الملك الأكبر أسطولاً كبيرًا في فينيقيا، يرجح أنه كان يراد به إعادة فتح مصر. لكن اسبرطة وقد خشيت أن يستخدم هذا الأسطول للقضاء على سيادتها البحرية، عرضت في ذلك العام عقد معاهدة مع مصر، التي أصبحت مستقلة تمام الاستقلال، فرحبت مصر بذلك لتضمن معونة الإغريق إذ هاجمها الفرس.

وقد خلف نفريتس ثلاثة ملوك يعنينا منهم أمر ثالثهم وكان يدعى هاقوري (Hakori)، ففي عصره تحالفت مصر مع أفاجوراس (Evagoras) ملك قبرص عام 389، لكن هذه المحالفة حلت الفرس على الإصغاء إلى عروض اسبرطة لقعد الصلح، فقد أعيا اسبرطة نضالها في آسيا وتافت إلى السلم. وفي عام 388 انضمت أثنينا إلى محالفة مصر وقبرص. إلا أنه في عام 386 عقد صلح انتالقيداس (Antaleidas) بين الفرس واسبرطة ثم أثنينا وحلفائها. ولم تعن اسبرطة وأثينا بأن يشمل هذا الصلح مصر، وهي التي سعينا من قبل إلى التحالف معها.

وكان في استطاعة أرتاجزركسيس إذ ذاك أن يهاجم أناجوراس أو هاقوري أو كليهما إذا شاء، لكنه فضل أن يوجه هجومه الأول إلى مصر بين عامي 385 و383، غير أنه باء بالاخفاق. وقد أفلح أفاجوراس بمعاونة هاقوري وأثينا في مناوءة الفرس حتى هزم في البحر وحوصر في جزيرته فعقد صلحا مع الفرس في عام 380. وبعد ذلك بفترة قصيرة وراح ضحية مؤامرة وخلفه ابنه نيقوقلس (Nicocles).

وفي عام 378 توفي هافوري وخلفه نفريتس الثاني مدة أربعة شهور ثم ارتقى العرش نقتانبو الأول (Nectanebo). وقد حالت ظروف أرتاجزركسيس دون مهاجمة مصر قبل عام 364، عندما وجه إليها حملة قوية يشد أررها عدد كبير من المرتزقة الإغريق، إلا أن التوفيق لم يحالف هذه الحملة.
وعندما توفي نقتانبو الأول في عام 361 خلفه على عرش مصر ابنه تزدهور (Zednor = تاخوس Taehos) الذي انتهز فرصة انقسام الإمبراطورية الفارسية بعضها على بعض فأعد حملة لغزو سوريا. وقد استعان تزدهور بملك اسبرطة العجوز اجسيلاوس (Agesilaos) لتدريب جيشه، وبأمير البحر الأثيني خابرياس (Chabrias) لأعداد أسطوله، وانتزع جانبًا كبيرًا من دخل المعابد ليدفع أجر جنوده، مما أغضب المصريين. وعندما وصل الجيش إلى فينيقيا دب الخلاف بين الملك الاسبرطي وتزدهور، وكان المصريون قد ثاروا عليه في مصر، فلم يتردد أجسلاوس في عزل تزدهور إلى الفرس، وقرر الملك الجديد العدول عن الحملة والعودة إلى مصر لدعم مركزه هناك. وعندما استتب الأمر للملك الجديد بعد حرب حامية، غادر مصر أجسيلاوس وخابرياس، فقرر نقتانبو استئجار غيرهما لقيادة قواته، ففي ذلك الوقت كان لا يستطيع أي ملك عاقل الاشتراك في حرب دون استئجار الإغريق لمعاونته. ذلك أن مرتزقة الإغريق هم الذين كانوا يضطلعون بأكبر ابعبء في جيوش كافة القوى المصطرعة.

وفي عام 358 ارتقى العرش الفارسي ارتاجزركسيس الثالث (أوخوس Ochos)، وما كاد يوطد مركزه في إمبراطوريته حتى قرر بالهدوء بتسع سنين. وجدير بالذكر أن نقتانبو الأول والثاني انتهز سنين السلم لرعاية الفنون، فإن النهضة التي سمتاز بها النصف الثاني من فترة الاستقلال، وتثير اهتمامنا باعتبارها المقدمة والحافز للمنتجات الفنية الرائعة في عصر البطالمة الأوائل، لابد من أنها ترجع إلى رعاية هذين الملكين وإلى الإيحاء الذي بثه في الفنون استعادة الاستقلال وبلورة البلاد درجة كبيرة من القوة.

للفرس يستردون مصر:

ولما لم يكن في وسع أوخوس أن يحتمل رؤية مصر مستقلة، ذلك البلد الغني الذي يدر الخير العميم على صاحبه، وكانت في ن ظره ملك أجداده وتبعًا لذلك ملكه أيضاً، فإنه أخذ يعد جيشه أعدادًا حسنًا ويترقس الفرصة المناسبة لغزو مصر. وقد واتته فرصته عندما ثارت فينيقيا وقبره على الفرس بزعامة ملك صيدا، الذي وعده نقتانبو بالمساعدة وأرست إليه في عام 343 قوة من الجنود الإغريق يقودها إغريقي من رود يدعى متور (Mentor) لكن هذا القائد عندما علم باقتراب أوخوس وجيشه دخل مع الفرس في مفاوضات بعلم ملك صيدا. ومع ذلك حاصر الملك الفارسي صيدا، وعندما فتحت له أبوابها قتل ملكها وقبل منتو ورجاله في خدمته. وفي عام 343 زحف أوخوس على مصر يشد أن عدد كبير من الجنود الإغريق، وأفلح في اقتحام تحصينات الدلتا واستولى على منف، ففر نقتانبو إلى بلاد النوبة. وتحدثنا المصادر القديمة أوخوس بانتصاره بإهانة المصريين إهانة فاقت أعمال قمبيز، أسكن حساراً في معبد فتاح وذبح العجل أبيس وقدمه في مأدبة الاحتفال وقد استر حكم الفرس في مصر إلى أن فتحها الإسكندر في عام 332.

طبقات السكان وصفاتهم:

وإذا استعرضنا تاريخ مصر في خلال الثمانية القرون التي أعقبت عصر الملوك الكهنة فإننا نجد أن معظم سكان البلاد كانوا يتألفون من قوة مزارعين محافظين أشد المحافظة، لم تتغير عاداتهم وطباعهم منذ آلاف ؟؟؟ وملوك نباتا والأشوريين والفرس، وأعطى الليبيون والنوبييون أهل مصر ارستقراطية وأسر مالكة، لكن هؤلاء الغرباء اندمجوا في أهالي البلاد في الجوهر، ولم يحتفظوا إلا بمظاهر أصلهم الأجنبي مثل الاسم وما أشبه ذلك. ومن بين كل حكام مصر الأجانب كانت الأسر الليبية أطولها بقاء فإنها بدأت تسيطر على مصر في عهد الأسرة الحادية والعشرين، وبعد ذلك بسبعة قرون كان أمراء سايس لا يزالون يحملون اسم أبسمتيك، وهو الذي يبدو أنه كان ليبيًا. وكان أغلب طبقة المحاربين المصريين في خلال هذه الفترة من أصل ليبي، ولم يقض على العنصر الليبي إلا ظهور الجنود المرتزقة الإغريق والفتح الفارسي. ويبدو المزيج الليبي في الطبقة العليا قيل كل شيء بالإضافة إلى الأسرة المالكة، أما المزيج السامي والأناضولي والنوبي فيبدو غالبا في المدن. أما عنصر أهل الريف، وكان يتألف من غالبية أهل البلاد، فقد بقى بوجه عام مصريًا خالصًا وكذلك بعيدًا عن لاشوائب، لأن الانحلال لم يحل إلا بأهل المدن والطبقات الحاكمة في العواصم.

وقد مر بنا أن الأمة المصرية، برغم ما بلغته إذ ذاك من الثروة والأناقة والرقي الفني، كانت ضعيفة منحلة. إلا أن الأنصاف يقتضينا أن نذكر أن عنصر أهل الريف في الأمة لم يكن ضعيفً، وأنما كان عنصرًا وديعًا يحب السلام فيما عدا المنازعات المحلية بين القرى، حيث كان استعمال “النبوت” شائعًا. وعندما كانت تلك العصى الغليظة في قبضة فرعون حازم أو حاكم أجنبي قوي. فإن أهل الريف كانوا يخضعون له. ولم يقدر على قيادة العلاج خارج مصر. وأبعاده عن أرضه التي يعشقها سوى فرعون شديد. أو حافز قوي. وأما إذا كانت في البلاد حكومة ضعيفة أو إذا حلت بها الفاقة. فإنه كانت كالغاب المكسور لا تستطيع دفع فاتح شديد المراس إلا بالوسائل السياسية. ولا نسمع في هذه الفترة شيئًا جديدًا عن طبقة المزارعين، وفي الواقع يبدو أن أحوال هذه الطبقة لم يطرأ عليها أي تغير يذكر على مر العصور. وأما طبقة المحاربين من المصريين الخالصين، فإنها كانت طبقة ممتازة داخلها الغرور وأما كفايتها إلى حد أن الجنود المرتزقة الإغريق أصبحوا عماد الجيوش المثرية منذ بداية العصر الصاوي، وهوما تأباه كل دولة تحترم وتعتز بكرامتها. وأما طبقة الكهنة فإنها كانت أيضًا طبقة ممتازة، ؟؟ بأحقاد متبادلة بين المعابد المختلفة تمخضت عن تقطيع أوصالها.

وبالغرم مما أصاب الأمة المصرية من الانحلال السياسي، فإنها قوة الحيوية الكامنة فيها بمقدرتها العجيبة على النهوض سريعًا من الحروب المتكررة. وقد أظهر المصريون استمساكًا قويًا بتقاليدهم ليمكن القول بأن نظام الإدارة التقليدي احتفظ به دائمًا مع التعامل الضرورية، بأن النظام المعقد الذي نعرفه من أيام البطالمة والرومان معروفًا قبل ذلك وإنما بشكل أقل تعقيدًا.

وحتى الأسرة الثانية والعشرين كانت كل الوثائق تكتب بالهيوانية أما منذ عهعد ملوك نباتا فقد بدأ استعمال الديموتيقية. ولم يأت الأسرة السادسة والعشرين حتى كانت الديموتيقية تستعمل في كلٍ كافة الوثائق فيما عدا الدينية منها، فقد كانت تكتب الهيراتيقية ذلك فإنه قبل عهد البطالمة لم يوجد إلا قدر طفيف من بالديموتيقية.

وقد كان المصريون شديدي التمسك بدياناتهم، وهي تمتاز في الفترة بازدياد أهمية السحر وبنهضة دينية اصطبغت، كبقية نهضة العصر، يميل إلى القديم، مما أدى إلى أحياء “كتاب الموتى” و”نص الأهرام”، وقد أصبحت الديانة تصطبغ بصبغة جنازية تبعًا ؟؟ التي اكتسبوا أوزيريس على حساب آمون، فقد أخذ هذا الإله تدريجًا من مكانته السامية، وإن كان لا يزال يعتبر في العصر الصاوي “ملك الآلهة” ويحتمل أن تخريب طيبة في عام 663 وضع نهاية هذا الإله الدينية فقد خلفه أوزيريس منذ ذلك الوقت في مخيلة بمثابة الإله الذي يقدسه الجميع .

المزيد

http://history.egypt.com

الفتح المقدوني

فيليب الثاني يوحد الإغريق ويقرر محاربة الفرس:

لم تكن بلاد الإغريق دولة تنتظمها رابطة الوحدة السياسية، وإنما كانت تنقسم إلى عدد كبير من الدويلات تحرص كل منها أشد الحرص على استقلالها وحريتها وتفرق بينها المنازعات والأحقاد .

وإذا كانت هذه الدويلات قد بلغت شأوا بعيدًا في القرن الخامس قبل الميلاد، فإنها أخذت تضعف وتشيع الفوضى بين أرجائها في خلال القرن الرابع، في حين أن مقدونيا على حدودها الشمالية كانت جادة في توحيد كلمتها وأعلاء شأنها. وعندما ارتقى فيليب الثاني عرش مقدونيا، رأى أن ينتهز حالة بلاد الإغريق فيوحدها بزعامة مقدونيا سياسيًا وحربيًا ويقوم الإغريق في حرب قومية ضد أعدائهم القدماء الفرس، وكانوا يسيطرون على إغريق آسيا الصغرى ويهددون سلامة بلاد الإغريق، فيصيب فيليب بذلك هدفين: وأحدهما هو ضخوع بلاد الإغريق له وتأييدها إياه لأنه سيصبح قائد حرب الانتقام من الفرس، والآخر هو القضاء على الخطر الفارسي، وقد أدرك الإغريق أغراض فيليب وانقسموا أزاءها قسمين غير متعادلين، يؤيدها أقلهم ويعارضها أغلبهم وكانوا يرون أن المسألة هي حرية الإغريق، وهذه كانوا لا يفرقونها عن استقلال المدن، وأنه يتهدد حريتهم العزيزة عليهم خطران كانت مقدونيا أقربهما وبلاد الفرس أبعدهما فكان يجب القضاء على الخطر المباشر بأي ثمن. ولذلك تآلفت أثينا وبويوتيا لفدع هذا الخطر الداهم، ولكن فيليب أنزل بالإغريق في عام 338 هزيمة ساحقة في موقعة خايرونيا (Chaeronea) وألف من أغلب الدول الإغريقية عصبة ؟؟؟
الإسكندر الأكبر ينقذ مشروع أبيه :
وقد لقى فيليب حتفه في عام 336 قبل تحقيق أمنيته، ؟؟ الإسكندر الثالث الملقب بالأكبر ـ وقد ورث عنه جيشه وتك؟؟؟ الإغريق في حرب شاملة ضد الفرس انتقاماً لما ؟؟؟ في بلاد؟؟ منذ قرن ونصف قرن ـ لم يكد الأمر ؟؟ حتى ؟؟ محاربة الفرس، برغم ما كان يكتنف ذلك من ؟؟ أهمها أن ؟؟ يعتمدون على موارد إمبراطورية لا تنضب، ؟؟ بسيادة وذلك في حين أن موارد الإسكندر كانت ضد ؟؟؟، ولا يستطيع الاعتماد على قوى الإغريق البرية؟؟، فقد ضياع حريتهم وخضوعهم لمقدونيا، ومن ثم فإن ؟؟؟ طبيعيًا ألا تأييد مشروعاتها، بيد أن مقدونيا استعاضت عن ؟؟ أنها أمة فتية قوية تتألف من جنود أشداء ، أحدث والمعدات. ويقودها ملك شاب يجمع بين عدد من القواد المجربين.
الإسكندر الأكبر يستولى على قواعد الاسطول الفارسي :
وبعد انتصار الإسكندر في موقعة جرافي؟؟؟؟؟؟؟؟ التي تصدت له بمجرد بلوغه أسيا الصغرى ؟؟ للقضاء على سيادة الفرس البحرية هي الاستيلاء على قواعد الفارسي الواحدة بعد الأخرى. ولذلك يبين ؟؟ شواطئ أسيا الصغرى وسوريا وفينيقيا ؟؟ أيضًا وكذلك على فورينابئة ((برقة) فيضمن على ؟؟ ويترك الأسطول الفارسي بلا مأوى يلجأ إليه لا؟؟ المراكب ؟؟ مصر ضرورة للإسكندر لأنه كان من ناحية ؟؟؟ ومن ناحية أخرى بمثابة ضمان لوضع بلاد الإغريق تحت رحمة الإسكندر، لأن استيلاءه على مصر بعد الدردنيل كان يضع في قبضته أكبر مصدرين تعتمد عليهما بلاد الإغريق في استيراد ما تحتاج إليه من القمح. وفضلاً عن ذلك فإن هذا الفتح كان يضع في قبضته موارد الغنية، فيسهل عليه أن يتابع محاربة الفرس. ولعل عدم اطمئنان الإسكندر إلى مصر لم يكن مبعثه خضوعها للفرس بقدر ما كان الخوف من أن تتخذها العناصر المعادية للإسكندر مأوى لها، أو الخوف من قيام ثورة وطنية فيها تقودها الأرستقراطية المصرية ـ وكان لا يزال لها شأن كبير في الدلتا ـ ويتحالف معها الإغريق، فقد كان في وسع مثل هذا الحلف إخضاع قبرص وفينيقيا، أو على الأقل تهديد سلامتها.
حقًا أن استيلاء الإسكندر على فينيقيا قد أزال من طريقه الخطر الرئيسي الذي كان يتهدده، لأن سفن فينيقيا وقبرص ـ وكانت أفضل جزء في الأسطول الفارسي ـ انضمت عندئذ إلى الإسكندر، غير أن أجيس ملك اسبرطة كان لا يزال يعمل مجدًا في إثارة الحرب ضد الإسكندر، وإلى جانب ذلك كله كان يوجد اعتبار سياسي له خطره. فقد كان الإسكندر على وشك تكوين إمبراطورية إغريقية أسيوية. وكان لا يمكن تصور قيام ههذ الإمبراطورية دون أن يكون بحر أيجة بمثابة قطب الرحي فيها، وكان يتعذر السيطرة على هذا البحر بل على شرق البحر الأبيض المتوسط دون السيطرة أولاً على مصر.
الإسكندر الأكبر يفتح مصر:
وإزاء ذلك كله فإن الإسكندر عندما دحر داراً الثالث ملك الفرس في موقعة أسوس (Issos) في خريفه عام 333 لم يتابع انتصاراته باقتفاء أثر الملك الأكبر الذي فر هاربًا إلى بابل، وإنما أثر أن يفتح أولاً فينيقيا ومصر وقورينايئة (برقة). وما كاد يستولى على صور وغزة حتى ؟؟ وجهه شطر مصر فبلغ بلوزيون (Pelousion) في نوفمبر وقد طوقته هالة من جلال انتصاراته الحديثة.
ومما يستحق الذكر أنه عندما كان الإسكندر في صور كتاب يعرض عليه فيه محالفته وكل إمبراطوريته غربي الفر؟؟ بارمنيو قائده العجوز “لو كنت أنا الإسكندر لقبلت هذا ” فرد عليه الإسكندر بعبارته المشهورة “وأنا لو كنت بارمنيو أيضاً” . وفي هذا دلالة على مدى اتساع الأهداف الإسكندر يتوخاها من وراء حملته ضد الفرس.
ولم يجد مازاقس (Mazakes) ـ الوالي الفارسي الذي ؟؟؟ مصر إذ ذاك ـ مفرًا من التسليم، لأنه أدرك أن المقاومة مجدية ولا سيما أن المصريين لم يخفوا عواطفهم نحو الإسكندر المصائب التي جلبها عليهم الفرس والمساعادت التي لقيها الإغريق كلما حاولوا التخلص من ربقة الملك الأكبر، على آنفًا. فقد كانت تدور في مخيلة المصريين ذكرى آثام قمبيز أوخوس وكفاحهم المستمر بمساعدة الإغريق ليستخلصوا من براثن الفرس. وقد ظن المصريون أن الإسكندر قدم ؟؟ من بلائهم، كما قدم الإغريق مراراً من قبل، إذ كان المصريون حلفاء طبيعيين على عدوهم المشترك: الفرس. ولم يفطر حينذاك إلى الإغريق لم يأتوا هذه المرة حلفاء، وإنما ليفرط عليهم ويقيموا مكان الحكم الفارسي حكمًا أشد بأسًا وأطول أن الإسكندر والبطالمة من بعده حرصوا على إظهار أجلالهم للديانة المصرية واتخذوا منها وسيلة لدعم مركزهم والسيطرة على ؟؟ وموارد البلاد.
وقد استطاعت مصر دائمًا عقب الغزوات الخارجية السابقة ثانية في كل مرة أسرة ملكية جديدة من أهل البلاد، تحتفظ القومية القديمة في نظم الحكم والحضارة واللغة، ولكنه منذ هذه اللحظة لم يرتق عرش مصر ثانية فرعون مصري، إذ أنه منذ قدوم الإسكندر خضعت مصر ما يقرب من عشرة قرون لحكام أجانب من المقدونيين ثم من الورمان. وبعد ذلك أصبحت مصر جزءًا من العالم الإسلامي، ففقدت طابعها القديم واكتسبت طابعًا آخر تميزه لغة جديدة ونظام اجتماعي جديد وديانة جديدة.
الإسكندر الأكبر في منف:
ولم يتوقع المصريون شيئًا من هذا كله عندما رحبوا بالإسكندر بوصفه حليفًا طبيعيًا جاء لانقاذهم من العدو المشترك. وقد وصل الإسكندر إلى بلوزيون على رأس جيش يتألف من نحو 40.000 مقاتل، يحرس جناحهم الأيمن أسطول الإسكندر الذي سار بحذاء الشاطئ حتى هذا الميناء، ثم دخل فرع النيل وتقدم حتى منف. وأما الإسكندر فإنه ترك حامية في لوزيون، وقتدم عبر الصحراء إلى هليوبوليس ومنها إلى منف. ولما كان من بين الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين على الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية، فقد كان أول هم الإسكندر عندما حط رحالة في منف هو أن يظهر احترامه للديانة المصرية، ولذلك قدم القرابين في معبد الإله فتاح للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس بل يذكر مصدر قديم أن الإسكندر رسم نفسه فرعونًا في معبد فتاح طبقًا للطقوس الدينية المصرية. وإذا كان الإسكندر قد أظهر احترامه للآلهة المصرية فإنه لم ينس أنه كان القائد الأعلى لعصبة فورنثة وأنه يوم خرج من بلاد الإغريق قاصدًا فتح الشرق قد أعلن نفسه رافع لواء الحضارة الإغريقية وحامي حمى الإغريق، ولكي يثبت ذلك للإغريق المستوطنين في منف ونقراطيس، فإنه، كما قدم القرابين للآلهة أقام في منف حفلاً إغريقيًا رياضيًا وموسيقيًا اشترك فيه الموسيقيين والممثلين الذين ذاع صيتهم في العالم الإغريقي. ولا أن تتحقق كيف اتفق وجود هؤلاء الفنانين في مصر في هذه ويذهب بعض المؤخين إلى حد القول بأن هؤلاء الفنانين دعوا لإقامة هذا الحفل، يوتخذون من وجودهم دليلاً على أن الإسكندرية قد اتفق مع مازاقس على التسليم منذ مدة طويلة قبل الغزو، بعض آخر أن هؤلاء الفنانين الإغريق ذهبوا إلى مصر كي يحيوا تمثيليًا في نقراطيس بين أصدقائهم الإغريق ويكونوا قربيين إذا ؟؟ إليهم الإسكندر.
تأسيس الإسكندرية:
بعد أن فرغ الإسكندر من مهامه في منف. ركب فرع النيل تحف به شارات الملك، وهناك على شاطئ البحر الأبيض المتوسط عن مصب هذا الفرع، ومن ثم في منأى عن الرواسب الطميية بها النيل على الدوام في البحر المتوسط، وفوق الشقة الضيقة بحيرة مريوط عن البحر. وعند القربة المصرية القديمة راوتيس أساس أول مدينة نعرف عن يقين أنه أنشأها في خلال ؟؟؟ وقد كان في ضمير الدهر أن هذه المدينة ستصبح أعظم المدن اسم الإسكندر بل أعظم عواصم العالم الإغريقي في هذا العصر.
وبعد أن وضع الإسكندر أساس مدينته الجديدة وقد عليه أيجه قائداه أمفوتروس (Amphoteros) وهجاوخوس بعد القضاء على آخر مقاومة للفرس في الجزر. وقرار فارنابازوس (pharnabazos) وتحرير لسبسوس وتندوس وخيوس وفوس القبض على الطغاة الذين كان فارنا باتزوس قد أقامهم، وكذلك على حكم الأقلية في خيوس وكانوا قد خانوا الأمانة وأعانوا ممنون على مدينتهم. وقد قضى الإسكندر بسجن هؤلاء الحكام في النتين، أما الطغاة فإنه قضى بإعادة كل منهم إلى بلده لتفصل في أمره. وعهد إلى أمفوتروس بحماية قريت ضد آجيس والضرب على أيدي القراصنة الذين كانوا قد مدوا يد المساعدة لفارنابانزوس لكن هذا لم يتحقق على الإطلاق لأن الحرب ضد اسبرطة حولت أسطول أمفروتورس نحو بلاد الإغريق.
الإسكندر الأكبر يزور معبد الوحي في سيوة:
وبعد ذلك أخذ الإسكندر جزءًا من جيشه ونفرا من صحبه واتجه غربًا محاذاة الشاطئ حتى وصل إلى بارايتونيون (Paraetonion مرسى مطروح)، ثم ضرب في بطن الصحراء، وحج إلى معبد آمون في واحة سيوة. وهنا يجب أن نتساءل لماذا حج الإسكندر المبادرة قدر الطاقة إلى ملاقاة دارا، الذي كان الفاتح المقدوني وافقاً دون شك على استعداداته الضخمة، فإننا نعتقد أن الإسكندر لم يخاطر بالقيام بتلك الزيارة التي أبعدته ستة أسابيع عن قاعدته المصرية إلا بلدوافع قوية. وفي الواقع يبين لنا أن الإسكندر أراد أن يحقق ثلاث غايات من وراء هذه الزيارة: أولاً اثبات صلة نسبة بالآلهة، فنحن نعتقد أن الإسكندر توج نفسه فرعونًا في منف وغدًا على هذا النحو الها في نظر المصريين، لكنه بقى عليه أن يثبت لهم بل للعالم أجمع أنه لم يكن الها فحسب بل ابن إله أيضا.
وقد كان في وسعه إثبات ذلك في معبد طيبة التالد دون تجشم صعاب الذهاب إلى معبد سيوة لو أن أغراضه كانت محلية، أي مقصورة على تقديس سلطانه في نظر المصريين وحدهم. لكن الأمر لم يكن كذلك فقد كان الإسكندر على وشك أن يبنى إمبراطورية واسعة مترامية تضم بين جوانبها عناصر من الشرق ومن الغرب، وكان يرى أن نفوذه في أرجائها يقتضي إظهار نفسه للملأ أجمع أنه ملك إله
ومع أن فيلكن وتارن يسلمان برسامة الإسكندر فرعونًا إلا أنهما ينكران أنه ذهب إلى سيوة لإثبات أصله الإلهي فكرة مولده الإلهي نبتت من أن كبير كهنة آمون عندما رحم بلقب “ابن آمون”.
وهذا رأى عجيب لا نستطيع أن نقره، إذ كيف يتأتى أن ذلك الأثر نتيجة لهذه المناداة، ولا يكون نتيجة لرسامته فرصة وما صحب ذلك من أغداق الألقاب الفرعونية عليه “ابن آمون”؟
ولعل الأدنى إلى الصحة أن تكون هذه الفكرة قد نبتت نتيجة لمزاعم أولومبياس بأنها لم تنجب الإسكندر من فيليب، ثم عندما رسم فرعونًا في منف تأصلت هذه الفكرة في نفسه الملكة الإلهية، ولا سيما أن أستاذه أرسطو كان قد لقته ؟؟ ضرورة تألبه الرجل الذي يسوء على كل مواطنيه في الخلق ؟؟
ولما كانت تقوم صلات قديمة وثيقة بين معبد آمون في ؟؟ الذين يقيمون بالقرب منه أو على بعد عنه ـ في فوريانيئة ؟؟ آسيا وفي المدن الأوروبية الإغريقية ولا سيما أثينا و؟؟ هذا المعبد يتمتع منذ عدة قرون بشهرة عالمية تضارع ما ؟؟ في دودونا ومعبد أبولو في دلفي. فقد رأى الإسكندر ؟؟ برغم أنه كان لا يداني حتى من بعد معبد طيبة في الأهم المصريين كان خير مكان لإثبات صلة نسبة الألهة أمام الرأي ولا أدل على شهر هذا المعبد من أن فروبسوس ملك ؟؟ آلهة الإغريق، ومن أن يبندارس (Pindanos) أهدي معلقة لآمون سيوة، ومن أن الإغريق أمثال أهل أليس (Elis) واسبرطة وأثينا كانوا يوفدون الرسل لاستلهام آ/ون الوحين ومن أن يرويبيدس يتحدث عن “مقر آمون غير الممطر”، كما لو كان مكانًا مألوفًا للإغريق يهرعون إليه كلما كانوا في حاجة إلى نصيحة الهية، ومن أن الأثنيين أتموا في عام تشييد معبد للإله آمون في أثينا، وأطلقوا على مركبهم المقدس أسم سالامينيا أمونياس (Salaminta Ammonias)، ومن أن أوسطوفانيس قد شاد في راوية “الطيور” بمعبد آمون في واحدة سيوة، ومن أن أفلاطون قد ذكر في كتابه عن القوانين وحي آمون جنبًا إلى جنب وحي دلفي ودودونا.
وكانت الغاية الثانية التي تغياها الإسكندر من وراء، حجه إلى معبد آمون سيوة هي الحصول أمام الرأي العام الدولي على تأييد الإله آمون لمشوعاته التي كانت ترمي إلى بسط سيادته على العالم، وأما الغاية الثالثة فكانت إشباع ميوله للمخاطرة ورغبته في أن يقتفي أثر بطلي الأساطير الإغريقية برسيوس (Perseos) وهرقل اللذين شاع الاعتقاد قديمًا أن الإسكندر ينحدر من سلالتها، فقد و رد في الأساطير أن هذين البطليين تزودا بشورة آمون سيوة قبل أن يقدما على جلائل أعمالها ويجب ألا يعرب عن البطل أن ما تعتبره اليوم قصصاً وأساطير كان في نظر إغريق القرن الرابع قبل الميلاد تاريخًا صحيحًا.
ولماذا ذهب الإسكندر إلى سيوة عن طريق بارايتونيون مع أن الطريق الطبيعية من وادي النيل إلى سيوة كانت عبر وادي النطرون؟
ولا يمكن تفسير ذلك بأن الإسكندر قبل ذهابه مباشرة إلى لم يكن في الوادي نفسه وإنما كان عند الأطارف الشمالية الغربية من أجل تأسيس مدينته الجديدة، ومن ثم كان أيسر عليه عندما يأخذ طريق بارايتونيون، إذ أن القرائن توحي بأن تأسيس الإسكندرية جاء عفو الخاطر ودون تدبير سابق. وإنما يمكن تفسير ذلك من أن طريق باريتونيون كانت الطريق الطبيعية التي يسلكها ذهابهم إلى سيوة، لكننا نعرف كذلك أنها كانت أيضاً الطريق قورينايئة وأن الإسكندر كان يرغب في الاستيلاء على كل شرق الأبيض المتوسط كي يترك أسطول أعدائه معلقًا في الهواء، ولا قورنايئة كانت اقليمًا هامًا يهدد سلامة حدود مصر الغربية إذا قبضة يد قوية. ولا داعي لأن نذهب بعيدًا في التدليل على أهمية لمصر، متى إدركنا ما وقع على حدود مصر الغربية من أحداث العالمية الثانية، فهل كان الإسكندر يعتزم إخضاع قورينايئة أم أنه بتركها مفتوحة أمام أعدائه؟ أي هل يمكن أن يكون قد غفل عم البطالمية نصب أعينهم؟ أزاء هذه الاعتبارات، وإزاء ما تذكره بعض القديمة من أنه عندما وفد الإسكندر يعتزم إخضاع قورينايئة أم أنه بتركها مفتوحة أمام أعدائه؟ أي هل يمكن أن يكون قد غفل البطالمة نصب أعينهم؟ إزاء هذه الإعتبارات، وإزاء ما تذكره بعض القديمة من أنه عندما وقد الإسكندر على بارايتوفيون وجد في سفراء قورينايئة الذين أهدوا إليه بضع مئات من الخيول الممتاز على خضوع بلادهم له. نرجح أن الإسكندر كان ينشد السيطرة قورينايئة وأنه قد تعمد الذهاب إلى سيوة عن طريق بارايتونيون الطريق التي ألف الإغريق أن يسلكوها عند حجم إلى معبد وليقوم بمظاهرة عسكرية تلقي أنباؤها الرعب في قورينايئة إعلان خضوعها له إذ أنه لم يكن في وسعها مقاوميته، وبالفعل قابلة في بارايتونيون وقدموا له فروض الطاعة.
ومن بارايتونيون توغل الإسكندر في قلب الصحراء، وقطع حتى واحدة سيوة في اثنى عشر يومًا، تحدثنا كل المصادر القديمة كانت حافلة بالأخطار والغرائب، فتروي كيف أنه حين فقدت وكاد الإسكندر وصحبه يهلكون عطشاً تلبد الجو فجأة بالسحب وأمطرت السماء على غير عادتها في هذا الإقليم، مما اعتبر دليلاً على عطف الآلهة.
وقد ازداد الاعتقاد في هذا العطف عندما ضل الأدلاء طريقهم وهداهم إلى قصدهُم، وفقًا لإحدى الروايات، ثعبانان كانا يزحفان أمامهم، أو وفقًا لرواية أخرى، غرابان كانا يطيران مسافات قصيرة في مقدمتهم. وإذا كان القدماء قد اعتبروا هذه الظواهر من المعجزات، فإن المحدثين لا يجدون مشقة في تفسيرها، إذ أن هطول الأمطار هناك نادر إلا أنه غير خارق للعادة، أما عن الثابين أو الغربان، فإن وجودها في الصحراء أمر غير بعيد الاحتمال، وطبيعي أن اقتراب الإسكندر وصحبه منها وسط الصحراء ازعجها فأخذت تفر أمامهم. ويحدثنا سائح زار سيوة في عام 1847، وكان قد ضل الطريق حينًا، بأنه “بينما كنا في هذه الحالة القلقة أبصرنا غرابين يحلقان في الهواء برهة من الزمن ثم أتجها صوب الجنوب الغربي، ولو أننا كنا في عصر الخرافات لاعتبرنا ذلك إشارة كافية وتبعنا هذين الدليلين الطيبين، اللذين يحتمل أنهما من سلالة الطيور التي تحدثنا القصص بأنها في مناسبة مشابهة. وعلى قرب شديد جدًا من المكان الذي وصلنا إليه، أنقذت الإسكندر من الضلال في الصحراء. ولو أننا تبعنا الغرابين لما أخطأنا الطريق لكننا لم نخضع لإيحاء مخيلاتنا وانتظرنا عودة الدليل” .
ويحدثنا ديودوروس. نقلاً عن قلايتارخوس، بأن سكان واحة آمون كانوا يعيشون في قرى وبأنه في وسط الواحة كان يقوم مكان مرتفع تحصنه ثلاثة أسوار، وكان داخل السور الأول يقوم قصر الحكام القدماء وداخل الثاني بيوت النساء والأطفال وغيرهم من أقارب الحراس وكذلك هيكل الإله والنبع المقدس الذي كانت تظهر فيه قربن الإله. وداخل السور الثالث فكانت توجد ثكنات الجنود ومنازل الحرس الخاص للملك. وعلى مسافة يسيرة من هذه القلعة كان يوجد في ظلال أكمة، الأشجار معبد للإله آمون. وبالقرب من هذا المعبد يوجد نبع يسمى “نبع الشمس”. واليوم يعرف المعبد الأول بمعبد أغورمي، وهي إحدى القريتين الرئيسيتين في واحة سيوة، والثاني بمعبد أم عبيدة وقد كان الرأي السائد حتى منتصف القرن التاسع عشر هو أن معبد عبيدة كان معبد الوحي المشهور، لكنه منذ زار هاميلتون معبد “أغورمي” في عام 1853 اتجه الرأي إلى اعتبار هذا الهيكل معبد الوحي.
وتدل بقايا هذا المعبد على أن بناءه قد أعيد في عهد الحكم الفارسي وأنه كان يتألف من فناءين وصالة تقوم وراءها، على المحور نفسه، قام قدس الأقداس وإلى جانبها الأيس قاعة مربعة الشكل تقريبًا وإلى جانب الأيمن وخلفها دهليز ضيق. ولما كان قد وجد في الواجهة الخلفية المجد الشرقي لقدس الأقداس المطلة على الدهليز ثلاث فتحات على ارتفاع 66سم من الأرضية وكذلك تجويفان قرب السقف، وكانت هناك وثيقة بين هذا الجزء من المعبد وبين الوحي. فقد استخلص من ذلك الكلمات التي كانت تسمع في البهو ويتصور الناس أنها صادرة عن آمون كان مصدرها في الواقع كاهنًا يختفي في الدهليز.
وقدس الأقداس حجرة متوسطة الحجم كان يقوم في وسطها مركب آمون المقدس فوق مكعب من الخشب أو الحجر. ويقال أن المركز نفسه كان مصوغًا من الذهب، معنى هذا أنه كان مصنوعًا من خشب مغطى بطلاء من الذهب. ونستطيع أن نكون نكرة عن هذا المركز المقدس من زخرفة جدران معابد الأقصر والكرنك التي تصور مراكب آمون طيبة، ونستخلص منها أن مركب أمون المقدس كان ذا جدران رقيقة مرتفعة، يزينه رءوس كباش ويقوم بملاحته جماعة من الآلهة ويحمل بين جوانبه القرابين وقاعة مقدسة يستقر فيها تمثال الإله. ويحدثنا قورتيوس بأن تمثال آمون سيوة كان كتلة مخروطية الشكل (Omphalos) تتكون من الزمرد وغيره من الأحجار الكريمة.
وعندما عثر رايزنر (Reisner) في نباتا داخل المعبد الكبير لآمون على كتلة من الحجر الجيري مخروطية الشكل، بادر جريفبث (Griffith) إلى بيان وجه الشبه بين هذا الأثر وتمثال آمون سيوة على نحو ما يصفه قورتيوس وكذلك تمثال (Omphalos) معبد الوحي في دلفي، واستخلص من ذلك أنه لابد من أن أثر نباتا يتصل بوحي نوبي هناك، وأن فكرة صنع تماثيل للآلهة على هذا النحو مأخوذة من دلفي. وقد اعتنق هذا الرأي وينرايت (wainwright) الذي وجد شبهًا بين هذا الأثر وبين تمثال آمون سيوة وتماثيل مصرية مماثلة. وأول الأمر أيد شتايدروف (Steindorf) فكرة جريفيث واستخلص من قرب الشبه بين أثري سيوة ونباتا وجود صلة قوية بين وحي آمون سيوة ووحي آمون الذي قيل بوجوده في نباتا.
غير أن شتايندورف لم يلبث أن ناهض هذا الرأي عندما رأى بنفسه أثر نباتا وتبين له أنه في شكل خلية نحل في واجهتها نافذة (0.24×0.20مترًا) وفي قاعدتها الداخلية تجويف (حوالي 0.085×0.13متر) يسمح بوضع تمثال صغير. وقد خرج من ذلك بنتيجة تتلخص في أن أثر نباتا ليس تمثالاً للإله آمون وإنما هيكل صغير صنع على شكل كوخ إفريقي كان يوضع داخله تمثال الإله،وفي أن ذلك كان أيضًا شأن تمثال آمون سيوة.
ويعتقد ماسبرو أن تمثال آمون سيوة، كغيره من التماثيل التي يصدر عنها لوحي، كان مصنوعًا بحيث يمكن تحريك رأسه أو ذراعه أو يديه عندما يجذب الكاهن المختص حبلاً معينًا.
وقد اقتفى راديه (Radet) أثر ماسبرو في الرأي، لكنه لم يلبث أن عدل عنه ونادى بالرأي الآخر.
فأي الرأيين إذن أصح، أو بعبارة أخرى هل كان الشكل الذي صور فيه آمون سيوة تمثالاً كتماثيل غيره من الآلهة أم أنه كان كتلة مخروطية الشكل؟ إزاء وصف قورتيوس الذي لم ينقضه ما ورد في غيره من المصادر القديمة، وإزاء ذلك الأثر الذي عثر عليه في نباتا وأشباهه التي وجدت في الكرنك، ومدامود ومدينة هابو ومنف وأسيوط نشارك غالبية الباحثين المحدثين في ترجيح الرأي الثاني.
ومهما يختلف المؤرخون حول شكل صورة الإله، فإنها وفقًا لرواية ديودوروس وقورتيوس كانت توضع في مركب آمون المقدس. وعند إجابة الوحي عما يوجه إليه من الأسئلة كان يحمل المركب وداخله صورة الإله ثمانون كاهنًا يدورون في أرجاء المعبد ومن ورائهم الكاهنات يرتلن الأناشيد.
وعلى ضوء رواية هذين المرخين يفسر فريق من المحدثين ما أورده استرابون، نقلاً عن قاليسثنيس بأن حركات المركب المقدس في هذا المهرجان كانت تعبر عن رد الوحي على ما وجه إليه من أسئلة، وبأن الكاهن الأكبر كان يقوم بتفسير هذه الحركات بإشارات وإيماءات تقليدية يفهم الناس المراد منها. لكن رواية قاليسثنيس تحتمل تفسيرًا آخر مؤداه أن الوحي كان يصدر مباشرة عن الكاهن الأكبر مبا يأتيه من إشارات وإيماءات. ومعنى ذلك أن الكاهن الأكبر كان يقوم بدور الإله، وأن إجابة الوحي لم تقتض إقامة مهرجان يحمل فيه المركب المقدس وصورة الإله.
ولما كنا نجد في بعض وثائق طيبة التي ترجع إلى العصر الفرعوني أن الوحي كان يصدر عن تمثال الإله، وكان التجويف الموجود قرب السقف بالجدار الخلفي للهيكل في معبد خنسو ينم عن أنه كان يصدر عن الكاهن مباشرة، وكنا نعرف أنه كانت توجد في الواجهة الخلفية للجدار الشرقي لقدس الأقداس في معبد سيوة ثلاث فتحات قرب الأرضية وتجويفان قرب السقف فهل من المحتمل أنه في بعض الأحيان أو ربما على الأصح في بعض المناسبات الخاصة كان يقام المهرجان ويصدر الوحي وفقًا للتفسير الأول، وفي البعض الآخر كان الوحي يصدر وفقًا للتفسير الثاني؟ هذا جائز.
ولما كان الإسكندر قد رسم فرعونًا في منف وكان قد أصبح تبعًا لذلك “ابن آمون رع” مثل من سبقه من الفراعنه، فإن كبير الكهنة الذي رحب بمقدمه عند وصول إلى المعبد خاطبه بلقب “ابن آمون”، وهو اللقب الذي كان يحمله سائر الفراعنة منذ عهد بعيد ـ ودعاء وجده لدخول قدس الأقداس، حيث سأل الوحي عما يريد الوقوف عليه وتلقي الإجابة عن أسئلته. أما رفاقه فإنه لم يسمح لهم إلا بدخول فناء المعبد فقط وذلك بعد تغيير ملابسهم، وهناك ألقوا بأسئلتهم وأجيبوا عنها. وإزاء ذلك يبدو أنه لم يقم مهرجان للإجابة عن أسئلة الإسكندر، غير أنه لا يستبعد أن يكون قد أقيم مهرجان للإجابة عن أسئلة رفاقه.
وقد كان فرعون قبل زيارة أي معبد يُعتل ويتطهر ويتطيب ويرتدي ثيابه الرسمية وخاصة تاج الوجهين. وإذا كان من المرجح أن الإسكندر قد فعل ذلك في منف، فإنه عندما زار معبد آمون في سيوة احتفظ بملابسه العادية، مما ينهض دليلاً على أنه قد قام بهذه الزيارة بوصفه قبل كل شيء ملك مقدونيا والقائد الأعلى للإغريق، وكذلك على أن الأهداف المحلية كانت تأتي عنده في المرتبة الثانية بعد أهدافه الدولية.
وعندما خرج الإسكندر من قدس الأقداس وعاد إلى صحبه في الفناء وسأله أصدقائه عما حدث لم يجب إلا بقوله أنه سمع ما تمنى. ولعله قد فعل ذلك لأمر في نفسه أو لأن الكاهن الأكبر أفهمه أن التقاليد المصرية تقضي بذلك لأن الإله قد خاطب ابنه. وعلى كل حال فإن الإسكندر كتم السر، إذ أنه كتب بعد ذلك بقليل إلى أمه أولومبياس بأنه قد أبلغ توجيهات سرية سيقضي بها إليها وحدها عند عودته إلى مقدونيا، غير أنه توفي قبل ذلك وحمل سره معه إلى القبر. وإذا كنا لن نعرف عن يقين الأسئلة التي وجهها الإسكندر إلى الوحي والإجابات التي فاز بها فإنه لا يصعب استنتاجها، ولا سيما في ضوء إجابة الإسكندر على تساؤل أصدقائه فهي توحي بأن كل تصرفات الإسكندر التالية كانت بموافقة الإله الأكبر.
وبالرغم من أن الإسكندر قد كتم ما دار بينه وبين الوحي، فإن قلايتارخوس (Cleitarchus) لم يلبث بعد انقضاء بعض الوقت أن كتب يقول أن الإسكندر سأل الوحي عما إذا كان قتلة أبيه قد عوقبوا وأن الوحي نهاه عن هذا التساؤل الفاحش لأن أباه إله ولا يمكن أن يمسه سوء، وعندئذ سأله الإسكندر عما إذا كان كل قتله قيليب قد عوقبوا فرد الوحي بالإيجاب. وبعد ذلك تساءل الإسكندر عما إذا كان سيصبح سيد العالم وكان الرد بالإيجاب.
وإذا كان الشك يرقى إلى تصوير ما حدث بين الإسكندر والوحي على هذا النحو الدقيق لأن الإسكندر احتفظ بذلك سرًا لم يبح به لأحد فأننا لا نرى سبيلاً إلى الشك في أن الوحي اعتبر الإسكندر ابن الإله الأكبر آمون، لأن الإسكندر كان فرعونًا ولأن كل فرعون منذ حوالي عام 2000 ق.م. كان يعتبر رسميًا ابن الإله آمون رع. ولا سبيل إلى الشك أيضاً في أن الوحي منح الإسكندر السيطرة على العالم بأسره، لأنه كان جزءًا من طقوس الإله آمون أن يسأل الكاهن الإله ـ باسم فرعون ـ السيطرة على العالم فيمنحه الإله هذه السيطرة. ومن ثم يبين أن زيارة الإسكندر لمعبد الوحي في سيوة قد تمخضت على الأقل عن الاعتراف بأصله الإلهي ويحقه في السيطرة على العالم أجمع. ويقال أنه في عام 331 جاء منف رسل من ميلتوس لينشروا في الناس ما أعلنه وحي برانخيداي من أن الإسكندر قد ولد من أب سماوي، ومن أنه سيسيطر على العالم أجمع، وهو ما أكده أيضًا وحي أرتريا في أيونيا. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أنه كانت تتملك الإسكندر عندئذ رغبة قوية في الاعتبارف بأصله الإلهي وبحقه في السيطرة على العالم، وعلى أن أمر هذه الرغبة لم يكن خافيًا على المطلعين على بواطن الأمور مثل مصادر الوحي، وكان يهمها عادة مسايرة رغبات ذوي النفوذ. وهذا يؤيد ما نراه من أن الإسكندر ذهب إلى معبد الوحي في سيوة لتحقيق هذه الرغبة أمام الرأي العام الدولي.
ومنذ ذلك الوقت حرص الإسكندر على لقب ابن آمون وقضى بأن تزين صورته على النقود التي سكها بقرني كبش آمون المقدس. وقد أصبحت ذكرى الإسكندر مرتبطة بهذه الصورة إلى حد أنه ورد في روايات العرب باسم “الإسكندر ذي القرنين”. ولم يصبح الإسكندر إلهاً مصريًا فحسب، بل أن المدن الإغريقية ـ التي كانت تتألف منها عصبة قورنثة ـ رفعته إلى مصاف الآلهة في عام 324. ونحن نميل إلى الرأي القائل بأن هذا تأليه كان بإيعاز من الإسكندر نفسه لكي يتمكن من التمتع بنفوذ واسع في هذه المدن، إذ أنه لا يعقل أن تكون هذه المدن قد أققدمت من تلقاء نفسها على تأليه الإسكندر مع أنها كانت ناقمة عليه لحرمانها حريتها. وجدير بالملاحظة أنه إذا كان الإسكندر قد عبد في مصر على اعتبار أنه ابن آمون، وفي بلاد الإغريق على اعتبار أنه ابن زيوس، فإن الفرس لم يعبدوه، كما أن الإسكندر لم يدع أنه الإله الوحيد أو الإله الأكبر، بل ليس هناك أي دليل على أنه كانت توجد للإسكندر عبادة رسمية عامة في أنحاء الإمبراطورية. وعندما يرح الإسكندر واحة سيوة لم يسلك الطريق التي جاء منها وإنما فيما يبدو طريق القارة (Gara) والمغرة (Moghara) عبر صحراء النطرون عائدًا إلى منف، حيث أقام حفلاً إغريقيًا ثانيًا إجلالاً لزيوس، واستقبل البعثات من الدول الإغريقية والإمدادات من مقدونيا. ويقال أن أرسطو كان قد أوصى الإسكندر بدراسة أسباب فيضان النيل. ومن ثم فإنه في أثناء أقامته في مصر أوفد بعثة عليه إلى أعالي النيل لهذا الغرض. لكنه يبدو أنه لا أساس من الصحة لهذه القصة لأن أرسطو كان قد عرف هذه الأسباب قبل ذلك.
نظم الإسكندر:
وقبل أن يبرح الإسكندر مصر، قام بتنظيم البلاد تنظيمًا دقيقًا. ولما كان المصريون قدرحبوا به باعتباره محرر بلادهم، وكان الكهنة المصريون قد أولوه تأييدهم فمنحوه لقب ابن آمون والسيطرة على العالم، فإن الإسكندر لم ير داعيًا لاتخذا تدابير خاصة لتأمين سلطانه ضد المصريين في نظام الإدارة الذي وضعه لهم، بل كان كل همه منحصرًا في منع كل أولئك الذين عهد إليهم بمقاليد بمقاليد الحكم من الشطط في حكمهم، أو من الفتنة ضده.
وتبعًا لذلك فإن الإسكندر منح مصر استقلالاً داخليًا، ووضع وادي النيل تحت أمرة حاكمين يدعى أحدهما بتيسيس (Petisis) وكان مصريًا ويدعى الآخر دولو آسبيس (Doloaspis) وهو اسم يبدو أنه أناضولي، أو فارسي، لكن الأول لم يلبث أن اعتزل منصبه فانفرد الأخير بالحكم. ووضعت الأقاليم المتاخمة للدلتا تحت إشراف رجلين من الإغريق، فقد نصب أبولونيوس (Apolonios) بن خارينوس (Charinos) حاكمًا على منطقة ليبيا، وقليومنيس (Cleomenes) النقراطيسي حاكمًا على المنطقة العربية المجاورة لهروؤنوبوليس (Heroonpolis). وكلف قليومنيس بأن يفرض على بتيسيس ودولو آسبيس أن يرعيا في حكمهما التقاليد المصرية القديمة، وبأن يحصل منهما الضرائب، بعد قيامهما بجمعها، فقد كانت الإدارة المالية بأجمعها في قبضة قليومنيس. وترك الإسكندر مصر في حماية جيش وأسطول سنعود إلى الكلام عنهما فيما بعد. ويبين أن الإسكندر كان قد عهد إلى قليومنيس أيضًا في السهر على إنشاء الإسكندرية.
وتمتاز هذه النظم التي وضعها الإسكندر لمصر بظاهرتين واحدهما هي تقسيم السلطة بين عدد من الأفراد لتفادي خطر استبداد فرد واحد بها مما كان يتعارض مع صوالح الإمبراطورية ولا سيما في بلد مثل مصر، إذ أن مركزها الطبيعي كان يجعلها من المناعة والقوة إلى حد يسهل معه على شخص قوي أن يحميها من الغارات الخارجية. وإذا كانت كل السلطة قد آلت حتى في حياة الإسكندر نفسه إلى شخص واحد هو قليومنس، فإن ذلك لم يكن في الحسبان، ولم يكن المسئول عنه النظم التي وضعها الإسكندر بل ضعف الحكام الأخرين ومهارة قليومنيس نفسه. والظاهرة الأخرى هي روح العطف التي أبداها الإسكندر نحو المصريين، فإنه فعل ما لم يفعله البطالمة فيما بعد حتى أواخر أيام دولتهم، إذ أن الإسكندر اختار من بين المصريين حاكمي الوجه البحري والوجه البلي، أو على الأقل أحد هذين الحاكمين إذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذا كان هذا النظام يتمشى مع الطريقة التي اتبعها الإسكندر اختار من بين المصريين حاكمي الوجه البحري والوجه القبلي، أو على الأقل أحد هذين الحاكمين إذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذا كان هذا النظام يتمشى مع الطريقة التي اتبعها الإسكندر في حكم الولايات الأخرى، فهل عندما استدل في نهاية حياته، في أغلب الحالات، مقدونيين أو أغريق بالشرقيين لأن هؤلاء خانوه أو غدروا به، فعل ذلك أيضاً في مصر؟ هذا جائز فكتاب الاقتصاد المنحول على أرسطو يقرن اسم قليومنيس بلقب ساتراب أي وال، والخطبة المنحولة على دموسثنيس تصف قليومنس بأنه حاكم مصر، وباوسانياس يقول صرحاة أن الإسكندر عين قليومنيس واليًا على مصر. غير أن مصدرنا الرئيسي، وهو أربانوس، وكذلك كوينتوس قورتيوس لا يذكران شيئًا من ذلك. هذا إلى أنه لو صح أن الإسكندر كان قد عين قليومنيس واليًا على مصر، لاحترم خلفاؤه إرادته ولما عينوا بطلميوس مكان قليومنيس على نحو ما سنرى. أم يجب أن تعزو التغيير الذي طرأ على نظام الحكم في مصر إلى مهارة قليومنس، الذي قبض على مصدر كل السلطان فيها بفضل إشرافه على إراداتها المالية؟ أن الشيء الثابت هو أنه عندما فاض روح الإسكندر لم تكن مصر سوى ولاية يهيمن عليها قليومنيس، وهو الذي أصبح يدعى فيما بعد قليومنيس الأسكندي وذلك فيما يبدو بسبب مشاركته في إنشاء الإسكندرية.
قليومنيس النقراطيسي:
ويبدو أنه قد صاحب ازدياد سلطة قليومنيس ازدياد كراهية الناس له، فقد اتهم باتخاذ تدابير أدت إلى رفع أسعار القمح في العالم الإغريقي، وبالالتجاء إلى شتى الوسائل لابتزاز الأموال. ويستدل على ذلك مما ورد في كتاب الاقتصاد المتحول على أرسطو وجاء فيه أنه “عندما نزل بالأقاليم المجاورة قحط شديد لم تتأثر به مصر إلى حد كبير، منع قليومنيس الإسكندري وإلى مصر تصدير القمح. وعندما شكا الحكام من أنهم لا يستطيعون دفع جزيتهم (الضرائب) بسبب هذا الحظر، أباح التصدير، لكنه فرض سعرًا عاليًا على القمح حتى أن كمية صغيرة صدرت إلى الخارج بيعت بمبلغ كبير وبذلك تخلص من معاذير الحكام. هذا إلى أنه عندما ركب النيل ومر بالمديرية التي يعبد فيها التمساح وافترس تمساح أحد عبيدة، جمع الكهنة وأخبرهم بأنه يجب أن يثأر من هذا الاعتداء الأثيم وأمر بسيد التماسيح. وقد جمع الكهنة كل ما يستطيعون من الذهب وأعطوه للوالي ابتغاء رضاه حتى لا يدنس الههم. وفضلاً عن ذلك فإنه عندما أمره الإسكندر بإنشاء مدينة بالقرب من فاروس (مدينة الإسكندرية) وبنقل سوق تجارة قانوب إليها، ذهب إلى قانوب وأخبر كل قساوستها وأثريائها بأنه أتى ليخرجهم منها، فجمعوا مبلغًأ كبيرًا من المال وأعطوه إياه لكي يحتفظوا بسوقهم. فرحل عنهم، لكنه بعد قليل، عندما أعد كل شيء لبدء بناء المدينة الجديدة، أتى إليها ثانية وطلب منهم مبلغًا من المال أكبر من الأول، معلنًا أن هذا المبلغ يعادل الفرق بين وجود السوق هناك وبين وجوده في الإسكندرية. وعندما قالوا أنهم لا يستطيعون دفعه نقلهم جميعًا إلى المدينة الجديدة .. وحدث أنه عندما كان سعر القمح (أي سعر المديمنوس (Madimnos) ما يزيد قليلاً على كيلتين عشر دراخمات، دعار الزراع وسألهم عن السعر الذي يريدون أن يبيعوا به القمح له، فأجابوه بأنهم يبيعونه له بسعر أقل مما يبيعون به للتجار. وعندئذ طلب إليهم أن يبيعوه له بالسعر نفسه الذي يبيعون به للآخرين، لكنه حدد سعر القمح (للتصدير) بمبلغ قدره 32 دراخمة وباع بهذا السعر. وحدث مرة أخرى أن جمع القساوسة وأخبرهم بأن نفقات الديانة في البلاد باهظة، ولذلك يجب إغلاق بعض المعابد وطرد عدد من القساوسة، فأعطاه القساوسة مالاً من جيوبهم الخاصة ومن دخل المعابد لأنهم ظنوا أنه كان ينوي حقًا إنقاص عدده، ولأن كلاً منهم كان يريد الاحتفاظ بمعبده وبمنصبه الكهنوتي.
وإزاء إجماع المصادر القديمة على إدانة قليومنيس يبدو أنه كان جديرًا بسمعته السيئة. وإذا كان قيامه باحتكار تصدير القمح لم يضر بالمزارعين المصريين، فإنه دون شك قد ألحق بالتجار المصريين ضرراً بليغًا، لأنه هو الذي كان يشتري القمح من المزارعين مباشرة. ومن المسلم به في كل حالات الاحتكار، قديمًا وحديثًا في كل بلاد العالم، أن المحتكر لا يدخر وسعًا في الحصول على كل ما يمكن أن تصل إليه يده من السلعة المحتكرة. فما بالنا وقليومنيس كان صاحب الأمر والنهي في مصر حين احتكر تجارة القمح، وكانت قد استبدت به رغبة جامحة في جمع المال إلى حد أنها زينت له بالابتزاز، وكان كلما زادت كمية مشترواته من القمح زادت كمية صادراته ومن ثم زاد مقدار ربحه. وإزاء ذلك لا نستبعد أن قليومنيس لم يدخر وسعًا في شراء معظم المحصول، ولا أن أنتيجة المنطقية كانت نقص المعروض في الأسواق المحلية وتبعًا لذلك ارتفاع ثمنه، أي الأضرار بمجموع الشعب المصري. ولا ريب في أن السعر المرتفع الذي كان قليومنيس يبيع به القمح للدول الإغريقية يعتبر نوعًا من الابتزاز السافر وقرينة على سلوكه لا نستبعد معها الوسائل الأخرى التي لجأ إليها لابتزاز الأموال من المعابد وغير ذلك. ولا أدل على طغيانه في ابتزاز الأموال مما يقال من أنه جمع 8000 تالنت في وقت كانت لا تزيد فيه ثروة أغنى رجل في بلاد الإغريق على 160 تالنت، بل أن هاربالوس (Harpalos) الذي كانت كنوز الإسكندر في متناول يده لم يفلح في سرقة أكثر من 5000تالنت. ويبدو معقولاً أن الإسكندر وهو في أواسط آسيا وفي غمرة مشاغله لم يصل إلى عفا عن قليومنيس وسمح له بأن يعمل ما يروق له، فهي غير مقبولة وذلك لسببين وأحدهما هو أن هذه القصة مستمدة من وثيقة مزيفة، والآخر هو أنه قبل ذلك مباشرة كان الإسكندر قد قضى بإعدام رجل من الأرستقراطية المقدونية يدعى قلياندروس لنفس ما أتهم به قليومنيس.
وعندما فرغ الإسكندر من مهامه في مصر برحها في ربيع عام 331 قاصدًا بابل ليلقي الجيش الفارسي ثانية، بعد أن أعاد تنظيمه وتولى قيادته الملك الأكبر. وفي موقعة جاوجميلا (Gaugamela) أوتى الإسكندر في العالم نفسه نصرًا حاسمًا، تابع بعده الاستيلاء على ولاية بعد أخرى من ولايات الإمبراطورية الفارسية. وعند مشارف الهند، أبى الجيش التقدم إلى ما وراء ذلك فاضطر إلى العودة إلى بابل. وفي ليلة 10/11 من يونية عام 323 قضى الإسكندر نحبه في بابل، قبل أن يتم الثالثة والثلاثين من عمره. ويرى بعض المؤرخين أنه كان سعيدًا في وفاته إذ ذاك، لأنه توفي في أوج مجده قبل أن يواجه العبء الحقيقي، فقد أوتي من الانتصارات ما لم يسعد به سوى القليل، لكنه بقى عليه وضع النظم التي تصلح لحكم ذلك العالم الذي فتحه.