عمر القاهرة

عمر القاهرة

* نريد توضيح من سيادتكم كيف يكون عمر مدينة القاهرة من 12 إلى 50 ألف سنة؟
* * من بين النظريات التى وضعت فى أحد مؤتمرات تاريخ المدن الذى انعقد فى مدينة فيينا قبل الحرب العالمية الثانية هذه النظرية تحدد المعالم الحضارية الإنسانية أو حفريات آثار التجمع الإنسانى فى المدينة نفسها و اعتبارها نقطة البداية فى تاريخ تحديد نشأتها فإذا طبقنا هذه النظرية للبحث عن أصل القاهرة و ميلادها نجد أنه بناء على الحفريات و البحوث التى سجلها العلماء من أمثال يوفبيه كايبير فلاند ريترى عن أصل الحضارة المصرية و التى وجدت أقدم حفرياتها و أثر الحضارة بها فى ثلاث مناطق هى : حلوان و العباسية و عين شمس و يرجع تاريخها إلى العصر البليسبنى أى ما يقرب منخمسين ألف سنة و تلك المناطق تدخل ضمن حدود مدينة أون الفرعونية.

القديمة و بالتالى تكون هى الأساس فى تحديد عمر القاهرة بخمسين ألف سنة.

و بالرجوع إلى جذور نشأة المدينة تاريخيا نجد أن أقدم مدينة ذكرت فى الأساطير الفرعونية القديمة كانت مدينة الإله الخالق عندما خلق أرض مصر المقدسة و أطلق عليها (جب بتاه) أى أرض الإله وهو الاسم الذى أطلق على مصر و ذكر هيرودوت أن اسمها بالإغريقى (إجيبتوس) و التى تحولت بعد ذلك الى إيجيبت (EGYPT) فيما بعد و ما زالت كلمة مصر تطلق على القاهرة العاصمة حتى اليوم.

و المؤرخ المصرى القديم مانيتون السمنودى الذى كان له الفضل فى تسجيل قوائم تاريخ الحضارة المصرية و قسمها إلى أسرات و عهود حدد بداية الحضارة بنزول كتاب التوحيد بمعبد أون عام 9500 ق.م و هو التاريخ الذى حدد به تاريخ إنشاء مدينة (أون) أول عاصمة أقيمت على أرض مصر (و التى أطلق عليها إسم “جب بتاه” أى أرض الإله) و مدينة (أون) أطلق عليها فى نفس الوقت (كاهى رع) أى أنفاس روح الإله (القاهرة) و ما زالت تحتفظ بهذا الاسم و بذلك يكون عمر مدينة القاهرة الرسمى ما يقرب من إثنى عشر ألف سنة.

***

عصر نحاسي

العصر النحاسي The Chalcolithic period من اليونانية خالكس khalkos و ليثوس lithos حجر النحاس أو العصر النحاسي Copper Age، المعروف أيضا بإسم الإينيو ليثيك Eneolithic هو فترة من فترات تطور الحضارات البشرية التي بدأ معها استخدام الأدوات المعدنية إلى جانب الأدوات الحجرية. ويتجنب علماء الآثار ربط تسميته بالحجري، مع أن البعض يسميه العصر الحجري النحاسي ، ‘لا أن البعض ويفضلون تسميته العصر النحاسي ، وخاصة الأوروبيين منهم.

فترة العصر النحاسي هي فترة إنتقالية وهي خارج نظام الحقب الثلاث العصور التقليدي، وتقع بين العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي. ويبدو ان النحاس لم ينتشر بشكل واسع في البداية ، وان محاولات صناعة سبائك منه مع القصدير بدأت بسرعة، مما يجعل التمييز بين حضارات العصر النحاسي وعصورها صعبا.

وبسبب عدم الوضوح هذا ، فإن هذه التسمية تستخدم من قبل علماء الآثار في بعض أجزاء العالم فقط. وخاصة في جنوب شرق أوروبا وغرب ووسط آسيا ، حيث ظهر هناك حوالي الألف الرابع قبل الميلاد.

ويعتبر شعب البيكر الأوروبي كثيرا من الأحيان من شعوب العصر النحاسي، كما تعتبر من حضارات العصر النحاسي حضارات غرب آسيا التي كانت من أولى الحضارات المتمدنة. والعديد من الشواهد الحجرية الكبيرة في أوروبا رفعت في تلك الفترة ، وتشير بعض النظريات ان مجموعة اللغات الهندو-أوروبية المفترضة (لغة يتوقع العلماء أنها وجدت) نشأت في تلك الفترة.

أوتزي الرجل الثلجي، الذي وجد في أوتزتالر في جبال الألب والتي أرخت بقاياه إلى حدود 3300 قبل الميلاد ، كان يحمل فأسا نحاسية و سكينا من حجر الصوان. يظهرا أنه كان في منطقة من أوروبا كانت تمر في تلك الفترة التاريخية.

[عدل] المصطلح

يستخدم مصطلح عصر النحاس وفي بعض الأحيان يعرف باسم العصر الحجري المعدني (Chalcolithic) للدلالة على الفترة بين العصر الحجري الحديث وحلول العصر البرونزي.

ويحتمل أن تكون صناعة هذا النوع من المعادن قد تمت بشكل مستقل في آسيا وجنوب شرق أوروبا حوالي 7000-6000 ق.م. وقد استخدم خام النحاس منذ العصر الحجري الحديث في تركيا (موقع كاتيل هيوك). وقد تم العثور في كثير من أنحاء العالم على النحاس في شكله الطبيعي أو الخام وعليه كان يستخدم في البداية باعتباره نوع من الحجارة. وهناك أمثلة على استخدام النحاس الخام في شكل عقود أو خرز عند مجموعات الازيتك في المكسيك واستخدامه كابر ودبابيس ورؤوس حراب في ثقافات العمري والبداري بمصر.

[عدل] أين بدأت صناعة النحاس

من الصعب تحديد المكان الذي صنعت فيه أولى الأدوات والأسلحة النحاسية. والشيء المؤكد أن هذه الصناعة تطورت في أحد مراكز العصر الحجري الحديث المتطورة في الفترة من حوالي 7000-6000 ق.م (مثل البداري والعمرى بمصر والأخيرة تعتبر إحدى ثقافات عصر النحاس المبكرة والتي قد تعدم الادعاء بان مصر هي التي بدأت هذه الصناعة) . ومما يدعم بدايات صناعة النحاس بمصر هو العثور على قطع نحاسية مصرية في منطقة كريت بالبحر الأبيض وأرخت إلى 3000 ق.م . كما يرجع البعض بداية صناعة النحاس بالعراق .

ومما يؤكد احتمال أن تكون مصر أو العراق هما اللتان بدأتا صناعة النحاس ما يلي :

  1. . توجد في مصر مناجم سيناء وهى ليست بعيدة من العراق . فإذا كانت مصر هي الأولى في صناعة النحاس فلا بد أن العراق قد ساهمت أيضاً في أن تكون هي الأخرى من المناطق السابقة في صناعة النحاس.
  2. . يرى البعض أن المصريين عرفوا صناعة النحاس من العراق عبر سوريا أو عن طريق العنصر الأرمني والذي ظهر على الساحة المصرية في مصر السفلى قبل نهاية فترة الأسرات.
  3. . ذكرت ارض تسمى (Magam) وتعنى ارض السفن أو الأرض التي ترسو عليها السفن في المخطوطات السومرية في الألف الرابع ق.م على أنها تحتوى على النحاس . فإذا كانت هذه الكلمة تعنى سيناء فهذا يشير إلى أن العراقيين مثل المصريين قد تحصلوا على النحاس من سيناء.
  4. . إذا كان الأرمنيين قد جلبوا النحاس معهم النحاس فانهم لابد وقد تحصلوا عليه من جهات إلى الشمال من جبال أرمينيا الحالية مثلما فعل العراقيين في الأصل.

هناك احتمال ثالث يرى أن النحاس قد عرف اولاً بوادي الاندس شمالي الهند. بينما الدليل الأوربي يؤكد أن اقدم الصناعات النحاسية وجدت في ارض البلقان حيث تم العثور على عدد من الدبابيس والإبر تعود إلى حوالي 5000 ق.م .

[عدل] مواضيع متعلقة

إلى مصر لإنقاذ آثار النوبة

إلى مصر لإنقاذ آثار النوبة

كريستيان لوبلان: بدأ شغفي بمصر الفرعونية وعمري 12 عاما، ثم أتيت إلى مصر 1973 لتولي وظيفتي ولم يجل بخاطري أبداً إنني سوف أمضي كل هذه السنوات في مصر وعندما أسافر كل عام إلى فرنسا لتمام بعض المهام أشعر بالحاجة إلى العودة إلى مصر، أفتقد مصر.. أنا كريستيان لوبلان عالم مصريات ومدير قسم الأبحاث بالمركز القومي للبحوث أقيم في مصر منذ حوالي ثلاثين عاما، رحلتي الأولى إلى مصر تعود إلى الأعوام 1970 و1971 لقد حالفني الحظ آنذاك بأن تعرفت في القاهرة على عالم المصريات الفرنسي ذي الموهبة الفذة والذي يمثل بالنسبة لي نموذجا حقيقيا في علاقته بمصر الفرعونية وهو سرج سونورو الذي كان يشغل منصب مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة. كانت هذه الرحلة الأولى إلى مصر بمثابة الإلهام والاكتشاف للحضارة المصرية ليس فقط القديمة ولكن الحالية أيضا، ثم عدت إلى فرنسا حين انتهيت من بعض المهام قبل أن أعود إلى مصر عام 1973 ولكن تلك المرة من أجل إقامة جد طويلة حيث إنني جئت للعمل في مصر داخل سياق مصري خالص، مركز دراسات وتوثيق آثار مصر الفرعونية.


في طفولتي قمت بجمع التبرعات في مدرستي وأرسلتها إلى اليونسكو بعدما وجهت الأخيرة نداء إلى كل العالم للمشاركة في إنقاذ الآثار المصرية المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي

لقد بدأ شغفي بمصر الفرعونية وعمري بعد 12 عاما كان ذلك في مرحلة كانت تشهد حدثا عظيما فقد شهدت مرحلة الستينيات الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة وكنت في ذلك الوقت تلميذا بالمدرسة بالمدينة التي كنت أحيا بها وفي أحد الأمسيات أذاع التلفزيون رد أندريه مالرو وزير الثقافة الفرنسي في ذلك الوقت على النداء الذي وجهته اليونسكو لكل دول العالم لمساعدة مصر في إنقاذ هذا التراث الفرعوني وكان هذا النداء يهيب لدول العالم المساهمة ماديا فطلبت اليونسكو من العالم أجمع المشاركة في إنقاذ الآثار المصرية المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي بأسوان وعندئذٍ قمت بجمع التبرعات من مدرستي وقمت بإرسال هذه التبرعات إلى اليونسكو في باريس وقد قام مدير اليونسكو بالرد علي مشاركا إياي بحرارة كما أرسلت أيضا خطاب أخبرته فيه أنني في مصر قلبا وقالبا وأنني سوف أبذل كل ما في وسعي وكنت لازلت طفلا صغيرا لمساعدة مصر في الحفاظ على آثارها فقامت حينها سكرتارية الرئيس عبد الناصر بإرسال رد تحثني فيه على الاستمرار في الاهتمام بالحضارة الفرعونية. بعد الشهادة الثانوية التحقت بمدرسة اللوفر وتمكنت من العمل بهذا المتحف لسنوات ومن هنا بدأت عملي كعالم مصريات هذا إلى جانب دراستي الجامعية لأنه بالإضافة إلى الدراسة بمدرسة اللوفر حصلت على درجة الليسانس في التاريخ ودرجة الماجستير في التاريخ القديم ودرجات الدكتوراه المتتالية في علم المصريات بالإضافة إلى دراسة اللغة المصرية في المدرسة العملية للدراسات العليا، منذ وجودي في مصر عملت في أكثر من موقع أثري أول هذه المواقع استغرق سنوات عديدة وكان منقطة وادي الملكات حيث كنت أعمل بالأقصر على البر الغربي في طيبة لمدة حوالي عشرين عاما فهذه المنطقة الأثرية القديمة عبارة عن مقابر العصر الفرعوني الحديث والتي كانت حتى ذلك الوقت لا تزال بكرا لم تمتد لها على الإطلاق يد التنقيب وكانت تحتاج إلى عمل منظم فبدأنا العمل في تلك المنطقة مع بداية السبعينيات ثم بدأ العمل بها يأخذ منحى أوسع فلقد حالفنا الحظ بالحصول على دعم مادي من بعض الجهات مما أتاح لنا تطوير الأبحاث وعمليات التنقيب التي امتد العمل ليشمل جبانة المقابر بأكملها ومن ثم تمكنا من فتح حوالي ثمانين مقبرة لم تكن قد اُكتشفت من قبل وبالطبع كانت قد تم نهبها في العصور القديمة أو ربما قد قام بزيارتها بعض الرحالة في العصور الوسطى ولكنها لم تكن قد خضعت أبدا لعمليات تنقيب أثرية ولذلك فقد امتد العمل بها لسنوات عديدة حتى تمكنا في آخر الأمر من كتابة تاريخ هذه الجبَّانة بعد إعادة ترتيبها. بعد إنهاء مهمتنا في وادي الملكات كان علينا بالطبع مواصلة أبحاثنا الأثرية والتاريخية عن عائلة رمسيس الثاني وطلبنا من السلطات المصرية السماح لنا بتولي الدراسة العلمية لمعبد رامسيوم، من وجهة النظر البحثية وفيما يتعلق بعلم المصريات هذا المعبد يعتبر مادة رائعة للدراسات الأثرية فنحن بصدد إعادة اكتشاف تاريخ قصر المليون عام.. في هذا الجزء قمنا بعمل رائع ونستكمله كل عام قمنا بتنظيف كل عناصر المعمار وخاصةً الأعمدة مع الوضع في الاعتبار بأن كل هذه النقوش كانت تختبئ وراء أقنعة من غبار القرون فكان علينا اللجوء إلى تقنية معينة في التنظيف عن طريق ماكينات متخصصة وشديدة الدقة سمحت لنا تدريجيا بتنظيف أسطح تيجان الأعمدة والأعمدة ذاتها والوصول رويداً رويداً إلى ألوان الماضي السحيق، لذا فكل هذه الألوان التي ترونها على هذه الأعمدة والتي كانت مختفية من قبل هي نتيجة عمل أنجزناه خلال السنوات الماضية وما أتاح لنا الوصول إلى هذا الانسجام اللوني، لكن العمل لم ينته بعد حيث توجد أجزاء كثيرة من هذا المعبد يجب التعامل معها بنفس التقنية.. تنظيف الأسطح للوصول إلى الألوان القديمة لأن هذه الألوان هي ألوان رمسيس الثاني، بدأ هذا العمل في عام 1991 ومازال مستمرا حتى يومنا هذا وهو يتم في نفس إطار العمل بوادي الملكات أي في إطار تعاون علمي وثيق مع زملاءنا المصريين الذين يعملون معنا باستمرار فمركز دراسة وتوثيق مصر الفرعونية على صلة وثيقة بهذا الموقع كما هو الحال بالنسبة لنا حيث نعمل معاً لقد قاموا بالتنظيف وهكذا يمكننا البدء في رص كتل الأحجار هنا.

أحد العاملين في المشروع: سوف نقوم برصها كلها هنا.

كريستيان لوبلان: وهو كذلك ولكن قد لا تنجح في إدخالها كلها هنا يمكنك الاكتفاء فقط بما سيتبقى.

أحد العاملين في المشروع: يمكننا إدخال الكتل الجميلة التي ستستخدم كقمم للمصاطب والاحتفاظ بها هنا والباقي يمكن تكسيره ووضعه هناك.

كريستيان لوبلان: نعم وهو كذلك يجب أن نحصل على عدد كبير من الأحجار يكفي لسد الفراغات أرجو أن نحصل مع الموسم الجديد إلى الحجر الجيري اللازم لاستكمال هذا القطاع، ما هي إحدى الكتل المستخدمة لملء الفراغات؟ هذا جيد لأنه بدأ يتعلم هذا العام عندما نجد بين العمال المهرة ومن يبدون اهتماما أكبر بوجه من أوجه العمل، حينها نبذل جهداً أكبر لتدريبهم بطريقة أفضل فهناك الكثير من العمال بدءوا بالعمل في المراحل الأولى من التنقيب إلا أنهم تدريجيا يصبحون من أهم الحرفيين ويحترفون تقنية نحت الأحجار بعد تدريبهم على يد النحاتين الذين نجلبهم من فرنسا وهذا في غاية الأهمية وأني أفضِّل وجود الكثير من النحاتين المصريين على جلب نحاتين فرنسيين في مجال ترميم الآثار وأعتقد أنه في موقع بحجم هذا الموقع توجد إمكانية حقيقية لتدريب أفضل العمال المهتمين والمعنيين بالعمل الذي نقوم به هنا.

مميزات العصر الهلينيستي

وبموت الإسكندر يبدأ في العالم الإغريقي العصر الذي اتفق المؤرخون على تسميته بالعصر الهلينيسي. ولما كان تاريخ مصر منذ الفتح المقدوني قد أصبح يتصل اتصالاً وثيقًا بالعالم الإغريقي، فإن عهد البطالمة ينتمي إلى العصر الهلينيسي . وينتهي هذا العصر بموقعة أكتيوم في عام 31 ق.م. وهي التي بسط الرومان بعدها سلطانهم على مصر، وكانت آخر مملكة هلينيسية لا تزال مستقلة، ولو اسمًا . ولما كانت معالم هذا العصر قد بدأت قبل وفاة الإسكندر واستمرت في البقاء إلى ما بعد أغسطس، فإنه يتبين لنا أن هذين التاريخين ليسا سوى اصطلاح اتفق عليه المؤرخون، لكن هذين التاريخين ينمان عن حقيقتين: وإحداهما هي أن أعمال الإسكندر تكشفت عن نتائج غيرت وجه العالم فلم يعد شيء على حالته السابقة. والحقيقة الأخرى هي أنه بعد خضوع العالم الهلينيسي لروما وتدهوره مع تدهور الإمبراطورية الرومانية أبان حروب روما الأهلية، أعيد بناؤه ثانية مع الإمبراطورية الرومانية على قواعد جديدة، ومن ثم بدأت الحضارة الإغريقية ـ الرومانية.ويختلف العلماء في تعريف العصر الهلينيسي، فيرى بعضهم أنه عصر حضارة جديدة تتكون من عناصر إغريقية وشرقية، ويرى بعضهم أنه عصر انتشار الحضارة الإغريقية بين الشرقيين، ويرى بعضهم أنه لا يتعدى استمرار الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة. وفي رأينا أنه مزيج من ذلك كله، لأن كلاً من هذه الآراء يحتوي على قدر من الحقيقة، ففي هذا العصر استمرت الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة في جوهرها، لكنه داخلتها بعض العناصر الشرقية، ولم تنتشر هذه الحضارة في ربوع الشرق فحسب بل أن مراكزها الرئيسية لم تعد في بلاد الإغريق القديمة، وإنما في عواصم الممالك الجديدة التي أنشأها خلفاء الإسكندر الأكبر على أنقاض الإمبراطورية المقدونية. فلا عجب أن وصفت الحضارة الهلينيسية بأنها حضارة ملكية، والحضارة الهلينية الكلاسيكية بأنها حضارة المدن الحرة.

مميزات العصر الحضارية:

ويمثل هذا العصر من بعض النواحي مرحلتين من مراحل الحضارة، أثمرت في أولاهما العلوم والفلسفة والآداب وغيرها من مظاهر النشاط الفكري، في ظل عالم إغريقي ـ مدقوني مستقل. وأما في المرحلة الثانية فقد نضب معين الإنتاج العقلي وقام الشرق في وجه الغرب، وحين كانت هذه الثورة تهدد العالم الإغريقي ـ المقدوني انقضت روما على هذا العالم واستولت عليه وآلت إليها زعامة الحضارة الإغريقية. و يمكن أن نعزو ضعف النشاط العقلي في المرحلة الثانية إلى عاملين: وأحدهما هو نقص عدد الإغريق الصميمين بانتظام بعد حوالي عام 200ق.م. والآخر هو مجهودات روما في تحطيم الروح المعنوي بين الإغريق.

ويمثل العصر الهلينيسي من نواح كثيرة وحدة واحدة، ذلك أنه بالرغم من أن الدول الإغريقية تمسكت من الوجهة العملية بمبدأ الانفصالية والاستقلال، فإنه من الوجهة النظرية خلفت فكرة العالمية هذا المبدأ، ومن ثم نشأت فكرة وجود عالم واحد (oikoumene) يعتبر ملكًا مشتركًا للبشر المتحضرين، ومن أجله وجدت لغة مشتركة (Koine) ساعدت التقرب بين عناصر هذا العالم، فقد أخذ المتعلمون في كل مكان يستمعلون لهجة أنيقًا، التي نشأت منها تدريجيًا اللغة الإريقية الهلينيسية، فقال اللغة التي كتبت بها التوراة الجديدة. وإذا كانت اللهجات المحلية بقيت مدة طويلة في بعض الأفحاء، فإنه لم يأت القرن الأول حتى كانت اللغة المشتركة” مستعملة في كل مكان.

انتشار التعليم

ويمتاز العصر الهلينيسي بانتشار التعليم وتقدمه، ولا أدل على من أن المواطن (Gymnasiarch) الذي كان يناط به الإشراف على التعليم في الدولة الإغريقية أصبح أهم حكامها. وانتشرت المدارس الأولية للبنين والبنات في أكثر الدول الإغريقية تحضرا، بل كان الأولاد والبنات يتعلمون معًا في بعض المدن مثل تيوس (Teos) وخيوس (Chios)، كان ذلك من قبل في أسبرطة. ويبدو أن تعليم البنات كان يقف عند انتهائهن من هذه المدارس. أما الأولاد فإنهم كانوا ينتظمون بعد ذلك في سلك الجومنازيوم (gymnasium) ويتلقون فيه عادة في التاسعة عشر والعشرين من عمرهم تعليم الشبان، (Ephebeia) ، وكان الهدف لهذا التعليم تدريبهم عسكريًا، لكنه كان يشمل أيضًا تثقيفهم، لأن التدريب العسكري في بعض المدن إجباريًا، لكنه لم يلبث أن أصبح عام اختياريًا. وقد أوجدت اللغة المشتركة والتعليم حضارة مشتركة في العالم الإغريقي، انتشرت في كنفها الآداب والفلسفة، وعمت في ظلمها حرية الفكرة والقول، وزالت الكراهية العنصرية، اللهم إلا إذا استثنينا المصريين واليهود.

روح الأخاء:

وقد ساعدت فكرة العالمية وانتشار التعليم واستخدام لغة مشتركة على تقدم روح الأخاء الإنسانية في الوقت الذي استعرت فيه نار الحروب والمنازعات بين الإغريق، إذ أن الدول الإغريقية أخذت تلجأ منذ القرن الثالث أكثر من أي وقت مضى إلى فض ما قد ينشب بينها من الخلافات على الحدود بالتحكيم بدلاً من الحرب. بل استطاع الإغريق في خلال الجزء الأكبر من القرن الثالث أن يخففوا من ويلات الحرب، إذ أن العرف كان فيما مضى يبيح للمنتصر أن يقتل رجال المدن التي يستولى عليها، وأن يبيع نساءها وأطفالها، لكن الإسكندر الأكبر استبدل بذلك بيع جميع السكان، ثم قضى خلفاء الإسكندر على هذه العادة الشائنة، وقبل عودة الحرب ثانية إلى فظاعتها الأولى منذ أواخر القرن الثالث، نستشف دليلاً على استيقاظ العواطف الإنسانية في الحركة التي بدأت في النصف الثاني من ذلك القرن، وتكشفت عن اعتراف الدول الإغريقية بأن بعض المدن أو الأماكن “مقدسة” كالمعابد، أي لا يجوز أن يعتدي عليها الأفراد أو الدول.

مركز المرأة:

ولقد تأثر مركز المرأة في العصر الهلينسي بالدور الذي لعبته الأميرات المقدونيات العظيمات في الفترة التالية لوفاة الإسكندر، إذ أن شأن تلك الأميرات لم يكن أق لمن شأن الرجال العظام من حيث الاضطلاع بأدوار هامة في الحياة العامة، فقد كن يستقبلن البعثات السياسية، ويبنين المعابد ويؤسسن المدن، ويستأجرن الجنود المرتزقة، ويقدن الجيوش، ويدافعن عن القلاع، ويضطلعن بالوصاية على الملك أو يشتركن فيه. فلا عجب إذن أنه كان لسيدة جميلة قادرة مثقفة، مثل أرسينوي فيلادلفوس، أثر أي أثر حتى على رجال عصرها، ومن القصور المقدونية امتدت الحرية النسبية إلى النساء العاديات، فاستطاعت من شاءت منهن أن تتحرر إلى حد كبير من ربقة التقاليد القديمة، فكان في الإمكان إذ ذاك أن تحصل النساء على كل ما يردن من التعليم، فظهرت بينهن في القرن الثالث الفيلسوفة والشاعرة والفنانة. ووجدت أندية خاصة للنساء في أثينا والإسكندرية، لكنه لا شك في أن هذه الحرية لم تكن إلا من نصيب الأقلية من نساء هذا العصر.

الأندية:

وربما كان ظهور أندية السيدات صدى للاتجاه الذي نشط في العالم الإغريقي منذ حوالي عام 300 نحو تكوين جمعيات صغيرة كانت قبل كل شيء اجتماعية ودينية تقوم حول عبادة إله معين. وأخذت تظهر أيضًا في أثينا وقوس جمعيات عرفت بحرف أصحابها، لكن نقابات أصحاب الحرف لم تعرف في العصر الهلينيسي إلا في مصر. وقد كانت هذه الأندية أو الجمعيات تتخذ من نظم الدول أساسًا لنظمها، فكان لها من الحكام مثل ما كان للمدن، وكانت تصدر قرارات مثل المدن، لكنه لم تكن للأندية عادة أغراض سياسية.

سخاء الأغنية وقلة الأجور:

ولعله من أبرز مظاهر هذا العصر الزاخر بالمقتضيات ذلك البون الشاسع بين سخاء الأغنياء وقلة الأجور، فقد كان الأغنياء على أتم الأهمية للتبرع بأموالهم في خدمة الدولة بقدر ما كانوا غير مستعدين لدفع أجور مناسبة، فكثيرًا ما لبى الأغنياء نداء دولهم فأعاروها مبالغ كبيرة دون أرباح، أو تبرعوا لها بهذه المبالغ، أو أخذوا على عاتقهم إنشاء معبد أو جسر أو سفينة حربية أو إقامة حفل عام أو تمثال. وعلى الرغم من هذا الروح النبيل، فإن الناس في هذا العصر لم يعرفوا الأخاء كما تعرفه اليوم، أو بعبارة أخرى مساعدة الأغنياء للفقراء بطريقة منتظمة مثل إنشاء جمعيات خيرية أو مستشفيات أو ما أشبه ذلك.

اضطرابات اجتماعية

وقد كان هذا العصر حتى أوائل القرن الأول عصر رخاء بوجه عام للطبقات العليا، ونستدل على ذلك من رواج التجارة، وانتشار الأندية وإقامة الحفلات، والترف في المأكل والملبس، والعناية بتخطيط المدن وبناء المنازل وأثاثها. وقد أدى تدهور قيمة النقد حوالي عام 300 إلى ارتفاع الأسعار، لكنه لم يقابل ذلك ارتفاع مماثل في أجور العمال بل أحيانًا هبوطها، فاتسع الفارق بين الأغنياء والفقراء مما أدى إلى اضطرابات اجتماعية، ساعد على اشتعال لهيبها مذاهب الرواقيين التي كانت تنادي بالمساواة والأخاء.

وجوه الشبه والخلاف بين العصرين الهلينيسي والحديث

ويبدو لأول وهلة أن وجه الشبه بين العصر الهلينيسي والعصر الحديث قريب جدًا، فقد كانت توجد الكثرة نفسها من الدول الكبيرة والصغيرة التي تسودها حضارة رفيعة مشتركة، ونشأت فيها أفكار الإنسانية والأخاء وتحرير المرأة، وانتشر فيها التعليم انتشاراً أخرج أفواجًا من أنصاف المتعلمين، ونشأت فيها متاعب قاسية من جراء الأسعار والأجور نشطت روح الحزبية وأدت إلى الأفكار الاشتراكية والشيوعية. ومع أنه كانت توجد ظواهر كثيرة تشبه ظواهر حديثة فإن التشابه ليس تامًا بين العصرين. ولعل مرد ذلك أن اختلاف جوهري أساسه أن العالم القديم لم يعرف الآلات وكان يعج بالعبيد هم الذين اعتد عليهم النشاط الاقتصادي إلى حد كبير.

عصر البطالمة شطران:

ويمكننا دون تردد أن تقسم عصر البطالمة إلى شطرين: الأول منذ البداية حتى معركة رفح عام 217 ق.م. والثاني من هذا التاريخ حتى سقوط دولة البطالمة. وسنشهد في الشطر الأول تشييد دولة البطالمة وإمبراطوريتهم البحرية، وقدوم الإغريق إلى مصر وتغلغلهم في أنحائها واغتصابهم مواردها واحتلالهم أرفع المناصب فيها، حين كان المصريون يرزحون تحت أعباء أثقلت كاهلهم، لكن شعورهم بضعفهم تركهم يئنون من جراحهم صابرين على ما رمتهم به الأقدار حتى يحين يوم الخلاص. وأما في الشطر الثاني فسنشهد كيف انبعث الروح القومي نتيجة لموقعة رفح، تلك المعركة التي تعتب ردرة في تاريخ الجيوش المصرية، فقد كانت الفرق المصرية دعامة النصر على جيوش ملك سوريا الإغريقية. وقد أزكى ذلك الفوز روح الوطنية الكامن في الصدور وأعاد إلى المصريين الثقة بأنفسهم، وأرغم البطالمة على النزول عن صلفهم وجبروتهم والنظر بعين جديدة إلى هذا الشعب الذي انتزع أبناؤه نصرًا عز على القوات الإغريقية، ومن ثم أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في حكم المصريين كما سنرى بالتفصيل.