ديكيوس

ديكيوس ترايانوس ديكيوس او تراجان داكيوس حكم في (249-251) شارك حكمه مع ابنه في السنة الاخيرة ، حتى قتلوا سويا معركة abrittus . وفي عهده برز عنصر جديد من عناصر القلق لأباطرة روما فيما يتعلق بمصر وبدأ الإحساس بهذا العنصر الجديد في السياسة المصرية ولم يكن هذا العنصر إلا ازدياد قوة ونمو الديانة المسيحية مما أجبر حكام البلاد على الاعتراف بوجودها .

وفي الواقع فقد كانت هناك محاولات عارضة وذات طابع محلي في خلال القرن الثاني تهدف إلى منح انتشار الديانة الجديدة، ولكن أول هجوم عارم على تلك الديانة حدث في عهد ديكيوس عندما أصبح يُنظم اختيار أو امتحان منظم كان كل شخص يُجبر بمقتضاه على تقديم الأضحيات والقرابين للآلهة وأن يتذوق هذه القرابين وكان من يرفض القيام بذلك يقع تحت طائلة الاتهام ويعدم بينما يحصل من يؤدي هذا الاختبار ويستجيب له على شهادة من لجنة الامتحان تفيد بحسن أدائه للطقوس المطلوبة وقد وصلتنا أمثلة عديدة على مثل هذه الشهادات في أوراق البردي.

يتضامن انحدار الأحوال مع ضعف الديانة المصرية اشتداد عود الديانة المسيحية، فلا نجد لأحد هؤلاء الأباطرة التسعة من بعد “كاراكالا” ثمة ذكر على جدران المعابد المصرية أو نلمح وجود خراطيش تخصهم. وأول من نلمح له من أعمال أو خراطيش – على قلتها، هو الإمبراطور “تراجان داكيوس”.

ويظهر في لقبه اللقب المعتاد الذي يعبر عن تراجع قوة وكفاءة المؤسسة الكهنوتية في مصر وذلك منذ فترة قبل عهد “داكيوس” وهو لقب “أوتوقراتور قيصر”، تاكاس نيتخ = داكيوس . ومثل صورة باهتة لما كان عليه الأباطرة الأقوياء متابعة قراءة ديكيوس

سبتميوس سيفيروس

سبتميوس سيفيروس في الصراع الذي دار بين سيفيروس ونيجر على العرش الإمبراطوري وضح تضاؤل أهمية إنتاج مصر من الحبوب على مقدرات الحكم في روما.

فمجرد ما أصبح لسيفيروس السيادة على روما أسرع لتأمين أفريقيا خشية أن يستولي عليها نيجر من مصر فيضع يده على أهم مصدرين للإمداد بالحبوب ويتمكن من تجويع روما وإخضاعها بينما في أيام فسبسيان كان يعتقد أنه من الممكن تحقيق ذلك بالاستيلاء على مصر وحدها .

ومن المحتمل أن سيفيروس قد تمكن من الاستيلاء على مصر من شمال أفريقيا قبل المعركة النهائية مع نيجر في كيزيكوس . وأقدم وثيقة مؤرخة باسم سيفيروس بتاريخ 26 نوفمبر 193 من أوكسير نيخوس متابعة قراءة سبتميوس سيفيروس

العمارة المصرية القديمة

كانت مصر تمتلك منذ أقدم العصور الجيولوجية المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم .

ومن هنا فلا غني للفنان المصري التعرف علي العوامل المختلفة التي كان له فيها تأثير واضح مثل طبيعة مصر وما لها من اثر علي سكانها وعلي الفنانين وهي تمتاز بقوة شخصيتها ووضوح معالمها وجلاء مظاهرها وانتظام أحوالها ومن هنا نلاحظ أن فن كل أمه يخضع المؤثرات لمدة تختص بطبيعة الإقليم الذي نشأت فيه ومن الخطأ مقارنة فن دولة بفن دولة أخري وكل ذلك لأن الفن عامة والعمارة خاصة تتأثر بالعديد من العوامل المختلفة المتعلقة بالدولة مثل التأثيرات الجغرافية والمناخية والدينية وغيرها .
وسوف نتحدث عن العوامل التى اثرت على العمارة الفرعونية القديمة:-

1 ـ العوامل الجغرافية :
متابعة قراءة العمارة المصرية القديمة

وثائق البردى

يقترن ذكر اوراق البردى دائما بذكر مصر القديمة . ذلك ان المصريين القدماء كانوا اول من اهتدى الى صنع صحائف للكتابة من اللباب الداخلى اللزج فى ذلك النبات الذى ينمو فى مصر فى مساحات شاسعة من مستنقعات الدلتا على وجه الخصوص و فى بعض جهات من اقليم الفيوم منذ عصور بالغة القدم .

كذلك فانه عندما تذكر اوراق البردى من حيث هى مصدر مهم من مصادر المعرفة التاريخية و التراث الحضارى القديم يتبادر الى الذهن على الفور عصور التاريخ المصرى القديم منذ الدولة الفرعونية القديمة،بل ربما منذ عصر بداية الاسرات حتى بداية العصر الاسلامى،اى على مدى زمنى يزيد على الاربعة الاف من السنين.

والواقع انه بالرغم مما تبين من ان نبات البردى كان ينمو فى انحاء قليلة متفرقة من العالم القديم غير مصر،وان شعوبا غير المصريين قد عرفت استخدام هذا النبات فى اغراض اخرى غير صناعة اوراق الكتابة(ومن هولاء اهل صقلية و فلسطين و شرقى السودان)، فان المصريين وحدهم هم الذين ابتكروا هذه الاوراق واحتكروها وجعلوا منها سلعة رائجة للتصدير الى العالم الخارجى ردحا طويلا من الزمان.وقد كان امرا طبيعيا ان يستخدم المصريون القدماء،اوراق الكتابة البردية على نطاق واسع فى تسجيل ادابهم وعلومهم وفنونهم وسائر شئون حياتهم.وبفضل جفاف التربة المصرية نسبيا خاصة الى الجنوب من الدلتا ،سلم الكثير من هذه الاوراق من البلى والتلف ، فكان ان حفظت لنا رمال مصر كنزا من المعلومات عن تاريخها و حضارتها .وحسبنا ان نذكر من سجلات التاريخ المصرى الفرعونى القديم مثلا بردية تورين التى تضم قائمة الفراعنة الذين توالوا على الحكم منذ بداية العصور التاريخة حتى وقت تسجيل البردية فى عصر الاسرة التاسعة عشرة، وأن نذكر فى مجال تراث مصر القديمة العلمى تلك البرديات الطبية الشهيرة وعلى راسها بردية ايبرزEbers ،هذا الى عدد كبير من البرديات الدينية والادبية المطولة او القصيرة.
متابعة قراءة وثائق البردى

معبد إدفو

معبد إدفو‏يقع معبد إدفو أو معبد حورس بادفو في جمهورية مصر العربية ، في مدينة أسوان .‏ ‏ ويقع على بعد 123 كيلو متراً من شمال أسوان ، بمدينة إدفو .‏ ‏ وهو من أجمل المعابد المصرية .‏ ‏ ويتميز بضخامة بنائه وروعته .‏ ‏ ويرجع تاريخ هذا المعبد إلى العصر البطلمي ، بدأ تشييد هذا المعبد الضخم للإله “حورس” فى عهد “بطليموس الثالث – يورجيتس الأول” (كلمة “يورجيتس” تعنى “المُحسن”) فى سنة 237 ق.م ، و تم الانتهاء من إنشائه فى عهد “بطليموس الثالث عشر” فى القرن الأول قبل الميلاد .

معبد ادفو

متابعة قراءة معبد إدفو

معبد ابو سمبل الكبير

يبدأ المعبد بفناء مفتوح يحيطه من الشمال والجنوب حائط مشيد من الطوب اللبن , يبدو أن هذا الحائط قد رمم و أعيد تشييد أجزاء منه في العصر الروماني ويبدو ذلك من خلال قوالب الطوب اللبن الكبيرة الذي كانت سمة من سمات العصر الروماني . أما الجانب الشرقي لهذا الفناء فلم يكن معروفا فيما لو أن هناك جدار أم لا .

ويحرس مداخل المعبد الأربعة التماثيل الضخمة الشهيرة للملك رمسيس الثانى ويصل ارتفاع كل تمثال من هذه التماثيل إلى أكثر من 20 متراً ، ويصاحب كل تمثال تماثيل أصغر – وإن كانت هى الأخرى على صغرها النسبى مازالت أكبر من الحجم الطبيعى، وهى تماثيل لأم الملك – الملكة “تويا” – ولزوجته الملكة “نفرتارى” وبعض أولادهما.

وفوق المدخل المؤدى إلى قاعة الأعمدة الكبرى، بين التمثالين فى وسط الواجهة، يوجدرسم على شكل إله الشمس “رع- حاراختى” وله رأس صقر.
يدخل المتعبد الفقير الفناء المفتوح الجزء الوحيد المسموح لهم من خلال بوابة حجرية مشيدة في الحائط اللبني الشمالي , يصلون فيه ألهتهم ويتركون قرابينهم للكهنة ويرحلون . في أقصي غرب الفناء يوجد سلم مكون من تسع درجات يوصل إلي شرفة المعبد وواجهته, يلاقي الزائر علي يمين ويسار السلم لوحتان وضعهما رمسيس الثاني. ويقد رمسيس في اللوحة الأولى (علي يمين السلم) زهورا إلى الإله أمون-رع ورع-حور-اختي و تحوت وفي اللوحة الثانية (علي يسار السلم ) يقدم بخورا إلى أمون-رع و بتاح وإيزيس .

الشرفة :

الشرفة هي الجزء العلوي تحت أقدام تماثيل رمسيس الثاني , وفي الناحية الشرقية يعلوها حاجز طويل عليه عشرة قواعد مستطيلة يعلو كل منها تمثال للملك مرة علي هيئة آدمية ومرة علي هيئة صقر بالتناوب. واسفل هذا الحاجز في الناحية الجنوبية مشهد يمثل الأفارقة يرفعون أيديهم في تعبد أمام مائدة قرابين تجاه المدخل بينما علي الناحية الأخرى (الشمالية ) الآسيويون يقومون بنفس الفعل .
مقصورة الشمس :

تقع هذه المقصورة في نهاية الجانب الشمالي للشرفة وقد كرسها رمسيس الثاني إلى الإله رع-حور أختي اله الشمس ورب مدينة عين شمس و أطلق عليها اسم عام وهو “مقصورة الشمس”. وكانت المقصورة غارقة في الرمال حتى عام 1910 عندما كشفها عالم المصريات بارازانتي .وجد بارازانتي الجدار الجنوبي للمقصورة والبرج الشرقي محطمان, ولكن عالم المصريات الفرنسي أوجست مارييت جمع الكتل المتساقطة وأعاد تركيبها في مواقعهم الأصلية. المدخل لهذه المقصورة في الجنوب وذلك لان الملك وضع في الاعتبار تشييده من البدء كجزء من الشرفة التي كانت مرتفعة أما الجدار الشرقي يأخذ شكل البرج وليس به مدخل. والمقصورة عبارة عن غرفة صغيرة يتوسطها قاعدة كبيرة يؤدي إليها أربع درجات سلم, يقف فوقها أربعة قرود واقفة كل اثنان يواجهان الآخرين ويلاصق القاعدة من الناحية الشرقية مسلتان صغيرتان, وهناك قاعدة حجرية أخرى يعلوها ناووس  في الجانب الشمالي داخل المقصورة. يجد بداخل الناووس جعران وقرد جالس يتوج رأسيهما قرص الشمس. ارتبطت كل عناصر المقصورة بديانة الشمس مثل المسلة والقرد والجعران وقرص الشمس ولذا استحقت المقصورة أن تسمي بــــ “مقصورة الشمس” , والزائر حاليا لن يجد من هذه العناصر سوي القواعد الحجرية فالناووس الحجري في المتحف المصري والباقي في متحف النوبة بأسوان ويمكن للزائر أن يري المسلة والقرود في الحديقة المتحفية بمتحف النوبة .

لوحة زواج الملك رمسيس بالأميرة التركية :

أطلقنا تعبير الأميرة التركية تجاوزا فكلمة الحيثية وهي صفتها تعني أن الحيثيين هم أجداد الأتراك الحاليين. توجد هذه اللوحة في الناحية الجنوبية من الشرفة و المقابلة لمقصورة الشمس. تسجل اللوحة قصة زواج الملك رمسيس في العام الرابع والثلاثين من حكمه (1246 ق م ) من الابنة الكبرى للملك الحيثى خاتوسيل الثالث والذي ابرم معه الملك أقدم معاهدة سلام في تاريخ البشرية .

تنقسم اللوحة إلى قسمين العلوي يظهر فيه الملك رمسيس بين الهين ويقف الملك خاتوسيل الثالث مقدما ابنته الكبرى إليه. والابنة غير معروف اسمها التركي ولكن المصريون قد أعطوها اسما مصريا بعد زواجها من الملك وهو “مات-حور نفرو رع” ويعني “مشاهدة حور وبهاء رع”.

والقسم السفلي من اللوحة به النص الذي يحكي قصة الزواج وهي لا تختلف كثيرا عن قصص الزواج الأسطوري في القصور الملكية في العصور الحديثة. فالملك التركي يرسل رسالة إلى رمسيس وعده فيها أن يزوجه من كبري بناته بالإضافة إلى هدية كمهر في حفل زواجه, وهذا كان العرف في الشرق الأدنى القديم فالعروس هي التي تقدم المهر وليس الرجل. ولكن المهر والعروس لم يصلا إلى رمسيس فاعتراه الغضب وخشي ألا يفي الملك التركي بعهوده وأرسل رسالة غاضبة إليه ولكن أم العروس هي التي تسلمت الرسالة بسبب وجود الملك خارج البلاد وقت وصول الرسالة. ردت الملكة التركية برسالة أخرى تلوم الملك رمسيس فيها بسبب عدوانيته في الرسالة وأخبرته بان سبب تأخر العروس هو احتراق قصرهم الملكي في العاصمة الحيثية خاتوشاش (بوغاز كوي حاليا). ولكن يبدو انه لم يكن السبب الحقيقي لتأخر العروس لأن الملكة تسال – في نهاية رسالتها – عن حقيقة الإشاعة التي تدور في القصور الملكية عن أن رمسيس بعد أن تزوج من أميرة الميتانية (حفيدة الأكراد في شمال العراق) رفض السماح لعائلتها بزيارة مصر لرؤية ابنتهم . علي كل حال انتهت المشكلة طبقا لنص اللوحة وأرسل الملك رمسيس هدية ليطيب خاطر عروسه  وهي عبارة عن زيوت عطرية اشتهرت مصر بصناعتها . أرسل الملك وفدا مصري عالي المستوي برئاسة أحد رجاله وهو “حووي” ليكون في استقبال العروس علي الحدود بين مصر والدولة الحيثية (كانت الحدود في جنوب سوريا ). والمعروف أن حووي رقي بسبب هذه البعثة محافظا للنوبة . وكانت الأميرة التركية تسير في موكب كبير تتقدمها الهدية “المهر” والتي كانت عبارة عن مئات من رؤوس الماشية بأنواعها ويرافقها وفد عالي المستوي ولكن ظروف الجو لم تكن متوافقة فالثلوج والمطر في الشتاء في مرتفعات سوريا وجبال لبنان كانت قاسية ولما علم الملك بذلك دعا ربه ست رب العواصف والمطر-في مقصورة يخص الإله في قصره بقنطير بالشرقية- بأن يكون رحيما بعروسه, واستجاب الإله لدعوته ووصلت العروس بسلام و أقيم حفل زواج كبير . في النهاية انضمت زوجة أخري إلى باقي الزوجات بل كان مصيرها -وهو ما كانت تخشاه أمها- هو النفي إلى منتجع “مي-ور” بالفيوم (مدينة غراب) .

مقصورة الإله تحوت :

تقع هذه المقصورة جنوب واجهة المعبد الكبير وكرست إلى الإله تحوت رب المعارف والعلوم في مصر القديمة . وهي عبارة عن غرفة منحوتة في الجبل ويتقدمها فناء يحيط به جدران من الطوب اللبن ويستطيع الزائر زيارتها من خلال بوابة موجودة في الجدار اللبني الشرقي . والمقصورة نفسها تأخذ شكلا مربعا حيث يبلغ طولها 6.45 مترا وعرضها 4.40 مترا . ولأن اميليا ادواردز هي أول من دخل هذه المقصورة لذا أطلق عليها اسم  “مقصورة اميليا ادواردز” . تسمي هذه المقصورة علميا باسم بيت الولادة , ويوجد بوسطها قاعدة كان يوضع عليها المركب الخاص بالإله تحوت .
والإله تحوت معروف عنه انه اخترع الكتابة المصرية القديمة ودائما ما يصور علي هيئة طائر أبو منجل والذي اعتبر شعار المقاطعة رقم 15 في مصر العليا , وكان مركز عبادة هذا الإله في الاشمونين في محافظة المنيا في صعيد مصر. وفي مناظر هذا المعبد أو مقصورته صور إما علي هيئة قرد أو إنسان برأس طائر أبو منجل وفي كلتا الحالتين كان يضع علي رأسه الهلال . اعتبر المصريون القدماء هذا الإله ربا للمواقيت والزمن لانه تفاوض علي إضافة الخمسة أيام النسيء للسنة المصرية وإكراما له سمي المصريون الشهر الأول باسمه وهو شهر “توت”. واعتبر حاميا للكتابة والمتعلمين بل كانوا عند الكتابة يتمتمون باسمه ويقطرون من الريشة حبرا وهو نفس ما نفعله دون قصد . وكانت قرينته إما الإلهة ماعت ربة العدالة والقانون والصدق أو سشات ربة الكتابة . بسبب كل هذه الكرامات لم يكن غريبا علي رمسيس أن يشيد له مقصورة لوحده , ولربما أيضا بسبب ارتباطه بمنطقة النوبة فهو الذي اقنع الإلهة تفنوت أو حتحور بالعودة من النوبة بعد أن رحلت من مصر بسبب غضبها من أبيها رع .

الفجوات في شمال وجنوب الواجهة :

كلمة “فجوة” يقصد بها المنطقة الموجودة بين الجبل والتمثال الكبير لرمسيس الثاني وقد قصد الفنان تركها حتى يحدد إطار صرح المعبد ولكن الفنان أراد أن يستغل الفراغ بوضع لوحة كرسها إلى آلهة مصر .

في الفجوة الشمالية لوحة تصور رمسيس الثاني يقدم خمرا إلى الإله رع-حور-اختي , وفي الفجوة الجنوبية لوحة يظهر فيها الملك وهو يقدم خمرا إلى كل من أمون-رع ورع-حور-اختي وحورس رب محا . وبالإضافة إلى هذه اللوحات كان هناك قبر حديث تم نقله بعد الإنقاذ إلى وراء المعبدين .

و صاحب هذا القبر يدعي” بنيامين انشمان تدزول” وكان برتبة ميجور في حملة النيل علي السودان والتي أرسلها الخديوي توفيق عام 1884 م وهي حملة مشتركة من المصريين والإنجليز, ومات هذا الضابط الإنجليزي أثناء طريق الحملة العسكرية بالقرب من أبو سمبل فتم دفنه في هذه الفجوة الجنوبية وكتب علي قبره : “تبجيلا لذكري الميجور بنيامين انشمان تدزول , فرقة الدراجون الملكية , المولود في 11 مايو 1850 م والمتوفى في 18 يونيو 1885 م , أثناء الخدمة في فرقة الهجانة مع حملة النيل” .

واجهة المعبد الكبير:

ترتفع هذه الواجهة حوالي 30 متر, وبأتساع 35 متر و بها أربعة تماثيل ضخمة للملك رمسيس الثاني جالسا على عرشه مرتديا التاج المذدوج لمصر العليا والسفلى ، تتوسطها بوابة المعبد حيث تمتد درجات قصيرة تقود الزائر إلى الرواق الواسع المكشوف ، وقد خصص هذا المعبد لعبادة الإله رع حور اختى اله الشمس المشرقة .
ومن المعجزات الفلكية والتي تعبر عن ان المعبد مبني بدقة دخول أشعة الشمس لتشرق على هذه التماثيل مرتين كل عام الأولى 22 فبراير بمناسبة جلوسه على العرش والثانية 22 أكتوبر بمناسبة ذكرى مولده حيث تخترق أشعة الشمس المعبد مروراً بقاعة الأعمدة ، والدهليز حتى تصل إلى الحرم الداخلى لتضئ تماثيل رع ، وامون ، و رمسيس الثانى .
واجهة المعبد تنقسم إلى ثلاثة أقسام , القسم الأول العلوي به 22 قرد  والتي ارتبطت بديانة الشمس في الأساطير المصرية القديمة. كل قرد يرفع يديه تعبدا للشمس المشرقة كل صباح. يوجد أسفلها القسم الثاني الذي يضم أسماء وألقاب الملك رمسيس الثاني. ويضم القسم الثالث أربعة تماثيل كبيرة لرمسيس الثاني بالحجم الهائل والغير طبيعي حيث يبلغ ارتفاع كل منهم 20 متر. يجلس رمسيس في كل تمثال علي كرسي العرش الموضوع علي قاعدة مرتفعة. وهو يرتدي نقبة قصيرة (تنورة) يغطي المنطقة الوسطي من الجسد, ويضع يديه علي ركبتيه, ويضع علي رأسه غطاء الرأس ولحية ويعلو الجبين حية الكوبرا .
من خلال النصوص المصاحبة للتماثيل نعرف أن لكل تمثال اسم مخصص , و أسمائهم من اليمين إلى اليسار : حبيب اتوم – حبيب أمون – حاكم الأرضيين – شمس الحكام. وتمثال “حاكم الأرضيين انكسر في الزلزال الذي دمر المعبد بعد سبعة سنوات فقط من افتتاحه ايام رمسيس الثاني. يوجد فوق المدخل شكل منحوت للإله رع-حور-اختي  اله الشمس والذي صور بجسد ادمي ورأس صقر  والذي يعلوه قرص الشمس المنحوت بشكل دائري دقيق, يمسك الإله في يمينه رمز العدالة ماعت وبيساره رمز يطلق عليه علميا اسم “وسر” وهي رمز الحكم , ويمكن ترتيب الرموز بالطريقة التالية : رمز “وسر” + رمز “ماعت” –الإله رع”حور-اختي” مثل هذا الترتيب لقب الملك رمسيس الثاني وهو (وسر-ماعت-رع).
علي جانبي قاعدة تمثالي حبيب أمون و حاكم الأرضيين يوجد تمثيل” اتحاد الأرضيين” , وفيه نجد الإله حابي اله النيل والفيضان يربط جذوع نباتات البردي (الدلتا ) واللوتس (الصعيد) حول علامة هيروغليفية تسمي “سما = اتحاد” وكأنه يقول أن النيل يربط مصر جميعها, ويمكن للزائر أن يلاحظ الخصائص الزكورية والأنثوية التي يظهرها حابي اله النيل كي يشير إلى الخصوبة التي يسببها للتربة المصرية. بين سيقان الملك صور بعض من أعضاء من الأسرة الملكية لرمسيس الثاني , وهم من اليمين لليسار: الزوجة نفرتاري والأميرة مريت-أمون و الام موت-توي والأميرة باكت-موت والأمير رمسيس الابن والأمير أمون-حر-خبشف والأميرة بنت-عنات وأميرة غير معروف اسمها  و أخيرا الأميرة نبت-تاوي. علي الساق اليسرى لتمثال حاكم الأرضيين المكسور يوجد نقش ذو قيمة تاريخية ولكنه ليس من عهد رمسيس الثاني ولا مكتوب باللغة المصرية القديمة. يحكي النص المكتوب باللغة الإغريقية عن  حملة أرسلها الملك بسماتيك الثاني (الأسرة 26 ) عام 593 ق م علي النوبة. تكونت الحملة العسكرية من جنود مصريين و إغريق وكان لكل فئة قائد يقودهم. قاد الجنود المصريين ضابط يدعي احمس والذي يسميه الإغريق بلكنتهم باسم “أمازيس” أما الجنود الإغريق فكان يقودهم شخص يسمي “بوتاسمتو” ويبدو هو الآخر تحريف إغريقي لاسم مصري وهو “با-دي-سما-تاوي” ويعني (هبة الأرضيين).
والنص ترجمته كالتالي:

(عندما أتي الملك بسماتيك إلى الفانتين كتب هذا النص أولئك الذين كانوا مسافرين مع بسماتيك بن ثيوكليس وقد وصلوا إلى كركيس بقدر ما سمح لهم النهر وكان يقود الأجانب القائد بوتاسمتو والقائد المصري أمازيس. كتبنا هذا النص نحن أرخون بن أمويبيكوس و ويلكوس بن أوداموس.)

صالة الأعمدة الأوزيرية:

يقصد بالمصطلح الأثرى ” الأعمدة الأوزيرية ” هو العمود المربع الذي يتقدمه تمثال بالحجم الغير طبيعي للملك رمسيس الثاني وهو علي هيئة الإله أوزوريس الذي تلتصق قدماه وتتقاطع يداه علي صدره ويمسك في يديه المنشة والصولجان ويرتدي نقبة قصيرة . يبلغ طول الصالة 11 متر وعرضها 7.60 متر .
وهذه الصالة هي صالة الأعمدة الكبري وتقع بعد الساحة الأمامية للمعبد وسقفها محمول على ثمانية أعمدة أمام كل منها تمثال ارتفاعه عشرة أمتار للملك “رمسيس”.
أما السقف فهو مُزين بنسور (عقبان) تمثل أوزوريس ، والنقوش التى على الحوائط تمثل الفرعون (“رمسيس”)  فى معارك مختلفة منتصراً كالمعتاد .
صالة الأعمدة الثانية “صالة المراكب المقدسة”:

تضم هذه الصالة أربعة أعمدة مشابهة لما هو موجود في الصالة الأولى حيث يرى الزائر “رمسيس” ونفرتارى” أمام الآلهة والمركب الشمسية التى تحمل الميت إلى العالم الآخر كما فى معتقداتهم ، ولكن من الملاحظ أن هذه الصالة  لازالت محتفظة بألوانها . أما مناظرها فهي تدور حول موضوع مركزي وهو تقديم البخور والقرابين إلى المركب المقدس سواء الخاصة بالإله في الجدار الجنوبي أو الخاصة بالملك علي الجدار الشمالي. وعلي الجدار الجنوبي يقف الملك رمسيس الثاني وهو يمسك مبخرة وأمامه مائدة قرابين حيث يقوم بتبخير القرابين أمام مركب الإله أمون التي تتميز بمقدمتها ومؤخرتها التي تتخذ شكل كبش وهو أحد الأشكال الرئيسية للإله أمون. والمركب يحملها 21 رجل مدني وليس رجل دين حيث يلبس كل منهم نقبة قصيرة, والملكة نفرتاري تقف وراء المركب وهي تحمل الشخشيخة. تتكرر العناصر الرئيسية أمام مركب الملك رمسيس علي الجدار الشمالي حيث نجد الملك بمبخرته والملكة بأداة الصلصلة ولكنها هنا تلبس التاج الحتحوري وليس الباروكة كما هو موجود علي الجدار الجنوبي ويلاحظ أيضا أن كل من الملك والملكة يقفون حفاة وليس بصنادلهم, أما مركب الملك فيحمله رجال دين , ومقدمة ومؤخرة المركب تأخذ شكل الصقر.
وتتركز مناظر الجدار الشرقي بالصالة حول تقديم قرابين , ففي النصف الجنوبي من الجدار يقدم الملك أزهارا إلى ثالوث مدينة طيبة (الأقصر) وهم الأب أمون والام موت والابن خونسو ولكن الملك وضع نفسه مكان خونسو كعادته. ويقدم الملك خسا إلى الثالوث المكون من اله الخصوبة والتناسل مين-أمون”كاموتف” والام إيزيس والابن الملك رمسيس المؤله. واعتبر المصريون الإله مين-أمون إلها للخصوبة والجنس والمسافرين في الصحراء ودائما ما صور كرجل يخرج عضو التذكير ودائما ما يقدم له نباته المقدس “الخس”.

الصالة المستعرضة:

يلي صالة الأعمدة الثانية صالة مستعرضة والتي  يبلغ طولها 11.65  متر  وعرضها2.90  متر , وتعتبر هذه الصالة هي تمهيدا للمحراب .وقطع في الحائط الغربي ثلاثة مداخل الأوسط يؤدي إلى المحراب والشمالي والجنوبي يؤديان إلى غرفتين صغيرتين ملحقتين ليس بهما نقوش. تتعلق أغلب مناظر هذه الصالة بتقديم القرابين. فالملك يقدم خمرا إلى اله التناسل مين-أمون والإله حورس محا ولبنا إلى أمون-رع الذي صور برأس كبش, ويعطي خبزا إلى اتوم وزهورا إلى الإله بتاح في مقصورته بالإضافة إلى تمثال صغير ماعت إلى الإله تحوت.

قدس الأقداس ” المحراب”:

الحجرة الداخلية الأخيرة فهى قدس الأقداس حيث يجلس (تماثيل) آلهة المعبد الكبير الأربعة على عروشهم المنحوتة فى الحائط الخلفى فى انتظار الفجر.
يعتبر هذا المكان هو أقدس بقعة في المعبد والذي لا يدخلها سوي الملك وكبير كهنة المعبد لأداء الطقوس والشعائر اليومية للآلهة . تقام هذه الطقوس ثلاث مرات في اليوم أثناء شروق الشمس ومنتصف النهار وعند غروب الشمس. و يري المصريون القدماء أن أهم هذه الشعائر الثلاثة هي ما يقام عند شروق الشمس وكان كبير الكهنة يفتح باب المحراب الخشبي من أجل أن تقع أشعة الشمس علي وجه الإله فتعطيه حياة وبعثا. و تتوال بعدها الشعائر التي تتضمن تغيير الملابس التي يرتديها الإله منذ الأمس , ثم يضع عليه الملابس الجديدة , ويعطر جسم الإله , ويبخر المحراب ويضع القربان (طعام وشراب ) وبعد أن يتناول الإله روح الأطعمة والشراب يقوم بإغلاق المحراب حتى صباح اليوم التالي ليقوم بنفس الأدوار, أما طقوس الظهيرة والغروب فلم تتضمن سوي تقديم الطعام والشراب لروح الآلهة ولكن دون فتح المحراب. وتتركز مناظر الجدران علي منظر الملك وهو يقدم قربان الطعام الموجود علي مائدة إلى مركب الإله أمون-رع  (الجدار الجنوبي) ومركبه .ويمكن التمييز بين المركبين من خلال مقدمتها ومؤخرتها , ففي مركب الإله نجد المقدمة و المؤخرة علي شكل الكبش أما الخاصة بالملك فعلي شكل صقر. ووضع المركبان  علي زحافة موضوعة علي قاعدة  وهي نفس القاعدة الحجرية الموضوعة في منتصف المحراب. ونحت في الجدار الغربي للمحراب أربعة آلهة والذي اهدي لهم هذا المعبد وهم من اليمين لليسار:

الإله رع-حور-اختي رب الشمس ومدينة عين شمس القديمة والذي يضع علي رأسه قرص الشمس وحية الكوبرا .
الملك رمسيس المؤله ويضع تاج الحرب علي رأسه .
الإله أمون-رع رب الأقصر القديمة واله الدولة الرسمي والرئيسي .
الإله بتاح رب منف العاصمة القديمة لمصر(رأسه مفقودة ) .

يبدو أن المعبد مكرسا إلى الهين أساسيين وهما آمون-رع والملك الذي جعل من نفسه إلها في هذا المعبد , لذا نجدهما علي محور المعبد الرئيسي الذي يمتد من المدخل الرئيسي حتى قدس الأقداس (المحراب), ثم الهين آخرين بجوارهما وهما اله الشمس و بتاح. شيد المعبد الكبير  علي محور شرقي-غربي , ولذا فان أشعة الشمس تدخل بطول محور المعبد وتنير تماثيل المحراب الأربعة مرتين سنويا الأولى في 22 من شهر اكتو بر والثانية في 22 من شهر فبراير. وتدخل الشمس في الساعة 5.50 صباح اكتو بر , 6.20 صباح فبراير وتبقي لمدة 23 دقيقة مركزة إطار مستطيل علي تمثالي المحور الأوسط (آمون-رع و رمسيس المؤله ) ويبلغ طول المستطيل 3.55 متر و عرضه 1.85 متر. وكانت أشعة شمس هذين اليومين تدخل في المعبد في موقعه القديم في يومي 21 من شهري أكتوبر وفبراير وبسبب تغير إحداثيات الطول والعرض للمعبد فان أشعة الشمس تأخرت يوما كاملا. والمعروف أن أول من لفت الأنظار لهذه الظاهرة هي الروائية الإنجليزية اميليا ادواردز  عام 1874 وسجلت ذلك في كتبها الشهير “ألف ميل علي النيل”. فسر البعض دخول الشمس في هذين اليومين بأنهما يمثلان يوم مولد الملك ويوم تتويجه والغريب أن هذا التفسير شاع واصبح كأنه حقيقة لا جدال عليها. ويبدو  أن أصحاب هذا الرأي كانوا علي اتصال بالسجل المدني في مصر القديمة وعرفوا من خلاله تاريخ مولد وتتويج الملك باليوم والشهر والسنة والذي لا يعرفه باحثو المصريات .
ومن أجل فهم هذه الظاهرة يمكن إلقاء نظرة علي الجدول التالي :

الفصل المعني تاريخ بدء الفصل
اخت الفيض 21 يونيو
برت ( يوازي فصل الشتاء ) النبت و الظهور 21 أكتوبر
شمو ( يوازي فصل الصيف ) التحاريق 21 فبراير
نلاحظ في هذا الجدول أن اليومين مرتبطين ببداية فصلي الشتاء والصيف وهذا ليس بغريب علي المصريين القدماء الذين أعطوا أولويات اهتمامهم إلى الفلك والزراعة ولا ننسي أننا لاحظنا أن الشمس تدخل في الموقع القديم يوم 21 من الشهريين السابق ذكرهما .

الغرف الملحقة :

يوجد بهذا المعبد عشرة حجرات ملحقة اثنان منهما في الجدار الشمالي بصالة الأعمدة الأوزيرية وستة في الجانب الغربي بنفس الصالة أما الاثنان الباقيان فهما علي نفس محور قدس الأقداس أي في الجدار الغربي في الصالة المستعرضة. استخدمت هذه الحجرات في تخزين الأدوات الطقسية التي استعملها كهنة المعبد في أداء شعائرهم اليومية مثل ملابس الإله وزينته وطعامه ومشروباته, كما كان يخزن فيها القرابين التي يقدمها المتعبدون للآلهة ويحفظ بها أيضا الوثائق التي يثبت بها أوقاف المعبد من أراضي وعبيد. غطيت جدران هذه الغرف بمناظر تصور الملك وهو يقدم القرابين واقفا أو راكعا إلى آلهة مصر بل صور وهو يقدم القرابين لنفسه. ونحت في جانب أو الجوانب الثلاثة مصطبة حجرية ربما لجلوس الكهنة أو لوضع القرابين عليها ووجد في إحدى الغرف وهو ما يطلق عليها خطا باسم “المكتبة” فجوات في حوائطها ربما لوضع الوثائق والقرابين. والمعروف أن النص الإهدائي الموجود علي اعلي الجدار الشرقي أشار بان اسم هذه الغرفة هو “بر حج” أي “دار المخازن” أو “دار الوثائق”. أطلق علي إحدى الغرف الموجودة في الجانب الشمالي الغربي بصالة الأعمدة الأوزيرية اسم “بر دوات” أي غرفة التعبد أو غرفة الصباح والتي يبدو أن الملك كان يغير ملابسه وتيجانه قبل البدء في عمل شعائره. والغرفة الأولى في جدار معركة قادش لم تكتمل مناظرها حيث يبدو أن الفنانين قد انهوا أعمالهم قبيل نهاية الجدار الأيسر وتركوا منظر الإله المحلي حورس في كوب .

لوحات المعبد الكبير :

يجد الزائر في طريقه من مدخل المنطقة الأثرية إلى الجنوب من المعبد عدد من اللوحات والنصوص , اللوحة الأولى (علي اليمين) يتعبد فيها صاحبها خع-مس إلى الإله المحلي حورس قلعة بوهن واللوحة من عهد رمسيس الثاني. ومعلم اللوحة الثانية لا يظهر منها شيء أما اللوحة الثالثة فهي تخص كاهن يدعي “شو” وكرسها لعبادة رمسيس الثاني. أما اللوحة الأخيرة فهي لكاهن مقصورة تحوت جنوب المعبد الكبير ويدعي “نب-نترو”. والي الجنوب مباشرة من المعبد الكبير يوجد العديد من اللوحات والنصوص و أهمهم لوحتين: لوحة ستاو محافظ النوبة: و ستاو كان محافظا علي النوبة عام 1236 ق م  وهو الذي بني للملك رمسيس الثاني معبدي جرف حسين ووادي السبوع وأيضا رمم ما فعله الزلزال بمعبد أبو سمبل الكبير. وتنقسم اللوحة إلى جزأين (لوحة مزدوجة) الجزء الأول يعلوه الملك رمسيس الثاني وهو يقوم بذبح أسير أمام الإله حورس بوهن بينما في الأسفل ستاو يتعبد راكعا. والسم الثاني الأيسر يعلوه الملك وهو يذبح أسيرا أمام الإله أمون-رع بينما يتكرر شهد الركوع لستاو كما في الجزء الأول. لوحة حقا-نخت: كان حقا-نخت سفير رمسيس الثاني إلى كل الأقطار الأجنبية وصار محافظا للنوبة في العام العشرين من عهد رمسيس الثاني. ويؤدي إلى لوحته أربعة درجات سلم. وتنقسم اللوحة إلى قسمين العلوي يقف فيه الملك وورائه الأميرة مريت-أمون (التي تزوجت آباها فيما بعد) أمام الإله أمون-رع والملك المؤله والإله رع-حور-اختي. وفي القسم الأسفل يركع حقا-نخت أمام الملكة نفرتاري التي كانت مريضة في قاربها ولم تستطع حضور حفل افتتاح المعبدين .

البطالمة والديانة المصرية

أدرك الإسكندر والبطالمة أنه كان من الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين ضد الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية ، ولذلك وضع الإسكندر والبطالمة نصبًا أعينهم الاعتراف بالديانة المصرية دينًا رسميًا .
وكان ذلك ينطوي على إظهار احترامهم وإجلالهم لهذه الديانة ، وكذلك على السماح للمصريين بحرية عبادة آلهتهم القديمة وقد سهل على البطالمة اتباع هذه السياسية عاملان: أحدهما أن “الدولية” التي تمخض عنها العصر الهلينيسي جعلت ميول هذه العصر تتجه نحو الحرية الفكرية وحرية الاعتقاد، والآخر أن الإغريق كانوا يكنون للديان المصرية احترامًا عميقًا، ولما كان الباعث على إتباع هذه السياسة هو رغبة البطالمة في توطيد دعائم ملكهم، فإنهم لم يألوا جهدًا في العمل على إظهار إجلالهم واحترامهم للديانة المصرية. وقد رأينا أدلة ملموسة على ذلك فيما أسلفناه من اهتمام البطالمة باتخاذ صفات الفراعنة، وتصويرهم على جدران المعابد على نمط الفراعنة القدماء، بل تصويرهم على الأحجار الكريمة والنقود في شكل آلهة مصرية، ولتحيق هذه السياسة، اتبعوا وسائل شتى يمكننا تلخيصها في تقديم القرابين وإرجاع تماثيل الآلهة التي كان الفرس قد أخذوها من البلاد، ومنح المعابد هبات مالية وأراضي، وإنشاء المعابد والهياكل وإصلاحها وزخرفتها، ومنح المعابد حق حماية اللاجئين إليها.
الإسكندر الأكبر:

ويمكننا الوقوف على مدى ما قام به هؤلاء الملوك الغرباء في هذا الصدد من استعراض ما وصل إلينا من أخبار كل منهم، أما الإسكندر الأكبر فإنه عندما نزل في منف، كان همه الأول أن يقدم القرابين للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس، وبعد ذلك وضع أساس معبدًا إيزيس في الإسكندرية، وشيد في معبد الأقصر أمام قدس الأقداس، مكان قاعة ذات أربعة أعمدة، هيكلا صغيرًا كان مصريًا في عمارته وزخرفته، ويزين هذا الهيكل صور تمثل الإسكندر في حضرة الآلهة آمون وموت وخنسو، الذين أهدى إليهم هذا الهيكل، وأصلح الإسكندر مدخل البوابة التي كانت تكون الواجهة الغربية في معبد الكرنك العظيم أيام تحتمس الأول وأنشأ معبدًا في الواحة البحرية.

بطليموس الأول:

وما كاد بطليموس الأول يطأ أرض مصر، عندما نصب واليًا عليها في عام 323 ق.م، حتى بادر بإظهار احترامه للديانة المصرية بأن تبرع بمبلغ قدره خمسون تالنتا (أي حوالي 10.000 جنيه) للاحتفال بجنازة أحد العجول المقدسة، ولم يكتف بطليموس بذلك، فإن نصب الوالي التذكاري، الذي عثر عليه في القاهرة في عام 1871، يعطينا صورة صادقة لمجهودات بطليموس الأول في هذه الناحية، وهذا النصب عبارة عن لوحة من الجرانيت الأسود، يزين أعلاها منظر ينقسم قسمين يمثل أحدهما ملكًا يقدم القرابين إلى حورس إليه مدينة بي (Pe) ويمثل الآخر الملك وهو يقدم القرابين إلى بوتو (Buto) إلهة مدينتي بي وتب (Tep). ويرجع تاريخ النص إلى “العام السابع من حكم الملك الإسكندر المعمر أبدًا في الوقت الذي يبدأ فيه فيضان النيل، أي في شهر يونيه عام 311، ويحدثنا هذا النص بأن أرض باتانوت (الجزء الشمالي من محافظتي الغربية وكفر الشيخ) كانت دائمًا أبدًا ملكًا لإلهي بي وتب، وأن إجزر كسيس سلب الإلهين هذه الأرض، غير أن خباش أعاد للألهين ممتلكاتهما وأضاف إليها، وحذا بطليموس حذو خباش فقد أعاد منح كافة هذه الممتلكات لإلهي بي وتب، وقد كان خباش زعيم الحركة الوطنية، التي قام بها المصريون ضد الفرس ي عام 486، ويبدو أن بطليموس الأول قد أراد بما أورده في هذا النص أن يذكر المصريين بمساوئ حكم الفرس، والفرق بين معاملتهم الآلهة المصرية ومعاملته هو هذه الآلهة، كما أنه بمحاكاته ما فعله من قبل الزعيم الوطني خباش، أراد أن يظهر في ثوب زعيم الحركة الوطنية، هذا إلى أنه رمى إلى تذكير المصريين، بطريق غير مباشر، بالخدمات التي سبق أن أسداها الإغريق للمصريين كلما ثاروا ضد الفرس، ويردد هذا النص العبارة التقليدية القائلة بأنه أعاد المعابد ما وجده في آسيا من أثاث المعابد وكتبها المقدسة وتماثيل الآلهة.

وتشير أدلة أخرى إلى أن بطليموس عني منذ قدومه إلى مصر بافتقاء أثر الفراعنة في اهتمامهم بالمنشآت الدينية، فإنه أعاد إنشاء قدس الأقداس في معبد الكرنك بسام فيليب ارهيدايوس، وزخرف باسم الإسكندر الرابع قاعة ي معبد الكرنك، يظن أنها قاعة احتفالات تحتمس الثالث، وقد وجد في هذه القاعة تمثال طريف للإسكندر الرابع، إذ أنه مثل من الأمثلة النادرة لفن النحت التي يمتزج فيها الطراز المصري بالطراز الإغريقي. وشيد بطليموس في عهد الإسكندر الرابع هيكلاً في بني حسن، وقد صور الملك في أعلى واجهة الهيكل راكعًا يقدم تمثال “الصدق” إلى الإلهة باشت (Pasht)، ووقفت الآلهة حتحور خلف الملك، الذي صور أيضًا على أحد جانبي الباب في حضرة آمون وحورس، وعلى الجانب الآخر في حضرة تحوت وخم Chem. وأقام بطليموس الأول بوابة أمام معبد الفنتين، صور عليها الإسكندر الرابع وهو يتعبد إله خنوم. وإذا كانت هذه المنشآت ثانوية، فإنها كانت على الأقل مثلاً حذا حذوة خلفاء بطليموس الأول.

بطليموس الثاني:

وتدل الوثائق التي وصلت إلينا من عصر بطليموس الثاني فيلادلفوس على أنه لم يتوان في إظهار إجلاله واحترامه للآلهة المصرية: فإن لوحة بيثوم التي أقيمت في العام الحادي والعشرين من حكمه (265 / 264 ق.م) تنبئنا بأن هذا الملك زار بيثوم ثلاث مرات. أما الزيارة الأولى فكانت في العام السادس من حكمه (عام 280 / 279) عندما بدأ العمل في القناة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، وزار بلاد الفرس وأحضر من هناك تماثيل الآلهة، وأهدى معبدين إلى توم (Toum) وأوزيريس، إلهي بيكرحت (Pikerehet). أما الزيارة الثانية فكانت في العام الثاني عشر (عام 274 / 273)، عندما اصطحب معه أخته وزوجه الملكة ارسينوي الثانية وأجزل الهبات لآلهة بيثوم. أما الزيارة الثالثة فكانت في العام الحادي والعشرين (عام 265 / 264) عندما منح الملك المعابد المصرية هبة مالية قدرها 750000 دين (Deben)، وهو ما يوازي 3125 تالتنت من الفضة، أي ما يزيد على نصف مليون جنيه. وتؤكد هذه الوثيقة مما ورد في هذه الوثيقة وفي قراري كانوب ورشيد أن البطالمة كانوا يهبون العابد منحًا معينة، إلى جانب ما كانوا يمنحونها في مناسبات خاصة، وتحدثنا لوحة مندس عن تقدير فيلادلفوس لإله هذه المدينة والهبات التي أجزلها له.

وقد شيد فيلادلفوس عددًا كبيرًا من المعابد المصرية اختص إيزيس باثنين منها، فإنه بدأ بناء معبدها الكبير في جزيرة فيلة، وأقام لهذه الإلهة معبدًا آخر في الدلتا في بهبيت الحجارة ـ بالقرب من سمنود ـ مكان معبد نكتانبو الأول، وقد امتاز هذا المعبد ببهائه ورونقة، إذا بني جميعه من جرانيت أسوان الأحمر، وأنشأ فيلادلفوس معبدًا صغيرًا لا محوتب في جزيرة فيلة. وشيد كذلك معبدين آخرين على الأقل، أحدهما في مندس والآخر في نقراطيس، وأقام بوابة أمام معبد موت في الكرنك.

بطليموس الثالث:

وتحدثنا وثيقة كانوب عن سياسة بطليموس الثالث يورجتيس نحو الديانة المصرية، فإن هذه الوثيقة تروى لنا كيف أن الملك بطليموس (بن بطليموس وأرسينوي الإلهين الأخوين) وبرينيكي أخته وزوجته، الإلهين الخيرين، يجزلان دائمًا للمعابد الوطنية نعمًا كثيرة عظيمة، ويزيدان مظاهر الإجلال للآلهة، ولا يدخران وسعًا في العناية بأبيس ومنفيس وغيرهما من الحيوانات المقدسة المشهورة مهما كفلها ذلك من النفقات، وتعيين الكهنة المناسبين، وأن الملك بعد قيامه بحملة في الخارج أعاد إلى مصر التماثيل المقدسة التي كان الفرس قد أخذوها منها…”. ثم تمضي الوثيقة في سرد لأعمال الطيبة التي قام بها الملك نحو رعاياه، فإنه نشر السلام في البلاد، ودافع عنها ضد أعدائها، وأقام فيها حكومة رشيدة، وعندما قل الفيضان عن مستواه العادي ولم يسد حاجات البلاد، نزل الملك والملكة عن جانب غير قليل من دخلهما لإنقاذ حياة الكهنة والأهالي، فإنهما أحضرا القمح من سوريا وفينقيا وقبرص وغيرها من البلاد بسعر مرتفع، وإزاء كل هذه الخدمات “قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك والملكة وأبويهما وجديهما، وأن يحمل الكهنة في كل المعابد لقب كهنة الإلهين الخيرين وذلك إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن تضاف في كل معبد قبيلة خامسة من الكهنة تحمل اسم الإلهين الخيرين وتكون على قدم المساواة مع القبائل الأربع القديمة، وأن يقيم الكهنة في أوائل كل عام في كافة المعابد حفلاً قوميًا مقدسًا، إجلالا للملك والملكة، وأن تقام لبرينيسكي ابنة الإلهين الخيرين التي توفيت فجأة مراسم الإجلال في كل المعابد، وأن يقام لها أيضًا في جميع المعابد من الدرجتين الأولى والثانية تمثال من الذهب المطعم بالأحجار الكريمة، وأن تقام في أبرز مكان في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثاني والثالثة صورة من هذا القرار، على لوحة من الحجر أو البرنز، مكتوبة باللغات الهيروغليفية والديموتيقية، ليثبت القساوسة في طول البلاد وعرضها أنهم يكرمون الإلهين الخيرين وسلالتهما كما هو حق.

إن هذه الوثيقة عبارة عن قرار أصدره مجمع الكهنة، الذي انعقد في مدينة كانوب في السادس من شهر مارس عام 237 عقب عودة بطليموس الثالث مكرهًا من حروبه في آسيا بسبب الثورة التي نشبت في مصر نتيجة لحدوث مجاعة فيها، وقد وصلت إلينا ثلاث نسخ من الحجر لهذه الوثيقة، عثر على أولاها في عام 1865 بين أطلال مدينة تانيس القديمة، ووجدت الثانية في عام 1881، وهاتان الوثيقتان موجودتان الآن في متحف القاهرة. أما النسخة الثالثة فإنها محفوظة في متحف اللوفر وبها عطب كثير.

أما عن المنشآت الدينية التي أقامها هذا الملك، فإنه أكمل معبد إيزيس في فيلة، الذي لم يتم بناؤه في عهد أبيه بطليموس الثاني، إذ أن المدخل الكبير من الناحية الشمالية يحمل نقشًا باللغة الإغريقية مؤداه أن الملك بطليموس والملكة برينيكي وأبناءهما يهدون الهيكل إلى إيزيس وحاربو كراتس، وقد وجدت في جزيرة بيجه (Biggch) المجاورة لجزيرة فيلة بقايا معبد وجد عليها اسم بطليموس الثالث وأسماء بعض الفراعنة القدماء. وقد بدأ في إقامة معبد لإيزيس في أسوان، وشيد معبدًا صغيرًا في إسنا، والباب الخارجي لمعبد فتاح والمدخل الأكبر لعبد خنسو والمعبد الشمالي لمعبد مونتو بالكرنك، ولا بد من أنه شيد معبدًا جديدًا لأوزيريس في كانوب، فقد عثر هناك على لوحة ذهبية كانت قد وضعت، كما هي العادة في أغلب الأحوال، بين أحجار الأساس، وتحمل هذه اللوحة نقشًا بالإغريقية هذا نصه: “الملك بطليموس بن بطليموس وأرسينوي، الإلهين الأخوين، والملكة برينيكي، أخت الملك وزوجته، يهديان هذا الهيكل إلى أوزيريس”. لكن لعل أهم آثار هذا العاهل في بناء المعابد هو معبد حورس في إدفو الذي وضع أساسه في 23 من أغسطس عام 237، إلا أن بناءه وزخرفته لم يتما إلا في ديسمبر عام 57 ق.م في عهد بطليموس الثاني عشر. ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أنتجه في العمارة المصرية في عهد البطالمة.

ومما يجدر بالملاحظة أنه صاحب ازدياد المنشآت الدينية المصرية التي أقامها هذا الملك عقب قرار كانوب الإقلال من القرابيين التي كانت تقدم للمعابد في أنحاء العالم الأغريقي، لأن باوسانياس، الذي شاهد كثيرًا من التمثيل والقرابين التي قدمها بطليموس الأول والثاني في كل أنحاء بلاد الإغريق، لم يذكر لنا أنه شاهد قربانًا أو تمثالاً قدمه بطليموس الثالث، على الرغم من أن سلطانه كان يمتد على بحر إيجه أكثر من سلفيه، ومعنى ذلك أن ازدياد عناية هذا الملك بالديانة المصرية قلل من اهتمامه بالديانة الإغريقية.

بطليموس الرابع:

ولما كان البطالمة الثلاثة الأوائل يعتمدون اعتمادًا كليًا على الإغريق في تكوين قواتهم الحربية، فإن جل اهتمامهم كان موجهًا إلى كسب عطف الإغريق، هذا وإن كانوا لم يغفلوا المصريين بتاتًا من حسابهم، لكنه عندما انقطع وفود الإغريق إلى مصر منذ أواخر القرن الثالث بسبب نقص عددهم، نتيجة لاشتراكهم في حروب خلفاء الإسكندر بمثابة جنود مرتزقة، وفي الحروب الداخلية التي قطعت أو صال بلاد الإغريق، ونتيجة لتحديد النسل بينهم، اضطر البطالمة منذ عهد بطليموس الرابع إلى الاعتماد على المصريين أيضًا في بناء قواتهم الحربية؛ فلم يكن هناك مفر عندئذ من أن يعدلوا سياستهم إزاء المصريين، ولذلك كان بطليموس الرابع أول من توج منهم فرعونًا على نمط الفراعنة القدماء وأول ملك من البطالمة تعرف حتى الآن. أن اسمه قرن بالألقاب الفرعونية كاملة في كافة الوثائق الرسمية سواء أكانت مسجلة بالهيروغليفية أم الديموتيقية أم الإغريقية. ولا عجب إذن أن لوحة بيثوم، التي حفظت لنا القرار الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في نوفمبر عام 217، تحدثنا بأن اهتمام بطليموس الرابع بإظهار إجلاله للآلهة والديانة المصرية على الدوام حدا به إلى أن يفيض عليها بالهبات من واسع كرمه، فكافأته الآلهة على ذلك بأن عقدت له ألوية النصر وكلأته بعنايتها وحفظته من كل مكروه. وتحدثنا هذه الوثيقة بأنه ما كاد يصل على علم الملك أنه قد لحق تماثيل الآلهة المصرية في فلسطين كثير من الأذى، حتى أصدر أمرًا كريمًا بألا يتعرض لها أحد ثانية بمكروه، وذلك رغبة منه في أن يدرك جميع الأجانب عظيم اهتمام الملك بآلهة مصر وشدة حرصه عليها، وكذلك أمر بأن تنقل إلى مصر كل موميات الحيوانات المقدسة، وبأن يقام لها حفل عظيم وتدفن في مقابرها، وبأن ينقل إلى معابدها في مصر في حفل كريم ما وجد مشوهًا من التماثيل.

وقد كان الملك معنيًا بأمر التماثيل المقدسة التي نقلت من مصر إلى آشور وفينقيا عندما انتهك الفرس حرمه المعابد المصرية، ولذلك أمر بالبحث عن هذه التماثيل وإعادتها إلى مصر، وأقام حفلاً كبيرًا إجلالاً لما وجد من هذه التماثيل، وقضي بأن تعاد إلى حيث كانت من قبل. وبعد عودة الملك إلى مصر، زار المعابد وقدم القرابين إلى الآلهة ومنح المعابد هبات كثيرة إلى جانب ما كان قد منحها من قبل، وأقام تماثيل كثيرة في المعابد بدل ما فقد منها، وأصلح التماثيل التي كانت في حاجة إلى إصلاح، وأنفق في سبيل ذلك مبالغ طائلة، وأمر بأن تصاغ آنية المعابد من الذهب والفضة، وأجزل الهبات لرجال الدين، وإزاء كل هذه الحسنات التي تفضل بها الملك، قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي كانت تقدم للمك ولأخته وأسلافهما من أسرة البطالمة، وأن يقام تماثلان من طراز مصري للملك ولأخته في أبرز مكان في كل معبد من معابد مصر، وأن يوضع تمثال الإله المحلي في كل معبد أمام تمثال الملك، أن يقيم كهنة المعابد الصلوات للتماثيل لثلاث مرات يوميًا، وأن يقام في كافة معابد مصر كل عام حفل يبدأ يوم ذكرى انتصاره على عدوه ويدوم خمسة أيام.

وكان طبيعيًا أن يوجه بطليموس الرابع اهتمامه إلى المنشآت الدينية، فقد أسهم في بناء معبد حورس في إدفو، ذلك المعبد الذي بدأه أبوه.
وتحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “قد تم بناء قاعة قدس الأقداس للإله حورس الذهبي في السابع من شهر أبيب في السنة العاشرة من حكم الملك بطليموس فيلوباتور، وزينب جدرانها بنقوش بديعة وبالاسم الأكبر لصاحب الجلالة وبصور آلهة إدفو وإلهاتها، وفي العام السادس عشر من حكم جلالة الملك تم بناء مدخلها الأكبر (أو مدخل المعبد الأكبر) والباب المزدوج لردهته الكبيرة، وعندئذ اندلع لهيب الثورة واختفت جماعات من الثوار داخل المعبد..”. وقد وجد خرطوش هذا لملك على أبنية مختلفة في الأقصر، مما يثبت أنه إذا لم يكن قد شيد هناك مباني جديدة فلا أقل من أنه زين أبنية قائمة أو أصلحها. وقد بدأ فيلو باتور غربي النهر بناء ذلك المعبد الأنيق الصغير الذي يعرف باسم دير المدينة، وحاول إتمام المعبد الصغير الذي بدأه أبوه في الفنتين، وقد وجداسم فيلو باتور على أماكن مختلفة من مجموعة المعابد في فيلة. ومما يستحق الذكر أنه وجد معبد للإله أر ـ هس ـ نفر (Ar-hes nefer) شرقي المعبد الكبير في فيلة، وأنه قد ثبت أن فيلوباتورا شيد المقصورة الداخلية ي هذا المعبد، وأن الملك النوبي إرجامنس (Ergamenes) أضاف إلى هذه المقصورة قاعة أمامها، لكنه لم يتمها. وقد وجد في دكة (جنوبي فيلة بسبعين ميلا) معبد مشايه لهذا المعبد اشترك في بنائه أيضًا إرجامنس وفيلوباتور، لكن الملك النوبي هو الذي بني هنا المقصورة الداخلية وفيلوباتور القاعة التي أمامها. وشيد فيلو باتور معبدًا لآلهة الشلال على جزيرة سهيل جنوبي أسوان، وأضاف إلى مباني معبد إيزيس في أسوان الذي بدأه أبوه، لكن بناء هذا المعبد لم يتم حتى اليوم.

بطليموس الخامس:

وتستطيع الوقوف على مدى اهتمام بطليموس الخامس إبيفانس بالديانة المصرية من قرار حجر رشيد الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في 37 من مارس عام 196. ويحدثنا هذا القرار بأن بطليموس الخامس قام بخدمات كبيرة للمعابد والآلهة ورعاياه، فإنه خصص للمعابد دخلا من المال والقمح، وتكبد نفقات طائلة ليعيد الرفاهية إلى البلاد ويقيم المعابد، وأمر بأن تحفتظ المعابد بكافة الموارد التي كانت لديها في عهد أبيه، وأحيا ما أهمل من طقوس الآلهة، وقدم من الهدايا إلى أبيس ومنفيس وسائر الحيوانات الأخرى المقدسة في مصر أكثر مما قدم إليها الملوك الآخرون، ووجه عناية كبرى إلى دفنها وما يقدم إلى هياكلها، وأحتفظ بمكانة المعابد المصرية، وصرف مبالغ طائلة في زخرفة معبد أبيس، وأسس معابد وهياكل ومذابح، وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح من المؤسسات الدينية، فقد كان إلهًا كريمًا تفيض نفيه بالبربكل ماله صلة بالديانة، ولذلك قرر القساوسة جميعًا أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك وأسلافه، وأن يقام له في أبرز مكان في كل معبد تمثال من طراز مصري يوضع إلى جانبه تمثال الإله الرئيسي في المعبد، وأن يقيم القساوسة الصلاة للتمثالين ثلاث مرات يوميًا، وأن يقام لهذا الملك في كل معبد تمثال وهيكل من الذهب يوضعان في قدس الأقداس مع الهياكل الأخرى، وأن يقام حفل كبير في المعابد في السابع عشر وفي الثلاثين من كل شهر، لأن الملك توج في السابع عشر من شهر بابه (Phaophi) وولد في الثلاثين من شهر مسري (Nesore)، وأن يقام في كل المعابد سنويًا عيد إجلالاً لملك يدوم خمسة أيام، تبدأ في اليوم الأول من شهر توت، وأن يحمل القساوسة لقب قساوسة الإله إبيفانس إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن يذكر اسم كاهن هذا الإله في الوثائق الرسمية، وأن يكتب هذا القرار على لوحة من الصخر بالهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، وتقام في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثانية والثالثة.

أما عن منشآت بطليموس الخامس الدينية، فقد حدثنا عنها هذا القرار بصفة عامة، ونجد ما يؤيد ذلك في نصوص المعابد في إدفو وفيلة، فقد ساهم إبيفانس في إتمام معبد إدفو العظيم، وأتم معبد (أر ـ هس ـ نفر) الذي بدأه أبوه والملك النوبي إرجامنس في جزيرة فيلة، ويبدو أنه شيد مدخل معبد إمحوتب في هذه الجزيرة، فقد صور على الجانب الأيسر لهذا المدخل أمام إمحوتب، وعلى الجانب الأيمن أمام ثالوث الشلال، خنوم وساتت (Satet) وأنوكت (Anuquet)، وكذلك أمام أوزيريس وإيزيس وإمحوتب. ولعل الأخطار التي تهددت الإمبراطورية المصرية والثورات التي اندلع لهيبها في البلاد شغلت هذا الملك عن القيام بمنشآت عظيمة.

بطليموس السادس:

أما بطليموس السادس فيلومتور، فإنه لم تصل إلينا نقوش من عهده لتحدثنا عن هباته للمعابد والآلهة، لكن ليس معنى ذلك أنه لم يعن بإظهار إجلاله للديانة المصرية، لأننا نرى دليلاً كافيًا على ذلك في منشآته الدينية، فقد ساهم بدوره في تشييد معبد إدفو، إذ تحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “في أول شهر طوبة في العام الخامس من حكم بطليموس فيلومتور، وضعت البوابة الخشبية الكبيرة في قاعة المنتصر الأعظم وكذلك الأبواب المزدوجة في بهو الأعمدة الثاني، واستؤنف العمل ثانية داخل قاعة الأسلحة في العام الثلاثين من حكم هذا الملك”. وشيد فيلومتور معبد سوبك وحورس في كوم أمبو. وبدأ بناء معبد خنوم في إسنا، وبنى هيكلاً في معبد موت، وأضاف مدخلاً إلى معبد فتاح بالكرنك، وأقام هو وأخوه بطليموس الثامن بابا فيم عبد آموت ـ رع هناك، وأضاف بهوًا إلى معبد أنطيوبوليس (قاو الكبير)، وساهم في إكمال معبد إيزيس الكبير فيلة، وبدأ في إقامة معبد لحتحور في هذه الجزيرة، وأضاف بوابة إلى الهيكل الذي أقامه الملك النوبي أزاخر آمون (Azechramon) في دبود ( Debod) وهي تقع جنوبي فيلة بنحو عشرة أميال.

بطليموس الثامن:

ونتبين مدى اهتمام بطليموس الثامن يورجتيس الثاني بشئون الديانة المصرية من القرار الذي أصدره في عام 118، ليضع الأمور في نصابها في مصر، بعدما عانته من الاضطرابات العنيفة بسبب المشاحنات الداخلية بين أفراد أسرة البطالمة، وخاصة بين بطليموس الثامن وكليوبترة الثانية، فقد كان من بين ما تضمنه هذا القرار قيام الخزانة الملكية بدفع نفقات دفن العجول المقدسة، وتأييد حق المعابد ـ التي تتمتع بهذا الحق ـ في حماية اللاجئين إليها. وتحدثنا نقوش معبد إدفو عن الأراضي التي وهبها البطالمة لهذا المعبد، حتى أنه في نهاية عهد بطليموس الثامن كان هذا المعبد يملك أراضي في أربع مديريات، تبلغ مساحتها أربعة عشر ميلاً مربعًا وربع الميل.

أما المنشآت الدينية التي قام بها هذا الملك فمتعددة، ونجد بين نقوش معبد إدفو “استمر العمل حتى اليوم الثامن عشر من شهر في العام الثامن والشعرين من حكم بطليموس يورجتيس الثاني وزوجه الملكة كليوبترة، لإتمام نحت النقوش على الحجر، وزخرفة الجدران بالذهب والألوان، وصنع الأبواب من الخشب وعمل قمتها من البرونز الجيد، وعمل إطارات الأبواب ومزاليجها، وتثبيت ألواح ذهبية على الأبواب، وإتمام الجزء الداخلي من المعبد”. وقد أقام هذه الملك هيكلاً للآلهة أبيت (Apit) في الكرنك، وقام بإضافات إلى معبدي دير المدينة ومدينة هابو، وشيد بالقرب من المعبد الأخير هيكلاً صغيرًا للإله توت، وبدأ بناء معبد في الكاب وأضاف بيت الولادة إلى معبد كوم أمبو، وأقام مسلتين صغيرتين من الجرانيت أمام معبد إيزيس الكبير في فيلة، وأضاف إلى الفناء الخارجي في هذا المعبد دهليز من الأعمدة، وأتم معبد حتحور في فيلة، الذي بدأه أخوه بطليموس السادس، وأضاف إلى معبدي دبود، ودكة.

بطليموس التاسع والعاشر:

وتحدثنا نقوش معبد إدفو بأن الأخوين، بطليموس التاسع سوتر الثاني وبطليموس العاشر الإسكندر الأول، أعطيا معبد إدفو هبات من الأراضي مساحتها خمسة أميال مربعة وربع الميل، وقد منح بطليموس العاشر في عام 95 ق.م. معبد أثرببيس (Artribis) حق حماية اللاجئين، وأضاف بطليموس التاسع إلى مباني معبد مداموت، وأعاد بناء بوابة طهراقة في معبد مدينة هابو، وأتم معبد الكاب، وشيد أقبية معبد دندرة، وأتم بيت الولادة الذي بدأه بطليموس الثامن أمام معبد حورس في إدفو، وأضاف إلى هذا المعبد الفناء الخارجي، بما فيه من أعمدة عددها اثنان وثلاثون عمودًا، وأضاف إلى معبد إيزيس الكبير في فيلة، ونجد آثار منشآت هذا الملك في تالميس (كلبشة) بالنوبة وفي الواحة الخارجة. أما بطليموس العاشر فإنه أعاد بناء معبد دندرة، وأتم المنشآت التي كان أخوه قد بدأها، ومثل ذلك الجدار الخارجي الذي يحيط بمعبد إدفو.

بطليموس أوليتس وكليوبترة السابعة:

ولم يقم بطليموس الثاني عشر (الزمار) إلا بمنشآت ثانوية، فإنه أقام مذبحًا لإيزيس وخم (Khem) وهه (Heh) في فقط، وأتم بناء وزخرفة معبد إدفو، فإنه وضع أبوابًا برونزية للبوابة الكبرى في هذا المعبد، وزين هذه البوابة بمناظر تمثله وهو يضرب أعداءه ف يحضرة حورس إله إدفو وزجه حتحور إلهة دندرة. وقد ساهم أيضًا في إتمام بناء الجزء الرئيسي من معبد كوم أمبو، وشيد البوابة الخارجية لهذا المعبد، ونجد صورة وخرطوشة في عدد من المعابد ف يجزيرتي فيلة وبيجه، وفي الكرنك ودندرة، مما يدل على أنه خصص جانبًا من عنايته وأمواله للديانة المصرية، وليس أدل على اهتمام الملكة كليوبترة السابعة بالديانة المصرية من ذهابها في خلال العام الأول من حكمها إلى الوجه القبلي، حيث اشتركت بنفسها، على رأس جمع حاشد من رجالها وكهنة طيبة وهرمونثيس، في موكب بوخيس (Buchis)، عجل هرمونثيس المقدس، وكان يعتبر الصورة المجسدة لإله الشمس رع، الذي كانت هي ابنته، ويضاف إلى ذلك أنها أقامت معبدًا في هرمونثيس، صورت في جدرانه القصة التي زعمت فيها أنها انجبت قيصرون ن الإله آمون رع، وفضلاً عن ذلك فإنها أمرت بتصوير نفسها هي وقيصرون على جدران معبد دندرة.

حضارة إغريق مصر

وماذا كانت حال الحضارة الإغريقية في أثناء عز البطالمة وفي أثناء هوانهم؟ لاشك في أن أهم دعامة للحضارة الإغريقية كانت المدارس والمعاهد الإغريقي ، لأنها هي التي كانت تفتح لهم آفاق الفكر الإغريقي ، حتى أنه كان يوجد قول مأثور شائع بين إغريق مصر، فحواه أن التعليم هو المصدر الرئيسي للتفكير .

حسبنا دليلاً على الدور الذي لعبه التعليم في حياة الحضارة الإغريقية في مصر تلك النتائج الباهرة التي تمخض عنها. ولاشك في أن الآداب كانت أسمى مظاهر هذه الحضارة، التي أصبحت الإسكندرية أهم مراكزها منذ تم إنشاؤها، وبفضلها نسبت الحضارة الإغريقية منتعشة في مصر حتى في العصر الروماني. فإن الإسكندرية احتفظوا بشهرتهم في هذا العصر المتأخر، إذ شهدت الإسكندرية عندئذ أيضًا نشأة فلاسفة وكتاب وجعرافيين مثل فيلون وأخيلس تاتيوس (Achilles Tatios) وبطلميوس. وقد كان للأقاليم أيضًا نصيبها في هذه الحكة الأدبية في العصر الروماني، فقد ولد العالم أثينابوس في نقراطيس والفيلسوف بلوتينوس (فلوطين) في ليكوبوليس (أسيوط).

وإذا كانت الحضارة الإغريقية قد بقيت مزدهرة في مصر حتى في العصر الرومان، فإنها بلغت أوج مجدها في عصر البطالمة ولاسيما على عهد أوائلهم. وقد يقال أن الشخصيات الكبيرة التي ذاع صيتها قديمًا وحديثًا لا تمثل إلا أرستقراطية الآداب، وهي أرستقراطية باهرة لابد أنها كانت محدودة، ومن ثم فإن ذلك لا يدل على تغلغل الحضارة الإغريقية في البلاد. لكن النقوش والأوراق البردية ترينا أنه إلى جانب هذه الأرستقراطية، كانت توجد أيضاً طبقة وسطى من الإغريق المتأدبين، كانت حقًا أقل ضياء وشهرة إلا أنها كانت أكثر عددًا ونشاطًا. فقد وجد في بطوليميس نقش من نهاية عهد فيلادلفوس أو بداية عهد بطلميوس الثالث، وهو يحوي قرارًا اتخذته جمعية فناني ديونيسوس والإلهين الأخوين لتكريم أحد أعضائها جزاء ما قدمه للجمعية من الخدمات. وأهم ما يعنينا من أمر هذا النقش في هذا المقام هو قائمة أسماء أعضاء هذه الجمعية التي تلي القرار، فإنها تضم اثنين من شعراء التراجيديا، وهما فاينيبوس (Phaenippos) وديوجنتوس (Diognetos)، وأثنين من شعراء الكوميديا، وهم ستراتاجوس (Stratagos) وموسايوس (Mousaios) وثيوجنيس (Theogenes) وأرتمدوروس، وذلك عدا الموسيقيين والراقصين والممثلين.

وإذا كانت هدف التنقيب قد جارت علينا بالتعرف على كل هذا العدد من الشعراء في مدينة واحدة في قلب الصعيد، فما أكثر الذين لا نعرفهم من الشعراء الإغريق الذين كانوا يعيشون في كل أنحاء مصر، ولاسيما أن المنقبين عن الآثار يكشفون على الدوام منذ أمد طويل عن بقايا قطع عديدة من مختلف ألوان الشعر، تتميز بكثرتها وإن لم تتميز في أغلب الأحيان بقيمتها الفنية. ويبدو أن البلاد كانت زاخرة أيضاً بفئات أخرى من رجال الأدب كالمؤرخين والفلاسفة المختلفين، الذين لم يكونوا كذلك شموسًا كبيرة وإنما نجوم لامعة صغيرة سطع نورها الخافت وقتًا في سماوات مخلية، لكنه مهما كانت مواهب كل هذه الطبقة الوسطى من رجال الأدب متواضعة، فإنها على كل حال تمثل نخبة المتحضرين الإغريق في الريف. وإلى جانب هذه الطبقة كان يوجد الكثيرون ممن لا يصطنعون الأدب الإغريقي، وإن كانوا يقرأونه ويستمتعون به. وكان يوجد كذلك أولئك الذين يكتبون الإغريقية ويتكلمونها، لقضاء أشغالهم أو أشغال غيرهم من الناس ممن قد يعرفون الإغريقية لكن معرفتهم بها كانت سطحية، أو يعرفون كيف يتكلمونها ولا يعرفون كيف يكتبونها. فقد كانت البلاد تهج بالموظفين والتجار ورجال الأعمال والصناع والزراع الإغريق وأشباههم، الذين كان بينهم الكثير من أنصاف المتعلمين والأميين. ويلاحظ أنه إذا كان الإغريق الذين استقروا في مصر قد احتفظوا بشغفهم بأساليب الحياة السياسية وبإحراز قسط من الثقافة الإغريقية، فإننا مع استثناء الفئة المتعلمة تعليمًا ممتازًا من سكان العاصمة نجد أنه كان للاهتمام بشئون الحياة المادية سلطان على عقولهم لا بدانيه ما كان لميولهم العقلية أو الفنية. فقد كان أهم ما يعني به الإغريقي في وطنه الجديد هو أن يضمن لنفسه وأسرته أكبر قدر من الرفاهية المادية، ومن ثم دأب على العمل بجد ونشاط لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت معلوماتنا طفيفة عن التعليم في مصر البطلمية، فإننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أن التعليم كان على ثلاث مراحل، وأنه لم يكن إجباريًا ولا مجانًا. ويبدو أن الفقراء لم يكونوا عادة في حالة تسمح لهم بتعليم أبنائهم، أو أنهم لم يعنوا بذلك، فكان أبناؤهم يبقون أميين. أما الأسر المتوسطة الحال أو المتيسرة، فإنها كانت ترسل أبناءها لتلقي مبادئ العلم، مدة تطول أو تقصر حسب مواردها، في المدارس الخاصة التي أنشأها المعلمون في كل مكان. أما الأغنياء فإنهم كانوا يعلمون أبناءهم هذه المبادئ على أيدي من يختارونه لهم من المعلمين.

وبعد تلقي مبادئ العلم الأولية، كان التلاميذ، الذين تسمح حالتهم بمتاعبة تحصيل العلم، يذهبون إلى الجيمنازيا حيثما وجدت، أما في مواطنهم أو في القرى الكبيرة والمدن. ويبدو من القليل الذي نعرفه أنهم كانوا يتلقون في هذه المعاهد من الثقافة العلمية والتربية البدنية الإغريقية قدرًأ يماثل ما كان يدرس لنظرائهم في معاهد العصر الهلينيسي، في المدن الإغريقية القديمة في بلاد الإغريق نفسها وفي آسيا الصغرى بوجه خاص. وعلى كل حال يبدو أن هذه المعاهد كانت بمثابة مرحلة الثقافة العامة. ولم تقتصر الجيمنازيا على تعليم الشبان، بل كانت أيضًا منتديات الإغريق الذين كانوا يعيشون بالقرب منها، وبخاصة الذين تعلموا فيها وكانت تؤلف منهم “جماعات رجال الجيمنازيوم”. فلا عجب إن كانت اليجمنازيا أهم مراكز الحياة الاجتماعية عند الإغريق، إذ أنها كانت تقوم بدور المدرسة والنادي في وقت واحد. وينهض انتشار الجيمنازيا في مصر وتمتعها بتلك المكانة الهامة دليلاً على استمساك الإغريق بتقاليدهم، وعلى العناية التي كانت الطبقات العليا الإغريقية توجهها لإعطاء أبنائها ثقافة إغريقية صحيحة. وبعد انتهاء هذه المرحلة، كان عدد قليل من الشبان السعداء يذهبون لمتابعة دراستهم على كبار الأساتذة، أما في الإسكندرية أو إحدى المدن الكبيرة مثل أوكسيربنخوس.

وأوفى ما لدينا من المعلومات خاص بالمرحلة الأولى من التعليم، وذلك بفضل ما وصل إلينا من الكتب المدرسية وكراسات التلاميذ وما تحدثنا عنه الوثائق البردية. ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على هذه المرحلة التعليمية الهامة، التي كان يشترك فيها العدد الأكبر من سلالة نزلاء البلاد، وكذلك من أبناء المصريين الذين كانوا يريدون أن ينحوا نحو الأجانب. ويبدو أن المعلمين كانوا رقيقي الحال، فهم فئة مغبونة في كل عصر ومكان، إذ كانوا يتعيشون مما يدفعه لهم التلاميذ كل شهر، ومن الهدايا التي يجود بها عليهم أصحاب المرءوة تشجيعًا لهم. وترينا وثيقتان أنهم كانوا لا يستقرون في مكان واحد، إذ نراهم يتنقلون في خلال عام واحد من مكان إلى مكان. ولعلهم كانوا يذهبون لمززاولة مهنتهم حيثما كانت تبدو لهم بارقة أمل في الفوز بأ:بر عدد ممكن من التلاميذ. ولم يكن هؤلاء المدرسون متخصصين في مهنتهم، فإنه لم توجد معاهد خاصة لتخريجهم في كل أنحاء العالم الهلينيسي، ولم تشترط فيهم أية مؤهلات خ اصة إلا تمتعهم بمستو عال من الأخلاق الحميدة. وتشير الوثائق المختلفة إلى أن التلاميذ الكسالى والعابثين كانوا يعاقبون بفرض واجبات عليهم أو بضربهم، ويبدو أن العقاب الجسماني كان القاعدة السائدة. لكنه يجب ألا نظن أن حياة هؤلاء التلاميذ كانت قاسية، إذ أن آباءهم كانوا لا يحرمونهم من الهدايا واللعب، كالدمى والخيل المصنوعة من الخشب ومقدمة على عجل والسيوف والأقواس الخشبية، هذا إلى جانب الألعاب المختلفة التي كانوا يشتركون فيها سويًا.

وفي الصباح كان التلاميذ يذهبون إلى فصولهم، أما بمفردهم أو في رفقة مربيهم أو أمهاتهم. وكان صغارهم يرتدون ملابس قصيرة، وكبارهم ملابس طويلة. وكان الأنيقون منهم يلبسون رداء أبيض اللون كالجلباب. ويحملون فوقه معطفًا أرجواني أو أخضر أو أحمر فاقع اللون، ويتدلى من رقبة بعضهم على الأقل ما يقيهم شرعين السوء. وكان التلاميذ المجدون وكذلك أولئك الذين يرافقهم الكبار يمضون مباشرة إلى المدرسة ومعهم أدواتهم المدرسية، وكانت عبارة عن لوحة من الشمع أو الخشب، أو قطعة قديمة من ورق البردي استعمل أحد وجهيها من قبل، أو كسر من الفخار ليتيسر غسلها وإعادة استعمالها مراراً، وأقلامهم ومحابرهم، ومن المحتمل أيضًا كتاب للقراءة. أما التلاميذ الكسالى فكانوا كثيرًا ما يتعمدون أن يضلوا الطريق ويهربون إلى ساحات الألعاب، أو يتنزهون على ضفاف القنوات، أو يقطعون الوقت في مشاهدة الأسواق والضحك على المشادات الكلامية بين الثرثارين. وتصور لنا الواثئق المختلفة حياة التلاميذ في مدارسهم، حتى لنكد نسمع بعضهم يلثغون في قراءة دروسهم، ونرى البعض الآخر يعيشون بألواحهم، والبعض يركنون إلى الجهاد في سبيل كتابة أسمائهم والتاريخ، والبعض يختلسون فترة تسهى فيها عنهم عين المدر ليرتكبوا حماقة من الحماقات.

وقد كان أهم ما يعني به المدرسون هو ذاكرة التلاميذ، الذين كان ينبغي عليهم قبل كل شيء أن ينقشوا في ذاكرتهم أسماء حروف الهجاء وشكلها وترتيبها ونطقها. وللتأكد من ذلك، كان يجب على التلاميذ أن يحفظوا الحروف مرتبة من أولها إلى أخرها ومن أخرها إلى أولها. وبعد ذلك كان يمرن التلاميذ على تكوين مقاطع كلمات مختلفة لا معنى لها، لكنها كانت تتطلب منهارة في الكتابة ودقة في النطق. وبعد اجتياز هذه العقبات السقيمة، كان المدرس يعطي تلاميذه نماذج مختلفة للكتابة يقومون بنسخها مرات عديدة. ثم يلقن التلاميذ أسماء أشياء مختلفة من الحياة اليومية، كأسماء الحرف والشهور أو أسماء مأخوذة من القصص والتاريخ. وبعد ذلك كانت تستبدل بالمفردات جمل قصيرة أو حكايات يستسيغها الأطفال وبعض الأقوال المأثورة. بيد أنه يبين أن المدرسين لم يعنوا دائمًا يتلقين الصغار ما كان يتفق وعقليتهم، وإلا لما لقنوهم في حداثتهم مثل هذه العبارات “البحر والنار والمرأة ثالوث مزعج” أو”تزوج إمرأة ولا تتزوج صداقًا”. ولما كان الكثير من كتبة المستقبل يفشون المدارس، فإن التلاميذ كانوا يمرنون على نسخ صور للعقود والخطابات الرسمية.

وفي الوقت نفسه فيما يظن أو بعد ذلك، كان التلاميذ يمرنون على مطالعة مقطوعات مطولة من كتب أدبية مثل خرافات أيسوبوس (Aesopos) بوجه خاص، أو من فلسفة سقراط وديوجينيس. وكانت هذه المقطوعات تعطي للتلاميذ بشكل يقصد منه حضهم على التفكير. وكانوا يعطون أيضًا بعض الأحاجي على هذا النمط: ما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش أغلب الوقت في نهار؟ وما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش على الأرض؟ وما هو الطائر الذي يرضع أولاده؟. ويبدو أن هذه المعلومات الأولية كانت تتخذ أساسًا لتلقين التلاميذ قواعد اللغة التي كانوا يعطون تمارين لتطبيقها. وكانوا يمرنون أيضًا على الأملاء وعلى قراءة الآداب الإغريقية وبوجه خاص الشعر. وقد كانت أشعار هوميروس أكثر الأشعار الإغريقية تداولاً في المدارس ثم تأتي بعدها أشعار يوربييديس. وفي البداية كان المدرسون يشرحون هذه الأشعار ويفسرونها لتلاميذهم، لكنه بعد ذلك كان التلاميذ أنفسهم يتولون أمر الشرح والتفسير والتعليق.

ولم يكن التعليم في المدارس مقصورًا على الآداب فحسب، إذ لا شك في أن التلاميذ كانوا يأخذون كذلك دروسًا في التاريخ والجغرافيا، لكن لما كانت هاتان المادتان تدرسان شفويًا فإنه يتعذر علينا أن نعرف كيف كانتا تدرسان، ولا أي كتب التاريخ كانت تستخدم في المدارس. ولا يبعد أن التلاميذ كانوا يعطون فكرة عن، أو على الأقل أسماء، أشهر المشرعين والمصورين والمثالين والمعماريين والمهندسين وأمناء مكتبة الإسكندرية وعجائب الدنيا السبع، وأسماء البحار والجزر والبحيرات وأكثر الجبال ارتفاعًا وأعظم الأنهار طولاً. وقد كان للحساب نصيب محدود من عناية المدارس الابتدائية، وكان التلاميذ يعلمون أولاً الإعداد البسيطة ثم الأعداد الفردية والأعداد الزوجية، وبعد ذلك الجمع والطرح والضرب وأجزاء وحدات القياس والعملة. ويظن أن تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يتعلمون طريقة العد على الأصابع، وكانت تختلف اختلافًا بينًا عما يقصده بذلك، فقد كانت طريقة معقدة لها قواعد دقيقة يستطيع الإنسان بفضلها أن يعبر بيديه عن أي عدد صحيح ابتداءً من الواحد حتى المليون.

ومهما قيل عن طريقة التدريس أو برامج الدراسة، فلا جدال في أن المدارس الإغريقية على اختلاف أنواعها قد ساعدت على بقاء جذوة الحضارة الإغريقية مشتغلة في كل أنحاء مصر، فكانت ثقافة إغريق مصر سواء أكانوا يعيشون في المدن الإغريقية أم في المدن والقرى المصرية ثقافة إغريقية. وإذا كنا قد عرفنا أن الإغريق أحضروا معهم من بلادهم ديانتهم كما أحشروا عاداتتهم وتقاليدهم، وأنهم كانوا يخضعون لقوانين إغريقية تتمشى مع هذه العادات والتقاليد ويحاكمون أمام محاكم إغريقية، ويعيشون عادة في أوساط إغريقية: أما في المدن الإغريقية أو في جماعاتهم القومية وجمعياتهم الدينية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها، وأن أفواج الإغريق كانت تفد على مصر باستمرار حتى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد فتنعش فيهم ما ذوى وتجدد بينهم ما بلى، وأنه لا توجد أية قرينة على تزاوجهم مع المصريين حتى نهاية القرن الثالث، وأنهم كانوا يعتزون بحضارتهم الإغريقية، ولاسيما أنها كانت مصدر ما يتمتعون به من الخير العميم في مصر، فإنه بفضل عطف البطالمة وحدبهم عليهم كانوا سادة البلاد الذين يسيطرون على أسمى المناصب ويقبضون على ناصية الحكم ويتمتعون بمزايا أشعلت نار الحقد والغضب في المصريين؛ إذ كنا قد عرفنا كل ذلك، فإننا لا نشك في أنه وسط هذه الظروف قد حافظ إغريق مصر على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فبقوا إغريقًا خالصين على الأقل حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد.

لقد كان إغريق مصر يعيشون حقًا في أوساط إغريقية، لكنه يجب ألا ننسى أن هذه الأوساط كانت حتى في المدن الإغريقية تقوم في بيئة غريبة عن الحياة الإغريقية إلى أقصى حد، ولذلك كانت المحافظة على قوة الروح الإغريقي بين إغريق مصر لا تتوقف على استمساكهم بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فحسب، بل كذلك على تطعيم هؤلاء الإغريق باستمرار بدماء إغريقية جديدة من بلاد الإغريق تكون بعيدة عن كافة المؤثرات الغريبة عن الروح الإغريقي. بيد أنه منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد انقطع وفود أفواج جديدة من الإغريق، بسبب نقص عدد الإغريق في بلادهم نتيجة لحروب القرن الثالث الطويلة التي اشتركوا فيها بمثابة جنود مرتزقين، ونتيجة للحروب الداخلية التي عانتها بلاد الإغريق نفسها في خلال هذا القرن ونتيجة كذلك لاتجاه الإغريق نحو تحديد النسل من جراء قسوة الحياة وشظف العيش في بلادهم. وإزاء انقطاع وفود أفواج جديدة من الإغريق كان طبيعيًا أن يضعف الروح الإغريقي تدريجيًا بين إغريق مصر، غير أنه مهما ضعف هذا الروح لابد من أن يكون إغريق مدن مصر الإغريقية قد بقوا إغريقًا خالصين ، نتيجة لعدم الاعتراف بالزواج بينهم وبين المصريين في هذه المدن، ونتيجة لاستمرار المعاهد والمدارس الإغريقية في متابعة نشاطها، ولاسيما أن الإسكندرية كانت لا تزال منارة الحضارة الإغريقية وتتمتع بشهرتها العظيمة في العلوم و الفلسفة والآداب. وإذا كان بطلميوس الثامن قد طارد علماء الإسكندرية وفنانيها في مطلع عهده عند منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، لا بدافع مجافاة الثقافة الإغريقية نفسها التي كان يزهى بحظه منها وإنما بدافع الانتقام من العلماء والفنانين أنفسهم بسبب مناصرتهم لفيلومتور وكيلوبترة الثانية، فإن بطلميوس الثاني كفر في شيخوخته عن سوء مسلكه السابق وأسبغ عطفه و كرمه على العلماء والأدباء والفنانين فلم تلبث الإسكندرية أن استعادت شهرتها القديمة واحتفظت بها حتى فترة متأخرة في العصر الروماني.

إن العامل الذي أدى إلى ضعف الروح الإغريقي في مدن مصر الإغريقية كان له أثر أقوى بطبيعة الحال خارج هذه المدن، ولاسيما أنه منذ أواخر القرن الثاث أصبحت اقطاعات الإغريق وراثية، وبذلك أصبح لأرباب هذه الإقطاعات مصالح دائمة في البلاد. وقد كانت رعاية هذه المصالح تتطلب منهم أن يداروا أهل البلاد وألا يشمخوا بأنوفهم عليهم. وفي الوقت نفسه أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في معاملة المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، ويمنحونهم من الإمتيازات ما رفع من شأنهم وضيق شقة الفارق بينهم وبين الإغريق وساعد على التقريب بين العنصرين، مما أدى إلى تكوين عدد من الأسر المختلطة المصرية ـ الإغريقية. لكنه يجب ألا نبالغ في هذا التقريب بين العنصرين، فقد وقعت في النصف الثاني من حكم البطالمة ثورات مصرية عنيفة، وتحدثنا الوثائق عن أشخاص أسيئت معاملتهم لأنهم إغريق. وعلى كل حال فإن هذه العوامل المختلفة أضعفت الروح الإغريقي بين إغريق الأقاليم، غير أنه لما كانت الصبغة الإغريقية تكسب صاحبها مركزًا ممتازًا مهما كانت جنسيته، إذ أن فكرة أيسقراط (Isocrates) القائلة بأن قوام الإغريقي ثقافته وليس دمه أصبحت أساس معاملة الأفراد في مصر البطلمية، فهل نشك في أن غالبية الإغريق استمسكوا بحضارتهم الإغريقية؟ يبدو لنا أنه مهما ضعف روح إغريق الأقاليم، حتى كانوا يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإغريق القدماء، وأنه إذا كان بعض الإغريق قد عبدوا آلهة مصرية وتعلموا اللغة المصرية وتزوجوا مصريات واتخذوا أسماء مصرية وعادات مصرية، فإن أغلبهم بقوا إغريقًا خالصين. وذلك بفضل أثر مدن مصر الإغريقية ومعاهد الإغريق ومدارسهم، التي كانت توجد حيثما وجد عدد كاف من الإغريق، وكذلك بفضل ما كان يتمتع به الإغريق من المكانة الممتازة في البلاد. لقد أصاب روستوفتزف كبد الحقيقة بقوله أن ضعف الروح الإغريقي في مصر لم يكن نتيجة التزاوج والاندماج مع المصريين ولا نتيجة تأثير الحضارة المصرية في الإغريق، وإنما كان نتيجة ما طرأ على الروح الإغريقي ذاته من التغيير بسبب معيشة الإغريق في بيئة غريبة عنهم ووسط ظروف تختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.

ويبدو أن الروح العامة التي كانت تسيطر في بداية عصر الطبالمة على إغريق مصر لم تكن روح استكانة وتشاؤم بل روح إقدام وتفاؤل، فقد كانت تملأهم الثقة التي بثتها فيهم تعاليم الفلاسفة عن مقدرة الإنسان ومواهبه، وتفيض نفسوهم أملاً في تحقيق حياة زاخرة بالهناءة والسعادة.

وإذا كانت هذه الروح تسيطر على الملوك وأبرز الشعراء والعلماء والأدباء والمهندسين والمعماريين والمثاليين والمصورين والممثلين والموسيقيين الذين شاركوا جميعًا في القيام بأعمال انشائية مبتكرة، فإنها كانت تسيطر أيضًا على من كانوا أقل منهم شأنًا. وحسبنا دليلاً على ذلك فيلادلفوس وعلماء معهد الإسكندرية في عهده، ووزير ماليته أبولونيوس، وينون مساعد هذا الوزير، ومساعد زينون نفسه. أن الروح السائدة في خطابات زينون وغيرها من الوثائق، التي كانت تضمها سجلاته، روح تفيض بالحيوية الدافقة والنشاط الذي لا يحد في خدمة مصالح الدولة والرءوساء وفي خدمة المصلحة الخاصة. لكن هذا النشاط الذي صاحب العهد الأول لم يستمر طوال عصر البطالمة، فقد أعقب فترة الابتكار والإنشاء فترة استقرار وهدوء، ثم زلزلت الأحداث أركان دويلة البطالمة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وازدادت السلطة المركزية ضعفًا على ضعف، وتدهور حال البلاد الاقتصادية، وانحلت أخلاق الطبقة الحاكمة، وفسد نظام الحكم. فلا عجب أنه وسط هذه الظروف فقد الإغريق روح الأقدام والابتكار، واستولت عليهم روح التواكل والاستسلام، وطغت عليهم نزعات جديدة كانت أخصها النزعات الدينية. ومع كل ذلك تمكن الإغريق بوجه عام من الاحتفاظ بصبغتهم الإغريقية.

عصر نحاسي

العصر النحاسي The Chalcolithic period من اليونانية خالكس khalkos و ليثوس lithos حجر النحاس أو العصر النحاسي Copper Age، المعروف أيضا بإسم الإينيو ليثيك Eneolithic هو فترة من فترات تطور الحضارات البشرية التي بدأ معها استخدام الأدوات المعدنية إلى جانب الأدوات الحجرية. ويتجنب علماء الآثار ربط تسميته بالحجري، مع أن البعض يسميه العصر الحجري النحاسي ، ‘لا أن البعض ويفضلون تسميته العصر النحاسي ، وخاصة الأوروبيين منهم.

فترة العصر النحاسي هي فترة إنتقالية وهي خارج نظام الحقب الثلاث العصور التقليدي، وتقع بين العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي. ويبدو ان النحاس لم ينتشر بشكل واسع في البداية ، وان محاولات صناعة سبائك منه مع القصدير بدأت بسرعة، مما يجعل التمييز بين حضارات العصر النحاسي وعصورها صعبا.

وبسبب عدم الوضوح هذا ، فإن هذه التسمية تستخدم من قبل علماء الآثار في بعض أجزاء العالم فقط. وخاصة في جنوب شرق أوروبا وغرب ووسط آسيا ، حيث ظهر هناك حوالي الألف الرابع قبل الميلاد.

ويعتبر شعب البيكر الأوروبي كثيرا من الأحيان من شعوب العصر النحاسي، كما تعتبر من حضارات العصر النحاسي حضارات غرب آسيا التي كانت من أولى الحضارات المتمدنة. والعديد من الشواهد الحجرية الكبيرة في أوروبا رفعت في تلك الفترة ، وتشير بعض النظريات ان مجموعة اللغات الهندو-أوروبية المفترضة (لغة يتوقع العلماء أنها وجدت) نشأت في تلك الفترة.

أوتزي الرجل الثلجي، الذي وجد في أوتزتالر في جبال الألب والتي أرخت بقاياه إلى حدود 3300 قبل الميلاد ، كان يحمل فأسا نحاسية و سكينا من حجر الصوان. يظهرا أنه كان في منطقة من أوروبا كانت تمر في تلك الفترة التاريخية.

[عدل] المصطلح

يستخدم مصطلح عصر النحاس وفي بعض الأحيان يعرف باسم العصر الحجري المعدني (Chalcolithic) للدلالة على الفترة بين العصر الحجري الحديث وحلول العصر البرونزي.

ويحتمل أن تكون صناعة هذا النوع من المعادن قد تمت بشكل مستقل في آسيا وجنوب شرق أوروبا حوالي 7000-6000 ق.م. وقد استخدم خام النحاس منذ العصر الحجري الحديث في تركيا (موقع كاتيل هيوك). وقد تم العثور في كثير من أنحاء العالم على النحاس في شكله الطبيعي أو الخام وعليه كان يستخدم في البداية باعتباره نوع من الحجارة. وهناك أمثلة على استخدام النحاس الخام في شكل عقود أو خرز عند مجموعات الازيتك في المكسيك واستخدامه كابر ودبابيس ورؤوس حراب في ثقافات العمري والبداري بمصر.

[عدل] أين بدأت صناعة النحاس

من الصعب تحديد المكان الذي صنعت فيه أولى الأدوات والأسلحة النحاسية. والشيء المؤكد أن هذه الصناعة تطورت في أحد مراكز العصر الحجري الحديث المتطورة في الفترة من حوالي 7000-6000 ق.م (مثل البداري والعمرى بمصر والأخيرة تعتبر إحدى ثقافات عصر النحاس المبكرة والتي قد تعدم الادعاء بان مصر هي التي بدأت هذه الصناعة) . ومما يدعم بدايات صناعة النحاس بمصر هو العثور على قطع نحاسية مصرية في منطقة كريت بالبحر الأبيض وأرخت إلى 3000 ق.م . كما يرجع البعض بداية صناعة النحاس بالعراق .

ومما يؤكد احتمال أن تكون مصر أو العراق هما اللتان بدأتا صناعة النحاس ما يلي :

  1. . توجد في مصر مناجم سيناء وهى ليست بعيدة من العراق . فإذا كانت مصر هي الأولى في صناعة النحاس فلا بد أن العراق قد ساهمت أيضاً في أن تكون هي الأخرى من المناطق السابقة في صناعة النحاس.
  2. . يرى البعض أن المصريين عرفوا صناعة النحاس من العراق عبر سوريا أو عن طريق العنصر الأرمني والذي ظهر على الساحة المصرية في مصر السفلى قبل نهاية فترة الأسرات.
  3. . ذكرت ارض تسمى (Magam) وتعنى ارض السفن أو الأرض التي ترسو عليها السفن في المخطوطات السومرية في الألف الرابع ق.م على أنها تحتوى على النحاس . فإذا كانت هذه الكلمة تعنى سيناء فهذا يشير إلى أن العراقيين مثل المصريين قد تحصلوا على النحاس من سيناء.
  4. . إذا كان الأرمنيين قد جلبوا النحاس معهم النحاس فانهم لابد وقد تحصلوا عليه من جهات إلى الشمال من جبال أرمينيا الحالية مثلما فعل العراقيين في الأصل.

هناك احتمال ثالث يرى أن النحاس قد عرف اولاً بوادي الاندس شمالي الهند. بينما الدليل الأوربي يؤكد أن اقدم الصناعات النحاسية وجدت في ارض البلقان حيث تم العثور على عدد من الدبابيس والإبر تعود إلى حوالي 5000 ق.م .

[عدل] مواضيع متعلقة

ملتقى طلاب المحروسة _ ذاكــرة التـاريخ _ حالة مصر منذ الأسرة السادسة والعشرين حتى الفتح المقدوني

حالة مصر منذ الأسرة السادسة والعشرين حتى الفتح المقدوني

لما كان أول عهد مصر باستقرار الإغريق فيها يرجع إلى ما قبل الفتح المقدوني بعدة قرون، وكان الإغريق قد لعبوا دوراً هامًا في تاريخ مصر منذ العصر الصاوي، فإنه لكي تفهم بجلاء تاريخ مصر في عصر البطالمة، يجدر بنا أن نستعرض في إيجاز حالة مصر منذ العصر الصاوي.

ملوك نباتا يردون على الوادي وحدته:

عندما سيطرت أسرة ليبية على مصر في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد، انقسمت البلاد إلى إمارات محلية، ورفض كهنة آمون، سادة طيبة، الخضوع لسلطان الليبيين يبدو أن الكثيرين منهم آثروا الهجة جنوبًا إلى بلاد كوش، وكانت تعتبر ملكًا لآمون، وهناك عند الشلال الرابع في المدينة التجارية الكبيرة “نباتا” أقام كبير الكهنة القادمين من طيبة ملكًا جديدًا وجعل من نفسه وارثًا شرعيًا لعرش فرعون، ولم يكد الملك الشاب بعنخي يستوى على عرش نباتا حتى صح عزمه على أن ينقذ شمال وادي النيل من أيدي الغاصبين وعلى أن يرد على الوادي وحدته، وفي عام 740 كللت مجهوداته بالنجاح.

أشور تفتح مصر:

وعندما استولت آشور على مصر في عام 671 ولم يستطع طهراقا. خامس ملوك نباتا، ضد الغزو الأجنبي عن شمال مملكته انسحب جنوبًا تاركًا الدلتا تحت رحمة الآشوريين، وما كاد أشيور حادون (Esarhaddon) يعود إلى نبنوي، حتى استعاد طهراقا سطرته على الدلتا. وعندما ارتقى أشور بانيبال العرش أعاد فتح مصر في عام 667 ثم أقام نخاو، أمير سايس. حاكمًا على الدلتا وأحاطه برجال أشوريين وبذلك حال دون نجاح طهراقا في استعادة الدلتا. وعندما أفلح تنوت أموت (Tanutamon) خليفة طهراقا. في غزو الدلتا ونصب نفسه في منف فرعونًا على مصر بأجمعها، استنباط أشور بأنيبال غضبًا وغزا مصر ثانية في عام 663وطارد تنوت أمون في الوجه القبلي، ثم ترك مصر تحت أمرة ابستيك. ومع ذلك يبدو أن تنوت أمون احتفظ بنفوذه في طيبة حتى عام 661، وهو العام الذي حمل فيه ايستيك ألقاب الفراعنة بعد أن بسط سلطانه على مصر كلها، وأصبح ملكها دون منازع من البحر إلى أسوان.

تأسيس الأسرة السادسة والعشرين:

وهكذا أسس أبستيك (663ـ 609) الأسرة السادسة والعشرين وجعل سايس (صا الحجرة بالقرب من كفر الزيات) حاضرتها، ولم يبث أن حرر مملككته من كل تبعية لأشور. وبيان ذلك أنه إزاء انهماك أشور حينذاك في حربها مع علام (Elam) لم يعبأ أشور بانيبال بما كان جارياً في مصر مادام أبستيك يدفع له الجزية، ويحتمل أنه استمر يفعل ذلك بانتظام حتى حوالي عام 651 عندما سحبت الحامية الأشورية من الدلتا بسبب مقتضيات حرب علام ونشوب ثورة في بابل. ومن ثم توقف أبستيك عن دفع الجزية لأشور، وبعد حروب علام المضنية. كان ابستيك يفضل جنوده المرتزقة في مركز أقوى من أن تتهدده أشور.

استقرار الإغريق في مصر:

وقد كان في مصر إذا ذاك عدد كبير من الإغريق، فإنه منذ حوالي 725 ق “م” أخذ تجار ميلتوس (Miletos = ملطة) يترددون كثيراً على مصاب نهر النيل وبخاصة المصب العربي. عند قانوب (أبر قير) لها لسيولة الوصول إليه من بحر أبجة وأما بعد عن حركة تشاو الفينيقيين. وقد ترتب على ازدياد تدفق التجارة الإغريقية أن فرع النيل القانوني أخذ يزداد في الأهمية على فرعه بلوزي، وكانت تجارة مصر مع فينيقيا قد أكسبته أهمية كبيرة في عهد الأسرتين العشرين والثانية والعشرين، أي في عهد الرعامة (حوالي 1198 ـ 1090) وملوك بوباسطس (حوالي 945ـ 725).

تأسيس نقراطيس:

وعلى مقربة من سايس، أسس تجار ميلتوس محلة لهم، أطلق عليها اسم “قلعة أهل ميلتوس”، ويحدثنا استرابون بأن تجار ميلتوس أقاموا محلتهم في عصر أبستيك، أي حوالي عام 650ق.م. ولكنه من المحتمل أنها أقيمت حوالي عام 700 أو قبل ذلك، ولعل أن ما حدث في عصر أبستيك هو أن القلعة ازداد اتساعها، وأصبحت تعرف باسم نقراطيس (Naucratis= نوم جعيف بمحافظة البحيرة) ويفضل الثروة التي عادت على مصر من تجارة الإغريق تسكن أبستيك من استخدام عدد كبير من الجنود الإغريق والأناضوليين ساعدوه على توطيد مركزه في مصر، وبذلك تخلص من منافسيه ومن تهديد ملوك نباتا ومن سيطرة الأشوريين.

عطف ملوك العصر الصاوي على الإغريق:

وعندما استتب الأمر لأبستيك كافأ جنوده المرتزقة بأن اتخذ منهم وحدهم حرسه الخاص ما أساء إلى الجنود المصريين. فلم يكن من الحامية التي وشعها الملك عند أسوان للدفاع عن الحدود الجنوبية إلا أنها هاجرت إلى بلاد النوبة، فقد عز عليها أن يختص الملك جنوده الإغريق بتكوين حرسه الخاص.

وقد أقام أبستيك لهؤلاء الجنود معسكرين، أحدهما في ماريا (Marea) بالقرب من فانوب، والآخر في دفنة (Dephna= تل دفنة عند برزخ السويس) ليكونا بمثابة حصنين يصدان هجمات كل من تحدثه نفسه بالاعتداء على مصر، وأباح أبستيك للإغريق أن يشئوا مؤسسات في سايس ونقراطيس وقانوب. وقد هدأت الحال في مصر بفضل الحزم الذي أبداه أبستيك، وسرعان ما أصبحت علاقته مع أشور علاقة الند للند، لكنه لما كان هذا الملك مديناً بمركزه في مصر لأشور، فإنه لم ينس ذلك وبقى حليفًا أمينًا لأشور حتى توفي في عام 609، وخلفه ابنه نخاو الثاني الذي حاول دون جدوى مساعدة أشور على بابل. ومن ثم وقف جهوده على الأعمال السليمة في مصر، فاهتم بشق قناة تربط النيل بالبحر الأحمر، وأوفد بعثة لترتاد سواحل إفريقيا، ووجه عناية خاصة إلى تجارة مصر، فأثرت البلاد، وازدهرت فيها فنون السلم، وظهر في كل فروع الفن طراز جديد يمتاز بأحياء طراز الدولة القديمة.

وعندما توفي نخاو الثاني في عام 593، خلفه ابنه أبستيك الثاني الذي حكم حتى عام 588. ولعل أهم ما يعنينا في هذا المقام من أمر أبستيك الثاني هو أنه اقتفى أثر أبيه وجده في إتباع سياسة مشربة بروح العطف نحو الإغريق. ولا جدال في أن عطف ملوك مصر في العصر الصاوي على الإغريق يرجع إلى ما كانوا مدينين به من ثروتهم لتجارة الإغريق، وكذلك إلى ما كانوا يستشعرونه من الحاجة الملحة إلى معونة الإغريق العسكرية، وذلك من ناحية للذود عن حياض مصر ضد المالك الفنية القوية في أسيا، ومن ناحية أخرى لدفع ما يتهدد العرش من الأخطار الداخلية.

ازدياد العطف على الإغريق يلهب شعور المصريين:

بيد أن ازدياد ذلك العطف أثار شعور المصريين بالتدريج، حتى دفعهم إلى الثورة على إبريس (Apries) (588-566) وكان شاباً متهوراً، خاضعًا لجنوده الإغريق إلى حد بعيد. وقد أزكى حقد المصريين عليه فشل الحملة التي أرسلها لمساعدة الليبيين ضد إغريق قوريني، فاندلع لهيب ثورة قومية سعادية للأجانب، حمل لواءها قائد مصري يدعي أماسيس (Amasis) ولم تنته هذه الثورة في عام 569 إلا بإعلانه شريكًا لأبريس في المك، لكن ابريس قبل بعد ذلك بثلاث سنوات وخلفه أماسيس وحده على العرش.

ارتقى أماسيس العرش بوصفه عدو الإغريق، لكنه كان أفطن من أن يحتفظ بهذه الصفة وكذلك من أن يصبح صديقًا حميمًا للإغريق وبخاصة أول الأمر، فنهج في سياسته طريقًا وسطًا. و لكي يرضى شعور الشعب ألغى معسكر دفنه ونقل جند هذا المعسكر إلى منف، حيث اتخذ منهم حرسًا خاصًا بحجة وضعهم تحت رابته، وأمر بأن ينزل في نقراطيس جميع الإغريق المدنيين المقيمين في مصر. وبالتدريج ازداد عطفه على الإغريق وضوحًا. ونستدل على ذلك من صداقته لبولوقرانس (Polycrates) طاغية ساموس وقرويسوس (Croesos) ملك لوديا، ومن هداياه الثمينة للمعابد الإغريقية، ومن اتخاذه زوجة له سيدة إغريقية قورينية لعلها كانت أميرة من أسرة باتوس ملوك قوريني.

وفي عهد أماسيس ساد الأمن والسلام في البلاد، فازدادت ثروة مصر نتيجة لرواج تجارتها شمالاً وشرقًا وجنوبًا كما ازداد عدد سكانها، وأنشئت عدة معابد كبيرة، وازدهرت العلوم والفنون حتى بلغت شأوا بعيدًا. وفي هذه الأثناء كان قورش يشيد صرح دولة فتية هي دولة الفرس التي أصبحت قوة يخشى بأسها بعد استيلاء قورش على ميديا في عام 550، مما أفزع قرويسوس ملك لوديا وحدًا به إلى محاولة درء هذا الخطر بتكوين حلف من ثلاث دول كبرى وهي لوديا وبابل ومصر. فما كان من قورش إلا أنه بادر إلى غزو لوديا ولم يواف عام 546 حتى كان قد استولى عليها، وشفع ذلك بالاستيلاء على كل الشواطئ الجنوبية لآسيا الصغرى، وفي عام 539 استولى على بابل، وبعد ذلك بقليل دخلت سوريا وفلسطين حظيرة الإمبراطورية الفارسية. وأما مصر فإنها كانت لا تزال مستمتعة باستقلالها عند وفاة أماسيس في عام 526.

الفرس يفتحون مصر:

وفي عصر أبستيك الثالث غزا قمبيز مصر، وتوج نفسه ملكًا عليها في مايو عام 525، واتخذ لقب فرعون ليكسب نفسه مركزًا شرعيًا في نظر المصريين، لكنه لم يلبث أن أثار عواطفهم بانتهاكه حرمة الديانة المصرية. وفي عام 522 خلفه دار على العرش، فأظهر بعد نظر وكياسة جدير بن بملك عظيم وزار مصر حوالي عام 518 حيث توج عليها فرعونًا. ولعل أهم بقايا عصره في مصر معبد هبيس في الواحة الخارجية. ويضاف إلى ذلك أنه أتم قناة نخاو وكانت تصل النيل بالبحر الأحمر، مخترقة وادي الطميلات. واتبع دارا سياسة التسامح ليمحو أثر الآثام التي أساء بها سلفه إلى المصريين.

الثورة المصرية الأولى على الفرس:

ومع ذلك فإنه ما كاد المصريون يعرفون أن دارا قد توفي حتى هبوا ثائرين ونصبوا خباش ملكًا عليهم في عام 485. وقد ساعد الأثينيون المصريين في ثورتهم لأن الفرس كانوا عدوًا مشتركًا للفريقين، ولا يزالون يشكلون خطرًا داهما على الإغريق كافة برغم فشلهم في غزو أثينا قبل هذه الثورة بخمس سنوات. وفي عام 484 أتى أجزركسيس (Xerxes) ابن دارا إلى مصر وأخذ الثورة وقضى على خباش، وفرض غرامة كبيرة على معبد بوتو (Buto) في الدلتا لأنه كان قد نادى بالثورة، وجعل حالة مصر أسوأ مما كانت عليه قبل، وضيق الخناق على المصريين فوضع فرسًا حتى في الوظائف غير الكبيرة. وإذا كان يرجح أنه قد كان بين جباة الضرائب الذين عجت بهم البلاد عندئذ كثيرون من المصريين، فلا شك في أنه كان بينهم أيضًا كثيرون من السوريين والبابليين والفرس، وكان كل همهم ملء خزانة الملك الأكبر. غير أن مصر، وقد أثرت ثراء كبيرًا في العهد الصاوي، بقيت غنية كذلك على الأقل في بداية العهد الفارسي برغم كل ما عانته من الغزو والمذابح والاضطهاد. وتشير الوثائق الكثيرة التي وجدت في مصر من عصر دارا إلى رفاهية البلاد ورخائها، لكننا لا نجد لهذه الوثائق نظائر بعد ثورة خباش والنير الذي وضعه أجزر كسير على رقاب المصريين. وكثيرًا ما نجد في الوثائق الأرامية التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس أسماء يهودية أو سورية أو بابلية، مما يشير إلى أن عدد كبيرًا ما نجد في الوثائق الأرامية التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس أسماء يهودية أو سورية أو بابلية، مما يشير إلى أن عددًا كبيرًا من صغار التجار الشرقيين قد تبعوا الفرس وجباتهم إلى مصر. ولاشك في أنه قد ترتب على الحروب الطويلة التي خاضتها الفرس في بداية القرن الخامس مع أثينا وحلفائها أن انقطعت تقريبًا تجارة مصر مع بلاد الإغريق مما عاد بضرر بليغ على نقراطيس، لكنه لا سبيل إلى الشك في أنه كانت لمصر تجارة واسعة برًا وبحرًا مع بلاد العرب وسوريا وفينيقيا وأيونيا، إلى جانب تجارتها المنكمشة مع بلاد الإغريق. وكان يقوم بنقل كل هذه التجار بحارة أو رجال قوافل من الأجانب. وفي هذا الوقت استقرت القبائل العربية النبطية في مدينة البتراء، حيث سيطروا على طريقين تجاريين أحدهما من خليج العقبة إلى فلسطين والآخر من مصر إلى بابل عبر جرها (Gerrha).

الثورة المصرية الثانية:

وفي عام 465 توفي أجزركسيس، فكان ذلك إيذانا بيدء ثورة جديدة في مصر للتخلص من النير الفارسي. وقد حمل لواء هذه الثورة أحد أمراء أسرة أبستيك وكان يدعى أيناروس (Inaros)، فطرد جباة الضرائب الفرس وأخيمنس (Achaemenes) نائب الملك، ولكن الحامية الفارسية انسحبت إلى منف فحالت دون انضمام وادي النيل إلى الدلتا. وعندما تحرج مركز ابناروس، لعجزه عن الحصول على مساعدة الوجه القبلي وعودة أخيمس على رأس جيش جديد، وفدت على مصر نجدة إغريقية. وبيان ذلك أن أسطولاً أثينيا مكونًا من مائتي مركب كان يقوم بأعمال حربية بالقرب من شواطئ قبرص وعندما علم القواد الأثينيون بثورة أيناروس بادروا بمد المعونة له، فقد كان هذا الأسطول على أتم استعداد لمساعدة أي عدو للفرس. وبفضل هذه المساعدة انتصر المصريون على العدو المشترك.

ولم يغادر الأثينيون مصر بعد ذلك بل بقوا سادة البلاد فحاول أرتجازركريكس (Artaxerxes) دون جدوى اغراء اسبرطة بغزو أنيقا لكي يضطر الأثينيون إلى الخروج من مصر. وأخيرًا أرسل الملك الأكبر جيشًا قويًا إلى مصر هزم المصريين وحلفاءهم وطرد الإغريق من منف وحاصرهم في جزيرة بروسويس (Prosopis) عامًا ونصف عام، حتى أاخضعهم (456) وقضى على أيناروس. وهكذا أخضع الفرس مصر ثانية. فيما عدا أميرتايوس (Amyrtaeos) “ملك الأدغال” الذي عجز الفرس عن القضاء عليه بسبب اتساع الأدغال، ولأن أهل الأدغال كانوا أكثر المصريين مقدرة على الحرب. وحدث أن أرسل الأثينيون خمسين مركبًا لنجدة قواتهم في مصر، فدخلت هذه المراكب فرع النيل المنديسي (نسبة إلى مندس Mendes = تل الربع قرب السنبلاوين بمحافظة الدقهلية) دون علم بما كان قد حدث، فهوجمت برًا وبحرًا ولم ينج منها سوى عدد قليل.

هرودوتوس يزور مصر:

وفي عصر أرتاجزركسيس الأول زار هرودوتوس مصر. ويرجح أن هذه الزيارة تمت بين عام 448، عندما عقدت أثينا الصلح مع الفرس، وعام 445، عندما كان في أثينا قبل ذهابه إلى ثوربى (Thurii) التي أشترك في تأسيسها عام 443، وكانت مصر تنعم إذ ذاك بالهدوء، لكنه كان هدوء منوك القوى المستسلم، ذلك أنه بوفاة الزعيم الأثيني قيمون (Cimon) وعقد صلح قالياس (Callias) في عام 448 انتهت المحاولات الأثينية لتحطيم قوة الفرس وشد أزر مصر، فنعم الفرس بفترة من الراحة أطالت أمدها الحروب البلوبونيزية بين أثينا واسبرطة (431-404).

ويحدثنا هرودوتوس بأن البلاد كانت في رخاء، لأن التجارة والصناعة كانتا رائجتين. برغم الضرائب الثقيلة المفروضة عليها وكان معدلها يزداد غالبًا دون وجه حق. ولا جدال في أن المصريين أثبتوا مراراً مقدرة غير عادية على النهوض بعد أي خطب نزل بهم، بيد أنه ازاء الثورتين العارمتين اللذين قاموا بهما ضد الفرس في خلال ربع قرن، وما واكب هاتين الثورتين من قتال وتخريب وما أعقبهما من مذابح واضطهاد وإزاء ما سنراه من الجهود التي اضطر البطالمة الأوائل إلى بذلها ـ بسبب ما ترتب على ذلك كله ـ للنهوض برافق مصر الاقتصادية. وإزاء ما يرويه هرودوتوس نفسه عن الضرائب الثقيلة يساورنا الشك فيما يحدثنا به هذا المؤرخ عن رخاء مصر حين زارها في أعقاب الثورة الثانية. ويبدو مما يرويه هرودوتوس أن أبواب البلاد كانت مفتوحة أمام السائحين الأجانب، وأنه كان في وسعهم زبارة المعابد وكل معالم البلاد دون صعوبة أو التعرض لأي خطر من الأهالي ولا يحدثنا هرودوتوس عن مشاهدته أي آثار للتخريب في الوجه القبلي، مما يبعث على الظن بأن الكفاح بين الفرس والمصريين كان مقصورًا على الدلتا وما يجاور منف.

ويبدو من رواية هرودوتوس أن مظاهر الحياة لم تختلف عما كانت عليه قبل ذلك بألفي عام وتشبه عن قرب في بعض النواحي ما هي عليه إلى اليوم، فإن وصف هرودوتوس لحفل ديني في بوباسطس يكاد أن يكون وصفًا لإحدى الحفلات الدينية التي تقام اليوم عن الاحتفال بمولد أحد “الأولياء”. وكان يوجد إذ ذاك كما يوجد اليوم السائحون والأدلاء ، فقد كان هرودوتوس سائحًا وكثيرًا ما كان ضحية لأحد الأدلاء الادعياء ومع ذلك فإن هردوتوس حصل على معلومات تاريخية قيمة، يبين أن مصدرها كان أحيانًا من حادثهم من الكهنة، لكنه يبدو أنه لم يلق الكثيرين من هؤلاء الكهنة. ولم يعتمد هرودوتوس على ما سمعه وحده بل اعتمد أيضًا على ما رآه بنفسه، ثم فسر ما توافر لديه من المعلومات حسبما تراءى له. ويعتقد بعض المؤرخين أن معلومات هرودوتوس عن مصر، على ما بها من أخطاء، ليست عديمة القيمة إلى الحد الذي يعتقده بعض آخر. وفي الواقع بالرغم من كل ما بهذه المعلومات من أخطاء تاريخية، فإنها تعطينا صورة حية لتاريخ مصر في القرن الخامس قبل الميلاد.

إغريق نابهون يزورون مصر:

ولم يكن هرودوتوس الإغريقي النابه الوحيد الذي زار مصر قبل الفتح المقدوني، فإن العلاقات القوية التي نشأت منذ العصر الصاوي بين مصر وبلاد الإغريق شجعت وفود الكثيرين من الإغريق على مصر، أما لمجرد الزيارة والاستطلاع وأما لتلقي العلوم، فيقال أن الفيلسوف الإغريقي طالس Thales زار مصر، ويرجح أنه أخذ عنها فكرته القائلة بأن الماء أحد العناصر الطبيعية الثلاثة، كما أنه تعلم في مصر أصول الهندسة والحساب. وإذا كان هناك شك في أن فيثاغورس وفرقودس (Pherecydes، وهراقليتوس Heraclitos وأنا كساجوراس Anaxagoras) زاروا مصر، فلا شك في أن أفلاطون زارها وتزود منها بالمعلومات كما تزود دموقريتوس (Democritos). ويرجح أن الفكرة الإغريقية عن الروح البشرية القائلة بأنها عبارة عن إنسان له رأس طائر قد أخذت عن مصر، لكنه يظن أن الإغريق لم يأخذوا شيئًا آخر عن مصر إذ ذاك إلى أن جاء عصر البطالمة.

ولم يدم صلح “الثلاثين عامًا” الذي عقد بين أثينا واسبرطة في عام 445 نصف تلك المدة، فقد اندلع لهيب الحرب البلوبونيزية في عام 431، لكن السلام كان سائدًا بين الفرس وبين أثينا واسبرطة، فلم يبال المصريون أكانت أثينا واسبرطة في حرب أم في صلح ما دامت هاتان الدولتان صديقتين للفرس. ووسط الحرب البلوبونيزية توفي أرتاجزركسيس في عام 424، لكن مصر ظلت هادئة حتى نهاية القرن الخامس.
وجدير بالذكر هنا وثيقة أرامية من أواخر هذا القرن عشر عليها في جزيرة الفئتين بأسوان، وهي عبارة عن شكوى كهنة الجالية اليهودية في الفئتين من القائد الفارسي في أسوان لأنه سمح لكنة الإله خنوم المصريين بتدمير المعبد اليهودي هناك ونهبه. وقد يرجع وجود هذه الجالية اليهودية إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن السادس، عندما وقد كثيرون من اليهود على مصر، على نحو ما رأينا وسنرى فيما بعد.

الثورة المصرية الثالثة

وعندما انتهت الحرب البلوبونيزية في عام 404 بهزيمة أثينا، آلت زعامة بلاد الإغريق إلى اسبرطة، وهي التي وجدت نفسها بعد بضع سنين مشتبكة في صراع مع الفرس، فكان ذلك مواتيًا لمصر، وكانت قد ثارت على الفرس في عام 404، عقب وفاة دارا الثاني. وقد قاد هذه الثورة الجديدة أميرتايوس الثاني الذي حكم مصر ست سنوات لكن حكمه كان مزعزعًا، إلى أن اشتبكت اسبرطة مع الفرس، ولم يساعده على الاحتفاظ بملكه في خلال الشطر الأول من حكمه إلا اشتغال ارتاجزركسيس الثاني بخيانة أخيه قورش (Cyrus). وعقب انتصار الملك الأكبر على أخيه في عام 401، اشتبكت اسبرطة مع الفرس، إلا أن مالك مصر لم يلبث أن حاول اكتساب عطف الملك الأكبر المنتصر، فأثار بذلك عواطف المصريين وكانت معادية للفرس، مما دفعهم إلى خلع أميرتايوس في عام 398 والمناداة بنقريتس (Ne[herites) مكانه ملكًا على مصر وفي عام 396 جمع الملك الأكبر أسطولاً كبيرًا في فينيقيا، يرجح أنه كان يراد به إعادة فتح مصر. لكن اسبرطة وقد خشيت أن يستخدم هذا الأسطول للقضاء على سيادتها البحرية، عرضت في ذلك العام عقد معاهدة مع مصر، التي أصبحت مستقلة تمام الاستقلال، فرحبت مصر بذلك لتضمن معونة الإغريق إذ هاجمها الفرس.

وقد خلف نفريتس ثلاثة ملوك يعنينا منهم أمر ثالثهم وكان يدعى هاقوري (Hakori)، ففي عصره تحالفت مصر مع أفاجوراس (Evagoras) ملك قبرص عام 389، لكن هذه المحالفة حلت الفرس على الإصغاء إلى عروض اسبرطة لقعد الصلح، فقد أعيا اسبرطة نضالها في آسيا وتافت إلى السلم. وفي عام 388 انضمت أثنينا إلى محالفة مصر وقبرص. إلا أنه في عام 386 عقد صلح انتالقيداس (Antaleidas) بين الفرس واسبرطة ثم أثنينا وحلفائها. ولم تعن اسبرطة وأثينا بأن يشمل هذا الصلح مصر، وهي التي سعينا من قبل إلى التحالف معها.

وكان في استطاعة أرتاجزركسيس إذ ذاك أن يهاجم أناجوراس أو هاقوري أو كليهما إذا شاء، لكنه فضل أن يوجه هجومه الأول إلى مصر بين عامي 385 و383، غير أنه باء بالاخفاق. وقد أفلح أفاجوراس بمعاونة هاقوري وأثينا في مناوءة الفرس حتى هزم في البحر وحوصر في جزيرته فعقد صلحا مع الفرس في عام 380. وبعد ذلك بفترة قصيرة وراح ضحية مؤامرة وخلفه ابنه نيقوقلس (Nicocles).

وفي عام 378 توفي هافوري وخلفه نفريتس الثاني مدة أربعة شهور ثم ارتقى العرش نقتانبو الأول (Nectanebo). وقد حالت ظروف أرتاجزركسيس دون مهاجمة مصر قبل عام 364، عندما وجه إليها حملة قوية يشد أررها عدد كبير من المرتزقة الإغريق، إلا أن التوفيق لم يحالف هذه الحملة.
وعندما توفي نقتانبو الأول في عام 361 خلفه على عرش مصر ابنه تزدهور (Zednor = تاخوس Taehos) الذي انتهز فرصة انقسام الإمبراطورية الفارسية بعضها على بعض فأعد حملة لغزو سوريا. وقد استعان تزدهور بملك اسبرطة العجوز اجسيلاوس (Agesilaos) لتدريب جيشه، وبأمير البحر الأثيني خابرياس (Chabrias) لأعداد أسطوله، وانتزع جانبًا كبيرًا من دخل المعابد ليدفع أجر جنوده، مما أغضب المصريين. وعندما وصل الجيش إلى فينيقيا دب الخلاف بين الملك الاسبرطي وتزدهور، وكان المصريون قد ثاروا عليه في مصر، فلم يتردد أجسلاوس في عزل تزدهور إلى الفرس، وقرر الملك الجديد العدول عن الحملة والعودة إلى مصر لدعم مركزه هناك. وعندما استتب الأمر للملك الجديد بعد حرب حامية، غادر مصر أجسيلاوس وخابرياس، فقرر نقتانبو استئجار غيرهما لقيادة قواته، ففي ذلك الوقت كان لا يستطيع أي ملك عاقل الاشتراك في حرب دون استئجار الإغريق لمعاونته. ذلك أن مرتزقة الإغريق هم الذين كانوا يضطلعون بأكبر ابعبء في جيوش كافة القوى المصطرعة.

وفي عام 358 ارتقى العرش الفارسي ارتاجزركسيس الثالث (أوخوس Ochos)، وما كاد يوطد مركزه في إمبراطوريته حتى قرر بالهدوء بتسع سنين. وجدير بالذكر أن نقتانبو الأول والثاني انتهز سنين السلم لرعاية الفنون، فإن النهضة التي سمتاز بها النصف الثاني من فترة الاستقلال، وتثير اهتمامنا باعتبارها المقدمة والحافز للمنتجات الفنية الرائعة في عصر البطالمة الأوائل، لابد من أنها ترجع إلى رعاية هذين الملكين وإلى الإيحاء الذي بثه في الفنون استعادة الاستقلال وبلورة البلاد درجة كبيرة من القوة.

للفرس يستردون مصر:

ولما لم يكن في وسع أوخوس أن يحتمل رؤية مصر مستقلة، ذلك البلد الغني الذي يدر الخير العميم على صاحبه، وكانت في ن ظره ملك أجداده وتبعًا لذلك ملكه أيضاً، فإنه أخذ يعد جيشه أعدادًا حسنًا ويترقس الفرصة المناسبة لغزو مصر. وقد واتته فرصته عندما ثارت فينيقيا وقبره على الفرس بزعامة ملك صيدا، الذي وعده نقتانبو بالمساعدة وأرست إليه في عام 343 قوة من الجنود الإغريق يقودها إغريقي من رود يدعى متور (Mentor) لكن هذا القائد عندما علم باقتراب أوخوس وجيشه دخل مع الفرس في مفاوضات بعلم ملك صيدا. ومع ذلك حاصر الملك الفارسي صيدا، وعندما فتحت له أبوابها قتل ملكها وقبل منتو ورجاله في خدمته. وفي عام 343 زحف أوخوس على مصر يشد أن عدد كبير من الجنود الإغريق، وأفلح في اقتحام تحصينات الدلتا واستولى على منف، ففر نقتانبو إلى بلاد النوبة. وتحدثنا المصادر القديمة أوخوس بانتصاره بإهانة المصريين إهانة فاقت أعمال قمبيز، أسكن حساراً في معبد فتاح وذبح العجل أبيس وقدمه في مأدبة الاحتفال وقد استر حكم الفرس في مصر إلى أن فتحها الإسكندر في عام 332.

طبقات السكان وصفاتهم:

وإذا استعرضنا تاريخ مصر في خلال الثمانية القرون التي أعقبت عصر الملوك الكهنة فإننا نجد أن معظم سكان البلاد كانوا يتألفون من قوة مزارعين محافظين أشد المحافظة، لم تتغير عاداتهم وطباعهم منذ آلاف ؟؟؟ وملوك نباتا والأشوريين والفرس، وأعطى الليبيون والنوبييون أهل مصر ارستقراطية وأسر مالكة، لكن هؤلاء الغرباء اندمجوا في أهالي البلاد في الجوهر، ولم يحتفظوا إلا بمظاهر أصلهم الأجنبي مثل الاسم وما أشبه ذلك. ومن بين كل حكام مصر الأجانب كانت الأسر الليبية أطولها بقاء فإنها بدأت تسيطر على مصر في عهد الأسرة الحادية والعشرين، وبعد ذلك بسبعة قرون كان أمراء سايس لا يزالون يحملون اسم أبسمتيك، وهو الذي يبدو أنه كان ليبيًا. وكان أغلب طبقة المحاربين المصريين في خلال هذه الفترة من أصل ليبي، ولم يقض على العنصر الليبي إلا ظهور الجنود المرتزقة الإغريق والفتح الفارسي. ويبدو المزيج الليبي في الطبقة العليا قيل كل شيء بالإضافة إلى الأسرة المالكة، أما المزيج السامي والأناضولي والنوبي فيبدو غالبا في المدن. أما عنصر أهل الريف، وكان يتألف من غالبية أهل البلاد، فقد بقى بوجه عام مصريًا خالصًا وكذلك بعيدًا عن لاشوائب، لأن الانحلال لم يحل إلا بأهل المدن والطبقات الحاكمة في العواصم.

وقد مر بنا أن الأمة المصرية، برغم ما بلغته إذ ذاك من الثروة والأناقة والرقي الفني، كانت ضعيفة منحلة. إلا أن الأنصاف يقتضينا أن نذكر أن عنصر أهل الريف في الأمة لم يكن ضعيفً، وأنما كان عنصرًا وديعًا يحب السلام فيما عدا المنازعات المحلية بين القرى، حيث كان استعمال “النبوت” شائعًا. وعندما كانت تلك العصى الغليظة في قبضة فرعون حازم أو حاكم أجنبي قوي. فإن أهل الريف كانوا يخضعون له. ولم يقدر على قيادة العلاج خارج مصر. وأبعاده عن أرضه التي يعشقها سوى فرعون شديد. أو حافز قوي. وأما إذا كانت في البلاد حكومة ضعيفة أو إذا حلت بها الفاقة. فإنه كانت كالغاب المكسور لا تستطيع دفع فاتح شديد المراس إلا بالوسائل السياسية. ولا نسمع في هذه الفترة شيئًا جديدًا عن طبقة المزارعين، وفي الواقع يبدو أن أحوال هذه الطبقة لم يطرأ عليها أي تغير يذكر على مر العصور. وأما طبقة المحاربين من المصريين الخالصين، فإنها كانت طبقة ممتازة داخلها الغرور وأما كفايتها إلى حد أن الجنود المرتزقة الإغريق أصبحوا عماد الجيوش المثرية منذ بداية العصر الصاوي، وهوما تأباه كل دولة تحترم وتعتز بكرامتها. وأما طبقة الكهنة فإنها كانت أيضًا طبقة ممتازة، ؟؟ بأحقاد متبادلة بين المعابد المختلفة تمخضت عن تقطيع أوصالها.

وبالغرم مما أصاب الأمة المصرية من الانحلال السياسي، فإنها قوة الحيوية الكامنة فيها بمقدرتها العجيبة على النهوض سريعًا من الحروب المتكررة. وقد أظهر المصريون استمساكًا قويًا بتقاليدهم ليمكن القول بأن نظام الإدارة التقليدي احتفظ به دائمًا مع التعامل الضرورية، بأن النظام المعقد الذي نعرفه من أيام البطالمة والرومان معروفًا قبل ذلك وإنما بشكل أقل تعقيدًا.

وحتى الأسرة الثانية والعشرين كانت كل الوثائق تكتب بالهيوانية أما منذ عهعد ملوك نباتا فقد بدأ استعمال الديموتيقية. ولم يأت الأسرة السادسة والعشرين حتى كانت الديموتيقية تستعمل في كلٍ كافة الوثائق فيما عدا الدينية منها، فقد كانت تكتب الهيراتيقية ذلك فإنه قبل عهد البطالمة لم يوجد إلا قدر طفيف من بالديموتيقية.

وقد كان المصريون شديدي التمسك بدياناتهم، وهي تمتاز في الفترة بازدياد أهمية السحر وبنهضة دينية اصطبغت، كبقية نهضة العصر، يميل إلى القديم، مما أدى إلى أحياء “كتاب الموتى” و”نص الأهرام”، وقد أصبحت الديانة تصطبغ بصبغة جنازية تبعًا ؟؟ التي اكتسبوا أوزيريس على حساب آمون، فقد أخذ هذا الإله تدريجًا من مكانته السامية، وإن كان لا يزال يعتبر في العصر الصاوي “ملك الآلهة” ويحتمل أن تخريب طيبة في عام 663 وضع نهاية هذا الإله الدينية فقد خلفه أوزيريس منذ ذلك الوقت في مخيلة بمثابة الإله الذي يقدسه الجميع .

المزيد

http://history.egypt.com

المعابد المصرية

المعابد المصرية

المعابد المصريةة ( ادفو )لقد قصر البطالمة منشآتهم الدينية في بداية عهدهم على الدور التقليدي الذي كان الفراعنة يقومون به في العصور السابقة ، وهو القيام ببعض الإصلاحات أو الإضافات الجزئية أو إكمال زخرفة بعض الجدران . ففي معبد الأقصر أقيم على عهد الإسكندر الأكبر هيكل صغير كان مصريًا في تصميمه وعمارته وزخرفته .

وفي المعبد الأكبر بالكرنك أنشئ هيكل آخر من الطراز نفسه أيام فيليب أرهيدايوس. ويبدو هذا الاتجاه نفسه نحو تقليد الفن القديم في زخرفة إحدى قاعات هذا المعبد، وهي التي تحمل اسم الإسكندر الرابع، فزخر فتها تشبه زخرفة ما يجاورها من القاعات .

ولا شك في أن ما تم باسم فيليب أرهيدايوس والإسكندر الرابع كان من عمل بطلميوس الأول عندما كان واليًا بحكم مصر باسميهما وقد بنى بطلميوس الثالث الباب الخارجي في معبد فتاح بالكرنك، وقد بنى بطلميوس الرابع مدخل هذا المعبد معبد خنسو، وشيد بطلميوس الثامن معبدًا صغيرًا بالكرنك للآلهة ابيت. ونرى كذلك أثر منشآت البطالمة في المعابد الجنازية على ضفة النيل الغربية في معبدي دير المدينة ومدينة هابو .
معبد أدفو :

وإلى جا نب هذه المنشآت الثانوية التي اقتفت أثر الفن المصري القديم، وأنشأ البطالمة معابد مصرية كبيرة في ادفو ودندرة وكوم أمبو واسنا وفيله. وأكمل هذه المعابد اليوم وأكبرها هي المعابد الثلاث الأولى ، وقد وضع بطلميوس الثالث أساس معبد أدفو في 23 أغسطس عام 237 ق.م إلا أن بناءه لم يتم قبل 5 ديسمبر سنة 57 ق.م. ولهذا المعبد كالمعابد الفرعونية بوابة مصرية صميمة، لكنه لا توجد أمامها أي أثار لتماثيل ضخمة أو مسلات على نحو ما كان يوجد عادة في المعابد الفرعونية. وتزين هذه البوابة زخرفة تقليدية ترينا في أعلاها مناظر دينية مختلفة، وتحتها الملك ينقض على أعدائه في حضرة الإله حورس .

وتؤدي البوابة هنا ، كما هي الحال في معبد خنسو ، إلى فناء يحيط بجانبيه وبالجدار الذي فيه المدخل دهلير ذو أعمدة تحمل رءوساً من طرازي النخيل وزهرة اللوتس، وكذلك من الطراز المعروف باسم رءوس الزهور أو الرءوس المركبة، كالتي توجد في معبد نكتانبو الذي يرجع إلى عهد الأسرة الثلاثين . وتشبه كل رأس من الرءوس المركبة ناقوسًا يزين جوانبه عدد من الأزهار وأوراق نباتات مختلفة رتبت في أوضاع متباينة ، وتقوم فوق الناقوس ، بمثابة أفريز ، رأس من رءوس حتحور ، وهي عبارة عن مكعب ضخم تزين كل وجه من وجهه الأربعة رأس سيدة لها أذنًا بقرة . وقد زينت الأعمدة والجدران التي خلفها بمناظر دينية ونقوش، نحتت في جوف الصخر ولطبت بالألوان، على نحو العادة المألوفة في آثار الأسرة الثامنة عشرة.

وكما هي الحال في معبد خنسو ، توجد خلف الفناء صالة ذات أعمدة ، تقوم إلى كل من جانبي مدخلها ثلاثة أعمدة تصل بين بعضها بعضًا وكذلك بينها وبين الجدارين الجانبين في هذه الصالة ستة جدران قصيرة ، لا يتعدى ارتفاعها نصف ارتفاع الأعمدة . ووراء هذه الأعمدة الستة صفان آخران في كل منهما ستة أعمدة ، صفت خلف أعمدة الواجهة واتفقت معها في الطراز. ورءوس هذه الأعمدة من طرازي رءوس النخيل ورءوس الزهور على التعاقب .

ويثير منشأ الجدران القصيرة خلافًا كبيرًا في الرأي لا نرى موجبًا له ، لأن هذه الستائر ليست بدعة استحدثت في عصر البطالمة وأن كل استخدامها قد شاعر في هذا العصر ، فإنها لم تظهر لأول مرة في معابد البطالمة بل ظهرت قبل ذلك ، على عهد الدولة الحديثة في المرنك وفي مدينة هابو ، وكذلك على عهد الأسرة الثلاثين في مدينة هابو وفيلة . ويمكن تتفسير استخدام هذه الستئار بالرغبة في السماح لقدر كبير من الضوء والهواء بالوصول إلى الأجزاء الداخلية بالمعبد ، وهي الرغبة نفسها التي أدت إلى أن يستبدل بنظام الإضاءة الشائع قديمًا عن طريق الفتحات العليا المترتبة على ازدياد ارتفاع الأعمدة الوسطى على ارتفاع الأعمدة الجانبية نظام آخر ، عرف كذلك في بعض المعابد الفرعونية وكان عبارة عن عمل فتحات كبيرة في السقف ، وقد زينت جدران هذه الصالة وأعمدتها بمناظر تمثل بطلميوس الثامن وهو يقوم ببعض الطقوس التي تتصل بإنشاء هذا المعبد .

وفي الجدار الشمالي بهذه القاعة مدخل يؤيد على صالة أعمدة ثانية أصغر من الأولى ، لكن جمالها يعيضها خيرًا عن صغر حجمها . وبهذه القاعة أثنا عشر عمودًا من طراز الأعمدة ذات الرءوس المركبة . وهذه الأعمدة مرتبة في ثلاثة صفوف ، يتألف كل منها من أربعة أعمدة أقل ضخامة من أعمدة الصالة الأولى . وزخرفة هذه الصالة الثانية تشبه في الموضوع زخرفة الصالة الأولى ، إلا أننا لا نرى فيها بطلميوس الرابع بدلاً من الثامن ، هذا إلى أنها تمتاز بالمستوى الرفيع الذي بلغه فنها . وليس لهذه الصالة مثيل في معبد خنسو ، لكنه لها نظائر في معابد فرعونية أخرى مثل معبد مدينة هابو والرامسيوم . وكما هي الحال في هذين المعبدين، توجد هنا كذلك غرف صغيرة إلى جانبي هذه الصالة الثانية .

وكما هي الحال في الرامسيوم تؤدي هذه الصالة إلى قاعتين صغيرتين أحداهما خلف الأخرى ، وقد زينت جدران هاتين القاعتين بمناظر تمثل الملك وهو يتعبد إلى آلهة مختلفة . وتؤدي القاعة الخلفية إلى قدس الأقداس ، وهو قاعة مستطيلة بها باب واحد يقع على المحور الرئيسي للمعبد . وتمثل المناظر التي زخرفت بها جدران قدس الأقداس الملك وهو يعبد حورس وزوجته حتحور . ويقوم وسط هذه القاعة مذبح واطئ كانت توضع عليه المركب المقدسة ، وعند نهاية هذه القاعة يوجد ناءوس صغير وضع فيه تمثال بديع للصقر المقدس . وكانت هذه الغرفة تبقى مغلقة مختومة ، لا تكسر اختامها ولا يفتح بابها إلا في الأعياد الكبرى ، ولا يسمح بدخولها إلا للكاهن الأكبر وفرعون ، الذي كان مركزه يخول له أن يقوم بمهام الكاهن الأكبر في أي معبد ، وكما هي الحال في معبد خنسو ، يحيط بقدس الأقداس دهليز يفتح عليه عدة غرف صغيرة . خصصت كل منها لعبادة أحد الآلهة ويوجد في هذا المعبد ، كما يوجد في المعابد الفرعونية ، سلمان أحدهما في الجانب الشرفي والآخر في الجانب الغربي لبلوغ سطح المعبد . وقد غطيت جدران السلمين بمناظر مهرجانات دينية .

وكما هي الحال في معبد الكرنك ، يوجد في معبد ادفو دهليز خارجي يدور حول أجزائه الداخلي ابتداء من صالة الأعمدة الأولى . وقد زينت الواجهة الداخلية لجدران هذا الدهليز بمناظر معارك حورس مع ست ، وبمناظر للطقوس التي تخلد انتصار حورس ، أما الواجهة الخارجية لجدرانه فتحمل مناظر لبطلميوس العاشر اسكندر الأكبر وزوجه الملكة برينيكي وهما يعيدان آلهة مختلفة .

ويتبين لنا من كل ما مر بنا أن معبد ادفو معبد مصري بحت في تصميمه وعمارته وطراز زخرفته ، حتى أن علماء الآثار لم يستطيعوا التعرف على تاريخه قبل قراءة نصوصه مما يدل على أنه يخلو من التأثيرات الإغريقية خلوا تمامًا .

معبد دندرة :

في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد ، أمر أحد البطالمة الأواخر ، ولعله كان بطلميوس التاسع سوتر الثاني ، بإزالة بناء المعبد القديم الذي أقيم منذ عهد الملك خوفو لحتحور الآلهة لحتحور الآلة الحامية لدندرة ، وإقامة معبد آخر جديد على أنقاضه ، لم يتم إلا حوالي منتصف القرن الأول ، في عهد أباطرة الرومان ، ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أخرجه فن المعمار في عصر البطالمة والرومان وهو يشارك معابد ذلك العصر في الخواص المميزة لها .

ويمتد حول بناء المعبد كله جدار خارجي يتوسطه في الناحية الشمالية باب المعبد ، الذي يؤدي إلى فناء لا سقف له . وتقع وراء الفناء صالة الأعمدة الكبرى ، وهي قاعة كبيرة يحمل سقفها أربعة وعشرون عمودًا ضخمًا ، رتبت في أربع صفوف يكون أولها جدار البهو الخارجي ، إذ تربط أعمدة هذا الصف بعضها ببعض حوائط قصيرة على نمط ما رأينا في معبد ادفو . وتصل هذه الستائر هنا أيضًا إلى نحو منتصف ارتفاع الأعمدة ، وهي تحمل افريزا ضخمًا بزينه قرص شمس ذو جناحين . وفي الإفريز نقش ينبئنا بأن بناء هذه الصالة قد تم في العام العشرين من حكم الإمبراطور تيبريوس ، وبأن أهالي المديرية وعاصمتها قد أهدوه باسم هذا الإمبراطور إلى الآلهة أفروديتي (أي حتحور) وأقرانها من الآلهة . وتعلو هذه الأعمدة رءوس من النوع المعروف برءوس أعمدة حتحور وتزين هذه الأعمدة والجدران مناظر دينية ونقوش ورموز ، مرتبة درجات ، الواحدة فوق الأخرى في كثرة جعلتها تزاحم بعضها بعضًا ، لكن المناظر لا تخلو من الطرافة إذ أننا نتبين فيها زيارة ملكية إلى المعبد وإهداء ضياع إلى آلهته . أما السقف فكله مزين بمناظر فلكية .

وتؤدي هذه الصالة الكبيرة إلى صالة أعمدة صغيرة يحمل سقفها ستة أعمدة ، رءوسها من النوع المعروف برءوس الزهور أو الرءوس المركبة ، وتزين أعمدة هذه الصالة وجدرانها مناظر تتصل ببناء المعبد . وتتصل بكل جانب من جانبي هذه الصالة ثلاث غرف كانت تستخدم لتخزين حاجات المعبد والنذور . وتؤدي صالة الأعمدة الصغرى إلى قاعتين صغيرتين ، أحداهما وراء الأخرى على نمط معبد أدفو ، وتسمى القاعة الأولى “قاعة المذبح”، حيث كانت تقدم القرابين ، وتغطي جدرانها مناظر تمثل الملك وهو يقدم القرابين إلى حتحور وابنها . وإلى يمين هذه القاعة ويسارها توجد السلالم التي تصل إلى سطح المعبد . وتزين جدران هذه السلالم مناظر موكب الآلهة في غدوة إلى السطح ورواحه ، عندما كانت تحمل في جمع حاشد ، تحفها مظاهر العظمة والجلال ، لتلقي نظرة على ممتلكاتها العظيمة ، وتسمى القاعة الثانية “قاعة التسع المقدسة” ، وهي لا تزيد على ممر بسيط يغطي جدرانه مناظر تشير إلى أن حتحور وقد تجسمت فيها كل الآلهة الأخرى أصبحت وحدها منبع الحياة ، وإلى جانبي كل من هاتين القاعتين توجد غرفتان .

وتؤدي القاعة الثانية إلى قدس الأقداس ، وهو قاعة مزينة بمناظر زيارة فرعون للآلهة ، ويحيط بهذه القاعة المقدسة دهليز يؤدي إلى إحدى عشرة غرفة صغيرة بجانب بعضها بعضًا ، كان لكل منها اسم خاص ، مثل “غرفة اللهب” و”عرش رع” و”اتحاد الوجهين” و”غرفة الميلاد” و”غرفة البعث” الخ.. لكنه قد أصبح من المتعذر علينا الآن استبانة الغرض من هذه الغرف ، بعد أن فقدت أسماؤها الدلالة التي توحي بها .

ومن أهم خواص هذا المعبد كثرة الأقبية ، التي بنيت في سمك الجدران تحت مستوى الأرض وغطيت مداخلها بألواح صخرية متحركة وكل هذه الأقبية مزينة بنقوش بارزة ملونة. وقد كانت بعضها لإقامة الطقوس السرية للآلهة ، والبعض الآخر لحفظ كنوز المعبد التي لابد من أنها كانت ذات قيمة كبيرة .

وتزين جدران المعبد من الخارج مناظر تمثل عبادة عدد من الآلهة . ويرى في هذه المناظر كليوبترة السابعة ، في شكل الآلهة إيزيس ، وابنها فيصرون وهما يتعبدان إلى الآلهة .

إن هذا المعبد كغيره من معابد البطالمة والرومان ، بالرغم من تأخر عهده وإنشائه بعد زوال دولة الفراعنة وانتشار الفن الإغريقي في مصر ، لا يختلف في جوهره عن معابد الفراعنة ولا نلمس فيه أي أثر للفن الإغريقي ، فهو مصري خالص في تخطيط وعمارته ونقوشه .

معبد كوم أمبو :

لقد انشئ هذا المعبد في عهد بطلميوس السادس فيلومتور ، لكن زخرفته لم تتم إلا في العصر الروماني ونرى في هذا المعبد أيضًا الخواص نفسها التي نجدها في غيره من المعابد المصرية البطلمية من حيث التصميم والعمارة والزخرفة، غير أنه لهذا المعبد ميزة خاصة تمخضت عن العبادة المحلة في المكان، حيث كان الناس يعبدون إلهين محليين وهما سبك وحورس ذو رأس الصقر، وعلى الرغم من اختلاف هذين الإلهين في النشأة وفي الطابع، فقد عاشا جنبًا إلى جنب قرونًأ طويلة دون أن يمزجا أو يقرنا ببعضهما بعضًا، و من ثم فإنه لا يوجد في هذا المعبد قدسان متجاوران للأقداس فقط بل توجد فيه كذلك على محور كل من هذين القدسين أبواب إلى جانب بعضها بعضًا، في الجدار الخارجي وفي جدران صالتي الأعمدة وما وراءهما، وتبعًا لذلك ينقسم المعبد قسمين خصص كل منهما لعبادة أحد هذين الإلهين.

وقد زينت جدران هذا المعبد بزخرفة مصرية صميمة، تمتاز بدقة صنعها وحسن انسجامها وبجمال ما فيها من التوازن بين شخصيات مناظرها وما حولها من النقوش الهيروغليفية التي تتمم هذه المناظر.

رءوس الأعمدة:

وقد بقى أن نذكر كلمة عن رءوس الأعمدة المختلفة التي كانت شائعة في عصر البطالمة، وكلها معروفة من قبل هذا العصر ولاسيما ما يعرف منها برءوس حتحور ورءوس النخيل ورءوس اللوتس ورءوس البردي، وهي رءوس مصرية صميمة لم يرق الشك إطلاقًا إلى طرازها المصري.
وأكثر رءوس الأعمدة انتشارًا في عصر البطالمة هي رءوس الأعمدة المركبة، التي يرى فيها البعض دون موجب ولا سبب معقول أثراً لرءوس الأعمدة الكورنثية. أما نحن فنعتقد أنها مصرية صميمة، وثمرة النهضة الفنية التي ازدهرت في خلال العصر الصاوي ـ أي في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ـ وكانت تستهدف أحياء التقاليد القديمة، التي أخرجت الكثير من آيات الفن المصري. وبيان ذلك أننا نعرف أن عمودي البردي واللوتس يرجعان في أصلهما إلى القوائم البدائية، التي كان يحمل عليها السقف وتزين رءوسها بالأزهار، لكن لما كان الفنان في العصر الصاوي يفوق بطبيعة الحال فنان الدولة القديمة في التقدم ورقة الشعور، فإنه لم يرجع القهقري إلى تلك القوائم البدائية، بل اتخذ نواة عموده من عامود البردي المزدهر (Campaniform) ذي الرأس المفتوحة، وزينة كما فعل أجداده من قبل بباقة من الزهور. غير أنه اختار الزهور من عدة أنواع بدلاً من نوع واحد، مثل اللوتس أو البردي، كما فعل فنانو الدولة القديمة.

والأنواع المتعددة المعقدة لهذه الرءوس الجديدة لا يمكن أن تكون قد استنبطت في خلال فترة قصيرة، بل لابد من أنها كانت ثمرة تطور طبيعي طويل، لكنه من العسير بل من المحال أن نتتبع الآن أدوار هذا التطور نظرًا إلى تهدم معابد العصر الصاوي. وظهور أنواع هذه الرءوس كاملة على عهد الأسرة الثلاثين في معبد نكتانبو الثاني، أي في أواسط القرن الرابع قبل الميلاد، يحملنا على الاعتقاد بأن تاريخ هذه الرءوس لابد من أنه يرجع إلى عصر سابق على الأسرة الثلاثين. وإذا ما محصنا جميع الاعتبارات المختلفة وجدنا أن العصر الصاوي أنسب وقت لذلك بسبب نهضة الفنية وما ساد فيه من السلام والرخاء. وإذا كانت هذه الرءوس في دور التكوين في خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، أي قبل ظهور العامود الكورنثي بمدة طويلة، وإذا ما تذكرنا أصل الأعمدة المصرية المزدانة بالزهور، وإذا ما عرفنا أن العناصر التي تتكون منها الرءوس الجديدة مصرية بحت، فإنه يتضح لنا بطلان الزعم الذي يرى في الرءوس الجديدة أثرًا للعامود الإغريقي الكورنثي. وإذا كانت ثمة علاقة بين الاثنين، فإن العكس أقرب إلى الصواب، لأن المصري كان يزين رءوس أعمدته بالأزهار قبل عهد الإغريق بالأعمدة، كما أن الحلقات (Volutes) الجانبية في الرءوس الكورنثية تحمل شبهًا كبيرًا للأطراف المتدلية من أوراق زهرة السوسن (Iris)، التي كانت رمز مصر العليا، وتستعمل في الزخرفة في مصر الدولة الوسطى.

مميزات العصر الهلينيستي

وبموت الإسكندر يبدأ في العالم الإغريقي العصر الذي اتفق المؤرخون على تسميته بالعصر الهلينيسي. ولما كان تاريخ مصر منذ الفتح المقدوني قد أصبح يتصل اتصالاً وثيقًا بالعالم الإغريقي، فإن عهد البطالمة ينتمي إلى العصر الهلينيسي . وينتهي هذا العصر بموقعة أكتيوم في عام 31 ق.م. وهي التي بسط الرومان بعدها سلطانهم على مصر، وكانت آخر مملكة هلينيسية لا تزال مستقلة، ولو اسمًا . ولما كانت معالم هذا العصر قد بدأت قبل وفاة الإسكندر واستمرت في البقاء إلى ما بعد أغسطس، فإنه يتبين لنا أن هذين التاريخين ليسا سوى اصطلاح اتفق عليه المؤرخون، لكن هذين التاريخين ينمان عن حقيقتين: وإحداهما هي أن أعمال الإسكندر تكشفت عن نتائج غيرت وجه العالم فلم يعد شيء على حالته السابقة. والحقيقة الأخرى هي أنه بعد خضوع العالم الهلينيسي لروما وتدهوره مع تدهور الإمبراطورية الرومانية أبان حروب روما الأهلية، أعيد بناؤه ثانية مع الإمبراطورية الرومانية على قواعد جديدة، ومن ثم بدأت الحضارة الإغريقية ـ الرومانية.ويختلف العلماء في تعريف العصر الهلينيسي، فيرى بعضهم أنه عصر حضارة جديدة تتكون من عناصر إغريقية وشرقية، ويرى بعضهم أنه عصر انتشار الحضارة الإغريقية بين الشرقيين، ويرى بعضهم أنه لا يتعدى استمرار الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة. وفي رأينا أنه مزيج من ذلك كله، لأن كلاً من هذه الآراء يحتوي على قدر من الحقيقة، ففي هذا العصر استمرت الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة في جوهرها، لكنه داخلتها بعض العناصر الشرقية، ولم تنتشر هذه الحضارة في ربوع الشرق فحسب بل أن مراكزها الرئيسية لم تعد في بلاد الإغريق القديمة، وإنما في عواصم الممالك الجديدة التي أنشأها خلفاء الإسكندر الأكبر على أنقاض الإمبراطورية المقدونية. فلا عجب أن وصفت الحضارة الهلينيسية بأنها حضارة ملكية، والحضارة الهلينية الكلاسيكية بأنها حضارة المدن الحرة.

مميزات العصر الحضارية:

ويمثل هذا العصر من بعض النواحي مرحلتين من مراحل الحضارة، أثمرت في أولاهما العلوم والفلسفة والآداب وغيرها من مظاهر النشاط الفكري، في ظل عالم إغريقي ـ مدقوني مستقل. وأما في المرحلة الثانية فقد نضب معين الإنتاج العقلي وقام الشرق في وجه الغرب، وحين كانت هذه الثورة تهدد العالم الإغريقي ـ المقدوني انقضت روما على هذا العالم واستولت عليه وآلت إليها زعامة الحضارة الإغريقية. و يمكن أن نعزو ضعف النشاط العقلي في المرحلة الثانية إلى عاملين: وأحدهما هو نقص عدد الإغريق الصميمين بانتظام بعد حوالي عام 200ق.م. والآخر هو مجهودات روما في تحطيم الروح المعنوي بين الإغريق.

ويمثل العصر الهلينيسي من نواح كثيرة وحدة واحدة، ذلك أنه بالرغم من أن الدول الإغريقية تمسكت من الوجهة العملية بمبدأ الانفصالية والاستقلال، فإنه من الوجهة النظرية خلفت فكرة العالمية هذا المبدأ، ومن ثم نشأت فكرة وجود عالم واحد (oikoumene) يعتبر ملكًا مشتركًا للبشر المتحضرين، ومن أجله وجدت لغة مشتركة (Koine) ساعدت التقرب بين عناصر هذا العالم، فقد أخذ المتعلمون في كل مكان يستمعلون لهجة أنيقًا، التي نشأت منها تدريجيًا اللغة الإريقية الهلينيسية، فقال اللغة التي كتبت بها التوراة الجديدة. وإذا كانت اللهجات المحلية بقيت مدة طويلة في بعض الأفحاء، فإنه لم يأت القرن الأول حتى كانت اللغة المشتركة” مستعملة في كل مكان.

انتشار التعليم

ويمتاز العصر الهلينيسي بانتشار التعليم وتقدمه، ولا أدل على من أن المواطن (Gymnasiarch) الذي كان يناط به الإشراف على التعليم في الدولة الإغريقية أصبح أهم حكامها. وانتشرت المدارس الأولية للبنين والبنات في أكثر الدول الإغريقية تحضرا، بل كان الأولاد والبنات يتعلمون معًا في بعض المدن مثل تيوس (Teos) وخيوس (Chios)، كان ذلك من قبل في أسبرطة. ويبدو أن تعليم البنات كان يقف عند انتهائهن من هذه المدارس. أما الأولاد فإنهم كانوا ينتظمون بعد ذلك في سلك الجومنازيوم (gymnasium) ويتلقون فيه عادة في التاسعة عشر والعشرين من عمرهم تعليم الشبان، (Ephebeia) ، وكان الهدف لهذا التعليم تدريبهم عسكريًا، لكنه كان يشمل أيضًا تثقيفهم، لأن التدريب العسكري في بعض المدن إجباريًا، لكنه لم يلبث أن أصبح عام اختياريًا. وقد أوجدت اللغة المشتركة والتعليم حضارة مشتركة في العالم الإغريقي، انتشرت في كنفها الآداب والفلسفة، وعمت في ظلمها حرية الفكرة والقول، وزالت الكراهية العنصرية، اللهم إلا إذا استثنينا المصريين واليهود.

روح الأخاء:

وقد ساعدت فكرة العالمية وانتشار التعليم واستخدام لغة مشتركة على تقدم روح الأخاء الإنسانية في الوقت الذي استعرت فيه نار الحروب والمنازعات بين الإغريق، إذ أن الدول الإغريقية أخذت تلجأ منذ القرن الثالث أكثر من أي وقت مضى إلى فض ما قد ينشب بينها من الخلافات على الحدود بالتحكيم بدلاً من الحرب. بل استطاع الإغريق في خلال الجزء الأكبر من القرن الثالث أن يخففوا من ويلات الحرب، إذ أن العرف كان فيما مضى يبيح للمنتصر أن يقتل رجال المدن التي يستولى عليها، وأن يبيع نساءها وأطفالها، لكن الإسكندر الأكبر استبدل بذلك بيع جميع السكان، ثم قضى خلفاء الإسكندر على هذه العادة الشائنة، وقبل عودة الحرب ثانية إلى فظاعتها الأولى منذ أواخر القرن الثالث، نستشف دليلاً على استيقاظ العواطف الإنسانية في الحركة التي بدأت في النصف الثاني من ذلك القرن، وتكشفت عن اعتراف الدول الإغريقية بأن بعض المدن أو الأماكن “مقدسة” كالمعابد، أي لا يجوز أن يعتدي عليها الأفراد أو الدول.

مركز المرأة:

ولقد تأثر مركز المرأة في العصر الهلينسي بالدور الذي لعبته الأميرات المقدونيات العظيمات في الفترة التالية لوفاة الإسكندر، إذ أن شأن تلك الأميرات لم يكن أق لمن شأن الرجال العظام من حيث الاضطلاع بأدوار هامة في الحياة العامة، فقد كن يستقبلن البعثات السياسية، ويبنين المعابد ويؤسسن المدن، ويستأجرن الجنود المرتزقة، ويقدن الجيوش، ويدافعن عن القلاع، ويضطلعن بالوصاية على الملك أو يشتركن فيه. فلا عجب إذن أنه كان لسيدة جميلة قادرة مثقفة، مثل أرسينوي فيلادلفوس، أثر أي أثر حتى على رجال عصرها، ومن القصور المقدونية امتدت الحرية النسبية إلى النساء العاديات، فاستطاعت من شاءت منهن أن تتحرر إلى حد كبير من ربقة التقاليد القديمة، فكان في الإمكان إذ ذاك أن تحصل النساء على كل ما يردن من التعليم، فظهرت بينهن في القرن الثالث الفيلسوفة والشاعرة والفنانة. ووجدت أندية خاصة للنساء في أثينا والإسكندرية، لكنه لا شك في أن هذه الحرية لم تكن إلا من نصيب الأقلية من نساء هذا العصر.

الأندية:

وربما كان ظهور أندية السيدات صدى للاتجاه الذي نشط في العالم الإغريقي منذ حوالي عام 300 نحو تكوين جمعيات صغيرة كانت قبل كل شيء اجتماعية ودينية تقوم حول عبادة إله معين. وأخذت تظهر أيضًا في أثينا وقوس جمعيات عرفت بحرف أصحابها، لكن نقابات أصحاب الحرف لم تعرف في العصر الهلينيسي إلا في مصر. وقد كانت هذه الأندية أو الجمعيات تتخذ من نظم الدول أساسًا لنظمها، فكان لها من الحكام مثل ما كان للمدن، وكانت تصدر قرارات مثل المدن، لكنه لم تكن للأندية عادة أغراض سياسية.

سخاء الأغنية وقلة الأجور:

ولعله من أبرز مظاهر هذا العصر الزاخر بالمقتضيات ذلك البون الشاسع بين سخاء الأغنياء وقلة الأجور، فقد كان الأغنياء على أتم الأهمية للتبرع بأموالهم في خدمة الدولة بقدر ما كانوا غير مستعدين لدفع أجور مناسبة، فكثيرًا ما لبى الأغنياء نداء دولهم فأعاروها مبالغ كبيرة دون أرباح، أو تبرعوا لها بهذه المبالغ، أو أخذوا على عاتقهم إنشاء معبد أو جسر أو سفينة حربية أو إقامة حفل عام أو تمثال. وعلى الرغم من هذا الروح النبيل، فإن الناس في هذا العصر لم يعرفوا الأخاء كما تعرفه اليوم، أو بعبارة أخرى مساعدة الأغنياء للفقراء بطريقة منتظمة مثل إنشاء جمعيات خيرية أو مستشفيات أو ما أشبه ذلك.

اضطرابات اجتماعية

وقد كان هذا العصر حتى أوائل القرن الأول عصر رخاء بوجه عام للطبقات العليا، ونستدل على ذلك من رواج التجارة، وانتشار الأندية وإقامة الحفلات، والترف في المأكل والملبس، والعناية بتخطيط المدن وبناء المنازل وأثاثها. وقد أدى تدهور قيمة النقد حوالي عام 300 إلى ارتفاع الأسعار، لكنه لم يقابل ذلك ارتفاع مماثل في أجور العمال بل أحيانًا هبوطها، فاتسع الفارق بين الأغنياء والفقراء مما أدى إلى اضطرابات اجتماعية، ساعد على اشتعال لهيبها مذاهب الرواقيين التي كانت تنادي بالمساواة والأخاء.

وجوه الشبه والخلاف بين العصرين الهلينيسي والحديث

ويبدو لأول وهلة أن وجه الشبه بين العصر الهلينيسي والعصر الحديث قريب جدًا، فقد كانت توجد الكثرة نفسها من الدول الكبيرة والصغيرة التي تسودها حضارة رفيعة مشتركة، ونشأت فيها أفكار الإنسانية والأخاء وتحرير المرأة، وانتشر فيها التعليم انتشاراً أخرج أفواجًا من أنصاف المتعلمين، ونشأت فيها متاعب قاسية من جراء الأسعار والأجور نشطت روح الحزبية وأدت إلى الأفكار الاشتراكية والشيوعية. ومع أنه كانت توجد ظواهر كثيرة تشبه ظواهر حديثة فإن التشابه ليس تامًا بين العصرين. ولعل مرد ذلك أن اختلاف جوهري أساسه أن العالم القديم لم يعرف الآلات وكان يعج بالعبيد هم الذين اعتد عليهم النشاط الاقتصادي إلى حد كبير.

عصر البطالمة شطران:

ويمكننا دون تردد أن تقسم عصر البطالمة إلى شطرين: الأول منذ البداية حتى معركة رفح عام 217 ق.م. والثاني من هذا التاريخ حتى سقوط دولة البطالمة. وسنشهد في الشطر الأول تشييد دولة البطالمة وإمبراطوريتهم البحرية، وقدوم الإغريق إلى مصر وتغلغلهم في أنحائها واغتصابهم مواردها واحتلالهم أرفع المناصب فيها، حين كان المصريون يرزحون تحت أعباء أثقلت كاهلهم، لكن شعورهم بضعفهم تركهم يئنون من جراحهم صابرين على ما رمتهم به الأقدار حتى يحين يوم الخلاص. وأما في الشطر الثاني فسنشهد كيف انبعث الروح القومي نتيجة لموقعة رفح، تلك المعركة التي تعتب ردرة في تاريخ الجيوش المصرية، فقد كانت الفرق المصرية دعامة النصر على جيوش ملك سوريا الإغريقية. وقد أزكى ذلك الفوز روح الوطنية الكامن في الصدور وأعاد إلى المصريين الثقة بأنفسهم، وأرغم البطالمة على النزول عن صلفهم وجبروتهم والنظر بعين جديدة إلى هذا الشعب الذي انتزع أبناؤه نصرًا عز على القوات الإغريقية، ومن ثم أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في حكم المصريين كما سنرى بالتفصيل.