الإسكندر الأكبر

نشأته

وُلد الإسكندر في بيلا، العاصمة القديمة لمقدونيا القديمة. ابن فيليبوس الثاني المقدوني ملك مقدونيا القديمة وابن الأميرة أوليمبياس أميرة إيبيروس (Epirus). كان أرسطو معلمه الخاص. درّبه تدريبا شاملا في فن الخطابة والأدب وحفزه على الاهتمام بالعلوم والطب والفلسفة. في صيف عام 336 ق.م.اغتيل فيليبوس الثاني فاعتلى العرش ابنه الإسكندر، فوجد نفسه محاطًا بالأعداء ومهدد بالتمرد والعصيان من الخارج. فتخلص مباشرة من المتآمرين عليه وأعدائه في الداخل فحكم عليهم بالإعدام. كما فعل مع أمينتاس الرابع المقدوني

ثم انتقل إلى ثيساليا (Thessaly) حيث حصل حلفاءه هناك على استقلالهم وسيطرتهم واستعادة الحكم في مقدونيا. وقبل نهاية صيف 336 ق.م. أعادَ تأسيس موقعه في اليونان وتم اختياره من قبل الكونغرس في كورينث قائدًا.
حدود الإمبراطورية المقدونية خلال حكم الإسكندر الأكبر
حملته على الفرس
حماية مقدونيا واليونان

وكحاكم على جيش اليونان وقائدا للحملة ضد الفرس، وكما كان مخططا من قبل أبيه. فقد قام الإسكندر بحملة كانت ناجحة إلى نهر دانوب وفي عودته سحق في أسبوع واحد الذين كانوا يهددون أمته من الليرانس (Illyrians) مرورا بمدينة ثيبيس /طيبة /ثيفا (Thebes) اللتان تمردتا عليه حيث قام بتحطيم كل شيء فيها ما عدا المعابد وبيت الشعر اليوناني بيندار (Pindar)، وقام بتحويل السكان الناجون والذين كانوا حوالي 8،000 إلى العبودية. وإن سرعة الإسكندر في القضاء على مدينة ثيبيس /طيبة /ثيفا كانت بمثابة عبرة إلى الولايات اليونانية الأخرى التي سارعت إلى إعلان رضوخها على الفور.
المواجهة الأولى مع الفرس

بدأ الإسكندر حربه ضد الفرس في ربيع عام 335 قبل الميلاد حيث عبر هيليسبونت (بالإنجليزية: Hellespont‏) (دانيدانيليس الجديدة) بجيش مكون من 35،000 مقدوني وضباط من القوات اليونانية بمن فيهم أنتيغونوس الأول (بالإنجليزية: Antigonus I‏) وبطليموس الأول وكذلك سلوقس الأول (بالإنجليزية: Seleucus I‏)، وعند نهر جرانيياس بالقرب من المدينة القديمة لطروادة، قابل جيشا من الفرس والمرتزقة اليونان الذين كانوا حوالي 40،000 وقد سحق الإسكندر الفرس وكما أشير في الكتابات القديمة خسر 110 رجلا فقط. وبعد هذه الحرب الضارية أصبح مسيطرا على كل ولايات آسيا الصغرى وأثناء عبوره لفرجيا (Phrygia) يقال أنه قطع بسيفه الـ “جورديان نوت” (بالإنجليزية: Gordian knot‏).
مواجهة داريوس الثالث

وباستمرار تقدمه جنوبا، واجه الإسكندر جيش الفرس الأول الذي قاده الملك داريوش /داريوس /دارا الثالث (بالإنجليزية: Darius III‏) في أسوس في شمال شرق سوريا. ولم يكن معروفا كم عدد جيش داريوش والذي أحيانا يقدر بعدد يبلغ حوالي 500،000 رجل ولكن المؤرخون يعتبرون هذا العدد بأنه مبالغ فيه. ومعركة أسوس في عام 333 قبل الميلاد انتهت بنصر كبير للإسكندر وبهزيمة داريوش هزيمة نكراء، حيث ففرَ شمالاً تاركاُ أمه وزوجته وأولاده الذين عاملهم الإسكندر معاملة جيدة وقريبة لمعاملة الملوك. وبعد استيلاء الإسكندر على مناطق سورية الداخلية وحتى نهر الفرات واتجه نحو الساحل السوري غربا ومن سورية اتجه جنوبا وقدمت مدينة صور (بالإنجليزية: Tyre‏) المحصنة بحريا مقاومة قوية وثابتة أمام الإسكندر إلا أن الإسكندر اقتحمها بعد حصار دام سبعة أشهر في سنة 332 قبل الميلاد ثم احتل غزة ثم أمن التحكم بخط الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وفي عام 332 على رأس نهر النيل بنى مدينة سميت الإسكندرية (سميت على اسمه فيما بعد). وسيرين (بالإنجليزية: Cyrene ‏) العاصمة القديمة لمملكة أفريقيا الشمالية (سيرناسيا) والتي خضعت فيما بعد هي الأخرى وهكذا يكون قد وسع حكمه إلى الإقليم القرطاجي.
تتويجه كفرعون لمصر

في ربيع عام 331 ق.م. قام الإسكندر بالحج إلى المعبد العظيم ووسيط الوحي آلهة الشمس آمون-رع (Amon-Ra) المعروف بزيوس (Zeus) عند اليونان، حيث كان المصريين القدامى يؤمنون بأنهم أبناء إله الشمس آمون-رع وكذلك كان حال الإسكندر الأعظم بأن الحج الذي قام به آتى ثماره فنصبه الكهنة فرعونا على مصر وأحبه المصريون وأعلنوا له الطاعة والولاء واعتبروه واحدا منهم ونصبه الكهنة ابنًا لآمون وأصبح ابنًا لكبير الآلهة حيث لبس تاج آمون وشكله كرأس كبش ذو قرنين، فلقب بذلك “الإسكندر ذو القرنين”.. بعدها قام بالعودة إلى الشرق مرة أخرى.[1]
الإسكندر المقدوني وذو القرنين

يخلط بعض الناس بين الإسكندر المقدوني المعروف في التاريخ الغربي وبين ذي القرنين الذي قص الله تعالى خبره في القرآن الكريم. فالإسكندر المقدوني حكم اليونان قبل المسيح عليه السلام بثلاثة قرون تقريبا، وكان على الديانة الوثنية، ووزيره أرسطو الفيلسوف المشهور، وكان أرسطو كما هو معروف من ملاحدة الفلاسفة، على عكس المشهور عن أستاذيه سقراط وأفلاطون فإنهما كانا يؤمنان بوجود الله، وأما أرسطو فينفي وجود خالق لهذا الكون. أما ذو القرنين فكان قبل المقدوني بقرون، وكان مؤمنا ويغلب على الظن أنه حكم في آسياوأفريقيا، ويرى كثير من المؤرخين العرب أن ذا القرنين كان ملكا عربياً (انظر تاريخ ابن جرير الطبري وتاريخ ابن كثير).
نهاية داريوش

أعاد الإسكندر ترتيب قواته في صور (Tyre) بجيش مكون من 40،000 جندي مشاة و7،000 فارس عابرا نهري دجلة (بالإنجليزية: Tigris‏) والفرات (بالإنجليزية: Euphrates‏) وقابل داريوش الثالث (بالإنجليزية: Darius‏) على رأس جيش بحوالي مليون رجل بحسب الكتابات القديمة. وقد استطاع التغلب على هذا الجيش وهزيمته هزيمة ساحقة في معركة جاوجاميلا (بالإنجليزية: Battle of Gaugamela‏) في 1 أكتوبر عام 331 ق.م. فرَ داريوش مرة أخرى كما فعل في (معركة أسوس) ويقال بأنه ذبح في ما بعد على يد أحد خدمه.
بابل

حوصرت مدينة بابل (بالإنجليزية: Babylon‏) بعد معركة جاوجاميلا وكذلك مدينة سوسة (Susa) حتى فتحت فيما بعد، وبعد ذلك وفي منتصف فصل الشتاء اتجه الإسكندر إلى بيرسبوليس /إصطخر (بالإنجليزية: Persepolis‏) عاصمة الفرس. حيث قام بحرقها بأكملها انتقاما لما فعله الفرس في أثينا في عهد سابق. وبهذا الاجتياح الأخير الذي قام به الإسكندر أصبحت سيطرته تمتد إلى خلف الشواطئ الجنوبية لبحر الخزر (بالإنجليزية: Caspian sea‏) متضمنًا أفغانستان وبلوشستان الحديثة وشمالاً من باكتريا (Bactria) وسوقديانا (Sogdiana) وهي الآن غرب تركستان وكذلك تعرف بآسيا الوسطى. أخذت من الإسكندر ثلاث سنوات فقط من ربيع 333 إلى ربيع 330 ليفتح كل هذه المساحات الشاسعة. وبصدد إكمال غزوه على بقايا إمبراطورية الفرس التي كانت تحوي جزءًا من غرب الهند، عبر نهر إندوس (Indus River) في عام 326 قبل الميلاد وفاتحا بذلك البنجاب (بالإنجليزية: Punjab‏) التي تقرب من نهر هايفاسيس (Hyphasis) والتي تسمى الآن بياس (Beās) وعند هذه النقطة ثار المقدونيين ضد الإسكندر ورفضوا الاستمرار معه فقام ببناء جيش آخر ثم أبحر إلى الخليج العربي ثم عاد برًا عبر صحراء ميديا (Media) بنقص كبير في المؤونة فخسر عددًا من قواته هناك. أمضى الإسكندر حوالي سنة وهو يعيد حساباته ويرسم مخططاته ويحصي المناطق التي سيطر عليها في منطقة الخليج العربي للاستعداد لاجتياح شبه الجزيرة العربية.
نهايته في بابل
حدود الإمبراطورية المقدونية عند موت الإسكندر الأكبر عام 323 ق.م

وصل الإسكندر إلى مدينة بابل (بالإنجليزية: Babylon‏) في ربيع 323 ق.م في بلدة تدعى الأسكندرية على نهر الفرات في بلاد ما بين النهرين اي العراق حاليا, حيث قام الإسكندر بنصب معسكره بالقرب من نهر الفرات في الجهة الشرقية منه, لذا سميت هذه المنطقة باسمه بعد موته. حيث انه بعد مده وبالتحديد في شهر يونيو من عام 323 ق.م أصيب بحمى شديدة مات على أثرها تاركًا وراءه إمبراطورية عظيمة واسعة الأطراف.

وهو على فراش الموت نطق بجملة غامضة بقي أثرها أعواما كثيرة حيث قال
”     إلى الأقوى (بالإنجليزية: To the strongest‏)     “

يعتقد أنها قادت إلى صراعات شديدة استمرت حوالي نصف قرن من الزمن.

وفي رواية أخرى: أنه قد مات مسموما بسم دسه له طبيبه الخاص الذي يثق به ثقة عمياء وسقط مريضا حوالي أسبوعين وكان قد سلم الخاتم الخاص به لقائد جيشه بيرديكاس وهو على فراش المرض وطلب من الجنود زيارته في فراشه ويبدو أن المحيطين به في تلك الفترة كانوا متآمرين نظرا لتصرفاته وسلوكياته الغريبة حيث أنه في أواخر أيامه طلب من الإغريق تأليهه في الوقت الذي كان عنيفا مع الكثيرين بالإضافة إلي إكثاره في شرب الخمر. كل هذه العوامل جعلت البعض يتربصون به ومحاولتهم للفتك به.
مثوى الإسكندر الأخير

يعتقد الكثير من العلماء والمؤرخين أن الإسكندر بعد وفاته في بابل ببلاد الرافدين حصل تنازع بين قادته علي مكان دفنه حيث كان كل منهم يريد أن يدفنه في الولاية التي يحكمها بعد تقسيم الإمبراطورية التي أنشأها الإسكندر إلا أن حاكم مقدونيا بيرديكاس قام بمعركة قرب دمياط مع قوات بطليموس الأول للاستيلاء علي ناووس الإسكندر ونقله إلى مقدونيا ليدفن هناك، وهزم بيرديكاس في المعركة وقتل لاحقا إلا أن بطليموس الأول خشي وقتها أن يستمر في دفن الجثمان في سيوة إذ أنه من الممكن أن يأتي أحدهم عبر الصحراء ويسرق الجثة كما أن سيوة بعيدة عن العاصمة الإسكندرية فقرر بطليموس أن تدفن في الإسكندرية وكان الأمر ودفن الجثمان علي الطريقة المصرية ولم تذكر المراجع التاريخية كيف تم نقل الجثمان أو مكان دفنه بيد أنّ مصادر أخرى تفيد بوجود قبر الاسكندر في العراق مستدلين على وجود ضريح هناك يُعتقد أنه مدفون فيه.
عسكرية الإسكندر

كان الإسكندر من أعظم الجنرالات على مر العصور حيث وصف كتكتيكي وقائد قوات بارع وذلك دليل قدرته على فتح كل تلك المساحات الواسعة لفترة وجيزة. كان شجاعا وسخيا، وشديدا صلبًا عندما تتطلب السياسة منه ذلك. وكما ذكر في كتب التاريخ القديمة بأنه كان مدمن كحول فيقال أنه قتل أقرب أصدقائه كليتوس (Clitus) في حفلة شراب حيث أنه ندم على ذلك ندما عظيما على ما فعله بصديقه. وصفوه بأنه ذا حكمة بحسب ما يقوله المؤرخون بأنه كان يسعى لبناء عالم مبني على الأخوة بدمجه الشرق مع الغرب في إمبراطورية واحدة. فقد درب آلاف الشباب الفرس بمقدونيا وعينهم في جيشه، وتبنى بنفسه عادات وتقاليد الفرس وتزوج نساء شرقيات منهم روكسانا (Roxana) التي توفيت عام 311 ق.م. ابنة أوكسيراتس (Oxyartes) التي لها صلة قرابة مباشرة (لداريوش الثالث)، وشجع ضباط جيشه وجنوده على الزواج من نساء فارسيات.

أصبحت اللغة اليونانية القديمة واسعة الانتشار ومسيطرة على لغات العالم.

ديكيوس

ديكيوس ترايانوس ديكيوس او تراجان داكيوس حكم في (249-251) شارك حكمه مع ابنه في السنة الاخيرة ، حتى قتلوا سويا معركة abrittus . وفي عهده برز عنصر جديد من عناصر القلق لأباطرة روما فيما يتعلق بمصر وبدأ الإحساس بهذا العنصر الجديد في السياسة المصرية ولم يكن هذا العنصر إلا ازدياد قوة ونمو الديانة المسيحية مما أجبر حكام البلاد على الاعتراف بوجودها .

وفي الواقع فقد كانت هناك محاولات عارضة وذات طابع محلي في خلال القرن الثاني تهدف إلى منح انتشار الديانة الجديدة، ولكن أول هجوم عارم على تلك الديانة حدث في عهد ديكيوس عندما أصبح يُنظم اختيار أو امتحان منظم كان كل شخص يُجبر بمقتضاه على تقديم الأضحيات والقرابين للآلهة وأن يتذوق هذه القرابين وكان من يرفض القيام بذلك يقع تحت طائلة الاتهام ويعدم بينما يحصل من يؤدي هذا الاختبار ويستجيب له على شهادة من لجنة الامتحان تفيد بحسن أدائه للطقوس المطلوبة وقد وصلتنا أمثلة عديدة على مثل هذه الشهادات في أوراق البردي.

يتضامن انحدار الأحوال مع ضعف الديانة المصرية اشتداد عود الديانة المسيحية، فلا نجد لأحد هؤلاء الأباطرة التسعة من بعد “كاراكالا” ثمة ذكر على جدران المعابد المصرية أو نلمح وجود خراطيش تخصهم. وأول من نلمح له من أعمال أو خراطيش – على قلتها، هو الإمبراطور “تراجان داكيوس”.

ويظهر في لقبه اللقب المعتاد الذي يعبر عن تراجع قوة وكفاءة المؤسسة الكهنوتية في مصر وذلك منذ فترة قبل عهد “داكيوس” وهو لقب “أوتوقراتور قيصر”، تاكاس نيتخ = داكيوس . ومثل صورة باهتة لما كان عليه الأباطرة الأقوياء متابعة قراءة ديكيوس

سبتميوس سيفيروس

سبتميوس سيفيروس في الصراع الذي دار بين سيفيروس ونيجر على العرش الإمبراطوري وضح تضاؤل أهمية إنتاج مصر من الحبوب على مقدرات الحكم في روما.

فمجرد ما أصبح لسيفيروس السيادة على روما أسرع لتأمين أفريقيا خشية أن يستولي عليها نيجر من مصر فيضع يده على أهم مصدرين للإمداد بالحبوب ويتمكن من تجويع روما وإخضاعها بينما في أيام فسبسيان كان يعتقد أنه من الممكن تحقيق ذلك بالاستيلاء على مصر وحدها .

ومن المحتمل أن سيفيروس قد تمكن من الاستيلاء على مصر من شمال أفريقيا قبل المعركة النهائية مع نيجر في كيزيكوس . وأقدم وثيقة مؤرخة باسم سيفيروس بتاريخ 26 نوفمبر 193 من أوكسير نيخوس متابعة قراءة سبتميوس سيفيروس

كلوديوس

كلوديوس تجددت مرافعات الطرفين المتنازعين في الإسكندرية بعد ارتقاء الإمبراطور كلوديوس العرش في روما بفترة وجيزة : فقد ذهبت سفارة من إغريق الإسكندرية ليعرضوا نواياهم الحسنة وولائهم للبيت الإمبراطوري وليسجلوا آيات الشرف والفخار التي يرغبون في إسباغها عليه في أمور مثل إقامة تماثيل له والاحتفال بيوم مولده .

كما ترافعوا من أجل تأكيد أو تجديد مميزاتهم القديمة وانتهزوا الفرصة لعرض قضيتهم ضد اليهود أمامه. ولكن على الرغم من أن الإمبراطور قد قبل معظم مظاهر تكريمهم له ما عدا مسألة تأليهه وأكد بعض حقوقهم القائمة مثل حق المواطنة فإنه لم يكن يميل إلى أن يأخذ جانب الإغريق في صراع القوميات ووجه خطابا قاسيًا لطرفي النزاع ليكفوا عن الشقاق الذي كاد يصل إلى درجة الحرب. ويمكن أن نلاحظ نفوذ أجريبا بهذا الخطاب، وقد كان أجريبا لا يزال يتمتع بالحظوة والنفوذ في البلاط الإمبراطوري – فقد نشر الوالي في الإسكندرية الرسالة في حينها ووصل الأمر بأجريبيا أن ظهر بين الناس وقرأ خطاب الإمبراطور بصوت مرتفع، وهكذا قام صراحة بدور زعيم اليهود ومحاميهم متابعة قراءة كلوديوس

كاليجولا

كاليجول عندما ارتقى الإمبراطور كاليجولا عرش الإمبراطورية فإن نتائج ضعف السلطة المركزية للإمبراطورية سرعان ما وضحت في الإسكندرية حيث اشتعلت العداوة القديمة الكامنة والمكبوتة بين الإغريق واليهود . وقد كانت إشارة تفجر هذه العداوة هي وصول أجريبا إلى الإسكندرية في طريقه لتقلد أمور المملكة التي آلت إليه بحكم صداقته للإمبراطور .

إن رواية اليهود لما أعقب ذلك – كما يرويها فيلون وجوسيفوس – تلقى باللوم كله بطبيعة الحال على الإغريق، ولكن ربما يلاحظ أن زيارات أجريبا وولده للإسكندرية كانت دائمًا ما تتزامن مع أحداث الشغب. وقد كان الملك المعين حديثًا معروفًا جيدًا لدى المرابين السكندريين، وكان في ارتقائه المفاجئ من الإفلاس إلى العرش ما أتاح الفرصة للغوغاء أن يتندروا به في دعابة فجة فألبسوا أحد الحمقى المعتوهين تاجًا ورقيًا وقادوه في الطرقات مستهزئين بالملك محدث النعمة. وقد بدأت الاضطرابات عندما تأكد الإغريق من أن أجريبا سوف يعرض قضية اليهود أمام صديقه الإمبراطور فشرعوا في إيجاد تبرير لأفعالهم بدعوى أن اليهود قد أغفلوا أمر كاليجولا بإقامة تماثيل له في كل المعابد وأن يدخلوا المعابد اليهودية بغرض إقامة هذه التماثيل فيها. وبهذه الحيلة السياسية اصطنع السكندريون الوالي إلى جانبهم وحرضوه على أن يسحب من اليهود امتيازاتهم الخاصة وأن يجلد ثمانية وثلاثين من شيوخهم على يد جلاد الدولة، وفي الوقت ذاته نهبوا اليهود وذبحوهم على هواهم.

كان والي فلاكوس يتصدى للهود على الدوام ويحول بينهم وبين عرض شكواهم على الإمبراطور إلى أن تكفل أجريبا بقضيتهم وأخذها على عاتقه. وقد كان لأجريبا من النفوذ ما مكنه من إلصاق العار بفلاكوس وعزله من ولاية مصر. وكانت الحجة الزائفة لهذا العزل تتمثل في أنه لم يتمكن من المحافظة على السلام في ولايته وأنه تجاوز سلطاته حينما حرم اليهود من امتيازاتهم، هذا على الرغم من أن مثل هذه الحجج ليست بذات وزن كبير بالنسبة للإمبراطور كاليجولا في الحكم الفعلي في هذه القضية لأن أعمال الشغب قد نشبت بسبب مسألة تأليهه وأن اليهود قد عوقبوا بسبب معارضتهم لرغباته. وربما أضعف من موقف فلاكوس أيضًا نفور السكندريين الإغريق منه رغم أن ثلاثة من زعمائهم هم ديونيسيوس ولامبون وايزيدوروس كانوا هم أكبر المحرضين له على فعله مع اليهود. وكان سبب ذلك أن ايزيدوروس لم ينل ما كان يأمله من نفوذ بسياسته المعادية لليهود فأثار مظاهرة ضد الوالي في الجمنازيوم واضطر نتيجة لذلك أن يفر هاربًا وهناك بعض الشذرات التي ترجع إلى تلك الفترة وتعبر عن وجهة النظر الإغريقية ويبدو أن هذه الشذرات توضح أن ديونيسيوس أيضًا أن متواطئًا في دسائس غامضة ضد فلاكوس.

تدل الاحتياطات التي اتخذت لترحيل فلاكوس إلى روما على قوة مركز الوالي في مصر: فقد أرسل أحد كبار الضباط خصيصًا من روما وبرفقته كتيبة من الجنود وحينما اقترب من الإسكندرية انتظر حتى حل الظلام ثم دخل إلى الميناء وأسرع بعد ذلك باغت الوالي قبل أن تصله أنباء وصول السفينة الرومانية وألقى القبض عليه وهو يتناول الطعام في حفلة عشاء وعاد به إلى السفينة دون تأخير.

نجح أجريبا في إلحاق الخزي والعار بفلاكوس ولكنه لم يتمكن من توفير مناخ ملائم لسماع السفارة التي بعث بها اليهود إلى روما لعرض قضيتهم أمام الإمبراطور كاليجولا وكان على رأس هذه السفارة اليهودية فيلون وكانت هناك أيضًا في المقابل سفارة تمثل إغريق الإسكندرية وكان المتحدي الرسمي باسمها هو أبيون. وقد أجهد الجانبان نفسهما في الجري وراء الإمبراطور في أرجاء القصر ومحاولة الحصول على بعض الحجج أو التفسيرات عند مناقشة بعض التوافه المقحمة على الموضوع الأصلي والتي شغلت معظم اهتمام البلاط. وأخيرًا وحين بدا أن الأمر الوحيد ذا الأهمية هو عبادة الإمبراطور فإن اليهود قد سروا حينما طردهم الإمبراطور وهو يتظاهر بالشفقة الممزوجة بالاحتقار فهؤلاء الناس الذين لم يدركوا بعد أنه إله.

الولاه الرومان في عصر كاليجولا :

– نافويوس سرتوريوس ما ماكرو ( عين ولم يتول )
– فتراسيوس بوليو     39

تيبريوس

في خلال الجزء الأخير من حكم الإمبراطور أغسطس ومعظم فترة حكم الإمبراطور تيبريوس ظلت مصر في حالة هدوء نسبي حتى أنه في السنة العاشرة من حكم تيبريوس انخفض عدد الفرق الرومانية التي كانت تشكل القوة الأساسية للحامية الرومانية التي كانت تشكل القوة الأساسية للحامية الرومانية الأصلية في مصر من ثلاثة فرق إلى اثنتين .

وكان للرقابة الصارمة التي فرضها تيبريوس على ولاته فيما يتصل بمصالح سكان الولايات أثرها في المحافظة على هذا الهدوء وذلك من خلال ضبط تجاوزات وتعسف الموظفين التي قد ينجم عنها قلاقل من جانب الشعب. ومن الأمثلة على ذلك أنه وبخ أحد ولاته وهو أيميلوس ركتوس عندما أرسل الأخير إلى روما مقدارًا من الضريبة أكثر من الضريبة المحددة لأنه قام “بسلخ الماشية بدلاً من جزها” على حد تعبير الإمبراطور. وفي خلال فترة حكمه أيضًا حدث لأول مرة جباية الضرائب بشكل مباشر عن طريق جباة ضرائب معينين بدلاً من النظام القديم الذي كان يعتمد على نظام الملتزمين في جباية الضرائب.

متابعة قراءة تيبريوس

عصور الدولة القديمة (3200ـ 2780ق.م ) – (ج 1)

الاهرامات تسمى عصور الدولة القديمة بعصور بناة الأهرامات نظرا لحرص كل ملك من ملوكها على إقامة هرم خاص به ،كما تسمى أيضا بالعصور المنفية نظرا لا ستقرار الحكم لأغلب ملوكها في مدينة منف ( ميت رهينة ) مركز البدرشين حاليا و تشمل الدولة القديمة الاسرات من الثالثة و حتى السادسة .

متابعة قراءة عصور الدولة القديمة (3200ـ 2780ق.م ) – (ج 1)

وثائق البردى

يقترن ذكر اوراق البردى دائما بذكر مصر القديمة . ذلك ان المصريين القدماء كانوا اول من اهتدى الى صنع صحائف للكتابة من اللباب الداخلى اللزج فى ذلك النبات الذى ينمو فى مصر فى مساحات شاسعة من مستنقعات الدلتا على وجه الخصوص و فى بعض جهات من اقليم الفيوم منذ عصور بالغة القدم .

كذلك فانه عندما تذكر اوراق البردى من حيث هى مصدر مهم من مصادر المعرفة التاريخية و التراث الحضارى القديم يتبادر الى الذهن على الفور عصور التاريخ المصرى القديم منذ الدولة الفرعونية القديمة،بل ربما منذ عصر بداية الاسرات حتى بداية العصر الاسلامى،اى على مدى زمنى يزيد على الاربعة الاف من السنين.

والواقع انه بالرغم مما تبين من ان نبات البردى كان ينمو فى انحاء قليلة متفرقة من العالم القديم غير مصر،وان شعوبا غير المصريين قد عرفت استخدام هذا النبات فى اغراض اخرى غير صناعة اوراق الكتابة(ومن هولاء اهل صقلية و فلسطين و شرقى السودان)، فان المصريين وحدهم هم الذين ابتكروا هذه الاوراق واحتكروها وجعلوا منها سلعة رائجة للتصدير الى العالم الخارجى ردحا طويلا من الزمان.وقد كان امرا طبيعيا ان يستخدم المصريون القدماء،اوراق الكتابة البردية على نطاق واسع فى تسجيل ادابهم وعلومهم وفنونهم وسائر شئون حياتهم.وبفضل جفاف التربة المصرية نسبيا خاصة الى الجنوب من الدلتا ،سلم الكثير من هذه الاوراق من البلى والتلف ، فكان ان حفظت لنا رمال مصر كنزا من المعلومات عن تاريخها و حضارتها .وحسبنا ان نذكر من سجلات التاريخ المصرى الفرعونى القديم مثلا بردية تورين التى تضم قائمة الفراعنة الذين توالوا على الحكم منذ بداية العصور التاريخة حتى وقت تسجيل البردية فى عصر الاسرة التاسعة عشرة، وأن نذكر فى مجال تراث مصر القديمة العلمى تلك البرديات الطبية الشهيرة وعلى راسها بردية ايبرزEbers ،هذا الى عدد كبير من البرديات الدينية والادبية المطولة او القصيرة.
متابعة قراءة وثائق البردى

أحمس الثاني

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

احمس الثاني (امازيس )

احمس الثاني (امازيس ) Ahmose فرعون (570 قبل الميلاد — 526 قبل الميلاد) للاسرة االمصريه السادسه والعشرين ، عاصمة بلاده وكان في الاجهزه الرقابيه. وأخر الفراعنة العظام في تاريخ مصر قبل الغزو الفارسي متابعة قراءة أحمس الثاني

القضاء المصري أو محاكم القضاة المصريين

إن المعلومات التي لدينا عن القضاة المصريين (Laokritai) طفيف ، ولا تسمح لنا بأن نتبين بجلاء منشأ هذا النظام ولا كيفية تكوين محاكم هؤلاء القضاة ولا مدى اختصاصاتها .

غير أنه لما كان البطالمة قد احتفظوا والقانون المصري لرعاياهم المصريين ، ولما كانت هذه المحاكم المصرية ولتطبيق أحكام القانون المصري أي الفرعوني ، فلابد من أنها تمت بصلة إلى المحاكم القرعونية ، ومع ذلك لا نستطيع أن نقرر مدى هذه الصلة ولا مدى التعديلات التي صادفتها المحاكم المصرية في عهد البطالمة متابعة قراءة القضاء المصري أو محاكم القضاة المصريين

الشيخ الرئيس بن سينا

< ![CDATA[

الشيخ الرئيس بن سينا

هو أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن علي بن سينا، وهو إن كان أشهر من أن يذكر، وفضائله أظهر من أن تسطر، فإنه قد ذكر من أحواله، ووصف من سيرته ما يغني غيره عن وصفه، ولذلك إننا نقتصر من ذلك على ما قد ذكره هو عن نفسه، نقله عنه أبو عبيد الجوجزاني، قال، قال الشيخ الرئيس:

إن أبي كان رجلاً من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقربة يقال لها خرميثن من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها أفشنة، وتزوج أبي منها بوالدتي وقطن بها وسكن، وولدت منها بها، ثم ولدت أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب، وأكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى مني العجب، وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين وبعد من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا أسمعه وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي، وابتدأوا يدعونني أيضاً إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد اللّه النائلي وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به، ثم ابتدأت بكتاب إيساغوجي على النائلي، ولما ذكر لي حد الجنس، أنه هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجب مني كل العجب وحذر والدي من شغلي بغير المعلم، وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيراً منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب إقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى المجسطي، ولما فرغت من مقدماته وانتهيت إلى الأشكال الهندسية، قال لي النائلي تول قراءتها وحلها بنفسك، ثم اعرضها عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم بالكتاب، وأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه ومفهمته إياه، ثم فارقني النائلي متوجهاً إلى كركانج، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح، من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح علي،ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه؛ وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم الطب، وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة، ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفاً، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره وجمعت بين يدي ظهوراً، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية، ورتبتها في تلك الظهور ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر المتعسر، وكنت أرجع بالليل إلى داري واضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى أن كثيراً من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام، وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني، وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه إلى اليوم، حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي، ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة، فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظاً، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيست من نفسي وقلت هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه علي فرددته رد متبرم، معتقد أن لا فائدة من هذا العلم، فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم، وصاحبه محتاج إلى ثمنه، واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته، فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظاً على ظهر القلب، وفرحت بذلك وتصدقت في ثاني يومه بشيء كثير على الفقراء شكراً للّه تعالى، وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور، واتفق له مرض أتلج الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على القراءة، فأجروا ذكري بين يديه وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته وتوسمت بخدمته فسألته يوماً الأذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي فدخلت داراً ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر الفقه وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد،فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجب إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط، وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته أيضاً من بعد، فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه، فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري، فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم ]

]>

الشيخ الرئيس أبو علي سینا

السيرة بقلم صاحب السيرة:

قال أبو عبيد: حدثني الشيخ الرئيس أبو علي قال:

كان والدي رجلا من أهل بلخ ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام الأمير نوح بن منصور ، واشتغل بالتصرف. وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية من ضياع بخارى يقال لها خَرْمَيْثَن وهي من أمهات القرى بتلك الناحية ، وبقربها قرية يقال لها أفْشَنَة ، فتروج أبي منها بوالدتي ، وقطن بها وسكن ، وولدت أنا فيها ، ثم ولد أخي. ثم انتقلنا إلى بخارى وأحضر لي معلم القرآن ومعلم الأدب ، وكملت العشر من العمر ، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب ، حتى ] كان [ يقضى مني العجب.

متابعة قراءة الشيخ الرئيس أبو علي سینا

حضارة إغريق مصر

وماذا كانت حال الحضارة الإغريقية في أثناء عز البطالمة وفي أثناء هوانهم؟ لاشك في أن أهم دعامة للحضارة الإغريقية كانت المدارس والمعاهد الإغريقي ، لأنها هي التي كانت تفتح لهم آفاق الفكر الإغريقي ، حتى أنه كان يوجد قول مأثور شائع بين إغريق مصر، فحواه أن التعليم هو المصدر الرئيسي للتفكير .

حسبنا دليلاً على الدور الذي لعبه التعليم في حياة الحضارة الإغريقية في مصر تلك النتائج الباهرة التي تمخض عنها. ولاشك في أن الآداب كانت أسمى مظاهر هذه الحضارة، التي أصبحت الإسكندرية أهم مراكزها منذ تم إنشاؤها، وبفضلها نسبت الحضارة الإغريقية منتعشة في مصر حتى في العصر الروماني. فإن الإسكندرية احتفظوا بشهرتهم في هذا العصر المتأخر، إذ شهدت الإسكندرية عندئذ أيضًا نشأة فلاسفة وكتاب وجعرافيين مثل فيلون وأخيلس تاتيوس (Achilles Tatios) وبطلميوس. وقد كان للأقاليم أيضًا نصيبها في هذه الحكة الأدبية في العصر الروماني، فقد ولد العالم أثينابوس في نقراطيس والفيلسوف بلوتينوس (فلوطين) في ليكوبوليس (أسيوط).

وإذا كانت الحضارة الإغريقية قد بقيت مزدهرة في مصر حتى في العصر الرومان، فإنها بلغت أوج مجدها في عصر البطالمة ولاسيما على عهد أوائلهم. وقد يقال أن الشخصيات الكبيرة التي ذاع صيتها قديمًا وحديثًا لا تمثل إلا أرستقراطية الآداب، وهي أرستقراطية باهرة لابد أنها كانت محدودة، ومن ثم فإن ذلك لا يدل على تغلغل الحضارة الإغريقية في البلاد. لكن النقوش والأوراق البردية ترينا أنه إلى جانب هذه الأرستقراطية، كانت توجد أيضاً طبقة وسطى من الإغريق المتأدبين، كانت حقًا أقل ضياء وشهرة إلا أنها كانت أكثر عددًا ونشاطًا. فقد وجد في بطوليميس نقش من نهاية عهد فيلادلفوس أو بداية عهد بطلميوس الثالث، وهو يحوي قرارًا اتخذته جمعية فناني ديونيسوس والإلهين الأخوين لتكريم أحد أعضائها جزاء ما قدمه للجمعية من الخدمات. وأهم ما يعنينا من أمر هذا النقش في هذا المقام هو قائمة أسماء أعضاء هذه الجمعية التي تلي القرار، فإنها تضم اثنين من شعراء التراجيديا، وهما فاينيبوس (Phaenippos) وديوجنتوس (Diognetos)، وأثنين من شعراء الكوميديا، وهم ستراتاجوس (Stratagos) وموسايوس (Mousaios) وثيوجنيس (Theogenes) وأرتمدوروس، وذلك عدا الموسيقيين والراقصين والممثلين.

وإذا كانت هدف التنقيب قد جارت علينا بالتعرف على كل هذا العدد من الشعراء في مدينة واحدة في قلب الصعيد، فما أكثر الذين لا نعرفهم من الشعراء الإغريق الذين كانوا يعيشون في كل أنحاء مصر، ولاسيما أن المنقبين عن الآثار يكشفون على الدوام منذ أمد طويل عن بقايا قطع عديدة من مختلف ألوان الشعر، تتميز بكثرتها وإن لم تتميز في أغلب الأحيان بقيمتها الفنية. ويبدو أن البلاد كانت زاخرة أيضاً بفئات أخرى من رجال الأدب كالمؤرخين والفلاسفة المختلفين، الذين لم يكونوا كذلك شموسًا كبيرة وإنما نجوم لامعة صغيرة سطع نورها الخافت وقتًا في سماوات مخلية، لكنه مهما كانت مواهب كل هذه الطبقة الوسطى من رجال الأدب متواضعة، فإنها على كل حال تمثل نخبة المتحضرين الإغريق في الريف. وإلى جانب هذه الطبقة كان يوجد الكثيرون ممن لا يصطنعون الأدب الإغريقي، وإن كانوا يقرأونه ويستمتعون به. وكان يوجد كذلك أولئك الذين يكتبون الإغريقية ويتكلمونها، لقضاء أشغالهم أو أشغال غيرهم من الناس ممن قد يعرفون الإغريقية لكن معرفتهم بها كانت سطحية، أو يعرفون كيف يتكلمونها ولا يعرفون كيف يكتبونها. فقد كانت البلاد تهج بالموظفين والتجار ورجال الأعمال والصناع والزراع الإغريق وأشباههم، الذين كان بينهم الكثير من أنصاف المتعلمين والأميين. ويلاحظ أنه إذا كان الإغريق الذين استقروا في مصر قد احتفظوا بشغفهم بأساليب الحياة السياسية وبإحراز قسط من الثقافة الإغريقية، فإننا مع استثناء الفئة المتعلمة تعليمًا ممتازًا من سكان العاصمة نجد أنه كان للاهتمام بشئون الحياة المادية سلطان على عقولهم لا بدانيه ما كان لميولهم العقلية أو الفنية. فقد كان أهم ما يعني به الإغريقي في وطنه الجديد هو أن يضمن لنفسه وأسرته أكبر قدر من الرفاهية المادية، ومن ثم دأب على العمل بجد ونشاط لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت معلوماتنا طفيفة عن التعليم في مصر البطلمية، فإننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أن التعليم كان على ثلاث مراحل، وأنه لم يكن إجباريًا ولا مجانًا. ويبدو أن الفقراء لم يكونوا عادة في حالة تسمح لهم بتعليم أبنائهم، أو أنهم لم يعنوا بذلك، فكان أبناؤهم يبقون أميين. أما الأسر المتوسطة الحال أو المتيسرة، فإنها كانت ترسل أبناءها لتلقي مبادئ العلم، مدة تطول أو تقصر حسب مواردها، في المدارس الخاصة التي أنشأها المعلمون في كل مكان. أما الأغنياء فإنهم كانوا يعلمون أبناءهم هذه المبادئ على أيدي من يختارونه لهم من المعلمين.

وبعد تلقي مبادئ العلم الأولية، كان التلاميذ، الذين تسمح حالتهم بمتاعبة تحصيل العلم، يذهبون إلى الجيمنازيا حيثما وجدت، أما في مواطنهم أو في القرى الكبيرة والمدن. ويبدو من القليل الذي نعرفه أنهم كانوا يتلقون في هذه المعاهد من الثقافة العلمية والتربية البدنية الإغريقية قدرًأ يماثل ما كان يدرس لنظرائهم في معاهد العصر الهلينيسي، في المدن الإغريقية القديمة في بلاد الإغريق نفسها وفي آسيا الصغرى بوجه خاص. وعلى كل حال يبدو أن هذه المعاهد كانت بمثابة مرحلة الثقافة العامة. ولم تقتصر الجيمنازيا على تعليم الشبان، بل كانت أيضًا منتديات الإغريق الذين كانوا يعيشون بالقرب منها، وبخاصة الذين تعلموا فيها وكانت تؤلف منهم “جماعات رجال الجيمنازيوم”. فلا عجب إن كانت اليجمنازيا أهم مراكز الحياة الاجتماعية عند الإغريق، إذ أنها كانت تقوم بدور المدرسة والنادي في وقت واحد. وينهض انتشار الجيمنازيا في مصر وتمتعها بتلك المكانة الهامة دليلاً على استمساك الإغريق بتقاليدهم، وعلى العناية التي كانت الطبقات العليا الإغريقية توجهها لإعطاء أبنائها ثقافة إغريقية صحيحة. وبعد انتهاء هذه المرحلة، كان عدد قليل من الشبان السعداء يذهبون لمتابعة دراستهم على كبار الأساتذة، أما في الإسكندرية أو إحدى المدن الكبيرة مثل أوكسيربنخوس.

وأوفى ما لدينا من المعلومات خاص بالمرحلة الأولى من التعليم، وذلك بفضل ما وصل إلينا من الكتب المدرسية وكراسات التلاميذ وما تحدثنا عنه الوثائق البردية. ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على هذه المرحلة التعليمية الهامة، التي كان يشترك فيها العدد الأكبر من سلالة نزلاء البلاد، وكذلك من أبناء المصريين الذين كانوا يريدون أن ينحوا نحو الأجانب. ويبدو أن المعلمين كانوا رقيقي الحال، فهم فئة مغبونة في كل عصر ومكان، إذ كانوا يتعيشون مما يدفعه لهم التلاميذ كل شهر، ومن الهدايا التي يجود بها عليهم أصحاب المرءوة تشجيعًا لهم. وترينا وثيقتان أنهم كانوا لا يستقرون في مكان واحد، إذ نراهم يتنقلون في خلال عام واحد من مكان إلى مكان. ولعلهم كانوا يذهبون لمززاولة مهنتهم حيثما كانت تبدو لهم بارقة أمل في الفوز بأ:بر عدد ممكن من التلاميذ. ولم يكن هؤلاء المدرسون متخصصين في مهنتهم، فإنه لم توجد معاهد خاصة لتخريجهم في كل أنحاء العالم الهلينيسي، ولم تشترط فيهم أية مؤهلات خ اصة إلا تمتعهم بمستو عال من الأخلاق الحميدة. وتشير الوثائق المختلفة إلى أن التلاميذ الكسالى والعابثين كانوا يعاقبون بفرض واجبات عليهم أو بضربهم، ويبدو أن العقاب الجسماني كان القاعدة السائدة. لكنه يجب ألا نظن أن حياة هؤلاء التلاميذ كانت قاسية، إذ أن آباءهم كانوا لا يحرمونهم من الهدايا واللعب، كالدمى والخيل المصنوعة من الخشب ومقدمة على عجل والسيوف والأقواس الخشبية، هذا إلى جانب الألعاب المختلفة التي كانوا يشتركون فيها سويًا.

وفي الصباح كان التلاميذ يذهبون إلى فصولهم، أما بمفردهم أو في رفقة مربيهم أو أمهاتهم. وكان صغارهم يرتدون ملابس قصيرة، وكبارهم ملابس طويلة. وكان الأنيقون منهم يلبسون رداء أبيض اللون كالجلباب. ويحملون فوقه معطفًا أرجواني أو أخضر أو أحمر فاقع اللون، ويتدلى من رقبة بعضهم على الأقل ما يقيهم شرعين السوء. وكان التلاميذ المجدون وكذلك أولئك الذين يرافقهم الكبار يمضون مباشرة إلى المدرسة ومعهم أدواتهم المدرسية، وكانت عبارة عن لوحة من الشمع أو الخشب، أو قطعة قديمة من ورق البردي استعمل أحد وجهيها من قبل، أو كسر من الفخار ليتيسر غسلها وإعادة استعمالها مراراً، وأقلامهم ومحابرهم، ومن المحتمل أيضًا كتاب للقراءة. أما التلاميذ الكسالى فكانوا كثيرًا ما يتعمدون أن يضلوا الطريق ويهربون إلى ساحات الألعاب، أو يتنزهون على ضفاف القنوات، أو يقطعون الوقت في مشاهدة الأسواق والضحك على المشادات الكلامية بين الثرثارين. وتصور لنا الواثئق المختلفة حياة التلاميذ في مدارسهم، حتى لنكد نسمع بعضهم يلثغون في قراءة دروسهم، ونرى البعض الآخر يعيشون بألواحهم، والبعض يركنون إلى الجهاد في سبيل كتابة أسمائهم والتاريخ، والبعض يختلسون فترة تسهى فيها عنهم عين المدر ليرتكبوا حماقة من الحماقات.

وقد كان أهم ما يعني به المدرسون هو ذاكرة التلاميذ، الذين كان ينبغي عليهم قبل كل شيء أن ينقشوا في ذاكرتهم أسماء حروف الهجاء وشكلها وترتيبها ونطقها. وللتأكد من ذلك، كان يجب على التلاميذ أن يحفظوا الحروف مرتبة من أولها إلى أخرها ومن أخرها إلى أولها. وبعد ذلك كان يمرن التلاميذ على تكوين مقاطع كلمات مختلفة لا معنى لها، لكنها كانت تتطلب منهارة في الكتابة ودقة في النطق. وبعد اجتياز هذه العقبات السقيمة، كان المدرس يعطي تلاميذه نماذج مختلفة للكتابة يقومون بنسخها مرات عديدة. ثم يلقن التلاميذ أسماء أشياء مختلفة من الحياة اليومية، كأسماء الحرف والشهور أو أسماء مأخوذة من القصص والتاريخ. وبعد ذلك كانت تستبدل بالمفردات جمل قصيرة أو حكايات يستسيغها الأطفال وبعض الأقوال المأثورة. بيد أنه يبين أن المدرسين لم يعنوا دائمًا يتلقين الصغار ما كان يتفق وعقليتهم، وإلا لما لقنوهم في حداثتهم مثل هذه العبارات “البحر والنار والمرأة ثالوث مزعج” أو”تزوج إمرأة ولا تتزوج صداقًا”. ولما كان الكثير من كتبة المستقبل يفشون المدارس، فإن التلاميذ كانوا يمرنون على نسخ صور للعقود والخطابات الرسمية.

وفي الوقت نفسه فيما يظن أو بعد ذلك، كان التلاميذ يمرنون على مطالعة مقطوعات مطولة من كتب أدبية مثل خرافات أيسوبوس (Aesopos) بوجه خاص، أو من فلسفة سقراط وديوجينيس. وكانت هذه المقطوعات تعطي للتلاميذ بشكل يقصد منه حضهم على التفكير. وكانوا يعطون أيضًا بعض الأحاجي على هذا النمط: ما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش أغلب الوقت في نهار؟ وما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش على الأرض؟ وما هو الطائر الذي يرضع أولاده؟. ويبدو أن هذه المعلومات الأولية كانت تتخذ أساسًا لتلقين التلاميذ قواعد اللغة التي كانوا يعطون تمارين لتطبيقها. وكانوا يمرنون أيضًا على الأملاء وعلى قراءة الآداب الإغريقية وبوجه خاص الشعر. وقد كانت أشعار هوميروس أكثر الأشعار الإغريقية تداولاً في المدارس ثم تأتي بعدها أشعار يوربييديس. وفي البداية كان المدرسون يشرحون هذه الأشعار ويفسرونها لتلاميذهم، لكنه بعد ذلك كان التلاميذ أنفسهم يتولون أمر الشرح والتفسير والتعليق.

ولم يكن التعليم في المدارس مقصورًا على الآداب فحسب، إذ لا شك في أن التلاميذ كانوا يأخذون كذلك دروسًا في التاريخ والجغرافيا، لكن لما كانت هاتان المادتان تدرسان شفويًا فإنه يتعذر علينا أن نعرف كيف كانتا تدرسان، ولا أي كتب التاريخ كانت تستخدم في المدارس. ولا يبعد أن التلاميذ كانوا يعطون فكرة عن، أو على الأقل أسماء، أشهر المشرعين والمصورين والمثالين والمعماريين والمهندسين وأمناء مكتبة الإسكندرية وعجائب الدنيا السبع، وأسماء البحار والجزر والبحيرات وأكثر الجبال ارتفاعًا وأعظم الأنهار طولاً. وقد كان للحساب نصيب محدود من عناية المدارس الابتدائية، وكان التلاميذ يعلمون أولاً الإعداد البسيطة ثم الأعداد الفردية والأعداد الزوجية، وبعد ذلك الجمع والطرح والضرب وأجزاء وحدات القياس والعملة. ويظن أن تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يتعلمون طريقة العد على الأصابع، وكانت تختلف اختلافًا بينًا عما يقصده بذلك، فقد كانت طريقة معقدة لها قواعد دقيقة يستطيع الإنسان بفضلها أن يعبر بيديه عن أي عدد صحيح ابتداءً من الواحد حتى المليون.

ومهما قيل عن طريقة التدريس أو برامج الدراسة، فلا جدال في أن المدارس الإغريقية على اختلاف أنواعها قد ساعدت على بقاء جذوة الحضارة الإغريقية مشتغلة في كل أنحاء مصر، فكانت ثقافة إغريق مصر سواء أكانوا يعيشون في المدن الإغريقية أم في المدن والقرى المصرية ثقافة إغريقية. وإذا كنا قد عرفنا أن الإغريق أحضروا معهم من بلادهم ديانتهم كما أحشروا عاداتتهم وتقاليدهم، وأنهم كانوا يخضعون لقوانين إغريقية تتمشى مع هذه العادات والتقاليد ويحاكمون أمام محاكم إغريقية، ويعيشون عادة في أوساط إغريقية: أما في المدن الإغريقية أو في جماعاتهم القومية وجمعياتهم الدينية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها، وأن أفواج الإغريق كانت تفد على مصر باستمرار حتى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد فتنعش فيهم ما ذوى وتجدد بينهم ما بلى، وأنه لا توجد أية قرينة على تزاوجهم مع المصريين حتى نهاية القرن الثالث، وأنهم كانوا يعتزون بحضارتهم الإغريقية، ولاسيما أنها كانت مصدر ما يتمتعون به من الخير العميم في مصر، فإنه بفضل عطف البطالمة وحدبهم عليهم كانوا سادة البلاد الذين يسيطرون على أسمى المناصب ويقبضون على ناصية الحكم ويتمتعون بمزايا أشعلت نار الحقد والغضب في المصريين؛ إذ كنا قد عرفنا كل ذلك، فإننا لا نشك في أنه وسط هذه الظروف قد حافظ إغريق مصر على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فبقوا إغريقًا خالصين على الأقل حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد.

لقد كان إغريق مصر يعيشون حقًا في أوساط إغريقية، لكنه يجب ألا ننسى أن هذه الأوساط كانت حتى في المدن الإغريقية تقوم في بيئة غريبة عن الحياة الإغريقية إلى أقصى حد، ولذلك كانت المحافظة على قوة الروح الإغريقي بين إغريق مصر لا تتوقف على استمساكهم بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فحسب، بل كذلك على تطعيم هؤلاء الإغريق باستمرار بدماء إغريقية جديدة من بلاد الإغريق تكون بعيدة عن كافة المؤثرات الغريبة عن الروح الإغريقي. بيد أنه منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد انقطع وفود أفواج جديدة من الإغريق، بسبب نقص عدد الإغريق في بلادهم نتيجة لحروب القرن الثالث الطويلة التي اشتركوا فيها بمثابة جنود مرتزقين، ونتيجة للحروب الداخلية التي عانتها بلاد الإغريق نفسها في خلال هذا القرن ونتيجة كذلك لاتجاه الإغريق نحو تحديد النسل من جراء قسوة الحياة وشظف العيش في بلادهم. وإزاء انقطاع وفود أفواج جديدة من الإغريق كان طبيعيًا أن يضعف الروح الإغريقي تدريجيًا بين إغريق مصر، غير أنه مهما ضعف هذا الروح لابد من أن يكون إغريق مدن مصر الإغريقية قد بقوا إغريقًا خالصين ، نتيجة لعدم الاعتراف بالزواج بينهم وبين المصريين في هذه المدن، ونتيجة لاستمرار المعاهد والمدارس الإغريقية في متابعة نشاطها، ولاسيما أن الإسكندرية كانت لا تزال منارة الحضارة الإغريقية وتتمتع بشهرتها العظيمة في العلوم و الفلسفة والآداب. وإذا كان بطلميوس الثامن قد طارد علماء الإسكندرية وفنانيها في مطلع عهده عند منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، لا بدافع مجافاة الثقافة الإغريقية نفسها التي كان يزهى بحظه منها وإنما بدافع الانتقام من العلماء والفنانين أنفسهم بسبب مناصرتهم لفيلومتور وكيلوبترة الثانية، فإن بطلميوس الثاني كفر في شيخوخته عن سوء مسلكه السابق وأسبغ عطفه و كرمه على العلماء والأدباء والفنانين فلم تلبث الإسكندرية أن استعادت شهرتها القديمة واحتفظت بها حتى فترة متأخرة في العصر الروماني.

إن العامل الذي أدى إلى ضعف الروح الإغريقي في مدن مصر الإغريقية كان له أثر أقوى بطبيعة الحال خارج هذه المدن، ولاسيما أنه منذ أواخر القرن الثاث أصبحت اقطاعات الإغريق وراثية، وبذلك أصبح لأرباب هذه الإقطاعات مصالح دائمة في البلاد. وقد كانت رعاية هذه المصالح تتطلب منهم أن يداروا أهل البلاد وألا يشمخوا بأنوفهم عليهم. وفي الوقت نفسه أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في معاملة المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، ويمنحونهم من الإمتيازات ما رفع من شأنهم وضيق شقة الفارق بينهم وبين الإغريق وساعد على التقريب بين العنصرين، مما أدى إلى تكوين عدد من الأسر المختلطة المصرية ـ الإغريقية. لكنه يجب ألا نبالغ في هذا التقريب بين العنصرين، فقد وقعت في النصف الثاني من حكم البطالمة ثورات مصرية عنيفة، وتحدثنا الوثائق عن أشخاص أسيئت معاملتهم لأنهم إغريق. وعلى كل حال فإن هذه العوامل المختلفة أضعفت الروح الإغريقي بين إغريق الأقاليم، غير أنه لما كانت الصبغة الإغريقية تكسب صاحبها مركزًا ممتازًا مهما كانت جنسيته، إذ أن فكرة أيسقراط (Isocrates) القائلة بأن قوام الإغريقي ثقافته وليس دمه أصبحت أساس معاملة الأفراد في مصر البطلمية، فهل نشك في أن غالبية الإغريق استمسكوا بحضارتهم الإغريقية؟ يبدو لنا أنه مهما ضعف روح إغريق الأقاليم، حتى كانوا يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإغريق القدماء، وأنه إذا كان بعض الإغريق قد عبدوا آلهة مصرية وتعلموا اللغة المصرية وتزوجوا مصريات واتخذوا أسماء مصرية وعادات مصرية، فإن أغلبهم بقوا إغريقًا خالصين. وذلك بفضل أثر مدن مصر الإغريقية ومعاهد الإغريق ومدارسهم، التي كانت توجد حيثما وجد عدد كاف من الإغريق، وكذلك بفضل ما كان يتمتع به الإغريق من المكانة الممتازة في البلاد. لقد أصاب روستوفتزف كبد الحقيقة بقوله أن ضعف الروح الإغريقي في مصر لم يكن نتيجة التزاوج والاندماج مع المصريين ولا نتيجة تأثير الحضارة المصرية في الإغريق، وإنما كان نتيجة ما طرأ على الروح الإغريقي ذاته من التغيير بسبب معيشة الإغريق في بيئة غريبة عنهم ووسط ظروف تختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.

ويبدو أن الروح العامة التي كانت تسيطر في بداية عصر الطبالمة على إغريق مصر لم تكن روح استكانة وتشاؤم بل روح إقدام وتفاؤل، فقد كانت تملأهم الثقة التي بثتها فيهم تعاليم الفلاسفة عن مقدرة الإنسان ومواهبه، وتفيض نفسوهم أملاً في تحقيق حياة زاخرة بالهناءة والسعادة.

وإذا كانت هذه الروح تسيطر على الملوك وأبرز الشعراء والعلماء والأدباء والمهندسين والمعماريين والمثاليين والمصورين والممثلين والموسيقيين الذين شاركوا جميعًا في القيام بأعمال انشائية مبتكرة، فإنها كانت تسيطر أيضًا على من كانوا أقل منهم شأنًا. وحسبنا دليلاً على ذلك فيلادلفوس وعلماء معهد الإسكندرية في عهده، ووزير ماليته أبولونيوس، وينون مساعد هذا الوزير، ومساعد زينون نفسه. أن الروح السائدة في خطابات زينون وغيرها من الوثائق، التي كانت تضمها سجلاته، روح تفيض بالحيوية الدافقة والنشاط الذي لا يحد في خدمة مصالح الدولة والرءوساء وفي خدمة المصلحة الخاصة. لكن هذا النشاط الذي صاحب العهد الأول لم يستمر طوال عصر البطالمة، فقد أعقب فترة الابتكار والإنشاء فترة استقرار وهدوء، ثم زلزلت الأحداث أركان دويلة البطالمة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وازدادت السلطة المركزية ضعفًا على ضعف، وتدهور حال البلاد الاقتصادية، وانحلت أخلاق الطبقة الحاكمة، وفسد نظام الحكم. فلا عجب أنه وسط هذه الظروف فقد الإغريق روح الأقدام والابتكار، واستولت عليهم روح التواكل والاستسلام، وطغت عليهم نزعات جديدة كانت أخصها النزعات الدينية. ومع كل ذلك تمكن الإغريق بوجه عام من الاحتفاظ بصبغتهم الإغريقية.

المعابد المصرية

المعابد المصرية

المعابد المصريةة ( ادفو )لقد قصر البطالمة منشآتهم الدينية في بداية عهدهم على الدور التقليدي الذي كان الفراعنة يقومون به في العصور السابقة ، وهو القيام ببعض الإصلاحات أو الإضافات الجزئية أو إكمال زخرفة بعض الجدران . ففي معبد الأقصر أقيم على عهد الإسكندر الأكبر هيكل صغير كان مصريًا في تصميمه وعمارته وزخرفته .

وفي المعبد الأكبر بالكرنك أنشئ هيكل آخر من الطراز نفسه أيام فيليب أرهيدايوس. ويبدو هذا الاتجاه نفسه نحو تقليد الفن القديم في زخرفة إحدى قاعات هذا المعبد، وهي التي تحمل اسم الإسكندر الرابع، فزخر فتها تشبه زخرفة ما يجاورها من القاعات .

ولا شك في أن ما تم باسم فيليب أرهيدايوس والإسكندر الرابع كان من عمل بطلميوس الأول عندما كان واليًا بحكم مصر باسميهما وقد بنى بطلميوس الثالث الباب الخارجي في معبد فتاح بالكرنك، وقد بنى بطلميوس الرابع مدخل هذا المعبد معبد خنسو، وشيد بطلميوس الثامن معبدًا صغيرًا بالكرنك للآلهة ابيت. ونرى كذلك أثر منشآت البطالمة في المعابد الجنازية على ضفة النيل الغربية في معبدي دير المدينة ومدينة هابو .
معبد أدفو :

وإلى جا نب هذه المنشآت الثانوية التي اقتفت أثر الفن المصري القديم، وأنشأ البطالمة معابد مصرية كبيرة في ادفو ودندرة وكوم أمبو واسنا وفيله. وأكمل هذه المعابد اليوم وأكبرها هي المعابد الثلاث الأولى ، وقد وضع بطلميوس الثالث أساس معبد أدفو في 23 أغسطس عام 237 ق.م إلا أن بناءه لم يتم قبل 5 ديسمبر سنة 57 ق.م. ولهذا المعبد كالمعابد الفرعونية بوابة مصرية صميمة، لكنه لا توجد أمامها أي أثار لتماثيل ضخمة أو مسلات على نحو ما كان يوجد عادة في المعابد الفرعونية. وتزين هذه البوابة زخرفة تقليدية ترينا في أعلاها مناظر دينية مختلفة، وتحتها الملك ينقض على أعدائه في حضرة الإله حورس .

وتؤدي البوابة هنا ، كما هي الحال في معبد خنسو ، إلى فناء يحيط بجانبيه وبالجدار الذي فيه المدخل دهلير ذو أعمدة تحمل رءوساً من طرازي النخيل وزهرة اللوتس، وكذلك من الطراز المعروف باسم رءوس الزهور أو الرءوس المركبة، كالتي توجد في معبد نكتانبو الذي يرجع إلى عهد الأسرة الثلاثين . وتشبه كل رأس من الرءوس المركبة ناقوسًا يزين جوانبه عدد من الأزهار وأوراق نباتات مختلفة رتبت في أوضاع متباينة ، وتقوم فوق الناقوس ، بمثابة أفريز ، رأس من رءوس حتحور ، وهي عبارة عن مكعب ضخم تزين كل وجه من وجهه الأربعة رأس سيدة لها أذنًا بقرة . وقد زينت الأعمدة والجدران التي خلفها بمناظر دينية ونقوش، نحتت في جوف الصخر ولطبت بالألوان، على نحو العادة المألوفة في آثار الأسرة الثامنة عشرة.

وكما هي الحال في معبد خنسو ، توجد خلف الفناء صالة ذات أعمدة ، تقوم إلى كل من جانبي مدخلها ثلاثة أعمدة تصل بين بعضها بعضًا وكذلك بينها وبين الجدارين الجانبين في هذه الصالة ستة جدران قصيرة ، لا يتعدى ارتفاعها نصف ارتفاع الأعمدة . ووراء هذه الأعمدة الستة صفان آخران في كل منهما ستة أعمدة ، صفت خلف أعمدة الواجهة واتفقت معها في الطراز. ورءوس هذه الأعمدة من طرازي رءوس النخيل ورءوس الزهور على التعاقب .

ويثير منشأ الجدران القصيرة خلافًا كبيرًا في الرأي لا نرى موجبًا له ، لأن هذه الستائر ليست بدعة استحدثت في عصر البطالمة وأن كل استخدامها قد شاعر في هذا العصر ، فإنها لم تظهر لأول مرة في معابد البطالمة بل ظهرت قبل ذلك ، على عهد الدولة الحديثة في المرنك وفي مدينة هابو ، وكذلك على عهد الأسرة الثلاثين في مدينة هابو وفيلة . ويمكن تتفسير استخدام هذه الستئار بالرغبة في السماح لقدر كبير من الضوء والهواء بالوصول إلى الأجزاء الداخلية بالمعبد ، وهي الرغبة نفسها التي أدت إلى أن يستبدل بنظام الإضاءة الشائع قديمًا عن طريق الفتحات العليا المترتبة على ازدياد ارتفاع الأعمدة الوسطى على ارتفاع الأعمدة الجانبية نظام آخر ، عرف كذلك في بعض المعابد الفرعونية وكان عبارة عن عمل فتحات كبيرة في السقف ، وقد زينت جدران هذه الصالة وأعمدتها بمناظر تمثل بطلميوس الثامن وهو يقوم ببعض الطقوس التي تتصل بإنشاء هذا المعبد .

وفي الجدار الشمالي بهذه القاعة مدخل يؤيد على صالة أعمدة ثانية أصغر من الأولى ، لكن جمالها يعيضها خيرًا عن صغر حجمها . وبهذه القاعة أثنا عشر عمودًا من طراز الأعمدة ذات الرءوس المركبة . وهذه الأعمدة مرتبة في ثلاثة صفوف ، يتألف كل منها من أربعة أعمدة أقل ضخامة من أعمدة الصالة الأولى . وزخرفة هذه الصالة الثانية تشبه في الموضوع زخرفة الصالة الأولى ، إلا أننا لا نرى فيها بطلميوس الرابع بدلاً من الثامن ، هذا إلى أنها تمتاز بالمستوى الرفيع الذي بلغه فنها . وليس لهذه الصالة مثيل في معبد خنسو ، لكنه لها نظائر في معابد فرعونية أخرى مثل معبد مدينة هابو والرامسيوم . وكما هي الحال في هذين المعبدين، توجد هنا كذلك غرف صغيرة إلى جانبي هذه الصالة الثانية .

وكما هي الحال في الرامسيوم تؤدي هذه الصالة إلى قاعتين صغيرتين أحداهما خلف الأخرى ، وقد زينت جدران هاتين القاعتين بمناظر تمثل الملك وهو يتعبد إلى آلهة مختلفة . وتؤدي القاعة الخلفية إلى قدس الأقداس ، وهو قاعة مستطيلة بها باب واحد يقع على المحور الرئيسي للمعبد . وتمثل المناظر التي زخرفت بها جدران قدس الأقداس الملك وهو يعبد حورس وزوجته حتحور . ويقوم وسط هذه القاعة مذبح واطئ كانت توضع عليه المركب المقدسة ، وعند نهاية هذه القاعة يوجد ناءوس صغير وضع فيه تمثال بديع للصقر المقدس . وكانت هذه الغرفة تبقى مغلقة مختومة ، لا تكسر اختامها ولا يفتح بابها إلا في الأعياد الكبرى ، ولا يسمح بدخولها إلا للكاهن الأكبر وفرعون ، الذي كان مركزه يخول له أن يقوم بمهام الكاهن الأكبر في أي معبد ، وكما هي الحال في معبد خنسو ، يحيط بقدس الأقداس دهليز يفتح عليه عدة غرف صغيرة . خصصت كل منها لعبادة أحد الآلهة ويوجد في هذا المعبد ، كما يوجد في المعابد الفرعونية ، سلمان أحدهما في الجانب الشرفي والآخر في الجانب الغربي لبلوغ سطح المعبد . وقد غطيت جدران السلمين بمناظر مهرجانات دينية .

وكما هي الحال في معبد الكرنك ، يوجد في معبد ادفو دهليز خارجي يدور حول أجزائه الداخلي ابتداء من صالة الأعمدة الأولى . وقد زينت الواجهة الداخلية لجدران هذا الدهليز بمناظر معارك حورس مع ست ، وبمناظر للطقوس التي تخلد انتصار حورس ، أما الواجهة الخارجية لجدرانه فتحمل مناظر لبطلميوس العاشر اسكندر الأكبر وزوجه الملكة برينيكي وهما يعيدان آلهة مختلفة .

ويتبين لنا من كل ما مر بنا أن معبد ادفو معبد مصري بحت في تصميمه وعمارته وطراز زخرفته ، حتى أن علماء الآثار لم يستطيعوا التعرف على تاريخه قبل قراءة نصوصه مما يدل على أنه يخلو من التأثيرات الإغريقية خلوا تمامًا .

معبد دندرة :

في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد ، أمر أحد البطالمة الأواخر ، ولعله كان بطلميوس التاسع سوتر الثاني ، بإزالة بناء المعبد القديم الذي أقيم منذ عهد الملك خوفو لحتحور الآلهة لحتحور الآلة الحامية لدندرة ، وإقامة معبد آخر جديد على أنقاضه ، لم يتم إلا حوالي منتصف القرن الأول ، في عهد أباطرة الرومان ، ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أخرجه فن المعمار في عصر البطالمة والرومان وهو يشارك معابد ذلك العصر في الخواص المميزة لها .

ويمتد حول بناء المعبد كله جدار خارجي يتوسطه في الناحية الشمالية باب المعبد ، الذي يؤدي إلى فناء لا سقف له . وتقع وراء الفناء صالة الأعمدة الكبرى ، وهي قاعة كبيرة يحمل سقفها أربعة وعشرون عمودًا ضخمًا ، رتبت في أربع صفوف يكون أولها جدار البهو الخارجي ، إذ تربط أعمدة هذا الصف بعضها ببعض حوائط قصيرة على نمط ما رأينا في معبد ادفو . وتصل هذه الستائر هنا أيضًا إلى نحو منتصف ارتفاع الأعمدة ، وهي تحمل افريزا ضخمًا بزينه قرص شمس ذو جناحين . وفي الإفريز نقش ينبئنا بأن بناء هذه الصالة قد تم في العام العشرين من حكم الإمبراطور تيبريوس ، وبأن أهالي المديرية وعاصمتها قد أهدوه باسم هذا الإمبراطور إلى الآلهة أفروديتي (أي حتحور) وأقرانها من الآلهة . وتعلو هذه الأعمدة رءوس من النوع المعروف برءوس أعمدة حتحور وتزين هذه الأعمدة والجدران مناظر دينية ونقوش ورموز ، مرتبة درجات ، الواحدة فوق الأخرى في كثرة جعلتها تزاحم بعضها بعضًا ، لكن المناظر لا تخلو من الطرافة إذ أننا نتبين فيها زيارة ملكية إلى المعبد وإهداء ضياع إلى آلهته . أما السقف فكله مزين بمناظر فلكية .

وتؤدي هذه الصالة الكبيرة إلى صالة أعمدة صغيرة يحمل سقفها ستة أعمدة ، رءوسها من النوع المعروف برءوس الزهور أو الرءوس المركبة ، وتزين أعمدة هذه الصالة وجدرانها مناظر تتصل ببناء المعبد . وتتصل بكل جانب من جانبي هذه الصالة ثلاث غرف كانت تستخدم لتخزين حاجات المعبد والنذور . وتؤدي صالة الأعمدة الصغرى إلى قاعتين صغيرتين ، أحداهما وراء الأخرى على نمط معبد أدفو ، وتسمى القاعة الأولى “قاعة المذبح”، حيث كانت تقدم القرابين ، وتغطي جدرانها مناظر تمثل الملك وهو يقدم القرابين إلى حتحور وابنها . وإلى يمين هذه القاعة ويسارها توجد السلالم التي تصل إلى سطح المعبد . وتزين جدران هذه السلالم مناظر موكب الآلهة في غدوة إلى السطح ورواحه ، عندما كانت تحمل في جمع حاشد ، تحفها مظاهر العظمة والجلال ، لتلقي نظرة على ممتلكاتها العظيمة ، وتسمى القاعة الثانية “قاعة التسع المقدسة” ، وهي لا تزيد على ممر بسيط يغطي جدرانه مناظر تشير إلى أن حتحور وقد تجسمت فيها كل الآلهة الأخرى أصبحت وحدها منبع الحياة ، وإلى جانبي كل من هاتين القاعتين توجد غرفتان .

وتؤدي القاعة الثانية إلى قدس الأقداس ، وهو قاعة مزينة بمناظر زيارة فرعون للآلهة ، ويحيط بهذه القاعة المقدسة دهليز يؤدي إلى إحدى عشرة غرفة صغيرة بجانب بعضها بعضًا ، كان لكل منها اسم خاص ، مثل “غرفة اللهب” و”عرش رع” و”اتحاد الوجهين” و”غرفة الميلاد” و”غرفة البعث” الخ.. لكنه قد أصبح من المتعذر علينا الآن استبانة الغرض من هذه الغرف ، بعد أن فقدت أسماؤها الدلالة التي توحي بها .

ومن أهم خواص هذا المعبد كثرة الأقبية ، التي بنيت في سمك الجدران تحت مستوى الأرض وغطيت مداخلها بألواح صخرية متحركة وكل هذه الأقبية مزينة بنقوش بارزة ملونة. وقد كانت بعضها لإقامة الطقوس السرية للآلهة ، والبعض الآخر لحفظ كنوز المعبد التي لابد من أنها كانت ذات قيمة كبيرة .

وتزين جدران المعبد من الخارج مناظر تمثل عبادة عدد من الآلهة . ويرى في هذه المناظر كليوبترة السابعة ، في شكل الآلهة إيزيس ، وابنها فيصرون وهما يتعبدان إلى الآلهة .

إن هذا المعبد كغيره من معابد البطالمة والرومان ، بالرغم من تأخر عهده وإنشائه بعد زوال دولة الفراعنة وانتشار الفن الإغريقي في مصر ، لا يختلف في جوهره عن معابد الفراعنة ولا نلمس فيه أي أثر للفن الإغريقي ، فهو مصري خالص في تخطيط وعمارته ونقوشه .

معبد كوم أمبو :

لقد انشئ هذا المعبد في عهد بطلميوس السادس فيلومتور ، لكن زخرفته لم تتم إلا في العصر الروماني ونرى في هذا المعبد أيضًا الخواص نفسها التي نجدها في غيره من المعابد المصرية البطلمية من حيث التصميم والعمارة والزخرفة، غير أنه لهذا المعبد ميزة خاصة تمخضت عن العبادة المحلة في المكان، حيث كان الناس يعبدون إلهين محليين وهما سبك وحورس ذو رأس الصقر، وعلى الرغم من اختلاف هذين الإلهين في النشأة وفي الطابع، فقد عاشا جنبًا إلى جنب قرونًأ طويلة دون أن يمزجا أو يقرنا ببعضهما بعضًا، و من ثم فإنه لا يوجد في هذا المعبد قدسان متجاوران للأقداس فقط بل توجد فيه كذلك على محور كل من هذين القدسين أبواب إلى جانب بعضها بعضًا، في الجدار الخارجي وفي جدران صالتي الأعمدة وما وراءهما، وتبعًا لذلك ينقسم المعبد قسمين خصص كل منهما لعبادة أحد هذين الإلهين.

وقد زينت جدران هذا المعبد بزخرفة مصرية صميمة، تمتاز بدقة صنعها وحسن انسجامها وبجمال ما فيها من التوازن بين شخصيات مناظرها وما حولها من النقوش الهيروغليفية التي تتمم هذه المناظر.

رءوس الأعمدة:

وقد بقى أن نذكر كلمة عن رءوس الأعمدة المختلفة التي كانت شائعة في عصر البطالمة، وكلها معروفة من قبل هذا العصر ولاسيما ما يعرف منها برءوس حتحور ورءوس النخيل ورءوس اللوتس ورءوس البردي، وهي رءوس مصرية صميمة لم يرق الشك إطلاقًا إلى طرازها المصري.
وأكثر رءوس الأعمدة انتشارًا في عصر البطالمة هي رءوس الأعمدة المركبة، التي يرى فيها البعض دون موجب ولا سبب معقول أثراً لرءوس الأعمدة الكورنثية. أما نحن فنعتقد أنها مصرية صميمة، وثمرة النهضة الفنية التي ازدهرت في خلال العصر الصاوي ـ أي في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ـ وكانت تستهدف أحياء التقاليد القديمة، التي أخرجت الكثير من آيات الفن المصري. وبيان ذلك أننا نعرف أن عمودي البردي واللوتس يرجعان في أصلهما إلى القوائم البدائية، التي كان يحمل عليها السقف وتزين رءوسها بالأزهار، لكن لما كان الفنان في العصر الصاوي يفوق بطبيعة الحال فنان الدولة القديمة في التقدم ورقة الشعور، فإنه لم يرجع القهقري إلى تلك القوائم البدائية، بل اتخذ نواة عموده من عامود البردي المزدهر (Campaniform) ذي الرأس المفتوحة، وزينة كما فعل أجداده من قبل بباقة من الزهور. غير أنه اختار الزهور من عدة أنواع بدلاً من نوع واحد، مثل اللوتس أو البردي، كما فعل فنانو الدولة القديمة.

والأنواع المتعددة المعقدة لهذه الرءوس الجديدة لا يمكن أن تكون قد استنبطت في خلال فترة قصيرة، بل لابد من أنها كانت ثمرة تطور طبيعي طويل، لكنه من العسير بل من المحال أن نتتبع الآن أدوار هذا التطور نظرًا إلى تهدم معابد العصر الصاوي. وظهور أنواع هذه الرءوس كاملة على عهد الأسرة الثلاثين في معبد نكتانبو الثاني، أي في أواسط القرن الرابع قبل الميلاد، يحملنا على الاعتقاد بأن تاريخ هذه الرءوس لابد من أنه يرجع إلى عصر سابق على الأسرة الثلاثين. وإذا ما محصنا جميع الاعتبارات المختلفة وجدنا أن العصر الصاوي أنسب وقت لذلك بسبب نهضة الفنية وما ساد فيه من السلام والرخاء. وإذا كانت هذه الرءوس في دور التكوين في خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، أي قبل ظهور العامود الكورنثي بمدة طويلة، وإذا ما تذكرنا أصل الأعمدة المصرية المزدانة بالزهور، وإذا ما عرفنا أن العناصر التي تتكون منها الرءوس الجديدة مصرية بحت، فإنه يتضح لنا بطلان الزعم الذي يرى في الرءوس الجديدة أثرًا للعامود الإغريقي الكورنثي. وإذا كانت ثمة علاقة بين الاثنين، فإن العكس أقرب إلى الصواب، لأن المصري كان يزين رءوس أعمدته بالأزهار قبل عهد الإغريق بالأعمدة، كما أن الحلقات (Volutes) الجانبية في الرءوس الكورنثية تحمل شبهًا كبيرًا للأطراف المتدلية من أوراق زهرة السوسن (Iris)، التي كانت رمز مصر العليا، وتستعمل في الزخرفة في مصر الدولة الوسطى.

مؤتمر بابل

مشكلة ولاية العرش:

لما كانت المناداة بالملك، وفقًا للتقاليد المقدونية، من حقوق الجيش، فإن قواد الإسكندر عقدوا مؤتمرًا في بابل غداة موته هناك في يونيو عام 323 ليبحثوا مشكلة حكم الإمبراطورية المقدونية، تلك المشكلة التي أفضت إلى ما يعرف “بحروب الخلفاء”، وكانت حروبًا شعواء دامت حوالي الأربعين عامًا .

ذلك أن المنبة فاجأت الإسكندر دون أن يترك وصية، أو يرشح خلفًا له، أو نيظم طريقة الحكم في تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف. ولا يمكن أن نقبل ما عزاه المغرضون إلى الإسكندر من أنه أوصى بالعرش إلى “أجدر الناس به”، لأن ذلك كان يفضي إلى نضال عنيف. ومن العسير أن تتخذ دليلاً على اختياره برديقاس (Perdiccas) خلفًا له أنه كان قد سلمه خاتم الملكم وهو على فراش الموت.

وقد زاد مشكلة وراثة العرش تعقيدًا أن الإسكندر توفي دون أن يترك وريثًا ليخلفه، وأن كان قد ترك زوجة الفارسية روكسانا (Roxana) ـ أبنة النبيل الباقترياني أوكسوارتس (Oxyartes) ـ حاملاً في شهرها السادس، إلا أنها كانت سيدة شرقية وكان الكثيرون ينكرون على جنينها حق التربع على عرش الإمبراطورية المقدونية. وكان يوجد في بابل نفسها أخ للإسكندر يدعى أرهيدايوس (Arhidaeos)، وكان شاباً غبيًا مصاباً بالصرع، ولم يكن أبنًا شرعيًا للملك فيليب، فإن أمه لم تكن سوى حظية فيليب، لكنه في نظر الجيش وخاصة في نظر الجنود البسطاء كان يمتاز على غيره بأن أمه كانت سيدة من تسالياً ولم تكن سيدة شرقية.

مشكلة ولاية العرش:

لما كانت المناداة بالملك، وفقًا للتقاليد المقدونية، من حقوق الجيش، فإن قواد الإسكندر عقدوا مؤتمرًا في بابل غداة موته هناك في يونيو عام 323 ليبحثوا مشكلة حكم الإمبراطورية المقدونية، تلك المشكلة التي أفضت إلى ما يعرف “بحروب الخلفاء”، وكانت حروبًا شعواء دامت حوالي الأربعين عامًا. ذلك أن المنبة فاجأت الإسكندر دون أن يترك وصية، أو يرشح خلفًا له، أو نيظم طريقة الحكم في تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف. ولا يمكن أن نقبل ما عزاه المغرضون إلى الإسكندر من أنه أوصى بالعرش إلى “أجدر الناس به”، لأن ذلك كان يفضي إلى نضال عنيف. ومن العسير أن تتخذ دليلاً على اختياره برديقاس (Perdiccas) خلفًا له أنه كان قد سلمه خاتم الملكم وهو على فراش الموت.

وقد زاد مشكلة وراثة العرش تعقيدًا أن الإسكندر توفي دون أن يترك وريثًا ليخلفه، وأن كان قد ترك زوجة الفارسية روكسانا (Roxana) ـ أبنة النبيل الباقترياني أوكسوارتس (Oxyartes) ـ حاملاً في شهرها السادس، إلا أنها كانت سيدة شرقية وكان الكثيرون ينكرون على جنينها حق التربع على عرش الإمبراطورية المقدونية. وكان يوجد في بابل نفسها أخ للإسكندر يدعى أرهيدايوس (Arhidaeos)، وكان شاباً غبيًا مصاباً بالصرع، ولم يكن أبنًا شرعيًا للملك فيليب، فإن أمه لم تكن سوى حظية فيليب، لكنه في نظر الجيش وخاصة في نظر الجنود البسطاء كان يمتاز على غيره بأن أمه كانت سيدة من تسالياً ولم تكن سيدة شرقية.

ويرجح أن قواد الإسكندر، برغم المطامع الشخصية التي كانت تجيش في نفوسهم، قد حرصوا جميعًا في مؤتمر بابل على الاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية  المقدونية، لأنهم كانوا قبل كل شيء مقدونيين يخشون أن يدكوا دعائم ذلك الصرح الهائل الذي شيدته مقدونيا، أو أن يستشيروا عواطف الجنود الذين بقوا على ولائهم للبيت المالك، أو يظفر أكثرهم نفوذًا بين الجنود بنصيب الأسد.

وإذا كان قواد الإسكندر قد اتفقوا يومئذ على الاحتفاظ بكيان الإمبراطورية، فإن آراءهم تباينت في الطريقة التي تتبع في حكمها، إذ أنه حين كان بعضهم يريد إقامة سلطة مركزية قوية مدفوعًا إلى ذلك إما بدافع الإخلاص للأسرة المالكة وإما بدافع الأمل في الاشتراك في السلطة المركزية، كان البعض الآخر يفضل ألا يرى في مقر الإمبراطورية سلطة موحدة مستقرة، معللاً النفس بالحصول على إحدى ولايات الإمبراطورية سلطة والاستقلال بإدارتها. وقد اقترح برديقاس (Perdiccas) وكان أكثر القواد نفوذًا، أرجاء البت في ولاية العرش حتى تلدروكسانا، لكن ملياجروس (Meleagros) اقترح اختيار أرهيدايوس. وأما بطلميوس فإنه اتخذ موقف الرجل المقدوني الذي يأبى أن يحكمه رجل معتوه من نسل غير شرعي مثل أرهيدايوس، أو سليل سيدة شرقية مثل ابن روكسانا، لأنه كان يرى أن المقدونيين لم يقهروا الفرس لكي يخضعوا لسلالتهم، ولذلك اقترح أن يبقى عرش الإسكندر شاغرًا وأن يعهد بإدارة الإمبراطورية إلى قواد الجيش . ولا جدال في أن هذا الاقتراح يخفي وراءه تعطشًا شديدًا للسلطة ورغبة قوية في الاستقلال بحكم إحدى ولايات الإمبراطورية، بل يحمل في طياته بذور تفتيت الإمبراطورية وانحلالها. وبعد مناقشة هذه الآراء استقر رأى القواد على قبول اقتراح برديقاس. وحظي هذا الاقتراح بتأييد الفرسان، وكانوا يتألفون من شباب النبلاء، لكن المشاة، وكانوا يعتبرون أنفسهم ممثلي الأمة المقدونية وتبعًا لذلك أصحاب الحق في المناداة بالملك الجديد، ثاروا على هذا الاقتراح وقرروا المناداة بارهيدايوس ملكًا، فعهد إلى ملياجروس بتهدئة ثائرتهم بيد أن العداوة الت يكان ملياجروس يضمرها لبرديقاس دفعته إلى الانضمام إلى المشاة والهاب عواطفهم، فاضطر برديقاس دفعته إلى النضمام إلى المشاة والهاب عواطفهم فاضطر برديقاس والفرسان إلى الخروج من بابل ومحاصرة المشاة في المدينة. وكادت أن تشب نيران الحرب بين الفريقين، غير أن لباقة بطلميوس ومهارة يومنيس (Eumenes) سكرتير الإسكندرية، تمكننا من حسم النزاع والوصول إلى حل وسط، يقضي بأن يرتقي أرهيدايوس العرش تحت اسم فيليب، والاعتراف بحق جنين روكسانا، إذا كان ذكرًا، في مشاركة فيليب الملك بمثابة شريك تحت الوصاية.

توزيع ولاية الإمبراطورية:

وبهذا الحل أمكن الاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية بينهم، ليحكموها بصفة كونهم ولاة من قبل الأسرة المالكة المقدونية. فقد قرر المؤتمر أن يعهد إلى بلطميوس بن لاجوس (Lagos) بمصر، وإلى لاومدوز (Laomedon) بسوريا، وإلى مناندروس (Menandros) بلوديا، وإلى ليوناتوس (Leonnatos) بفروجيا على شاطئ الدردنيل، وإلى لوسيما خوس (Lysimachos) بتراقيا، وإلى فيلوتاس (Philotas) بقيليقيا، وإلى أساندروس (Asandros) بقاريا، وإلى بايثون (Peithon) ببابل، وإلى أرقيلاوس (Arcesilaos) ببلاد ما بين النهرين، واحتفظ أرتوباتس (Artopates) بيديا الصغرى، ومنح أنتيجونوس (Antigonos) الجانب الأكبر من آسيا الصغرى، أي فروجيًا الكبرى وبامفوليا ولوقاونيا ولوقيا، وأعطى يومنيس (Eumenes) بافلاجونيا وقابادوقيا وكانتا لم تخضعا بعده. أما بلاد الإغريق فقد تقرر أن تبقى جمهورياتها خاضعة لمقدونيا وموحدة في عصبة قورنثة تحت سيطرة انتيباتروس (Antipators).

مشكلة الوصاية:

وإذا كانت مشكلة ولاية العرش قد حلت على نحو ما رأينا، فقد بقيت مشكلة الوصايا على الملكين أو بعبارة أخرى مشكلة السلطة العليا ذلك أنه تقرر في بابل أن يكون برديقاس خيليارخيس (Chiliarches) ومعنى ذلك أن يكون القائد العام للجيش، والمهين على شئون الإمبراطورية، وأن يساعده في ذلك ملياجروس. وتقرر أيضًا أن يكون قراتروس (Crateros) ـ وكان في أثناء تلك الأحداث في طريقه إلى مقدونيا لإعادة 10.000 من قدماء المحاربين ـ بروستاتيس (Prostates) الملك. ومعنى ذلك أن يكون وصيًا على الملك المعتوه وكذلك على طفل روكسانا عندما يولد، وحامى شخصيهما، وحامل ختام الدولة، أي أن يكون بمثابة رئيس الوزراء. وهكذا بقى أن يتقرر لمن تكون السيطرة والكلمة النافذة، البرديقاس أم لقراتروس. وقد حلت هذه المشكلة أحداث الحرب اللامية (Lamian) أو الحرب الهلينية، كما سميت عندئذ، وهي الحرب التي وقعت في بلاد الإغريق عندما تجاوبت هناك أصداء خبر وفاة الإسكندر وهب الإغريق لاستعادة حريتهم من مقدونيا. وقد تحرج مركز القائد العجوز أنتيباتروس (Antipatros) في بلاد الإغريق إلى حد أن فراتروس ـ وكان إذ ذاك في قيليقيا في طريقه إلى مقدونيا ـ اضطر إلى التضحية بأطماعه الشخصية، إذ أنه بدلاً من أن يعود إلى بابل ليضع الملكين تحت سلطته ويتولى الوصاية عليهما، لبي نداء الواجب فكون جيشًا في آسيا الصغرى وذهب لنجدة القائد المقدوني في بلاد الإغريق، تاركًا مسألة الوصاية في كفة القدر، أو على الأصح بين يدي برديقاس الذي سرعان ما وضع تحت سيطرته الملك المعتوه وكذلك الملك الطفل الذي أنجبته روكسانا ونادى به الجيش ملكًا. بيد أنه لما كانت الأوامر تصدر والنقود تسك باسم فيليب وحده، فإن الناس كانوا لا  يدرون أكان يتربع على العرش ملكان أم ملك واحد. ولم يكن معنى السيطرة التي اغتصبها برديقاس لنفسه أن نتيباتروس وقراتروس اعترفا بأنه قد أصبح رئيسها ويحق له إصدار الأوامر لهما.

تضارب الأطماع:

وسرعان ما أوضح برديقاس لجميع القواد أنه ينتظر منهم أطماعه الأوامر التي يصدرها باسم التاج، لكن أكثرهم بأسًا وقوة أخذوا يستعدون لمقاومة هذه الأوامر. وقد كان متوقعًا عقب وفاة الإسكندر أن أغلب أولئك القواد الذين اجتمعوا في بابل وبذلوا جهدًا كبيرًا في الوصول إلى حل لمشكلة ولاية العرش وتنظيم حكم الإمبراطورية لن يذهبوا لتولي حكم ولاياتهم دون أن تراودهم أطماع شخصية، وأن تضارب هذه الأطماع سيقضي أن عاجلاً أو آجلاً إلى صراع عنيف.

وحقًا لقد كافح بعض القواد للاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية أما بدافع الولاء للأسرة المالكة مثل أنتيباتروس وقراتروس، وأما بدافع المصلحة الشخصية مثل برديقاس وليوناتوس وأنتيجونوس. لكن أكثر القواد لم يبرحوا بابل إلا وفي عزم كل منهم الاستقلال بحكم ولايته وعدم السماح بأن يكون لغيره سلطة أكبر من سلطته، ومع ذلك يبين أن فكرة تفكيك عرى الإمبراطورية لم تختمر في الرءوس إلا بالتدريج.

ويجب ألا يفوتنا أن كبار قواد الإسكندر الذين اقتسموا إدارة إمبراطوريته كانوا ينتمون إلى أعرق الأسر النبيلة في مقدونيا ويعتزون أشد الاعتزاز بأصلهم العريق وانتصاراتهم الباهرة، ولذلك فإن بعضهم كان يعتبر نفسه جديرًا بأن يخلف الإسكندر، بل أن أقلهم اعتزازًا بنفسه كان لا يمكن أن يسمح بأن يعامل غير معاملة الند للند. وإذا كان الإسكندر بفضل أصله وعبقريته قد أفلح في كبح جماح أطماع قواده وتسخير نشاطهم في القيام بمجهود مشترك، فإن ضعف خليفتيه ـاح الفرصة كاملة لتحقيق أطماعهم المكبوتة. وسرعان ما أفضت المنافسة المسلحة بينهم إلى ذلك الصراع الذي بدأ في عام 321 واحتدم مدة تزيد على الأربعين عامًا وتمخض عنه فصم عرى الإمبراطورية المقدونية وقيام ثلاث ممالك على أنقاضها. وقد ساعد على بلوغ هذه النتيجة أن الإمبراطورية كانت تتألف من أجزاء غير متجانسة لم يكن يربط بعضها ببعض إلا قيام سلطة مركزية موحدة. وبمجرد انقسام هذه السلطة على نفسها ساعد على تقطيع أوصال الإمبراطورية تضارب الصوالح واختلاف العادات والحضارة.

ولم يكن مقيضًا للممالك التي أسسها خلفاء الإسكندر أن تعمر طويلاً، ولا سيما أنه في حالة اثنتين منها. وهما سوريا ومصر، لم يعن هؤلاء الخلفاء بإقامة دولة قومية وإنما بإقامة حكم أسرى. وقد ساعد على الصراع بين القواد أنه كان تحت أمرة كل منهم قدر متفاوت من الجنود المقدونيين. وبطبيعة الحال كان أكثر هؤلاء الجنود عددًا وخبرة أولئك الذين كان برديقاس يحتكم فيهم بوصفه القائد العام للجيش، ولذلك فإنه يعزى إلى هذه الحقيقة أكثر مما يعزى إلى توليه الوصاية أو إلى وجود الملكين في كنفه تمتعه بأكبر قدر من السلطان في الإمبراطورية.

ومنذ البداية أخذت تتكون بين خلفاء الإسكندر ذلك أن أنتيباتروس كان صديق أنتيجونوس وعدو أم الإسكندر، وكانت تمتاز بقدرتها على إثارة المتاعب وثيقة بيومنيس أثارت عليه عداء أنتيباتروس ولما كان إلى ألومبياس واتخذ من يومنيس صديقًا له ورفيقًا أنتيباتروس ضد برديقاس، ولا سيما أن رأيه لم يؤخذ تمت في بابل. وفضلاً عن ذلك فإن اغتصاب الملكين قرب بين أنتيباتروس وقراتروس وجعل محتومًا. ومن ناحية أخرى أغضب برديقاس تقرب إلى القائد العجوز أنتيباتروس. وإلى جان أخريين شأن كبير في أحداث ذلك الوقت، وأحداهما الإسكندر الأكبر وأرملة الإسكندر ملك أبيروس الأطماع والفتن بما منت به الكثيرين من الاقتران بها واحد منهم. وأما لسيدة الأخرى فإنها أديا (Adein) فيما بعد باسم بوروديقي  (Eurydike) كانت خطيبة وبما أنها كانت ابنة أمونتاس (Amyntas) ابن برديقاس وقواناني (Cynane) وكانت ابنة غير شرعية لفيليب لها حقوق شخصية في العرش المقدوني وتكره أسرة