عصور الدولة القديمة (3200ـ 2780ق.م ) – (ج 1)

الاهرامات تسمى عصور الدولة القديمة بعصور بناة الأهرامات نظرا لحرص كل ملك من ملوكها على إقامة هرم خاص به ،كما تسمى أيضا بالعصور المنفية نظرا لا ستقرار الحكم لأغلب ملوكها في مدينة منف ( ميت رهينة ) مركز البدرشين حاليا و تشمل الدولة القديمة الاسرات من الثالثة و حتى السادسة .

متابعة قراءة عصور الدولة القديمة (3200ـ 2780ق.م ) – (ج 1)

العمارة المصرية القديمة

كانت مصر تمتلك منذ أقدم العصور الجيولوجية المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم .

ومن هنا فلا غني للفنان المصري التعرف علي العوامل المختلفة التي كان له فيها تأثير واضح مثل طبيعة مصر وما لها من اثر علي سكانها وعلي الفنانين وهي تمتاز بقوة شخصيتها ووضوح معالمها وجلاء مظاهرها وانتظام أحوالها ومن هنا نلاحظ أن فن كل أمه يخضع المؤثرات لمدة تختص بطبيعة الإقليم الذي نشأت فيه ومن الخطأ مقارنة فن دولة بفن دولة أخري وكل ذلك لأن الفن عامة والعمارة خاصة تتأثر بالعديد من العوامل المختلفة المتعلقة بالدولة مثل التأثيرات الجغرافية والمناخية والدينية وغيرها .
وسوف نتحدث عن العوامل التى اثرت على العمارة الفرعونية القديمة:-

1 ـ العوامل الجغرافية :
متابعة قراءة العمارة المصرية القديمة

معبد إدفو

معبد إدفو‏يقع معبد إدفو أو معبد حورس بادفو في جمهورية مصر العربية ، في مدينة أسوان .‏ ‏ ويقع على بعد 123 كيلو متراً من شمال أسوان ، بمدينة إدفو .‏ ‏ وهو من أجمل المعابد المصرية .‏ ‏ ويتميز بضخامة بنائه وروعته .‏ ‏ ويرجع تاريخ هذا المعبد إلى العصر البطلمي ، بدأ تشييد هذا المعبد الضخم للإله “حورس” فى عهد “بطليموس الثالث – يورجيتس الأول” (كلمة “يورجيتس” تعنى “المُحسن”) فى سنة 237 ق.م ، و تم الانتهاء من إنشائه فى عهد “بطليموس الثالث عشر” فى القرن الأول قبل الميلاد .

معبد ادفو

متابعة قراءة معبد إدفو

نبذة عن تاريخ مصر القديم

ان تاريخنا هو اصل حياتنا فأمة لا تعرف تاريخها لا تعرف صناعة مستقبلها ، كانت لمصر حضارة ومدنية منذ فجر التاريخ وكان لغيرها من شعوب الشرق حضارات ومدنيات ، وكما أعطت مصر لغيرها أخذت منهم أيضا ، ولكن كان لمصر دائما طابعها الشخصي فالحضارة أصيلة في وادي النيل و قد تطورت وازدهرت في هذا الجزء من بلاد الشرق ، وقد توافرت في حضارة مصر مما اثّرعلي ما تعاقب بعدها من حضارات .

فقد بدأ في مصر الانقلاب الأول بمعرفة سر إيقاد النار، ثم الانقلاب الثاني وهو الرئيسي في مجالات الحياة المادية للإنسان القديم ألا وهو معرفة حرفة الزراعة، وبدأ في مصر التطور المعنوي لثقافة الشعوب القديمة بمعرفة الكتابة بعد معرفة الفنون، وبعد نضوج الثقافة ظهرت في مصر و الشرق كافة العقائد والتشريعات وأسس العلوم ثم أشرقت فيه الديانات السماوية التي كانت ولا تزال هي الهدى للعالمين القديم والحديث، وظلت حضارة مصر وآثارها المادية والفنية وفيرة وكثيرة عن بقية آثار المدنيات والحضارات الأخرى القديمة، واستمرت في التطور والرقي حتى الألف الأول قبل ميلاد السيد المسيح  . متابعة قراءة نبذة عن تاريخ مصر القديم

نبذة عن تاريخ مصر القديم

نبذة عن تاريخ مصر القديم طباعة أرسل لصديق
الحضارة المصرية
ان تاريخنا هو اصل حياتنا فأمة لا تعرف تاريخها لا تعرف صناعة مستقبلها ، كانت لمصر حضارة ومدنية منذ فجر التاريخ وكان لغيرها من شعوب الشرق حضارات ومدنيات ، وكما أعطت مصر لغيرها أخذت منهم أيضا ، ولكن كان لمصر دائما طابعها الشخصي فالحضارة أصيلة في وادي النيل و قد تطورت وازدهرت في هذا الجزء من بلاد الشرق ، وقد توافرت في حضارة مصر مما اثّرعلي ما تعاقب بعدها من حضارات .
فقد بدأ في مصر الانقلاب الأول بمعرفة سر إيقاد النار، ثم الانقلاب الثاني وهو الرئيسي في مجالات الحياة المادية للإنسان القديم ألا وهو معرفة حرفة الزراعة، وبدأ في مصر التطور المعنوي لثقافة الشعوب القديمة بمعرفة الكتابة بعد معرفة الفنون، وبعد نضوج الثقافة ظهرت في مصر و الشرق كافة العقائد والتشريعات وأسس العلوم ثم أشرقت فيه الديانات السماوية التي كانت ولا تزال هي الهدى للعالمين القديم والحديث، وظلت حضارة مصر وآثارها المادية والفنية وفيرة وكثيرة عن بقية آثار المدنيات والحضارات الأخرى القديمة، واستمرت في التطور والرقي حتى الألف الأول قبل ميلاد السيد المسيح .
و يعتبر تاريخ مصر القديم من أقدم تواريخ العالم الحديث وأقدم تواريخ البشرية بأجمعها ولا ترجع أهمية هذا التاريخ إلى قدمه فحسب ولكن طابع الاستمرار في هذا التاريخ فعصوره التاريخية تتوالى ولا تختلف كلاً منهما عن الأخرى فقد استمر التاريخ الفرعوني متواصل الأحداث ونجح المصري القديم في المحافظة على الإطار العام، والملامح العامة لتاريخه عبر العصور المختلفة الطويلة على الرغم من تأثر مصر أحياناً بعوامل التمزق والاضطراب الداخلي أو أن هناك أحداث وتأثيرات خارجية وغزوات وهجرات أجنبية، ولكن المصري القديم استطاع الخروج من هذه المحن ، والصعاب ومنذ العصر الحجري الحديث حتى الغزو المقدوني عام 332ق.م .

و نجد أن تاريخ مصر القديم يتوالى في إطار واحد متماسك، ولم يعرف التاريخ المصري القديم المتعصب وسلم هذا التاريخ من نوازع التطرف والفتن وامتاز المصريون بالتسامح فيما يخص العقيدة والمعتقد فلكل إقليم معبودته الخاصة وهذا يدل على سمو التفكير لدى المصري القديم ولعل في حديثنا عن تاريخ مصر القديم دافعا قويا يحثنا على الانتماء إلى أرض هذا الوطن والتعرف على الذات الوطنية والشخصية ويجب علينا أن نفهم أثارنا ونحاول إبراز الجوانب الإيجابية في هذا التاريخ ويكفى تاريخ مصر فخراً أن عصوره المختلفة شهدت وفود العديد من الرسل والأنبياء عليهم السلام ولو تأملنا تاريخ مصر لوجدنا فيه العظة والعبرة لبني الإنسان لأن القدماء المصريين أدركوا لأنفسهم حقيقة الموت وأن الإنسان مهما بلغ من معرفة ومهما عاش من سنين فإن مصيره الموت ولن يبقى من تاريخه سوى كلمات تعبر عنها النقوش والكتابات والوثائق المختلفة وسوف نستعرض تبعا أهم معالم هذا التاريخ .

نبذة عن تاريخ مصر القديم

الحضارة المصرية

ان تاريخنا هو اصل حياتنا فأمة لا تعرف تاريخها لا تعرف صناعة مستقبلها ، كانت لمصر حضارة ومدنية منذ فجر التاريخ وكان لغيرها من شعوب الشرق حضارات ومدنيات ، وكما أعطت مصر لغيرها أخذت منهم أيضا ، ولكن كان لمصر دائما طابعها الشخصي فالحضارة أصيلة في وادي النيل و قد تطورت وازدهرت في هذا الجزء من بلاد الشرق ، وقد توافرت في حضارة مصر مما اثّرعلي ما تعاقب بعدها من حضارات متابعة قراءة نبذة عن تاريخ مصر القديم

حضارة إغريق مصر

وماذا كانت حال الحضارة الإغريقية في أثناء عز البطالمة وفي أثناء هوانهم؟ لاشك في أن أهم دعامة للحضارة الإغريقية كانت المدارس والمعاهد الإغريقي ، لأنها هي التي كانت تفتح لهم آفاق الفكر الإغريقي ، حتى أنه كان يوجد قول مأثور شائع بين إغريق مصر، فحواه أن التعليم هو المصدر الرئيسي للتفكير .

حسبنا دليلاً على الدور الذي لعبه التعليم في حياة الحضارة الإغريقية في مصر تلك النتائج الباهرة التي تمخض عنها. ولاشك في أن الآداب كانت أسمى مظاهر هذه الحضارة، التي أصبحت الإسكندرية أهم مراكزها منذ تم إنشاؤها، وبفضلها نسبت الحضارة الإغريقية منتعشة في مصر حتى في العصر الروماني. فإن الإسكندرية احتفظوا بشهرتهم في هذا العصر المتأخر، إذ شهدت الإسكندرية عندئذ أيضًا نشأة فلاسفة وكتاب وجعرافيين مثل فيلون وأخيلس تاتيوس (Achilles Tatios) وبطلميوس. وقد كان للأقاليم أيضًا نصيبها في هذه الحكة الأدبية في العصر الروماني، فقد ولد العالم أثينابوس في نقراطيس والفيلسوف بلوتينوس (فلوطين) في ليكوبوليس (أسيوط).

وإذا كانت الحضارة الإغريقية قد بقيت مزدهرة في مصر حتى في العصر الرومان، فإنها بلغت أوج مجدها في عصر البطالمة ولاسيما على عهد أوائلهم. وقد يقال أن الشخصيات الكبيرة التي ذاع صيتها قديمًا وحديثًا لا تمثل إلا أرستقراطية الآداب، وهي أرستقراطية باهرة لابد أنها كانت محدودة، ومن ثم فإن ذلك لا يدل على تغلغل الحضارة الإغريقية في البلاد. لكن النقوش والأوراق البردية ترينا أنه إلى جانب هذه الأرستقراطية، كانت توجد أيضاً طبقة وسطى من الإغريق المتأدبين، كانت حقًا أقل ضياء وشهرة إلا أنها كانت أكثر عددًا ونشاطًا. فقد وجد في بطوليميس نقش من نهاية عهد فيلادلفوس أو بداية عهد بطلميوس الثالث، وهو يحوي قرارًا اتخذته جمعية فناني ديونيسوس والإلهين الأخوين لتكريم أحد أعضائها جزاء ما قدمه للجمعية من الخدمات. وأهم ما يعنينا من أمر هذا النقش في هذا المقام هو قائمة أسماء أعضاء هذه الجمعية التي تلي القرار، فإنها تضم اثنين من شعراء التراجيديا، وهما فاينيبوس (Phaenippos) وديوجنتوس (Diognetos)، وأثنين من شعراء الكوميديا، وهم ستراتاجوس (Stratagos) وموسايوس (Mousaios) وثيوجنيس (Theogenes) وأرتمدوروس، وذلك عدا الموسيقيين والراقصين والممثلين.

وإذا كانت هدف التنقيب قد جارت علينا بالتعرف على كل هذا العدد من الشعراء في مدينة واحدة في قلب الصعيد، فما أكثر الذين لا نعرفهم من الشعراء الإغريق الذين كانوا يعيشون في كل أنحاء مصر، ولاسيما أن المنقبين عن الآثار يكشفون على الدوام منذ أمد طويل عن بقايا قطع عديدة من مختلف ألوان الشعر، تتميز بكثرتها وإن لم تتميز في أغلب الأحيان بقيمتها الفنية. ويبدو أن البلاد كانت زاخرة أيضاً بفئات أخرى من رجال الأدب كالمؤرخين والفلاسفة المختلفين، الذين لم يكونوا كذلك شموسًا كبيرة وإنما نجوم لامعة صغيرة سطع نورها الخافت وقتًا في سماوات مخلية، لكنه مهما كانت مواهب كل هذه الطبقة الوسطى من رجال الأدب متواضعة، فإنها على كل حال تمثل نخبة المتحضرين الإغريق في الريف. وإلى جانب هذه الطبقة كان يوجد الكثيرون ممن لا يصطنعون الأدب الإغريقي، وإن كانوا يقرأونه ويستمتعون به. وكان يوجد كذلك أولئك الذين يكتبون الإغريقية ويتكلمونها، لقضاء أشغالهم أو أشغال غيرهم من الناس ممن قد يعرفون الإغريقية لكن معرفتهم بها كانت سطحية، أو يعرفون كيف يتكلمونها ولا يعرفون كيف يكتبونها. فقد كانت البلاد تهج بالموظفين والتجار ورجال الأعمال والصناع والزراع الإغريق وأشباههم، الذين كان بينهم الكثير من أنصاف المتعلمين والأميين. ويلاحظ أنه إذا كان الإغريق الذين استقروا في مصر قد احتفظوا بشغفهم بأساليب الحياة السياسية وبإحراز قسط من الثقافة الإغريقية، فإننا مع استثناء الفئة المتعلمة تعليمًا ممتازًا من سكان العاصمة نجد أنه كان للاهتمام بشئون الحياة المادية سلطان على عقولهم لا بدانيه ما كان لميولهم العقلية أو الفنية. فقد كان أهم ما يعني به الإغريقي في وطنه الجديد هو أن يضمن لنفسه وأسرته أكبر قدر من الرفاهية المادية، ومن ثم دأب على العمل بجد ونشاط لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت معلوماتنا طفيفة عن التعليم في مصر البطلمية، فإننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص منها على الأقل أن التعليم كان على ثلاث مراحل، وأنه لم يكن إجباريًا ولا مجانًا. ويبدو أن الفقراء لم يكونوا عادة في حالة تسمح لهم بتعليم أبنائهم، أو أنهم لم يعنوا بذلك، فكان أبناؤهم يبقون أميين. أما الأسر المتوسطة الحال أو المتيسرة، فإنها كانت ترسل أبناءها لتلقي مبادئ العلم، مدة تطول أو تقصر حسب مواردها، في المدارس الخاصة التي أنشأها المعلمون في كل مكان. أما الأغنياء فإنهم كانوا يعلمون أبناءهم هذه المبادئ على أيدي من يختارونه لهم من المعلمين.

وبعد تلقي مبادئ العلم الأولية، كان التلاميذ، الذين تسمح حالتهم بمتاعبة تحصيل العلم، يذهبون إلى الجيمنازيا حيثما وجدت، أما في مواطنهم أو في القرى الكبيرة والمدن. ويبدو من القليل الذي نعرفه أنهم كانوا يتلقون في هذه المعاهد من الثقافة العلمية والتربية البدنية الإغريقية قدرًأ يماثل ما كان يدرس لنظرائهم في معاهد العصر الهلينيسي، في المدن الإغريقية القديمة في بلاد الإغريق نفسها وفي آسيا الصغرى بوجه خاص. وعلى كل حال يبدو أن هذه المعاهد كانت بمثابة مرحلة الثقافة العامة. ولم تقتصر الجيمنازيا على تعليم الشبان، بل كانت أيضًا منتديات الإغريق الذين كانوا يعيشون بالقرب منها، وبخاصة الذين تعلموا فيها وكانت تؤلف منهم “جماعات رجال الجيمنازيوم”. فلا عجب إن كانت اليجمنازيا أهم مراكز الحياة الاجتماعية عند الإغريق، إذ أنها كانت تقوم بدور المدرسة والنادي في وقت واحد. وينهض انتشار الجيمنازيا في مصر وتمتعها بتلك المكانة الهامة دليلاً على استمساك الإغريق بتقاليدهم، وعلى العناية التي كانت الطبقات العليا الإغريقية توجهها لإعطاء أبنائها ثقافة إغريقية صحيحة. وبعد انتهاء هذه المرحلة، كان عدد قليل من الشبان السعداء يذهبون لمتابعة دراستهم على كبار الأساتذة، أما في الإسكندرية أو إحدى المدن الكبيرة مثل أوكسيربنخوس.

وأوفى ما لدينا من المعلومات خاص بالمرحلة الأولى من التعليم، وذلك بفضل ما وصل إلينا من الكتب المدرسية وكراسات التلاميذ وما تحدثنا عنه الوثائق البردية. ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على هذه المرحلة التعليمية الهامة، التي كان يشترك فيها العدد الأكبر من سلالة نزلاء البلاد، وكذلك من أبناء المصريين الذين كانوا يريدون أن ينحوا نحو الأجانب. ويبدو أن المعلمين كانوا رقيقي الحال، فهم فئة مغبونة في كل عصر ومكان، إذ كانوا يتعيشون مما يدفعه لهم التلاميذ كل شهر، ومن الهدايا التي يجود بها عليهم أصحاب المرءوة تشجيعًا لهم. وترينا وثيقتان أنهم كانوا لا يستقرون في مكان واحد، إذ نراهم يتنقلون في خلال عام واحد من مكان إلى مكان. ولعلهم كانوا يذهبون لمززاولة مهنتهم حيثما كانت تبدو لهم بارقة أمل في الفوز بأ:بر عدد ممكن من التلاميذ. ولم يكن هؤلاء المدرسون متخصصين في مهنتهم، فإنه لم توجد معاهد خاصة لتخريجهم في كل أنحاء العالم الهلينيسي، ولم تشترط فيهم أية مؤهلات خ اصة إلا تمتعهم بمستو عال من الأخلاق الحميدة. وتشير الوثائق المختلفة إلى أن التلاميذ الكسالى والعابثين كانوا يعاقبون بفرض واجبات عليهم أو بضربهم، ويبدو أن العقاب الجسماني كان القاعدة السائدة. لكنه يجب ألا نظن أن حياة هؤلاء التلاميذ كانت قاسية، إذ أن آباءهم كانوا لا يحرمونهم من الهدايا واللعب، كالدمى والخيل المصنوعة من الخشب ومقدمة على عجل والسيوف والأقواس الخشبية، هذا إلى جانب الألعاب المختلفة التي كانوا يشتركون فيها سويًا.

وفي الصباح كان التلاميذ يذهبون إلى فصولهم، أما بمفردهم أو في رفقة مربيهم أو أمهاتهم. وكان صغارهم يرتدون ملابس قصيرة، وكبارهم ملابس طويلة. وكان الأنيقون منهم يلبسون رداء أبيض اللون كالجلباب. ويحملون فوقه معطفًا أرجواني أو أخضر أو أحمر فاقع اللون، ويتدلى من رقبة بعضهم على الأقل ما يقيهم شرعين السوء. وكان التلاميذ المجدون وكذلك أولئك الذين يرافقهم الكبار يمضون مباشرة إلى المدرسة ومعهم أدواتهم المدرسية، وكانت عبارة عن لوحة من الشمع أو الخشب، أو قطعة قديمة من ورق البردي استعمل أحد وجهيها من قبل، أو كسر من الفخار ليتيسر غسلها وإعادة استعمالها مراراً، وأقلامهم ومحابرهم، ومن المحتمل أيضًا كتاب للقراءة. أما التلاميذ الكسالى فكانوا كثيرًا ما يتعمدون أن يضلوا الطريق ويهربون إلى ساحات الألعاب، أو يتنزهون على ضفاف القنوات، أو يقطعون الوقت في مشاهدة الأسواق والضحك على المشادات الكلامية بين الثرثارين. وتصور لنا الواثئق المختلفة حياة التلاميذ في مدارسهم، حتى لنكد نسمع بعضهم يلثغون في قراءة دروسهم، ونرى البعض الآخر يعيشون بألواحهم، والبعض يركنون إلى الجهاد في سبيل كتابة أسمائهم والتاريخ، والبعض يختلسون فترة تسهى فيها عنهم عين المدر ليرتكبوا حماقة من الحماقات.

وقد كان أهم ما يعني به المدرسون هو ذاكرة التلاميذ، الذين كان ينبغي عليهم قبل كل شيء أن ينقشوا في ذاكرتهم أسماء حروف الهجاء وشكلها وترتيبها ونطقها. وللتأكد من ذلك، كان يجب على التلاميذ أن يحفظوا الحروف مرتبة من أولها إلى أخرها ومن أخرها إلى أولها. وبعد ذلك كان يمرن التلاميذ على تكوين مقاطع كلمات مختلفة لا معنى لها، لكنها كانت تتطلب منهارة في الكتابة ودقة في النطق. وبعد اجتياز هذه العقبات السقيمة، كان المدرس يعطي تلاميذه نماذج مختلفة للكتابة يقومون بنسخها مرات عديدة. ثم يلقن التلاميذ أسماء أشياء مختلفة من الحياة اليومية، كأسماء الحرف والشهور أو أسماء مأخوذة من القصص والتاريخ. وبعد ذلك كانت تستبدل بالمفردات جمل قصيرة أو حكايات يستسيغها الأطفال وبعض الأقوال المأثورة. بيد أنه يبين أن المدرسين لم يعنوا دائمًا يتلقين الصغار ما كان يتفق وعقليتهم، وإلا لما لقنوهم في حداثتهم مثل هذه العبارات “البحر والنار والمرأة ثالوث مزعج” أو”تزوج إمرأة ولا تتزوج صداقًا”. ولما كان الكثير من كتبة المستقبل يفشون المدارس، فإن التلاميذ كانوا يمرنون على نسخ صور للعقود والخطابات الرسمية.

وفي الوقت نفسه فيما يظن أو بعد ذلك، كان التلاميذ يمرنون على مطالعة مقطوعات مطولة من كتب أدبية مثل خرافات أيسوبوس (Aesopos) بوجه خاص، أو من فلسفة سقراط وديوجينيس. وكانت هذه المقطوعات تعطي للتلاميذ بشكل يقصد منه حضهم على التفكير. وكانوا يعطون أيضًا بعض الأحاجي على هذا النمط: ما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش أغلب الوقت في نهار؟ وما هو الحيوان ذو الأربع الذي لا يعيش على الأرض؟ وما هو الطائر الذي يرضع أولاده؟. ويبدو أن هذه المعلومات الأولية كانت تتخذ أساسًا لتلقين التلاميذ قواعد اللغة التي كانوا يعطون تمارين لتطبيقها. وكانوا يمرنون أيضًا على الأملاء وعلى قراءة الآداب الإغريقية وبوجه خاص الشعر. وقد كانت أشعار هوميروس أكثر الأشعار الإغريقية تداولاً في المدارس ثم تأتي بعدها أشعار يوربييديس. وفي البداية كان المدرسون يشرحون هذه الأشعار ويفسرونها لتلاميذهم، لكنه بعد ذلك كان التلاميذ أنفسهم يتولون أمر الشرح والتفسير والتعليق.

ولم يكن التعليم في المدارس مقصورًا على الآداب فحسب، إذ لا شك في أن التلاميذ كانوا يأخذون كذلك دروسًا في التاريخ والجغرافيا، لكن لما كانت هاتان المادتان تدرسان شفويًا فإنه يتعذر علينا أن نعرف كيف كانتا تدرسان، ولا أي كتب التاريخ كانت تستخدم في المدارس. ولا يبعد أن التلاميذ كانوا يعطون فكرة عن، أو على الأقل أسماء، أشهر المشرعين والمصورين والمثالين والمعماريين والمهندسين وأمناء مكتبة الإسكندرية وعجائب الدنيا السبع، وأسماء البحار والجزر والبحيرات وأكثر الجبال ارتفاعًا وأعظم الأنهار طولاً. وقد كان للحساب نصيب محدود من عناية المدارس الابتدائية، وكان التلاميذ يعلمون أولاً الإعداد البسيطة ثم الأعداد الفردية والأعداد الزوجية، وبعد ذلك الجمع والطرح والضرب وأجزاء وحدات القياس والعملة. ويظن أن تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يتعلمون طريقة العد على الأصابع، وكانت تختلف اختلافًا بينًا عما يقصده بذلك، فقد كانت طريقة معقدة لها قواعد دقيقة يستطيع الإنسان بفضلها أن يعبر بيديه عن أي عدد صحيح ابتداءً من الواحد حتى المليون.

ومهما قيل عن طريقة التدريس أو برامج الدراسة، فلا جدال في أن المدارس الإغريقية على اختلاف أنواعها قد ساعدت على بقاء جذوة الحضارة الإغريقية مشتغلة في كل أنحاء مصر، فكانت ثقافة إغريق مصر سواء أكانوا يعيشون في المدن الإغريقية أم في المدن والقرى المصرية ثقافة إغريقية. وإذا كنا قد عرفنا أن الإغريق أحضروا معهم من بلادهم ديانتهم كما أحشروا عاداتتهم وتقاليدهم، وأنهم كانوا يخضعون لقوانين إغريقية تتمشى مع هذه العادات والتقاليد ويحاكمون أمام محاكم إغريقية، ويعيشون عادة في أوساط إغريقية: أما في المدن الإغريقية أو في جماعاتهم القومية وجمعياتهم الدينية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها، وأن أفواج الإغريق كانت تفد على مصر باستمرار حتى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد فتنعش فيهم ما ذوى وتجدد بينهم ما بلى، وأنه لا توجد أية قرينة على تزاوجهم مع المصريين حتى نهاية القرن الثالث، وأنهم كانوا يعتزون بحضارتهم الإغريقية، ولاسيما أنها كانت مصدر ما يتمتعون به من الخير العميم في مصر، فإنه بفضل عطف البطالمة وحدبهم عليهم كانوا سادة البلاد الذين يسيطرون على أسمى المناصب ويقبضون على ناصية الحكم ويتمتعون بمزايا أشعلت نار الحقد والغضب في المصريين؛ إذ كنا قد عرفنا كل ذلك، فإننا لا نشك في أنه وسط هذه الظروف قد حافظ إغريق مصر على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فبقوا إغريقًا خالصين على الأقل حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد.

لقد كان إغريق مصر يعيشون حقًا في أوساط إغريقية، لكنه يجب ألا ننسى أن هذه الأوساط كانت حتى في المدن الإغريقية تقوم في بيئة غريبة عن الحياة الإغريقية إلى أقصى حد، ولذلك كانت المحافظة على قوة الروح الإغريقي بين إغريق مصر لا تتوقف على استمساكهم بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم فحسب، بل كذلك على تطعيم هؤلاء الإغريق باستمرار بدماء إغريقية جديدة من بلاد الإغريق تكون بعيدة عن كافة المؤثرات الغريبة عن الروح الإغريقي. بيد أنه منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد انقطع وفود أفواج جديدة من الإغريق، بسبب نقص عدد الإغريق في بلادهم نتيجة لحروب القرن الثالث الطويلة التي اشتركوا فيها بمثابة جنود مرتزقين، ونتيجة للحروب الداخلية التي عانتها بلاد الإغريق نفسها في خلال هذا القرن ونتيجة كذلك لاتجاه الإغريق نحو تحديد النسل من جراء قسوة الحياة وشظف العيش في بلادهم. وإزاء انقطاع وفود أفواج جديدة من الإغريق كان طبيعيًا أن يضعف الروح الإغريقي تدريجيًا بين إغريق مصر، غير أنه مهما ضعف هذا الروح لابد من أن يكون إغريق مدن مصر الإغريقية قد بقوا إغريقًا خالصين ، نتيجة لعدم الاعتراف بالزواج بينهم وبين المصريين في هذه المدن، ونتيجة لاستمرار المعاهد والمدارس الإغريقية في متابعة نشاطها، ولاسيما أن الإسكندرية كانت لا تزال منارة الحضارة الإغريقية وتتمتع بشهرتها العظيمة في العلوم و الفلسفة والآداب. وإذا كان بطلميوس الثامن قد طارد علماء الإسكندرية وفنانيها في مطلع عهده عند منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، لا بدافع مجافاة الثقافة الإغريقية نفسها التي كان يزهى بحظه منها وإنما بدافع الانتقام من العلماء والفنانين أنفسهم بسبب مناصرتهم لفيلومتور وكيلوبترة الثانية، فإن بطلميوس الثاني كفر في شيخوخته عن سوء مسلكه السابق وأسبغ عطفه و كرمه على العلماء والأدباء والفنانين فلم تلبث الإسكندرية أن استعادت شهرتها القديمة واحتفظت بها حتى فترة متأخرة في العصر الروماني.

إن العامل الذي أدى إلى ضعف الروح الإغريقي في مدن مصر الإغريقية كان له أثر أقوى بطبيعة الحال خارج هذه المدن، ولاسيما أنه منذ أواخر القرن الثاث أصبحت اقطاعات الإغريق وراثية، وبذلك أصبح لأرباب هذه الإقطاعات مصالح دائمة في البلاد. وقد كانت رعاية هذه المصالح تتطلب منهم أن يداروا أهل البلاد وألا يشمخوا بأنوفهم عليهم. وفي الوقت نفسه أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في معاملة المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، فإنهم منذ عهد بطلميوس الرابع أخذوا يفسحون المجال أمام المصريين، ويمنحونهم من الإمتيازات ما رفع من شأنهم وضيق شقة الفارق بينهم وبين الإغريق وساعد على التقريب بين العنصرين، مما أدى إلى تكوين عدد من الأسر المختلطة المصرية ـ الإغريقية. لكنه يجب ألا نبالغ في هذا التقريب بين العنصرين، فقد وقعت في النصف الثاني من حكم البطالمة ثورات مصرية عنيفة، وتحدثنا الوثائق عن أشخاص أسيئت معاملتهم لأنهم إغريق. وعلى كل حال فإن هذه العوامل المختلفة أضعفت الروح الإغريقي بين إغريق الأقاليم، غير أنه لما كانت الصبغة الإغريقية تكسب صاحبها مركزًا ممتازًا مهما كانت جنسيته، إذ أن فكرة أيسقراط (Isocrates) القائلة بأن قوام الإغريقي ثقافته وليس دمه أصبحت أساس معاملة الأفراد في مصر البطلمية، فهل نشك في أن غالبية الإغريق استمسكوا بحضارتهم الإغريقية؟ يبدو لنا أنه مهما ضعف روح إغريق الأقاليم، حتى كانوا يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإغريق القدماء، وأنه إذا كان بعض الإغريق قد عبدوا آلهة مصرية وتعلموا اللغة المصرية وتزوجوا مصريات واتخذوا أسماء مصرية وعادات مصرية، فإن أغلبهم بقوا إغريقًا خالصين. وذلك بفضل أثر مدن مصر الإغريقية ومعاهد الإغريق ومدارسهم، التي كانت توجد حيثما وجد عدد كاف من الإغريق، وكذلك بفضل ما كان يتمتع به الإغريق من المكانة الممتازة في البلاد. لقد أصاب روستوفتزف كبد الحقيقة بقوله أن ضعف الروح الإغريقي في مصر لم يكن نتيجة التزاوج والاندماج مع المصريين ولا نتيجة تأثير الحضارة المصرية في الإغريق، وإنما كان نتيجة ما طرأ على الروح الإغريقي ذاته من التغيير بسبب معيشة الإغريق في بيئة غريبة عنهم ووسط ظروف تختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.

ويبدو أن الروح العامة التي كانت تسيطر في بداية عصر الطبالمة على إغريق مصر لم تكن روح استكانة وتشاؤم بل روح إقدام وتفاؤل، فقد كانت تملأهم الثقة التي بثتها فيهم تعاليم الفلاسفة عن مقدرة الإنسان ومواهبه، وتفيض نفسوهم أملاً في تحقيق حياة زاخرة بالهناءة والسعادة.

وإذا كانت هذه الروح تسيطر على الملوك وأبرز الشعراء والعلماء والأدباء والمهندسين والمعماريين والمثاليين والمصورين والممثلين والموسيقيين الذين شاركوا جميعًا في القيام بأعمال انشائية مبتكرة، فإنها كانت تسيطر أيضًا على من كانوا أقل منهم شأنًا. وحسبنا دليلاً على ذلك فيلادلفوس وعلماء معهد الإسكندرية في عهده، ووزير ماليته أبولونيوس، وينون مساعد هذا الوزير، ومساعد زينون نفسه. أن الروح السائدة في خطابات زينون وغيرها من الوثائق، التي كانت تضمها سجلاته، روح تفيض بالحيوية الدافقة والنشاط الذي لا يحد في خدمة مصالح الدولة والرءوساء وفي خدمة المصلحة الخاصة. لكن هذا النشاط الذي صاحب العهد الأول لم يستمر طوال عصر البطالمة، فقد أعقب فترة الابتكار والإنشاء فترة استقرار وهدوء، ثم زلزلت الأحداث أركان دويلة البطالمة في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وازدادت السلطة المركزية ضعفًا على ضعف، وتدهور حال البلاد الاقتصادية، وانحلت أخلاق الطبقة الحاكمة، وفسد نظام الحكم. فلا عجب أنه وسط هذه الظروف فقد الإغريق روح الأقدام والابتكار، واستولت عليهم روح التواكل والاستسلام، وطغت عليهم نزعات جديدة كانت أخصها النزعات الدينية. ومع كل ذلك تمكن الإغريق بوجه عام من الاحتفاظ بصبغتهم الإغريقية.

عمر القاهرة

عمر القاهرة

* نريد توضيح من سيادتكم كيف يكون عمر مدينة القاهرة من 12 إلى 50 ألف سنة؟
* * من بين النظريات التى وضعت فى أحد مؤتمرات تاريخ المدن الذى انعقد فى مدينة فيينا قبل الحرب العالمية الثانية هذه النظرية تحدد المعالم الحضارية الإنسانية أو حفريات آثار التجمع الإنسانى فى المدينة نفسها و اعتبارها نقطة البداية فى تاريخ تحديد نشأتها فإذا طبقنا هذه النظرية للبحث عن أصل القاهرة و ميلادها نجد أنه بناء على الحفريات و البحوث التى سجلها العلماء من أمثال يوفبيه كايبير فلاند ريترى عن أصل الحضارة المصرية و التى وجدت أقدم حفرياتها و أثر الحضارة بها فى ثلاث مناطق هى : حلوان و العباسية و عين شمس و يرجع تاريخها إلى العصر البليسبنى أى ما يقرب منخمسين ألف سنة و تلك المناطق تدخل ضمن حدود مدينة أون الفرعونية.

القديمة و بالتالى تكون هى الأساس فى تحديد عمر القاهرة بخمسين ألف سنة.

و بالرجوع إلى جذور نشأة المدينة تاريخيا نجد أن أقدم مدينة ذكرت فى الأساطير الفرعونية القديمة كانت مدينة الإله الخالق عندما خلق أرض مصر المقدسة و أطلق عليها (جب بتاه) أى أرض الإله وهو الاسم الذى أطلق على مصر و ذكر هيرودوت أن اسمها بالإغريقى (إجيبتوس) و التى تحولت بعد ذلك الى إيجيبت (EGYPT) فيما بعد و ما زالت كلمة مصر تطلق على القاهرة العاصمة حتى اليوم.

و المؤرخ المصرى القديم مانيتون السمنودى الذى كان له الفضل فى تسجيل قوائم تاريخ الحضارة المصرية و قسمها إلى أسرات و عهود حدد بداية الحضارة بنزول كتاب التوحيد بمعبد أون عام 9500 ق.م و هو التاريخ الذى حدد به تاريخ إنشاء مدينة (أون) أول عاصمة أقيمت على أرض مصر (و التى أطلق عليها إسم “جب بتاه” أى أرض الإله) و مدينة (أون) أطلق عليها فى نفس الوقت (كاهى رع) أى أنفاس روح الإله (القاهرة) و ما زالت تحتفظ بهذا الاسم و بذلك يكون عمر مدينة القاهرة الرسمى ما يقرب من إثنى عشر ألف سنة.

***

الفسطاط – القاهرة : جمادى الأولى 426 هـ يوليو 2005 م

الفسطاط – القاهرة : جمادى الأولى 426 هـ يوليو 2005 م

القاهرة و أون

* ما هو العمر الحقيقى لمدينة القاهرة وعلاقتها بمدينة أون؟

** عمر مدينة القاهرة هو عمر الحضارة الانسانية لمكانتها و تأثيرها على مختلف الحضارات بفضل موقعها الاستراتيجى الذى اختاره لها أهل مصرمنذ فجر التاريخ و الحضارة و شروق المعرفة لقد امتد عمرها المديد عن بقية العواصم التاريخية القديمة بصفة الاستمرار ولم يتغير منها سوى اسمها الذى كان يتغير مع موجات الفتح والانفتاح و لكن بقيت جذورها ثابتة فى أرض نشأتها رغم استمرار فروعها فى الامتداد و الانكماش مما أكد أصالة جذورها و عراقة فروعها مما يفسر تسميات مؤرخى العرب لها – أم الدنيا – تاج البرية – مدينة المدن – المدينة المحروسة – حاضرة الدنيا – القاهرة (كاهى رع) أى أنفاس روح الإاله و هذا الاسم هو الذى نحتفظ به حتى اليوم.

ولقد أجمعت المراجع التاريخية عن الحضارة المصرية أن أول عاصمة لمصر كانت مدينة (أون) عاصمة البلاد الموحدة قبل عصر الأسرات و كلمة (أون) تعنى مرصد أو برج رصد الشمس و قبة السماء و قد حرفت أون إلى عين و أضيف إليها شمس إله المعبد فأصبحت عين شمس و هو إسمها حتى الان و أطلق عليها الاغريق هيليوبوليس ولا يعتبر ذلك التاريخ هو تاريخ نشأة مدينة أون و كانت فى ذلك الوقت مدينة متكاملة تمتد من أرض النعام بالمطرية و التى كانت بها الغابات المقدسة التى تحوى أشجار البلسم و أخشاب البخور و يربى فيها النعام المقدس و هذه المنطقة تحتفظ باسمها حتى اليوم بجوار منطقة عين شمس و تحتوى أيضا على منطقة هيليوبوليس أو مرصد أون التى كانت تحوى أكبر جامعة و أول جامعة فى التاريخ ثم تمتد إلى منطقة المعادى التى كانت تحوى إحدى المناطق السكنية و الإدارية و يصل أقصى إمتدادها إلى (حل أون) أى جنوب أون و التى حرفت بعد ذلك و أصبح اسمها حلوان.

و من تلك العاصمة (أون) خرج أول مذهب دينى لتفسير الوجود .. و خرج أول تقويم شمسى عرفته البشرية الذى حدد أيام السنة 365 يوما و ربع اليوم وفى جامعتها تخرج إيمحوتب و أختاتون .. و على يد علمائها تتلمذ أساطين الاغريق و علماؤهم و فلاسفتهم .. و منها نقلت المسلات التى تتوسط عواصم العالم الحديث كلندن و نيويورك و باريس و روما .. و امتدت المدينة بفروعها إلى الضفة الغربية لشاطئ النيل و مدينة منف فكانت تمتد بطول 40 كيلو مترا و كانت نشأتها مرحلة من مراحل ميلاد القاهرة التى تمتد جذورها إلى أبعد أعماق التاريخ و الحضارة الإنسانية و التى تصل إلى خمسين ألف سنة أو ما يقرب من اثنى عشر ألف سنة

العثور على مقبرة عمرها 4300 سنة في منطقة سقارة والبحث عن آثار غارقة في مصر

العثور على مقبرة عمرها 4300 سنة في منطقة سقارة والبحث عن آثار غارقة في مصر

القاهرة ـ أ.ف.ب: عثرت البعثة الفرنسية العاملة في منطقة سقارة، (20 كلم جنوب ـ غربي القاهرة، على مقبرة جديدة نحتت مدافنها في الصخر وبينها مقبرة الكاهن «حاونفر» من الاسرة السادسة (2100 ـ 2400 قبل الميلاد).وافاد الامين العام للمجلس الاعلى للآثار زاهي حواس امس ان «الكاهن حاونفر كان يعمل في المعبد الجنائزي للملك بيبي الاول، ثاني ملوك الاسرة السادسة».

واضاف ان جدران مقبرة الكاهن تحوي نقوشا بارزة لرسمه مع زوجته ( خوتي) واطفالهما البالغ عددهم 13 ، مشيرا الى ان «الالوان التي استخدمت في التلوين ما زالت في حال جيدة».

كما عثر بالقرب من المقبرة على 12 تمثالا للكاهن «خنوم حتب» تمثله باوضاع مختلفة جالسا او واقفا او متعبدا، ويعود «زمن نحت هذه التماثيل الى الفترة الزمنية ذاتها».

يشار الى ان البعثة الفرنسية التابعة للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية برئاسة فاسيل دوبريف بدات عملها في منطقة غرب سقارة في صيف عام 2000 من اجل رسم خريطة لجنوب سقارة.

وقد عملت البعثة في التنقيب عن الاثار في غرب سقارة في اكتوبر (تشرين الاول) حتى فبراير (شباط) الماضي.

وكان المجلس الاعلى للاثار اعلن في 31 مارس (اذار) الماضي العثور على مومياء امراة في مقبرة من عصر الفرعون مينا، موحد القطرين، في سقارة يعود تاريخها الى خمسة الاف عام، اي قبل بناء الهرم الاكبر (خوفو) بمئتي سنة.

كما عثر اواخر الشهر الماضي ايضا على مجموعة مقابر في المنطقة قال علماء اثار انها تؤكد المحاولات المبكرة في عمليات التحنيط في الحضارة الفرعونية منذ زمن مؤسس الاسرة الاولى حورـ عحا (مينا الاول، 3200 قبل الميلاد).

من جانب اخر اعلن المجلس الاعلى للاثار المصرية امس الاحد في القاهرة ان اللجنة الدائمة للاثار، الهيئة التي تسمح ببعثات التنقيب او منعها، وافقت على قيام الجمعية الجغرافية الدولية الاميركية باجراء مسح عميق للجرف القاري والسواحل المصرية بحثا عن الاثار الغارقة.

وافاد المجلس في بيان له امس ان الموافقة تتضمن «استخدام اجهزة المسح العميق للبحث عن الاثار الغارقة في مناطق جديدة خصوصا ان هناك العديد من المدن والآثار والسفن التي غرقت في الشواطئ المصرية».

ومن جهته، اكد رئيس قطاع الاثار الفرعونية صبري عبد العزيز ان «البحث يشمل اجراء مسح كامل لمنطقة ميناء القصير القديم على البحر الاحمر والبحث عن السفن الغارقة لاجراء الدراسات اللازمة لتحديد تاريخها وحمولتها ومصدرها».

إلى مصر لإنقاذ آثار النوبة

إلى مصر لإنقاذ آثار النوبة

كريستيان لوبلان: بدأ شغفي بمصر الفرعونية وعمري 12 عاما، ثم أتيت إلى مصر 1973 لتولي وظيفتي ولم يجل بخاطري أبداً إنني سوف أمضي كل هذه السنوات في مصر وعندما أسافر كل عام إلى فرنسا لتمام بعض المهام أشعر بالحاجة إلى العودة إلى مصر، أفتقد مصر.. أنا كريستيان لوبلان عالم مصريات ومدير قسم الأبحاث بالمركز القومي للبحوث أقيم في مصر منذ حوالي ثلاثين عاما، رحلتي الأولى إلى مصر تعود إلى الأعوام 1970 و1971 لقد حالفني الحظ آنذاك بأن تعرفت في القاهرة على عالم المصريات الفرنسي ذي الموهبة الفذة والذي يمثل بالنسبة لي نموذجا حقيقيا في علاقته بمصر الفرعونية وهو سرج سونورو الذي كان يشغل منصب مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة. كانت هذه الرحلة الأولى إلى مصر بمثابة الإلهام والاكتشاف للحضارة المصرية ليس فقط القديمة ولكن الحالية أيضا، ثم عدت إلى فرنسا حين انتهيت من بعض المهام قبل أن أعود إلى مصر عام 1973 ولكن تلك المرة من أجل إقامة جد طويلة حيث إنني جئت للعمل في مصر داخل سياق مصري خالص، مركز دراسات وتوثيق آثار مصر الفرعونية.


في طفولتي قمت بجمع التبرعات في مدرستي وأرسلتها إلى اليونسكو بعدما وجهت الأخيرة نداء إلى كل العالم للمشاركة في إنقاذ الآثار المصرية المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي

لقد بدأ شغفي بمصر الفرعونية وعمري بعد 12 عاما كان ذلك في مرحلة كانت تشهد حدثا عظيما فقد شهدت مرحلة الستينيات الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة وكنت في ذلك الوقت تلميذا بالمدرسة بالمدينة التي كنت أحيا بها وفي أحد الأمسيات أذاع التلفزيون رد أندريه مالرو وزير الثقافة الفرنسي في ذلك الوقت على النداء الذي وجهته اليونسكو لكل دول العالم لمساعدة مصر في إنقاذ هذا التراث الفرعوني وكان هذا النداء يهيب لدول العالم المساهمة ماديا فطلبت اليونسكو من العالم أجمع المشاركة في إنقاذ الآثار المصرية المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي بأسوان وعندئذٍ قمت بجمع التبرعات من مدرستي وقمت بإرسال هذه التبرعات إلى اليونسكو في باريس وقد قام مدير اليونسكو بالرد علي مشاركا إياي بحرارة كما أرسلت أيضا خطاب أخبرته فيه أنني في مصر قلبا وقالبا وأنني سوف أبذل كل ما في وسعي وكنت لازلت طفلا صغيرا لمساعدة مصر في الحفاظ على آثارها فقامت حينها سكرتارية الرئيس عبد الناصر بإرسال رد تحثني فيه على الاستمرار في الاهتمام بالحضارة الفرعونية. بعد الشهادة الثانوية التحقت بمدرسة اللوفر وتمكنت من العمل بهذا المتحف لسنوات ومن هنا بدأت عملي كعالم مصريات هذا إلى جانب دراستي الجامعية لأنه بالإضافة إلى الدراسة بمدرسة اللوفر حصلت على درجة الليسانس في التاريخ ودرجة الماجستير في التاريخ القديم ودرجات الدكتوراه المتتالية في علم المصريات بالإضافة إلى دراسة اللغة المصرية في المدرسة العملية للدراسات العليا، منذ وجودي في مصر عملت في أكثر من موقع أثري أول هذه المواقع استغرق سنوات عديدة وكان منقطة وادي الملكات حيث كنت أعمل بالأقصر على البر الغربي في طيبة لمدة حوالي عشرين عاما فهذه المنطقة الأثرية القديمة عبارة عن مقابر العصر الفرعوني الحديث والتي كانت حتى ذلك الوقت لا تزال بكرا لم تمتد لها على الإطلاق يد التنقيب وكانت تحتاج إلى عمل منظم فبدأنا العمل في تلك المنطقة مع بداية السبعينيات ثم بدأ العمل بها يأخذ منحى أوسع فلقد حالفنا الحظ بالحصول على دعم مادي من بعض الجهات مما أتاح لنا تطوير الأبحاث وعمليات التنقيب التي امتد العمل ليشمل جبانة المقابر بأكملها ومن ثم تمكنا من فتح حوالي ثمانين مقبرة لم تكن قد اُكتشفت من قبل وبالطبع كانت قد تم نهبها في العصور القديمة أو ربما قد قام بزيارتها بعض الرحالة في العصور الوسطى ولكنها لم تكن قد خضعت أبدا لعمليات تنقيب أثرية ولذلك فقد امتد العمل بها لسنوات عديدة حتى تمكنا في آخر الأمر من كتابة تاريخ هذه الجبَّانة بعد إعادة ترتيبها. بعد إنهاء مهمتنا في وادي الملكات كان علينا بالطبع مواصلة أبحاثنا الأثرية والتاريخية عن عائلة رمسيس الثاني وطلبنا من السلطات المصرية السماح لنا بتولي الدراسة العلمية لمعبد رامسيوم، من وجهة النظر البحثية وفيما يتعلق بعلم المصريات هذا المعبد يعتبر مادة رائعة للدراسات الأثرية فنحن بصدد إعادة اكتشاف تاريخ قصر المليون عام.. في هذا الجزء قمنا بعمل رائع ونستكمله كل عام قمنا بتنظيف كل عناصر المعمار وخاصةً الأعمدة مع الوضع في الاعتبار بأن كل هذه النقوش كانت تختبئ وراء أقنعة من غبار القرون فكان علينا اللجوء إلى تقنية معينة في التنظيف عن طريق ماكينات متخصصة وشديدة الدقة سمحت لنا تدريجيا بتنظيف أسطح تيجان الأعمدة والأعمدة ذاتها والوصول رويداً رويداً إلى ألوان الماضي السحيق، لذا فكل هذه الألوان التي ترونها على هذه الأعمدة والتي كانت مختفية من قبل هي نتيجة عمل أنجزناه خلال السنوات الماضية وما أتاح لنا الوصول إلى هذا الانسجام اللوني، لكن العمل لم ينته بعد حيث توجد أجزاء كثيرة من هذا المعبد يجب التعامل معها بنفس التقنية.. تنظيف الأسطح للوصول إلى الألوان القديمة لأن هذه الألوان هي ألوان رمسيس الثاني، بدأ هذا العمل في عام 1991 ومازال مستمرا حتى يومنا هذا وهو يتم في نفس إطار العمل بوادي الملكات أي في إطار تعاون علمي وثيق مع زملاءنا المصريين الذين يعملون معنا باستمرار فمركز دراسة وتوثيق مصر الفرعونية على صلة وثيقة بهذا الموقع كما هو الحال بالنسبة لنا حيث نعمل معاً لقد قاموا بالتنظيف وهكذا يمكننا البدء في رص كتل الأحجار هنا.

أحد العاملين في المشروع: سوف نقوم برصها كلها هنا.

كريستيان لوبلان: وهو كذلك ولكن قد لا تنجح في إدخالها كلها هنا يمكنك الاكتفاء فقط بما سيتبقى.

أحد العاملين في المشروع: يمكننا إدخال الكتل الجميلة التي ستستخدم كقمم للمصاطب والاحتفاظ بها هنا والباقي يمكن تكسيره ووضعه هناك.

كريستيان لوبلان: نعم وهو كذلك يجب أن نحصل على عدد كبير من الأحجار يكفي لسد الفراغات أرجو أن نحصل مع الموسم الجديد إلى الحجر الجيري اللازم لاستكمال هذا القطاع، ما هي إحدى الكتل المستخدمة لملء الفراغات؟ هذا جيد لأنه بدأ يتعلم هذا العام عندما نجد بين العمال المهرة ومن يبدون اهتماما أكبر بوجه من أوجه العمل، حينها نبذل جهداً أكبر لتدريبهم بطريقة أفضل فهناك الكثير من العمال بدءوا بالعمل في المراحل الأولى من التنقيب إلا أنهم تدريجيا يصبحون من أهم الحرفيين ويحترفون تقنية نحت الأحجار بعد تدريبهم على يد النحاتين الذين نجلبهم من فرنسا وهذا في غاية الأهمية وأني أفضِّل وجود الكثير من النحاتين المصريين على جلب نحاتين فرنسيين في مجال ترميم الآثار وأعتقد أنه في موقع بحجم هذا الموقع توجد إمكانية حقيقية لتدريب أفضل العمال المهتمين والمعنيين بالعمل الذي نقوم به هنا.

القرية الفرعونية


القرية الفرعونية والكائن مقرها بشارع البحر الأعظم الجيزة

اذا أردت ان تقضي يوما كاملا يبدأ في التاسعة صباحا وينتهي في السابعة مساء بين احضان الريف الفرعوني القديم حتى لتشعر أنت وأسرتك بأنك جزء من ذلك التاريخ الثري وأحداثه، فليكن في القرية الفرعونية التي تقع على ضفاف النيل في مدينة الجيزة.

والقرية الفرعونية عبارة عن جزيرة طبيعية داخل نهر النيل تقدم نموذجا حيا للحياة الفرعونية من خلال أكثر من 100 شخص يقومون بأداء مظاهر الحياة لدى الفراعنة من صناعة وزراعة، وشعائر دينية، فتستطيع ان تراهم وهم يمارسون هذه الحياة من خلال رحلة نيلية داخل «مركب الزمان» الذي يعود بزائر القرية لأكثر من 5 آلاف عام للوراء. والى جانب هذا فإن القرية تضم نموذجا كاملا لمقبرة توت عنخ آمون و10 متاحف احدها يضم مجموعة نادرة من الآثار الفرعونية، ومتحف الرئيس جمال عبد الناصر وآخر للرئيس السادات ويضمان بعض مقتنياتهما، ومتحف المراكب الفرعونية وتطور صناعتها والذي يقدم صورة كاملة عن انواع المراكب في العهد الفرعوني، وكذلك متحف الفنون والعقائد المصرية القديمة، ومتحف التحنيط والطب المصري القديم، ومتحف بناة الاهرام الذي يعرف الزائر بكيفية بناء الاهرام وأبوالهول.

وقد خصصت القرية متحفا خاصا للملكة كليوباترا جميلة الجميلات حيث تستطيع التعرف على تاريخ حياة هذه الملكة من خلال رؤية متحفها، الى جانب هذه المتاحف يوجد المتحف الاسلامي الذي يقدم صورة حقيقية عن الحضارة الاسلامية وفنونها وكذلك المتحف القبطي الذي يروي جزءا هاما من تاريخ مصر.ليس الكبار فقط ممن يستطيعون الاستمتاع بجو القرية الفرعونية ولكن الاطفال أيضا لهم نصيب من المتعة بفضل ما توفره القرية الفرعونية من ملاعب مجهزة للاطفال ومراكب مائية وسينما ومركز كامل لتعليم الفنون والحرف المختلفة التي كانت تنتشر في العصر الفرعوني على أيدي متخصصين، كما تستطيع اصطحاب اسرتك في رحلة نيلية على اليخت الملكي «نفرتاري» مع تناول وجبة الغداء في المطعم الملكي «توت» والذي يقدم وجبات مصرية متميزة. والقرية الفرعونية توفر لك الهدوء والابتعاد عن ضجيج المدينة لان كل ما فيها من انشطة يتم اداؤه باسلوب الحياة الفرعونية القديمة وسط مكان مليء بالحدائق والزهور وأكثر من 500 شجرة نادرة وستعود من رحلتك إليها لتكتشف انك قمت برحلة عبر الزمان، مصطحبا معك عددا من الصور التذكارية التي تخلد رحلتك عبر التاريخ.

مؤتمر بابل

مشكلة ولاية العرش:

لما كانت المناداة بالملك، وفقًا للتقاليد المقدونية، من حقوق الجيش، فإن قواد الإسكندر عقدوا مؤتمرًا في بابل غداة موته هناك في يونيو عام 323 ليبحثوا مشكلة حكم الإمبراطورية المقدونية، تلك المشكلة التي أفضت إلى ما يعرف “بحروب الخلفاء”، وكانت حروبًا شعواء دامت حوالي الأربعين عامًا .

ذلك أن المنبة فاجأت الإسكندر دون أن يترك وصية، أو يرشح خلفًا له، أو نيظم طريقة الحكم في تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف. ولا يمكن أن نقبل ما عزاه المغرضون إلى الإسكندر من أنه أوصى بالعرش إلى “أجدر الناس به”، لأن ذلك كان يفضي إلى نضال عنيف. ومن العسير أن تتخذ دليلاً على اختياره برديقاس (Perdiccas) خلفًا له أنه كان قد سلمه خاتم الملكم وهو على فراش الموت.

وقد زاد مشكلة وراثة العرش تعقيدًا أن الإسكندر توفي دون أن يترك وريثًا ليخلفه، وأن كان قد ترك زوجة الفارسية روكسانا (Roxana) ـ أبنة النبيل الباقترياني أوكسوارتس (Oxyartes) ـ حاملاً في شهرها السادس، إلا أنها كانت سيدة شرقية وكان الكثيرون ينكرون على جنينها حق التربع على عرش الإمبراطورية المقدونية. وكان يوجد في بابل نفسها أخ للإسكندر يدعى أرهيدايوس (Arhidaeos)، وكان شاباً غبيًا مصاباً بالصرع، ولم يكن أبنًا شرعيًا للملك فيليب، فإن أمه لم تكن سوى حظية فيليب، لكنه في نظر الجيش وخاصة في نظر الجنود البسطاء كان يمتاز على غيره بأن أمه كانت سيدة من تسالياً ولم تكن سيدة شرقية.

مشكلة ولاية العرش:

لما كانت المناداة بالملك، وفقًا للتقاليد المقدونية، من حقوق الجيش، فإن قواد الإسكندر عقدوا مؤتمرًا في بابل غداة موته هناك في يونيو عام 323 ليبحثوا مشكلة حكم الإمبراطورية المقدونية، تلك المشكلة التي أفضت إلى ما يعرف “بحروب الخلفاء”، وكانت حروبًا شعواء دامت حوالي الأربعين عامًا. ذلك أن المنبة فاجأت الإسكندر دون أن يترك وصية، أو يرشح خلفًا له، أو نيظم طريقة الحكم في تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف. ولا يمكن أن نقبل ما عزاه المغرضون إلى الإسكندر من أنه أوصى بالعرش إلى “أجدر الناس به”، لأن ذلك كان يفضي إلى نضال عنيف. ومن العسير أن تتخذ دليلاً على اختياره برديقاس (Perdiccas) خلفًا له أنه كان قد سلمه خاتم الملكم وهو على فراش الموت.

وقد زاد مشكلة وراثة العرش تعقيدًا أن الإسكندر توفي دون أن يترك وريثًا ليخلفه، وأن كان قد ترك زوجة الفارسية روكسانا (Roxana) ـ أبنة النبيل الباقترياني أوكسوارتس (Oxyartes) ـ حاملاً في شهرها السادس، إلا أنها كانت سيدة شرقية وكان الكثيرون ينكرون على جنينها حق التربع على عرش الإمبراطورية المقدونية. وكان يوجد في بابل نفسها أخ للإسكندر يدعى أرهيدايوس (Arhidaeos)، وكان شاباً غبيًا مصاباً بالصرع، ولم يكن أبنًا شرعيًا للملك فيليب، فإن أمه لم تكن سوى حظية فيليب، لكنه في نظر الجيش وخاصة في نظر الجنود البسطاء كان يمتاز على غيره بأن أمه كانت سيدة من تسالياً ولم تكن سيدة شرقية.

ويرجح أن قواد الإسكندر، برغم المطامع الشخصية التي كانت تجيش في نفوسهم، قد حرصوا جميعًا في مؤتمر بابل على الاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية  المقدونية، لأنهم كانوا قبل كل شيء مقدونيين يخشون أن يدكوا دعائم ذلك الصرح الهائل الذي شيدته مقدونيا، أو أن يستشيروا عواطف الجنود الذين بقوا على ولائهم للبيت المالك، أو يظفر أكثرهم نفوذًا بين الجنود بنصيب الأسد.

وإذا كان قواد الإسكندر قد اتفقوا يومئذ على الاحتفاظ بكيان الإمبراطورية، فإن آراءهم تباينت في الطريقة التي تتبع في حكمها، إذ أنه حين كان بعضهم يريد إقامة سلطة مركزية قوية مدفوعًا إلى ذلك إما بدافع الإخلاص للأسرة المالكة وإما بدافع الأمل في الاشتراك في السلطة المركزية، كان البعض الآخر يفضل ألا يرى في مقر الإمبراطورية سلطة موحدة مستقرة، معللاً النفس بالحصول على إحدى ولايات الإمبراطورية سلطة والاستقلال بإدارتها. وقد اقترح برديقاس (Perdiccas) وكان أكثر القواد نفوذًا، أرجاء البت في ولاية العرش حتى تلدروكسانا، لكن ملياجروس (Meleagros) اقترح اختيار أرهيدايوس. وأما بطلميوس فإنه اتخذ موقف الرجل المقدوني الذي يأبى أن يحكمه رجل معتوه من نسل غير شرعي مثل أرهيدايوس، أو سليل سيدة شرقية مثل ابن روكسانا، لأنه كان يرى أن المقدونيين لم يقهروا الفرس لكي يخضعوا لسلالتهم، ولذلك اقترح أن يبقى عرش الإسكندر شاغرًا وأن يعهد بإدارة الإمبراطورية إلى قواد الجيش . ولا جدال في أن هذا الاقتراح يخفي وراءه تعطشًا شديدًا للسلطة ورغبة قوية في الاستقلال بحكم إحدى ولايات الإمبراطورية، بل يحمل في طياته بذور تفتيت الإمبراطورية وانحلالها. وبعد مناقشة هذه الآراء استقر رأى القواد على قبول اقتراح برديقاس. وحظي هذا الاقتراح بتأييد الفرسان، وكانوا يتألفون من شباب النبلاء، لكن المشاة، وكانوا يعتبرون أنفسهم ممثلي الأمة المقدونية وتبعًا لذلك أصحاب الحق في المناداة بالملك الجديد، ثاروا على هذا الاقتراح وقرروا المناداة بارهيدايوس ملكًا، فعهد إلى ملياجروس بتهدئة ثائرتهم بيد أن العداوة الت يكان ملياجروس يضمرها لبرديقاس دفعته إلى الانضمام إلى المشاة والهاب عواطفهم، فاضطر برديقاس دفعته إلى النضمام إلى المشاة والهاب عواطفهم فاضطر برديقاس والفرسان إلى الخروج من بابل ومحاصرة المشاة في المدينة. وكادت أن تشب نيران الحرب بين الفريقين، غير أن لباقة بطلميوس ومهارة يومنيس (Eumenes) سكرتير الإسكندرية، تمكننا من حسم النزاع والوصول إلى حل وسط، يقضي بأن يرتقي أرهيدايوس العرش تحت اسم فيليب، والاعتراف بحق جنين روكسانا، إذا كان ذكرًا، في مشاركة فيليب الملك بمثابة شريك تحت الوصاية.

توزيع ولاية الإمبراطورية:

وبهذا الحل أمكن الاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية بينهم، ليحكموها بصفة كونهم ولاة من قبل الأسرة المالكة المقدونية. فقد قرر المؤتمر أن يعهد إلى بلطميوس بن لاجوس (Lagos) بمصر، وإلى لاومدوز (Laomedon) بسوريا، وإلى مناندروس (Menandros) بلوديا، وإلى ليوناتوس (Leonnatos) بفروجيا على شاطئ الدردنيل، وإلى لوسيما خوس (Lysimachos) بتراقيا، وإلى فيلوتاس (Philotas) بقيليقيا، وإلى أساندروس (Asandros) بقاريا، وإلى بايثون (Peithon) ببابل، وإلى أرقيلاوس (Arcesilaos) ببلاد ما بين النهرين، واحتفظ أرتوباتس (Artopates) بيديا الصغرى، ومنح أنتيجونوس (Antigonos) الجانب الأكبر من آسيا الصغرى، أي فروجيًا الكبرى وبامفوليا ولوقاونيا ولوقيا، وأعطى يومنيس (Eumenes) بافلاجونيا وقابادوقيا وكانتا لم تخضعا بعده. أما بلاد الإغريق فقد تقرر أن تبقى جمهورياتها خاضعة لمقدونيا وموحدة في عصبة قورنثة تحت سيطرة انتيباتروس (Antipators).

مشكلة الوصاية:

وإذا كانت مشكلة ولاية العرش قد حلت على نحو ما رأينا، فقد بقيت مشكلة الوصايا على الملكين أو بعبارة أخرى مشكلة السلطة العليا ذلك أنه تقرر في بابل أن يكون برديقاس خيليارخيس (Chiliarches) ومعنى ذلك أن يكون القائد العام للجيش، والمهين على شئون الإمبراطورية، وأن يساعده في ذلك ملياجروس. وتقرر أيضًا أن يكون قراتروس (Crateros) ـ وكان في أثناء تلك الأحداث في طريقه إلى مقدونيا لإعادة 10.000 من قدماء المحاربين ـ بروستاتيس (Prostates) الملك. ومعنى ذلك أن يكون وصيًا على الملك المعتوه وكذلك على طفل روكسانا عندما يولد، وحامى شخصيهما، وحامل ختام الدولة، أي أن يكون بمثابة رئيس الوزراء. وهكذا بقى أن يتقرر لمن تكون السيطرة والكلمة النافذة، البرديقاس أم لقراتروس. وقد حلت هذه المشكلة أحداث الحرب اللامية (Lamian) أو الحرب الهلينية، كما سميت عندئذ، وهي الحرب التي وقعت في بلاد الإغريق عندما تجاوبت هناك أصداء خبر وفاة الإسكندر وهب الإغريق لاستعادة حريتهم من مقدونيا. وقد تحرج مركز القائد العجوز أنتيباتروس (Antipatros) في بلاد الإغريق إلى حد أن فراتروس ـ وكان إذ ذاك في قيليقيا في طريقه إلى مقدونيا ـ اضطر إلى التضحية بأطماعه الشخصية، إذ أنه بدلاً من أن يعود إلى بابل ليضع الملكين تحت سلطته ويتولى الوصاية عليهما، لبي نداء الواجب فكون جيشًا في آسيا الصغرى وذهب لنجدة القائد المقدوني في بلاد الإغريق، تاركًا مسألة الوصاية في كفة القدر، أو على الأصح بين يدي برديقاس الذي سرعان ما وضع تحت سيطرته الملك المعتوه وكذلك الملك الطفل الذي أنجبته روكسانا ونادى به الجيش ملكًا. بيد أنه لما كانت الأوامر تصدر والنقود تسك باسم فيليب وحده، فإن الناس كانوا لا  يدرون أكان يتربع على العرش ملكان أم ملك واحد. ولم يكن معنى السيطرة التي اغتصبها برديقاس لنفسه أن نتيباتروس وقراتروس اعترفا بأنه قد أصبح رئيسها ويحق له إصدار الأوامر لهما.

تضارب الأطماع:

وسرعان ما أوضح برديقاس لجميع القواد أنه ينتظر منهم أطماعه الأوامر التي يصدرها باسم التاج، لكن أكثرهم بأسًا وقوة أخذوا يستعدون لمقاومة هذه الأوامر. وقد كان متوقعًا عقب وفاة الإسكندر أن أغلب أولئك القواد الذين اجتمعوا في بابل وبذلوا جهدًا كبيرًا في الوصول إلى حل لمشكلة ولاية العرش وتنظيم حكم الإمبراطورية لن يذهبوا لتولي حكم ولاياتهم دون أن تراودهم أطماع شخصية، وأن تضارب هذه الأطماع سيقضي أن عاجلاً أو آجلاً إلى صراع عنيف.

وحقًا لقد كافح بعض القواد للاحتفاظ بوحدة الإمبراطورية أما بدافع الولاء للأسرة المالكة مثل أنتيباتروس وقراتروس، وأما بدافع المصلحة الشخصية مثل برديقاس وليوناتوس وأنتيجونوس. لكن أكثر القواد لم يبرحوا بابل إلا وفي عزم كل منهم الاستقلال بحكم ولايته وعدم السماح بأن يكون لغيره سلطة أكبر من سلطته، ومع ذلك يبين أن فكرة تفكيك عرى الإمبراطورية لم تختمر في الرءوس إلا بالتدريج.

ويجب ألا يفوتنا أن كبار قواد الإسكندر الذين اقتسموا إدارة إمبراطوريته كانوا ينتمون إلى أعرق الأسر النبيلة في مقدونيا ويعتزون أشد الاعتزاز بأصلهم العريق وانتصاراتهم الباهرة، ولذلك فإن بعضهم كان يعتبر نفسه جديرًا بأن يخلف الإسكندر، بل أن أقلهم اعتزازًا بنفسه كان لا يمكن أن يسمح بأن يعامل غير معاملة الند للند. وإذا كان الإسكندر بفضل أصله وعبقريته قد أفلح في كبح جماح أطماع قواده وتسخير نشاطهم في القيام بمجهود مشترك، فإن ضعف خليفتيه ـاح الفرصة كاملة لتحقيق أطماعهم المكبوتة. وسرعان ما أفضت المنافسة المسلحة بينهم إلى ذلك الصراع الذي بدأ في عام 321 واحتدم مدة تزيد على الأربعين عامًا وتمخض عنه فصم عرى الإمبراطورية المقدونية وقيام ثلاث ممالك على أنقاضها. وقد ساعد على بلوغ هذه النتيجة أن الإمبراطورية كانت تتألف من أجزاء غير متجانسة لم يكن يربط بعضها ببعض إلا قيام سلطة مركزية موحدة. وبمجرد انقسام هذه السلطة على نفسها ساعد على تقطيع أوصال الإمبراطورية تضارب الصوالح واختلاف العادات والحضارة.

ولم يكن مقيضًا للممالك التي أسسها خلفاء الإسكندر أن تعمر طويلاً، ولا سيما أنه في حالة اثنتين منها. وهما سوريا ومصر، لم يعن هؤلاء الخلفاء بإقامة دولة قومية وإنما بإقامة حكم أسرى. وقد ساعد على الصراع بين القواد أنه كان تحت أمرة كل منهم قدر متفاوت من الجنود المقدونيين. وبطبيعة الحال كان أكثر هؤلاء الجنود عددًا وخبرة أولئك الذين كان برديقاس يحتكم فيهم بوصفه القائد العام للجيش، ولذلك فإنه يعزى إلى هذه الحقيقة أكثر مما يعزى إلى توليه الوصاية أو إلى وجود الملكين في كنفه تمتعه بأكبر قدر من السلطان في الإمبراطورية.

ومنذ البداية أخذت تتكون بين خلفاء الإسكندر ذلك أن أنتيباتروس كان صديق أنتيجونوس وعدو أم الإسكندر، وكانت تمتاز بقدرتها على إثارة المتاعب وثيقة بيومنيس أثارت عليه عداء أنتيباتروس ولما كان إلى ألومبياس واتخذ من يومنيس صديقًا له ورفيقًا أنتيباتروس ضد برديقاس، ولا سيما أن رأيه لم يؤخذ تمت في بابل. وفضلاً عن ذلك فإن اغتصاب الملكين قرب بين أنتيباتروس وقراتروس وجعل محتومًا. ومن ناحية أخرى أغضب برديقاس تقرب إلى القائد العجوز أنتيباتروس. وإلى جان أخريين شأن كبير في أحداث ذلك الوقت، وأحداهما الإسكندر الأكبر وأرملة الإسكندر ملك أبيروس الأطماع والفتن بما منت به الكثيرين من الاقتران بها واحد منهم. وأما لسيدة الأخرى فإنها أديا (Adein) فيما بعد باسم بوروديقي  (Eurydike) كانت خطيبة وبما أنها كانت ابنة أمونتاس (Amyntas) ابن برديقاس وقواناني (Cynane) وكانت ابنة غير شرعية لفيليب لها حقوق شخصية في العرش المقدوني وتكره أسرة

مميزات العصر الهلينيستي

وبموت الإسكندر يبدأ في العالم الإغريقي العصر الذي اتفق المؤرخون على تسميته بالعصر الهلينيسي. ولما كان تاريخ مصر منذ الفتح المقدوني قد أصبح يتصل اتصالاً وثيقًا بالعالم الإغريقي، فإن عهد البطالمة ينتمي إلى العصر الهلينيسي . وينتهي هذا العصر بموقعة أكتيوم في عام 31 ق.م. وهي التي بسط الرومان بعدها سلطانهم على مصر، وكانت آخر مملكة هلينيسية لا تزال مستقلة، ولو اسمًا . ولما كانت معالم هذا العصر قد بدأت قبل وفاة الإسكندر واستمرت في البقاء إلى ما بعد أغسطس، فإنه يتبين لنا أن هذين التاريخين ليسا سوى اصطلاح اتفق عليه المؤرخون، لكن هذين التاريخين ينمان عن حقيقتين: وإحداهما هي أن أعمال الإسكندر تكشفت عن نتائج غيرت وجه العالم فلم يعد شيء على حالته السابقة. والحقيقة الأخرى هي أنه بعد خضوع العالم الهلينيسي لروما وتدهوره مع تدهور الإمبراطورية الرومانية أبان حروب روما الأهلية، أعيد بناؤه ثانية مع الإمبراطورية الرومانية على قواعد جديدة، ومن ثم بدأت الحضارة الإغريقية ـ الرومانية.ويختلف العلماء في تعريف العصر الهلينيسي، فيرى بعضهم أنه عصر حضارة جديدة تتكون من عناصر إغريقية وشرقية، ويرى بعضهم أنه عصر انتشار الحضارة الإغريقية بين الشرقيين، ويرى بعضهم أنه لا يتعدى استمرار الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة. وفي رأينا أنه مزيج من ذلك كله، لأن كلاً من هذه الآراء يحتوي على قدر من الحقيقة، ففي هذا العصر استمرت الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة في جوهرها، لكنه داخلتها بعض العناصر الشرقية، ولم تنتشر هذه الحضارة في ربوع الشرق فحسب بل أن مراكزها الرئيسية لم تعد في بلاد الإغريق القديمة، وإنما في عواصم الممالك الجديدة التي أنشأها خلفاء الإسكندر الأكبر على أنقاض الإمبراطورية المقدونية. فلا عجب أن وصفت الحضارة الهلينيسية بأنها حضارة ملكية، والحضارة الهلينية الكلاسيكية بأنها حضارة المدن الحرة.

مميزات العصر الحضارية:

ويمثل هذا العصر من بعض النواحي مرحلتين من مراحل الحضارة، أثمرت في أولاهما العلوم والفلسفة والآداب وغيرها من مظاهر النشاط الفكري، في ظل عالم إغريقي ـ مدقوني مستقل. وأما في المرحلة الثانية فقد نضب معين الإنتاج العقلي وقام الشرق في وجه الغرب، وحين كانت هذه الثورة تهدد العالم الإغريقي ـ المقدوني انقضت روما على هذا العالم واستولت عليه وآلت إليها زعامة الحضارة الإغريقية. و يمكن أن نعزو ضعف النشاط العقلي في المرحلة الثانية إلى عاملين: وأحدهما هو نقص عدد الإغريق الصميمين بانتظام بعد حوالي عام 200ق.م. والآخر هو مجهودات روما في تحطيم الروح المعنوي بين الإغريق.

ويمثل العصر الهلينيسي من نواح كثيرة وحدة واحدة، ذلك أنه بالرغم من أن الدول الإغريقية تمسكت من الوجهة العملية بمبدأ الانفصالية والاستقلال، فإنه من الوجهة النظرية خلفت فكرة العالمية هذا المبدأ، ومن ثم نشأت فكرة وجود عالم واحد (oikoumene) يعتبر ملكًا مشتركًا للبشر المتحضرين، ومن أجله وجدت لغة مشتركة (Koine) ساعدت التقرب بين عناصر هذا العالم، فقد أخذ المتعلمون في كل مكان يستمعلون لهجة أنيقًا، التي نشأت منها تدريجيًا اللغة الإريقية الهلينيسية، فقال اللغة التي كتبت بها التوراة الجديدة. وإذا كانت اللهجات المحلية بقيت مدة طويلة في بعض الأفحاء، فإنه لم يأت القرن الأول حتى كانت اللغة المشتركة” مستعملة في كل مكان.

انتشار التعليم

ويمتاز العصر الهلينيسي بانتشار التعليم وتقدمه، ولا أدل على من أن المواطن (Gymnasiarch) الذي كان يناط به الإشراف على التعليم في الدولة الإغريقية أصبح أهم حكامها. وانتشرت المدارس الأولية للبنين والبنات في أكثر الدول الإغريقية تحضرا، بل كان الأولاد والبنات يتعلمون معًا في بعض المدن مثل تيوس (Teos) وخيوس (Chios)، كان ذلك من قبل في أسبرطة. ويبدو أن تعليم البنات كان يقف عند انتهائهن من هذه المدارس. أما الأولاد فإنهم كانوا ينتظمون بعد ذلك في سلك الجومنازيوم (gymnasium) ويتلقون فيه عادة في التاسعة عشر والعشرين من عمرهم تعليم الشبان، (Ephebeia) ، وكان الهدف لهذا التعليم تدريبهم عسكريًا، لكنه كان يشمل أيضًا تثقيفهم، لأن التدريب العسكري في بعض المدن إجباريًا، لكنه لم يلبث أن أصبح عام اختياريًا. وقد أوجدت اللغة المشتركة والتعليم حضارة مشتركة في العالم الإغريقي، انتشرت في كنفها الآداب والفلسفة، وعمت في ظلمها حرية الفكرة والقول، وزالت الكراهية العنصرية، اللهم إلا إذا استثنينا المصريين واليهود.

روح الأخاء:

وقد ساعدت فكرة العالمية وانتشار التعليم واستخدام لغة مشتركة على تقدم روح الأخاء الإنسانية في الوقت الذي استعرت فيه نار الحروب والمنازعات بين الإغريق، إذ أن الدول الإغريقية أخذت تلجأ منذ القرن الثالث أكثر من أي وقت مضى إلى فض ما قد ينشب بينها من الخلافات على الحدود بالتحكيم بدلاً من الحرب. بل استطاع الإغريق في خلال الجزء الأكبر من القرن الثالث أن يخففوا من ويلات الحرب، إذ أن العرف كان فيما مضى يبيح للمنتصر أن يقتل رجال المدن التي يستولى عليها، وأن يبيع نساءها وأطفالها، لكن الإسكندر الأكبر استبدل بذلك بيع جميع السكان، ثم قضى خلفاء الإسكندر على هذه العادة الشائنة، وقبل عودة الحرب ثانية إلى فظاعتها الأولى منذ أواخر القرن الثالث، نستشف دليلاً على استيقاظ العواطف الإنسانية في الحركة التي بدأت في النصف الثاني من ذلك القرن، وتكشفت عن اعتراف الدول الإغريقية بأن بعض المدن أو الأماكن “مقدسة” كالمعابد، أي لا يجوز أن يعتدي عليها الأفراد أو الدول.

مركز المرأة:

ولقد تأثر مركز المرأة في العصر الهلينسي بالدور الذي لعبته الأميرات المقدونيات العظيمات في الفترة التالية لوفاة الإسكندر، إذ أن شأن تلك الأميرات لم يكن أق لمن شأن الرجال العظام من حيث الاضطلاع بأدوار هامة في الحياة العامة، فقد كن يستقبلن البعثات السياسية، ويبنين المعابد ويؤسسن المدن، ويستأجرن الجنود المرتزقة، ويقدن الجيوش، ويدافعن عن القلاع، ويضطلعن بالوصاية على الملك أو يشتركن فيه. فلا عجب إذن أنه كان لسيدة جميلة قادرة مثقفة، مثل أرسينوي فيلادلفوس، أثر أي أثر حتى على رجال عصرها، ومن القصور المقدونية امتدت الحرية النسبية إلى النساء العاديات، فاستطاعت من شاءت منهن أن تتحرر إلى حد كبير من ربقة التقاليد القديمة، فكان في الإمكان إذ ذاك أن تحصل النساء على كل ما يردن من التعليم، فظهرت بينهن في القرن الثالث الفيلسوفة والشاعرة والفنانة. ووجدت أندية خاصة للنساء في أثينا والإسكندرية، لكنه لا شك في أن هذه الحرية لم تكن إلا من نصيب الأقلية من نساء هذا العصر.

الأندية:

وربما كان ظهور أندية السيدات صدى للاتجاه الذي نشط في العالم الإغريقي منذ حوالي عام 300 نحو تكوين جمعيات صغيرة كانت قبل كل شيء اجتماعية ودينية تقوم حول عبادة إله معين. وأخذت تظهر أيضًا في أثينا وقوس جمعيات عرفت بحرف أصحابها، لكن نقابات أصحاب الحرف لم تعرف في العصر الهلينيسي إلا في مصر. وقد كانت هذه الأندية أو الجمعيات تتخذ من نظم الدول أساسًا لنظمها، فكان لها من الحكام مثل ما كان للمدن، وكانت تصدر قرارات مثل المدن، لكنه لم تكن للأندية عادة أغراض سياسية.

سخاء الأغنية وقلة الأجور:

ولعله من أبرز مظاهر هذا العصر الزاخر بالمقتضيات ذلك البون الشاسع بين سخاء الأغنياء وقلة الأجور، فقد كان الأغنياء على أتم الأهمية للتبرع بأموالهم في خدمة الدولة بقدر ما كانوا غير مستعدين لدفع أجور مناسبة، فكثيرًا ما لبى الأغنياء نداء دولهم فأعاروها مبالغ كبيرة دون أرباح، أو تبرعوا لها بهذه المبالغ، أو أخذوا على عاتقهم إنشاء معبد أو جسر أو سفينة حربية أو إقامة حفل عام أو تمثال. وعلى الرغم من هذا الروح النبيل، فإن الناس في هذا العصر لم يعرفوا الأخاء كما تعرفه اليوم، أو بعبارة أخرى مساعدة الأغنياء للفقراء بطريقة منتظمة مثل إنشاء جمعيات خيرية أو مستشفيات أو ما أشبه ذلك.

اضطرابات اجتماعية

وقد كان هذا العصر حتى أوائل القرن الأول عصر رخاء بوجه عام للطبقات العليا، ونستدل على ذلك من رواج التجارة، وانتشار الأندية وإقامة الحفلات، والترف في المأكل والملبس، والعناية بتخطيط المدن وبناء المنازل وأثاثها. وقد أدى تدهور قيمة النقد حوالي عام 300 إلى ارتفاع الأسعار، لكنه لم يقابل ذلك ارتفاع مماثل في أجور العمال بل أحيانًا هبوطها، فاتسع الفارق بين الأغنياء والفقراء مما أدى إلى اضطرابات اجتماعية، ساعد على اشتعال لهيبها مذاهب الرواقيين التي كانت تنادي بالمساواة والأخاء.

وجوه الشبه والخلاف بين العصرين الهلينيسي والحديث

ويبدو لأول وهلة أن وجه الشبه بين العصر الهلينيسي والعصر الحديث قريب جدًا، فقد كانت توجد الكثرة نفسها من الدول الكبيرة والصغيرة التي تسودها حضارة رفيعة مشتركة، ونشأت فيها أفكار الإنسانية والأخاء وتحرير المرأة، وانتشر فيها التعليم انتشاراً أخرج أفواجًا من أنصاف المتعلمين، ونشأت فيها متاعب قاسية من جراء الأسعار والأجور نشطت روح الحزبية وأدت إلى الأفكار الاشتراكية والشيوعية. ومع أنه كانت توجد ظواهر كثيرة تشبه ظواهر حديثة فإن التشابه ليس تامًا بين العصرين. ولعل مرد ذلك أن اختلاف جوهري أساسه أن العالم القديم لم يعرف الآلات وكان يعج بالعبيد هم الذين اعتد عليهم النشاط الاقتصادي إلى حد كبير.

عصر البطالمة شطران:

ويمكننا دون تردد أن تقسم عصر البطالمة إلى شطرين: الأول منذ البداية حتى معركة رفح عام 217 ق.م. والثاني من هذا التاريخ حتى سقوط دولة البطالمة. وسنشهد في الشطر الأول تشييد دولة البطالمة وإمبراطوريتهم البحرية، وقدوم الإغريق إلى مصر وتغلغلهم في أنحائها واغتصابهم مواردها واحتلالهم أرفع المناصب فيها، حين كان المصريون يرزحون تحت أعباء أثقلت كاهلهم، لكن شعورهم بضعفهم تركهم يئنون من جراحهم صابرين على ما رمتهم به الأقدار حتى يحين يوم الخلاص. وأما في الشطر الثاني فسنشهد كيف انبعث الروح القومي نتيجة لموقعة رفح، تلك المعركة التي تعتب ردرة في تاريخ الجيوش المصرية، فقد كانت الفرق المصرية دعامة النصر على جيوش ملك سوريا الإغريقية. وقد أزكى ذلك الفوز روح الوطنية الكامن في الصدور وأعاد إلى المصريين الثقة بأنفسهم، وأرغم البطالمة على النزول عن صلفهم وجبروتهم والنظر بعين جديدة إلى هذا الشعب الذي انتزع أبناؤه نصرًا عز على القوات الإغريقية، ومن ثم أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في حكم المصريين كما سنرى بالتفصيل.

الفتح المقدوني

فيليب الثاني يوحد الإغريق ويقرر محاربة الفرس:

لم تكن بلاد الإغريق دولة تنتظمها رابطة الوحدة السياسية، وإنما كانت تنقسم إلى عدد كبير من الدويلات تحرص كل منها أشد الحرص على استقلالها وحريتها وتفرق بينها المنازعات والأحقاد .

وإذا كانت هذه الدويلات قد بلغت شأوا بعيدًا في القرن الخامس قبل الميلاد، فإنها أخذت تضعف وتشيع الفوضى بين أرجائها في خلال القرن الرابع، في حين أن مقدونيا على حدودها الشمالية كانت جادة في توحيد كلمتها وأعلاء شأنها. وعندما ارتقى فيليب الثاني عرش مقدونيا، رأى أن ينتهز حالة بلاد الإغريق فيوحدها بزعامة مقدونيا سياسيًا وحربيًا ويقوم الإغريق في حرب قومية ضد أعدائهم القدماء الفرس، وكانوا يسيطرون على إغريق آسيا الصغرى ويهددون سلامة بلاد الإغريق، فيصيب فيليب بذلك هدفين: وأحدهما هو ضخوع بلاد الإغريق له وتأييدها إياه لأنه سيصبح قائد حرب الانتقام من الفرس، والآخر هو القضاء على الخطر الفارسي، وقد أدرك الإغريق أغراض فيليب وانقسموا أزاءها قسمين غير متعادلين، يؤيدها أقلهم ويعارضها أغلبهم وكانوا يرون أن المسألة هي حرية الإغريق، وهذه كانوا لا يفرقونها عن استقلال المدن، وأنه يتهدد حريتهم العزيزة عليهم خطران كانت مقدونيا أقربهما وبلاد الفرس أبعدهما فكان يجب القضاء على الخطر المباشر بأي ثمن. ولذلك تآلفت أثينا وبويوتيا لفدع هذا الخطر الداهم، ولكن فيليب أنزل بالإغريق في عام 338 هزيمة ساحقة في موقعة خايرونيا (Chaeronea) وألف من أغلب الدول الإغريقية عصبة ؟؟؟
الإسكندر الأكبر ينقذ مشروع أبيه :
وقد لقى فيليب حتفه في عام 336 قبل تحقيق أمنيته، ؟؟ الإسكندر الثالث الملقب بالأكبر ـ وقد ورث عنه جيشه وتك؟؟؟ الإغريق في حرب شاملة ضد الفرس انتقاماً لما ؟؟؟ في بلاد؟؟ منذ قرن ونصف قرن ـ لم يكد الأمر ؟؟ حتى ؟؟ محاربة الفرس، برغم ما كان يكتنف ذلك من ؟؟ أهمها أن ؟؟ يعتمدون على موارد إمبراطورية لا تنضب، ؟؟ بسيادة وذلك في حين أن موارد الإسكندر كانت ضد ؟؟؟، ولا يستطيع الاعتماد على قوى الإغريق البرية؟؟، فقد ضياع حريتهم وخضوعهم لمقدونيا، ومن ثم فإن ؟؟؟ طبيعيًا ألا تأييد مشروعاتها، بيد أن مقدونيا استعاضت عن ؟؟ أنها أمة فتية قوية تتألف من جنود أشداء ، أحدث والمعدات. ويقودها ملك شاب يجمع بين عدد من القواد المجربين.
الإسكندر الأكبر يستولى على قواعد الاسطول الفارسي :
وبعد انتصار الإسكندر في موقعة جرافي؟؟؟؟؟؟؟؟ التي تصدت له بمجرد بلوغه أسيا الصغرى ؟؟ للقضاء على سيادة الفرس البحرية هي الاستيلاء على قواعد الفارسي الواحدة بعد الأخرى. ولذلك يبين ؟؟ شواطئ أسيا الصغرى وسوريا وفينيقيا ؟؟ أيضًا وكذلك على فورينابئة ((برقة) فيضمن على ؟؟ ويترك الأسطول الفارسي بلا مأوى يلجأ إليه لا؟؟ المراكب ؟؟ مصر ضرورة للإسكندر لأنه كان من ناحية ؟؟؟ ومن ناحية أخرى بمثابة ضمان لوضع بلاد الإغريق تحت رحمة الإسكندر، لأن استيلاءه على مصر بعد الدردنيل كان يضع في قبضته أكبر مصدرين تعتمد عليهما بلاد الإغريق في استيراد ما تحتاج إليه من القمح. وفضلاً عن ذلك فإن هذا الفتح كان يضع في قبضته موارد الغنية، فيسهل عليه أن يتابع محاربة الفرس. ولعل عدم اطمئنان الإسكندر إلى مصر لم يكن مبعثه خضوعها للفرس بقدر ما كان الخوف من أن تتخذها العناصر المعادية للإسكندر مأوى لها، أو الخوف من قيام ثورة وطنية فيها تقودها الأرستقراطية المصرية ـ وكان لا يزال لها شأن كبير في الدلتا ـ ويتحالف معها الإغريق، فقد كان في وسع مثل هذا الحلف إخضاع قبرص وفينيقيا، أو على الأقل تهديد سلامتها.
حقًا أن استيلاء الإسكندر على فينيقيا قد أزال من طريقه الخطر الرئيسي الذي كان يتهدده، لأن سفن فينيقيا وقبرص ـ وكانت أفضل جزء في الأسطول الفارسي ـ انضمت عندئذ إلى الإسكندر، غير أن أجيس ملك اسبرطة كان لا يزال يعمل مجدًا في إثارة الحرب ضد الإسكندر، وإلى جانب ذلك كله كان يوجد اعتبار سياسي له خطره. فقد كان الإسكندر على وشك تكوين إمبراطورية إغريقية أسيوية. وكان لا يمكن تصور قيام ههذ الإمبراطورية دون أن يكون بحر أيجة بمثابة قطب الرحي فيها، وكان يتعذر السيطرة على هذا البحر بل على شرق البحر الأبيض المتوسط دون السيطرة أولاً على مصر.
الإسكندر الأكبر يفتح مصر:
وإزاء ذلك كله فإن الإسكندر عندما دحر داراً الثالث ملك الفرس في موقعة أسوس (Issos) في خريفه عام 333 لم يتابع انتصاراته باقتفاء أثر الملك الأكبر الذي فر هاربًا إلى بابل، وإنما أثر أن يفتح أولاً فينيقيا ومصر وقورينايئة (برقة). وما كاد يستولى على صور وغزة حتى ؟؟ وجهه شطر مصر فبلغ بلوزيون (Pelousion) في نوفمبر وقد طوقته هالة من جلال انتصاراته الحديثة.
ومما يستحق الذكر أنه عندما كان الإسكندر في صور كتاب يعرض عليه فيه محالفته وكل إمبراطوريته غربي الفر؟؟ بارمنيو قائده العجوز “لو كنت أنا الإسكندر لقبلت هذا ” فرد عليه الإسكندر بعبارته المشهورة “وأنا لو كنت بارمنيو أيضاً” . وفي هذا دلالة على مدى اتساع الأهداف الإسكندر يتوخاها من وراء حملته ضد الفرس.
ولم يجد مازاقس (Mazakes) ـ الوالي الفارسي الذي ؟؟؟ مصر إذ ذاك ـ مفرًا من التسليم، لأنه أدرك أن المقاومة مجدية ولا سيما أن المصريين لم يخفوا عواطفهم نحو الإسكندر المصائب التي جلبها عليهم الفرس والمساعادت التي لقيها الإغريق كلما حاولوا التخلص من ربقة الملك الأكبر، على آنفًا. فقد كانت تدور في مخيلة المصريين ذكرى آثام قمبيز أوخوس وكفاحهم المستمر بمساعدة الإغريق ليستخلصوا من براثن الفرس. وقد ظن المصريون أن الإسكندر قدم ؟؟ من بلائهم، كما قدم الإغريق مراراً من قبل، إذ كان المصريون حلفاء طبيعيين على عدوهم المشترك: الفرس. ولم يفطر حينذاك إلى الإغريق لم يأتوا هذه المرة حلفاء، وإنما ليفرط عليهم ويقيموا مكان الحكم الفارسي حكمًا أشد بأسًا وأطول أن الإسكندر والبطالمة من بعده حرصوا على إظهار أجلالهم للديانة المصرية واتخذوا منها وسيلة لدعم مركزهم والسيطرة على ؟؟ وموارد البلاد.
وقد استطاعت مصر دائمًا عقب الغزوات الخارجية السابقة ثانية في كل مرة أسرة ملكية جديدة من أهل البلاد، تحتفظ القومية القديمة في نظم الحكم والحضارة واللغة، ولكنه منذ هذه اللحظة لم يرتق عرش مصر ثانية فرعون مصري، إذ أنه منذ قدوم الإسكندر خضعت مصر ما يقرب من عشرة قرون لحكام أجانب من المقدونيين ثم من الورمان. وبعد ذلك أصبحت مصر جزءًا من العالم الإسلامي، ففقدت طابعها القديم واكتسبت طابعًا آخر تميزه لغة جديدة ونظام اجتماعي جديد وديانة جديدة.
الإسكندر الأكبر في منف:
ولم يتوقع المصريون شيئًا من هذا كله عندما رحبوا بالإسكندر بوصفه حليفًا طبيعيًا جاء لانقاذهم من العدو المشترك. وقد وصل الإسكندر إلى بلوزيون على رأس جيش يتألف من نحو 40.000 مقاتل، يحرس جناحهم الأيمن أسطول الإسكندر الذي سار بحذاء الشاطئ حتى هذا الميناء، ثم دخل فرع النيل وتقدم حتى منف. وأما الإسكندر فإنه ترك حامية في لوزيون، وقتدم عبر الصحراء إلى هليوبوليس ومنها إلى منف. ولما كان من بين الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين على الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية، فقد كان أول هم الإسكندر عندما حط رحالة في منف هو أن يظهر احترامه للديانة المصرية، ولذلك قدم القرابين في معبد الإله فتاح للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس بل يذكر مصدر قديم أن الإسكندر رسم نفسه فرعونًا في معبد فتاح طبقًا للطقوس الدينية المصرية. وإذا كان الإسكندر قد أظهر احترامه للآلهة المصرية فإنه لم ينس أنه كان القائد الأعلى لعصبة فورنثة وأنه يوم خرج من بلاد الإغريق قاصدًا فتح الشرق قد أعلن نفسه رافع لواء الحضارة الإغريقية وحامي حمى الإغريق، ولكي يثبت ذلك للإغريق المستوطنين في منف ونقراطيس، فإنه، كما قدم القرابين للآلهة أقام في منف حفلاً إغريقيًا رياضيًا وموسيقيًا اشترك فيه الموسيقيين والممثلين الذين ذاع صيتهم في العالم الإغريقي. ولا أن تتحقق كيف اتفق وجود هؤلاء الفنانين في مصر في هذه ويذهب بعض المؤخين إلى حد القول بأن هؤلاء الفنانين دعوا لإقامة هذا الحفل، يوتخذون من وجودهم دليلاً على أن الإسكندرية قد اتفق مع مازاقس على التسليم منذ مدة طويلة قبل الغزو، بعض آخر أن هؤلاء الفنانين الإغريق ذهبوا إلى مصر كي يحيوا تمثيليًا في نقراطيس بين أصدقائهم الإغريق ويكونوا قربيين إذا ؟؟ إليهم الإسكندر.
تأسيس الإسكندرية:
بعد أن فرغ الإسكندر من مهامه في منف. ركب فرع النيل تحف به شارات الملك، وهناك على شاطئ البحر الأبيض المتوسط عن مصب هذا الفرع، ومن ثم في منأى عن الرواسب الطميية بها النيل على الدوام في البحر المتوسط، وفوق الشقة الضيقة بحيرة مريوط عن البحر. وعند القربة المصرية القديمة راوتيس أساس أول مدينة نعرف عن يقين أنه أنشأها في خلال ؟؟؟ وقد كان في ضمير الدهر أن هذه المدينة ستصبح أعظم المدن اسم الإسكندر بل أعظم عواصم العالم الإغريقي في هذا العصر.
وبعد أن وضع الإسكندر أساس مدينته الجديدة وقد عليه أيجه قائداه أمفوتروس (Amphoteros) وهجاوخوس بعد القضاء على آخر مقاومة للفرس في الجزر. وقرار فارنابازوس (pharnabazos) وتحرير لسبسوس وتندوس وخيوس وفوس القبض على الطغاة الذين كان فارنا باتزوس قد أقامهم، وكذلك على حكم الأقلية في خيوس وكانوا قد خانوا الأمانة وأعانوا ممنون على مدينتهم. وقد قضى الإسكندر بسجن هؤلاء الحكام في النتين، أما الطغاة فإنه قضى بإعادة كل منهم إلى بلده لتفصل في أمره. وعهد إلى أمفوتروس بحماية قريت ضد آجيس والضرب على أيدي القراصنة الذين كانوا قد مدوا يد المساعدة لفارنابانزوس لكن هذا لم يتحقق على الإطلاق لأن الحرب ضد اسبرطة حولت أسطول أمفروتورس نحو بلاد الإغريق.
الإسكندر الأكبر يزور معبد الوحي في سيوة:
وبعد ذلك أخذ الإسكندر جزءًا من جيشه ونفرا من صحبه واتجه غربًا محاذاة الشاطئ حتى وصل إلى بارايتونيون (Paraetonion مرسى مطروح)، ثم ضرب في بطن الصحراء، وحج إلى معبد آمون في واحة سيوة. وهنا يجب أن نتساءل لماذا حج الإسكندر المبادرة قدر الطاقة إلى ملاقاة دارا، الذي كان الفاتح المقدوني وافقاً دون شك على استعداداته الضخمة، فإننا نعتقد أن الإسكندر لم يخاطر بالقيام بتلك الزيارة التي أبعدته ستة أسابيع عن قاعدته المصرية إلا بلدوافع قوية. وفي الواقع يبين لنا أن الإسكندر أراد أن يحقق ثلاث غايات من وراء هذه الزيارة: أولاً اثبات صلة نسبة بالآلهة، فنحن نعتقد أن الإسكندر توج نفسه فرعونًا في منف وغدًا على هذا النحو الها في نظر المصريين، لكنه بقى عليه أن يثبت لهم بل للعالم أجمع أنه لم يكن الها فحسب بل ابن إله أيضا.
وقد كان في وسعه إثبات ذلك في معبد طيبة التالد دون تجشم صعاب الذهاب إلى معبد سيوة لو أن أغراضه كانت محلية، أي مقصورة على تقديس سلطانه في نظر المصريين وحدهم. لكن الأمر لم يكن كذلك فقد كان الإسكندر على وشك أن يبنى إمبراطورية واسعة مترامية تضم بين جوانبها عناصر من الشرق ومن الغرب، وكان يرى أن نفوذه في أرجائها يقتضي إظهار نفسه للملأ أجمع أنه ملك إله
ومع أن فيلكن وتارن يسلمان برسامة الإسكندر فرعونًا إلا أنهما ينكران أنه ذهب إلى سيوة لإثبات أصله الإلهي فكرة مولده الإلهي نبتت من أن كبير كهنة آمون عندما رحم بلقب “ابن آمون”.
وهذا رأى عجيب لا نستطيع أن نقره، إذ كيف يتأتى أن ذلك الأثر نتيجة لهذه المناداة، ولا يكون نتيجة لرسامته فرصة وما صحب ذلك من أغداق الألقاب الفرعونية عليه “ابن آمون”؟
ولعل الأدنى إلى الصحة أن تكون هذه الفكرة قد نبتت نتيجة لمزاعم أولومبياس بأنها لم تنجب الإسكندر من فيليب، ثم عندما رسم فرعونًا في منف تأصلت هذه الفكرة في نفسه الملكة الإلهية، ولا سيما أن أستاذه أرسطو كان قد لقته ؟؟ ضرورة تألبه الرجل الذي يسوء على كل مواطنيه في الخلق ؟؟
ولما كانت تقوم صلات قديمة وثيقة بين معبد آمون في ؟؟ الذين يقيمون بالقرب منه أو على بعد عنه ـ في فوريانيئة ؟؟ آسيا وفي المدن الأوروبية الإغريقية ولا سيما أثينا و؟؟ هذا المعبد يتمتع منذ عدة قرون بشهرة عالمية تضارع ما ؟؟ في دودونا ومعبد أبولو في دلفي. فقد رأى الإسكندر ؟؟ برغم أنه كان لا يداني حتى من بعد معبد طيبة في الأهم المصريين كان خير مكان لإثبات صلة نسبة الألهة أمام الرأي ولا أدل على شهر هذا المعبد من أن فروبسوس ملك ؟؟ آلهة الإغريق، ومن أن يبندارس (Pindanos) أهدي معلقة لآمون سيوة، ومن أن الإغريق أمثال أهل أليس (Elis) واسبرطة وأثينا كانوا يوفدون الرسل لاستلهام آ/ون الوحين ومن أن يرويبيدس يتحدث عن “مقر آمون غير الممطر”، كما لو كان مكانًا مألوفًا للإغريق يهرعون إليه كلما كانوا في حاجة إلى نصيحة الهية، ومن أن الأثنيين أتموا في عام تشييد معبد للإله آمون في أثينا، وأطلقوا على مركبهم المقدس أسم سالامينيا أمونياس (Salaminta Ammonias)، ومن أن أوسطوفانيس قد شاد في راوية “الطيور” بمعبد آمون في واحدة سيوة، ومن أن أفلاطون قد ذكر في كتابه عن القوانين وحي آمون جنبًا إلى جنب وحي دلفي ودودونا.
وكانت الغاية الثانية التي تغياها الإسكندر من وراء، حجه إلى معبد آمون سيوة هي الحصول أمام الرأي العام الدولي على تأييد الإله آمون لمشوعاته التي كانت ترمي إلى بسط سيادته على العالم، وأما الغاية الثالثة فكانت إشباع ميوله للمخاطرة ورغبته في أن يقتفي أثر بطلي الأساطير الإغريقية برسيوس (Perseos) وهرقل اللذين شاع الاعتقاد قديمًا أن الإسكندر ينحدر من سلالتها، فقد و رد في الأساطير أن هذين البطليين تزودا بشورة آمون سيوة قبل أن يقدما على جلائل أعمالها ويجب ألا يعرب عن البطل أن ما تعتبره اليوم قصصاً وأساطير كان في نظر إغريق القرن الرابع قبل الميلاد تاريخًا صحيحًا.
ولماذا ذهب الإسكندر إلى سيوة عن طريق بارايتونيون مع أن الطريق الطبيعية من وادي النيل إلى سيوة كانت عبر وادي النطرون؟
ولا يمكن تفسير ذلك بأن الإسكندر قبل ذهابه مباشرة إلى لم يكن في الوادي نفسه وإنما كان عند الأطارف الشمالية الغربية من أجل تأسيس مدينته الجديدة، ومن ثم كان أيسر عليه عندما يأخذ طريق بارايتونيون، إذ أن القرائن توحي بأن تأسيس الإسكندرية جاء عفو الخاطر ودون تدبير سابق. وإنما يمكن تفسير ذلك من أن طريق باريتونيون كانت الطريق الطبيعية التي يسلكها ذهابهم إلى سيوة، لكننا نعرف كذلك أنها كانت أيضاً الطريق قورينايئة وأن الإسكندر كان يرغب في الاستيلاء على كل شرق الأبيض المتوسط كي يترك أسطول أعدائه معلقًا في الهواء، ولا قورنايئة كانت اقليمًا هامًا يهدد سلامة حدود مصر الغربية إذا قبضة يد قوية. ولا داعي لأن نذهب بعيدًا في التدليل على أهمية لمصر، متى إدركنا ما وقع على حدود مصر الغربية من أحداث العالمية الثانية، فهل كان الإسكندر يعتزم إخضاع قورينايئة أم أنه بتركها مفتوحة أمام أعدائه؟ أي هل يمكن أن يكون قد غفل عم البطالمية نصب أعينهم؟ أزاء هذه الاعتبارات، وإزاء ما تذكره بعض القديمة من أنه عندما وفد الإسكندر يعتزم إخضاع قورينايئة أم أنه بتركها مفتوحة أمام أعدائه؟ أي هل يمكن أن يكون قد غفل البطالمة نصب أعينهم؟ إزاء هذه الإعتبارات، وإزاء ما تذكره بعض القديمة من أنه عندما وقد الإسكندر على بارايتوفيون وجد في سفراء قورينايئة الذين أهدوا إليه بضع مئات من الخيول الممتاز على خضوع بلادهم له. نرجح أن الإسكندر كان ينشد السيطرة قورينايئة وأنه قد تعمد الذهاب إلى سيوة عن طريق بارايتونيون الطريق التي ألف الإغريق أن يسلكوها عند حجم إلى معبد وليقوم بمظاهرة عسكرية تلقي أنباؤها الرعب في قورينايئة إعلان خضوعها له إذ أنه لم يكن في وسعها مقاوميته، وبالفعل قابلة في بارايتونيون وقدموا له فروض الطاعة.
ومن بارايتونيون توغل الإسكندر في قلب الصحراء، وقطع حتى واحدة سيوة في اثنى عشر يومًا، تحدثنا كل المصادر القديمة كانت حافلة بالأخطار والغرائب، فتروي كيف أنه حين فقدت وكاد الإسكندر وصحبه يهلكون عطشاً تلبد الجو فجأة بالسحب وأمطرت السماء على غير عادتها في هذا الإقليم، مما اعتبر دليلاً على عطف الآلهة.
وقد ازداد الاعتقاد في هذا العطف عندما ضل الأدلاء طريقهم وهداهم إلى قصدهُم، وفقًا لإحدى الروايات، ثعبانان كانا يزحفان أمامهم، أو وفقًا لرواية أخرى، غرابان كانا يطيران مسافات قصيرة في مقدمتهم. وإذا كان القدماء قد اعتبروا هذه الظواهر من المعجزات، فإن المحدثين لا يجدون مشقة في تفسيرها، إذ أن هطول الأمطار هناك نادر إلا أنه غير خارق للعادة، أما عن الثابين أو الغربان، فإن وجودها في الصحراء أمر غير بعيد الاحتمال، وطبيعي أن اقتراب الإسكندر وصحبه منها وسط الصحراء ازعجها فأخذت تفر أمامهم. ويحدثنا سائح زار سيوة في عام 1847، وكان قد ضل الطريق حينًا، بأنه “بينما كنا في هذه الحالة القلقة أبصرنا غرابين يحلقان في الهواء برهة من الزمن ثم أتجها صوب الجنوب الغربي، ولو أننا كنا في عصر الخرافات لاعتبرنا ذلك إشارة كافية وتبعنا هذين الدليلين الطيبين، اللذين يحتمل أنهما من سلالة الطيور التي تحدثنا القصص بأنها في مناسبة مشابهة. وعلى قرب شديد جدًا من المكان الذي وصلنا إليه، أنقذت الإسكندر من الضلال في الصحراء. ولو أننا تبعنا الغرابين لما أخطأنا الطريق لكننا لم نخضع لإيحاء مخيلاتنا وانتظرنا عودة الدليل” .
ويحدثنا ديودوروس. نقلاً عن قلايتارخوس، بأن سكان واحة آمون كانوا يعيشون في قرى وبأنه في وسط الواحة كان يقوم مكان مرتفع تحصنه ثلاثة أسوار، وكان داخل السور الأول يقوم قصر الحكام القدماء وداخل الثاني بيوت النساء والأطفال وغيرهم من أقارب الحراس وكذلك هيكل الإله والنبع المقدس الذي كانت تظهر فيه قربن الإله. وداخل السور الثالث فكانت توجد ثكنات الجنود ومنازل الحرس الخاص للملك. وعلى مسافة يسيرة من هذه القلعة كان يوجد في ظلال أكمة، الأشجار معبد للإله آمون. وبالقرب من هذا المعبد يوجد نبع يسمى “نبع الشمس”. واليوم يعرف المعبد الأول بمعبد أغورمي، وهي إحدى القريتين الرئيسيتين في واحة سيوة، والثاني بمعبد أم عبيدة وقد كان الرأي السائد حتى منتصف القرن التاسع عشر هو أن معبد عبيدة كان معبد الوحي المشهور، لكنه منذ زار هاميلتون معبد “أغورمي” في عام 1853 اتجه الرأي إلى اعتبار هذا الهيكل معبد الوحي.
وتدل بقايا هذا المعبد على أن بناءه قد أعيد في عهد الحكم الفارسي وأنه كان يتألف من فناءين وصالة تقوم وراءها، على المحور نفسه، قام قدس الأقداس وإلى جانبها الأيس قاعة مربعة الشكل تقريبًا وإلى جانب الأيمن وخلفها دهليز ضيق. ولما كان قد وجد في الواجهة الخلفية المجد الشرقي لقدس الأقداس المطلة على الدهليز ثلاث فتحات على ارتفاع 66سم من الأرضية وكذلك تجويفان قرب السقف، وكانت هناك وثيقة بين هذا الجزء من المعبد وبين الوحي. فقد استخلص من ذلك الكلمات التي كانت تسمع في البهو ويتصور الناس أنها صادرة عن آمون كان مصدرها في الواقع كاهنًا يختفي في الدهليز.
وقدس الأقداس حجرة متوسطة الحجم كان يقوم في وسطها مركب آمون المقدس فوق مكعب من الخشب أو الحجر. ويقال أن المركز نفسه كان مصوغًا من الذهب، معنى هذا أنه كان مصنوعًا من خشب مغطى بطلاء من الذهب. ونستطيع أن نكون نكرة عن هذا المركز المقدس من زخرفة جدران معابد الأقصر والكرنك التي تصور مراكب آمون طيبة، ونستخلص منها أن مركب أمون المقدس كان ذا جدران رقيقة مرتفعة، يزينه رءوس كباش ويقوم بملاحته جماعة من الآلهة ويحمل بين جوانبه القرابين وقاعة مقدسة يستقر فيها تمثال الإله. ويحدثنا قورتيوس بأن تمثال آمون سيوة كان كتلة مخروطية الشكل (Omphalos) تتكون من الزمرد وغيره من الأحجار الكريمة.
وعندما عثر رايزنر (Reisner) في نباتا داخل المعبد الكبير لآمون على كتلة من الحجر الجيري مخروطية الشكل، بادر جريفبث (Griffith) إلى بيان وجه الشبه بين هذا الأثر وتمثال آمون سيوة على نحو ما يصفه قورتيوس وكذلك تمثال (Omphalos) معبد الوحي في دلفي، واستخلص من ذلك أنه لابد من أن أثر نباتا يتصل بوحي نوبي هناك، وأن فكرة صنع تماثيل للآلهة على هذا النحو مأخوذة من دلفي. وقد اعتنق هذا الرأي وينرايت (wainwright) الذي وجد شبهًا بين هذا الأثر وبين تمثال آمون سيوة وتماثيل مصرية مماثلة. وأول الأمر أيد شتايدروف (Steindorf) فكرة جريفيث واستخلص من قرب الشبه بين أثري سيوة ونباتا وجود صلة قوية بين وحي آمون سيوة ووحي آمون الذي قيل بوجوده في نباتا.
غير أن شتايندورف لم يلبث أن ناهض هذا الرأي عندما رأى بنفسه أثر نباتا وتبين له أنه في شكل خلية نحل في واجهتها نافذة (0.24×0.20مترًا) وفي قاعدتها الداخلية تجويف (حوالي 0.085×0.13متر) يسمح بوضع تمثال صغير. وقد خرج من ذلك بنتيجة تتلخص في أن أثر نباتا ليس تمثالاً للإله آمون وإنما هيكل صغير صنع على شكل كوخ إفريقي كان يوضع داخله تمثال الإله،وفي أن ذلك كان أيضًا شأن تمثال آمون سيوة.
ويعتقد ماسبرو أن تمثال آمون سيوة، كغيره من التماثيل التي يصدر عنها لوحي، كان مصنوعًا بحيث يمكن تحريك رأسه أو ذراعه أو يديه عندما يجذب الكاهن المختص حبلاً معينًا.
وقد اقتفى راديه (Radet) أثر ماسبرو في الرأي، لكنه لم يلبث أن عدل عنه ونادى بالرأي الآخر.
فأي الرأيين إذن أصح، أو بعبارة أخرى هل كان الشكل الذي صور فيه آمون سيوة تمثالاً كتماثيل غيره من الآلهة أم أنه كان كتلة مخروطية الشكل؟ إزاء وصف قورتيوس الذي لم ينقضه ما ورد في غيره من المصادر القديمة، وإزاء ذلك الأثر الذي عثر عليه في نباتا وأشباهه التي وجدت في الكرنك، ومدامود ومدينة هابو ومنف وأسيوط نشارك غالبية الباحثين المحدثين في ترجيح الرأي الثاني.
ومهما يختلف المؤرخون حول شكل صورة الإله، فإنها وفقًا لرواية ديودوروس وقورتيوس كانت توضع في مركب آمون المقدس. وعند إجابة الوحي عما يوجه إليه من الأسئلة كان يحمل المركب وداخله صورة الإله ثمانون كاهنًا يدورون في أرجاء المعبد ومن ورائهم الكاهنات يرتلن الأناشيد.
وعلى ضوء رواية هذين المرخين يفسر فريق من المحدثين ما أورده استرابون، نقلاً عن قاليسثنيس بأن حركات المركب المقدس في هذا المهرجان كانت تعبر عن رد الوحي على ما وجه إليه من أسئلة، وبأن الكاهن الأكبر كان يقوم بتفسير هذه الحركات بإشارات وإيماءات تقليدية يفهم الناس المراد منها. لكن رواية قاليسثنيس تحتمل تفسيرًا آخر مؤداه أن الوحي كان يصدر مباشرة عن الكاهن الأكبر مبا يأتيه من إشارات وإيماءات. ومعنى ذلك أن الكاهن الأكبر كان يقوم بدور الإله، وأن إجابة الوحي لم تقتض إقامة مهرجان يحمل فيه المركب المقدس وصورة الإله.
ولما كنا نجد في بعض وثائق طيبة التي ترجع إلى العصر الفرعوني أن الوحي كان يصدر عن تمثال الإله، وكان التجويف الموجود قرب السقف بالجدار الخلفي للهيكل في معبد خنسو ينم عن أنه كان يصدر عن الكاهن مباشرة، وكنا نعرف أنه كانت توجد في الواجهة الخلفية للجدار الشرقي لقدس الأقداس في معبد سيوة ثلاث فتحات قرب الأرضية وتجويفان قرب السقف فهل من المحتمل أنه في بعض الأحيان أو ربما على الأصح في بعض المناسبات الخاصة كان يقام المهرجان ويصدر الوحي وفقًا للتفسير الأول، وفي البعض الآخر كان الوحي يصدر وفقًا للتفسير الثاني؟ هذا جائز.
ولما كان الإسكندر قد رسم فرعونًا في منف وكان قد أصبح تبعًا لذلك “ابن آمون رع” مثل من سبقه من الفراعنه، فإن كبير الكهنة الذي رحب بمقدمه عند وصول إلى المعبد خاطبه بلقب “ابن آمون”، وهو اللقب الذي كان يحمله سائر الفراعنة منذ عهد بعيد ـ ودعاء وجده لدخول قدس الأقداس، حيث سأل الوحي عما يريد الوقوف عليه وتلقي الإجابة عن أسئلته. أما رفاقه فإنه لم يسمح لهم إلا بدخول فناء المعبد فقط وذلك بعد تغيير ملابسهم، وهناك ألقوا بأسئلتهم وأجيبوا عنها. وإزاء ذلك يبدو أنه لم يقم مهرجان للإجابة عن أسئلة الإسكندر، غير أنه لا يستبعد أن يكون قد أقيم مهرجان للإجابة عن أسئلة رفاقه.
وقد كان فرعون قبل زيارة أي معبد يُعتل ويتطهر ويتطيب ويرتدي ثيابه الرسمية وخاصة تاج الوجهين. وإذا كان من المرجح أن الإسكندر قد فعل ذلك في منف، فإنه عندما زار معبد آمون في سيوة احتفظ بملابسه العادية، مما ينهض دليلاً على أنه قد قام بهذه الزيارة بوصفه قبل كل شيء ملك مقدونيا والقائد الأعلى للإغريق، وكذلك على أن الأهداف المحلية كانت تأتي عنده في المرتبة الثانية بعد أهدافه الدولية.
وعندما خرج الإسكندر من قدس الأقداس وعاد إلى صحبه في الفناء وسأله أصدقائه عما حدث لم يجب إلا بقوله أنه سمع ما تمنى. ولعله قد فعل ذلك لأمر في نفسه أو لأن الكاهن الأكبر أفهمه أن التقاليد المصرية تقضي بذلك لأن الإله قد خاطب ابنه. وعلى كل حال فإن الإسكندر كتم السر، إذ أنه كتب بعد ذلك بقليل إلى أمه أولومبياس بأنه قد أبلغ توجيهات سرية سيقضي بها إليها وحدها عند عودته إلى مقدونيا، غير أنه توفي قبل ذلك وحمل سره معه إلى القبر. وإذا كنا لن نعرف عن يقين الأسئلة التي وجهها الإسكندر إلى الوحي والإجابات التي فاز بها فإنه لا يصعب استنتاجها، ولا سيما في ضوء إجابة الإسكندر على تساؤل أصدقائه فهي توحي بأن كل تصرفات الإسكندر التالية كانت بموافقة الإله الأكبر.
وبالرغم من أن الإسكندر قد كتم ما دار بينه وبين الوحي، فإن قلايتارخوس (Cleitarchus) لم يلبث بعد انقضاء بعض الوقت أن كتب يقول أن الإسكندر سأل الوحي عما إذا كان قتلة أبيه قد عوقبوا وأن الوحي نهاه عن هذا التساؤل الفاحش لأن أباه إله ولا يمكن أن يمسه سوء، وعندئذ سأله الإسكندر عما إذا كان كل قتله قيليب قد عوقبوا فرد الوحي بالإيجاب. وبعد ذلك تساءل الإسكندر عما إذا كان سيصبح سيد العالم وكان الرد بالإيجاب.
وإذا كان الشك يرقى إلى تصوير ما حدث بين الإسكندر والوحي على هذا النحو الدقيق لأن الإسكندر احتفظ بذلك سرًا لم يبح به لأحد فأننا لا نرى سبيلاً إلى الشك في أن الوحي اعتبر الإسكندر ابن الإله الأكبر آمون، لأن الإسكندر كان فرعونًا ولأن كل فرعون منذ حوالي عام 2000 ق.م. كان يعتبر رسميًا ابن الإله آمون رع. ولا سبيل إلى الشك أيضاً في أن الوحي منح الإسكندر السيطرة على العالم بأسره، لأنه كان جزءًا من طقوس الإله آمون أن يسأل الكاهن الإله ـ باسم فرعون ـ السيطرة على العالم فيمنحه الإله هذه السيطرة. ومن ثم يبين أن زيارة الإسكندر لمعبد الوحي في سيوة قد تمخضت على الأقل عن الاعتراف بأصله الإلهي ويحقه في السيطرة على العالم أجمع. ويقال أنه في عام 331 جاء منف رسل من ميلتوس لينشروا في الناس ما أعلنه وحي برانخيداي من أن الإسكندر قد ولد من أب سماوي، ومن أنه سيسيطر على العالم أجمع، وهو ما أكده أيضًا وحي أرتريا في أيونيا. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أنه كانت تتملك الإسكندر عندئذ رغبة قوية في الاعتبارف بأصله الإلهي وبحقه في السيطرة على العالم، وعلى أن أمر هذه الرغبة لم يكن خافيًا على المطلعين على بواطن الأمور مثل مصادر الوحي، وكان يهمها عادة مسايرة رغبات ذوي النفوذ. وهذا يؤيد ما نراه من أن الإسكندر ذهب إلى معبد الوحي في سيوة لتحقيق هذه الرغبة أمام الرأي العام الدولي.
ومنذ ذلك الوقت حرص الإسكندر على لقب ابن آمون وقضى بأن تزين صورته على النقود التي سكها بقرني كبش آمون المقدس. وقد أصبحت ذكرى الإسكندر مرتبطة بهذه الصورة إلى حد أنه ورد في روايات العرب باسم “الإسكندر ذي القرنين”. ولم يصبح الإسكندر إلهاً مصريًا فحسب، بل أن المدن الإغريقية ـ التي كانت تتألف منها عصبة قورنثة ـ رفعته إلى مصاف الآلهة في عام 324. ونحن نميل إلى الرأي القائل بأن هذا تأليه كان بإيعاز من الإسكندر نفسه لكي يتمكن من التمتع بنفوذ واسع في هذه المدن، إذ أنه لا يعقل أن تكون هذه المدن قد أققدمت من تلقاء نفسها على تأليه الإسكندر مع أنها كانت ناقمة عليه لحرمانها حريتها. وجدير بالملاحظة أنه إذا كان الإسكندر قد عبد في مصر على اعتبار أنه ابن آمون، وفي بلاد الإغريق على اعتبار أنه ابن زيوس، فإن الفرس لم يعبدوه، كما أن الإسكندر لم يدع أنه الإله الوحيد أو الإله الأكبر، بل ليس هناك أي دليل على أنه كانت توجد للإسكندر عبادة رسمية عامة في أنحاء الإمبراطورية. وعندما يرح الإسكندر واحة سيوة لم يسلك الطريق التي جاء منها وإنما فيما يبدو طريق القارة (Gara) والمغرة (Moghara) عبر صحراء النطرون عائدًا إلى منف، حيث أقام حفلاً إغريقيًا ثانيًا إجلالاً لزيوس، واستقبل البعثات من الدول الإغريقية والإمدادات من مقدونيا. ويقال أن أرسطو كان قد أوصى الإسكندر بدراسة أسباب فيضان النيل. ومن ثم فإنه في أثناء أقامته في مصر أوفد بعثة عليه إلى أعالي النيل لهذا الغرض. لكنه يبدو أنه لا أساس من الصحة لهذه القصة لأن أرسطو كان قد عرف هذه الأسباب قبل ذلك.
نظم الإسكندر:
وقبل أن يبرح الإسكندر مصر، قام بتنظيم البلاد تنظيمًا دقيقًا. ولما كان المصريون قدرحبوا به باعتباره محرر بلادهم، وكان الكهنة المصريون قد أولوه تأييدهم فمنحوه لقب ابن آمون والسيطرة على العالم، فإن الإسكندر لم ير داعيًا لاتخذا تدابير خاصة لتأمين سلطانه ضد المصريين في نظام الإدارة الذي وضعه لهم، بل كان كل همه منحصرًا في منع كل أولئك الذين عهد إليهم بمقاليد بمقاليد الحكم من الشطط في حكمهم، أو من الفتنة ضده.
وتبعًا لذلك فإن الإسكندر منح مصر استقلالاً داخليًا، ووضع وادي النيل تحت أمرة حاكمين يدعى أحدهما بتيسيس (Petisis) وكان مصريًا ويدعى الآخر دولو آسبيس (Doloaspis) وهو اسم يبدو أنه أناضولي، أو فارسي، لكن الأول لم يلبث أن اعتزل منصبه فانفرد الأخير بالحكم. ووضعت الأقاليم المتاخمة للدلتا تحت إشراف رجلين من الإغريق، فقد نصب أبولونيوس (Apolonios) بن خارينوس (Charinos) حاكمًا على منطقة ليبيا، وقليومنيس (Cleomenes) النقراطيسي حاكمًا على المنطقة العربية المجاورة لهروؤنوبوليس (Heroonpolis). وكلف قليومنيس بأن يفرض على بتيسيس ودولو آسبيس أن يرعيا في حكمهما التقاليد المصرية القديمة، وبأن يحصل منهما الضرائب، بعد قيامهما بجمعها، فقد كانت الإدارة المالية بأجمعها في قبضة قليومنيس. وترك الإسكندر مصر في حماية جيش وأسطول سنعود إلى الكلام عنهما فيما بعد. ويبين أن الإسكندر كان قد عهد إلى قليومنيس أيضًا في السهر على إنشاء الإسكندرية.
وتمتاز هذه النظم التي وضعها الإسكندر لمصر بظاهرتين واحدهما هي تقسيم السلطة بين عدد من الأفراد لتفادي خطر استبداد فرد واحد بها مما كان يتعارض مع صوالح الإمبراطورية ولا سيما في بلد مثل مصر، إذ أن مركزها الطبيعي كان يجعلها من المناعة والقوة إلى حد يسهل معه على شخص قوي أن يحميها من الغارات الخارجية. وإذا كانت كل السلطة قد آلت حتى في حياة الإسكندر نفسه إلى شخص واحد هو قليومنس، فإن ذلك لم يكن في الحسبان، ولم يكن المسئول عنه النظم التي وضعها الإسكندر بل ضعف الحكام الأخرين ومهارة قليومنيس نفسه. والظاهرة الأخرى هي روح العطف التي أبداها الإسكندر نحو المصريين، فإنه فعل ما لم يفعله البطالمة فيما بعد حتى أواخر أيام دولتهم، إذ أن الإسكندر اختار من بين المصريين حاكمي الوجه البحري والوجه البلي، أو على الأقل أحد هذين الحاكمين إذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذا كان هذا النظام يتمشى مع الطريقة التي اتبعها الإسكندر اختار من بين المصريين حاكمي الوجه البحري والوجه القبلي، أو على الأقل أحد هذين الحاكمين إذ يظن أن الحاكم الآخر، أو على الأقل اسمه، أناضولي أو فارسي. وإذا كان هذا النظام يتمشى مع الطريقة التي اتبعها الإسكندر في حكم الولايات الأخرى، فهل عندما استدل في نهاية حياته، في أغلب الحالات، مقدونيين أو أغريق بالشرقيين لأن هؤلاء خانوه أو غدروا به، فعل ذلك أيضاً في مصر؟ هذا جائز فكتاب الاقتصاد المنحول على أرسطو يقرن اسم قليومنيس بلقب ساتراب أي وال، والخطبة المنحولة على دموسثنيس تصف قليومنس بأنه حاكم مصر، وباوسانياس يقول صرحاة أن الإسكندر عين قليومنيس واليًا على مصر. غير أن مصدرنا الرئيسي، وهو أربانوس، وكذلك كوينتوس قورتيوس لا يذكران شيئًا من ذلك. هذا إلى أنه لو صح أن الإسكندر كان قد عين قليومنيس واليًا على مصر، لاحترم خلفاؤه إرادته ولما عينوا بطلميوس مكان قليومنيس على نحو ما سنرى. أم يجب أن تعزو التغيير الذي طرأ على نظام الحكم في مصر إلى مهارة قليومنس، الذي قبض على مصدر كل السلطان فيها بفضل إشرافه على إراداتها المالية؟ أن الشيء الثابت هو أنه عندما فاض روح الإسكندر لم تكن مصر سوى ولاية يهيمن عليها قليومنيس، وهو الذي أصبح يدعى فيما بعد قليومنيس الأسكندي وذلك فيما يبدو بسبب مشاركته في إنشاء الإسكندرية.
قليومنيس النقراطيسي:
ويبدو أنه قد صاحب ازدياد سلطة قليومنيس ازدياد كراهية الناس له، فقد اتهم باتخاذ تدابير أدت إلى رفع أسعار القمح في العالم الإغريقي، وبالالتجاء إلى شتى الوسائل لابتزاز الأموال. ويستدل على ذلك مما ورد في كتاب الاقتصاد المتحول على أرسطو وجاء فيه أنه “عندما نزل بالأقاليم المجاورة قحط شديد لم تتأثر به مصر إلى حد كبير، منع قليومنيس الإسكندري وإلى مصر تصدير القمح. وعندما شكا الحكام من أنهم لا يستطيعون دفع جزيتهم (الضرائب) بسبب هذا الحظر، أباح التصدير، لكنه فرض سعرًا عاليًا على القمح حتى أن كمية صغيرة صدرت إلى الخارج بيعت بمبلغ كبير وبذلك تخلص من معاذير الحكام. هذا إلى أنه عندما ركب النيل ومر بالمديرية التي يعبد فيها التمساح وافترس تمساح أحد عبيدة، جمع الكهنة وأخبرهم بأنه يجب أن يثأر من هذا الاعتداء الأثيم وأمر بسيد التماسيح. وقد جمع الكهنة كل ما يستطيعون من الذهب وأعطوه للوالي ابتغاء رضاه حتى لا يدنس الههم. وفضلاً عن ذلك فإنه عندما أمره الإسكندر بإنشاء مدينة بالقرب من فاروس (مدينة الإسكندرية) وبنقل سوق تجارة قانوب إليها، ذهب إلى قانوب وأخبر كل قساوستها وأثريائها بأنه أتى ليخرجهم منها، فجمعوا مبلغًأ كبيرًا من المال وأعطوه إياه لكي يحتفظوا بسوقهم. فرحل عنهم، لكنه بعد قليل، عندما أعد كل شيء لبدء بناء المدينة الجديدة، أتى إليها ثانية وطلب منهم مبلغًا من المال أكبر من الأول، معلنًا أن هذا المبلغ يعادل الفرق بين وجود السوق هناك وبين وجوده في الإسكندرية. وعندما قالوا أنهم لا يستطيعون دفعه نقلهم جميعًا إلى المدينة الجديدة .. وحدث أنه عندما كان سعر القمح (أي سعر المديمنوس (Madimnos) ما يزيد قليلاً على كيلتين عشر دراخمات، دعار الزراع وسألهم عن السعر الذي يريدون أن يبيعوا به القمح له، فأجابوه بأنهم يبيعونه له بسعر أقل مما يبيعون به للتجار. وعندئذ طلب إليهم أن يبيعوه له بالسعر نفسه الذي يبيعون به للآخرين، لكنه حدد سعر القمح (للتصدير) بمبلغ قدره 32 دراخمة وباع بهذا السعر. وحدث مرة أخرى أن جمع القساوسة وأخبرهم بأن نفقات الديانة في البلاد باهظة، ولذلك يجب إغلاق بعض المعابد وطرد عدد من القساوسة، فأعطاه القساوسة مالاً من جيوبهم الخاصة ومن دخل المعابد لأنهم ظنوا أنه كان ينوي حقًا إنقاص عدده، ولأن كلاً منهم كان يريد الاحتفاظ بمعبده وبمنصبه الكهنوتي.
وإزاء إجماع المصادر القديمة على إدانة قليومنيس يبدو أنه كان جديرًا بسمعته السيئة. وإذا كان قيامه باحتكار تصدير القمح لم يضر بالمزارعين المصريين، فإنه دون شك قد ألحق بالتجار المصريين ضرراً بليغًا، لأنه هو الذي كان يشتري القمح من المزارعين مباشرة. ومن المسلم به في كل حالات الاحتكار، قديمًا وحديثًا في كل بلاد العالم، أن المحتكر لا يدخر وسعًا في الحصول على كل ما يمكن أن تصل إليه يده من السلعة المحتكرة. فما بالنا وقليومنيس كان صاحب الأمر والنهي في مصر حين احتكر تجارة القمح، وكانت قد استبدت به رغبة جامحة في جمع المال إلى حد أنها زينت له بالابتزاز، وكان كلما زادت كمية مشترواته من القمح زادت كمية صادراته ومن ثم زاد مقدار ربحه. وإزاء ذلك لا نستبعد أن قليومنيس لم يدخر وسعًا في شراء معظم المحصول، ولا أن أنتيجة المنطقية كانت نقص المعروض في الأسواق المحلية وتبعًا لذلك ارتفاع ثمنه، أي الأضرار بمجموع الشعب المصري. ولا ريب في أن السعر المرتفع الذي كان قليومنيس يبيع به القمح للدول الإغريقية يعتبر نوعًا من الابتزاز السافر وقرينة على سلوكه لا نستبعد معها الوسائل الأخرى التي لجأ إليها لابتزاز الأموال من المعابد وغير ذلك. ولا أدل على طغيانه في ابتزاز الأموال مما يقال من أنه جمع 8000 تالنت في وقت كانت لا تزيد فيه ثروة أغنى رجل في بلاد الإغريق على 160 تالنت، بل أن هاربالوس (Harpalos) الذي كانت كنوز الإسكندر في متناول يده لم يفلح في سرقة أكثر من 5000تالنت. ويبدو معقولاً أن الإسكندر وهو في أواسط آسيا وفي غمرة مشاغله لم يصل إلى عفا عن قليومنيس وسمح له بأن يعمل ما يروق له، فهي غير مقبولة وذلك لسببين وأحدهما هو أن هذه القصة مستمدة من وثيقة مزيفة، والآخر هو أنه قبل ذلك مباشرة كان الإسكندر قد قضى بإعدام رجل من الأرستقراطية المقدونية يدعى قلياندروس لنفس ما أتهم به قليومنيس.
وعندما فرغ الإسكندر من مهامه في مصر برحها في ربيع عام 331 قاصدًا بابل ليلقي الجيش الفارسي ثانية، بعد أن أعاد تنظيمه وتولى قيادته الملك الأكبر. وفي موقعة جاوجميلا (Gaugamela) أوتى الإسكندر في العالم نفسه نصرًا حاسمًا، تابع بعده الاستيلاء على ولاية بعد أخرى من ولايات الإمبراطورية الفارسية. وعند مشارف الهند، أبى الجيش التقدم إلى ما وراء ذلك فاضطر إلى العودة إلى بابل. وفي ليلة 10/11 من يونية عام 323 قضى الإسكندر نحبه في بابل، قبل أن يتم الثالثة والثلاثين من عمره. ويرى بعض المؤرخين أنه كان سعيدًا في وفاته إذ ذاك، لأنه توفي في أوج مجده قبل أن يواجه العبء الحقيقي، فقد أوتي من الانتصارات ما لم يسعد به سوى القليل، لكنه بقى عليه وضع النظم التي تصلح لحكم ذلك العالم الذي فتحه.