هادريان

هادريان عندما تولى هادريان عرش الإمبراطورية كانت ثورة اليهود قد قُمعت فعلا ً، ولكن كان عليه أن يقوم بأشياء كثيرة من أجل إصلاح الدمار والتخريب الذي نجم عن تلك الثورة، ويقال أنه أصلح مباني بالإسكندرية .

ورغم أنه من الصعب أن نحدد هذه الإصلاحات بصورة مؤكدة فيبدو أن أحد هذه الإصلاحات كان “مكتبة هادريان” التي ذكرت في وثيقة أو مرسوم للوالي مؤرخ بسنة 127 التي كانت قد بنيت قبل وقت قريب لتستعمل كمستودع للسجلات لأن مكاتب السجلات كانت دائمًا هدفًا مفضلاً لأعمال العنف التي يمارسها الغوغاء. وربما كان هذا هو المبنى الممثل على عملات من عصر هادريان حيث يقف الإمبراطور أمام سيرابيس ويشير إلى سطح صغير منقوش عليه اسمه فنظرًا لأن مكتبة الإسكندرية الكبرى كانت في حماية الإله سيرابيس فمن الطبيعي أن تكون السجلات أيضًا تحت حماية هذا الإله متابعة قراءة هادريان

دوميتيان

تمثال دوميتيان متحف العاصمه روما في فترة حكم دوميتيان تزايد الاهتمام بآلهة المصريين المحلية ويمكن أن نستنتج أن المعبودات المصرية القديمة التي ظلت مكبوتة لفترة من جراء سياسة الأباطرة الرومان الأوائل بدأت تطل برأسها مرة أخرى من جديد .

وكانت مصادرة أملاك المعابد على يد الإمبراطور أغسطس والنظم الصارمة التي فرضها على رجال الكهنوت تشكل عبئًا أكثر ثقلاً ووطأة على العبادات المحلية لاصغيرة أكثر من العبادات النتشرة شبه الرسمية مثل عبادة سيرابيس وإيزيس وقد أخذت بعض الوقت لكي تسترد مكانتها: فبالنسبة للبناء في المعابد الكبرى فقد استمر بصورة مطردة في العديد من مدن مصر العليا مثل فيلاي ولاتوبوليس وطيبة وتنتيرا، كما أن هناك قرائن تدل على نشاط كبير في معابد الآلهة التماسيح في الفيوم، ولكن معظم المعبودات المصرية المحلية بقيت في الظل طيلة القرن الأول الميلادي، فقد كان الرومان ينظرون إلى هذه المعبودات باحتقار عميق ولم يكونوا يعترفون رسميًا بعبادتها لما تثيره من اضطرابات. ويبرز الموقف الروماني المألوف من هذه العبادات في كلمات جوفينال – الذي قضى فترة خدمته العسكرية في معسكر سينيي في أسوان بمصر في عهد دوميتيان – وذلك في وصفه لحادثة يقول أنه شاهدها حيث يخبرنا عن السكان المتجاورين في مدينتي تنتيرا وأمبوس (دندرة وكوم أمبو) في الإقليم الطيبي حيث كان سكان المدينة الأولى تنتيرا يحتقرون ويضطهدون التمساح الذي كان يقدسه سكان مدينة أومبوس، وفي إحدى الاحتفالات قامت معركة بين الفريقين وفر أهل أومبوس باستثناء واحد منهم لم يتمكن من الفرار فأطبق عليه أهل تنتيرا وقتلوه وأكلوه. ولكن يتضح أنه على الرغم من عدم الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة الرومانية بهذه العبادات القديمة فإنها كانت متمكنة جدًا من السكان المصريين أهل البلاد وكان من الممكن أن تثير أحداثًا أكثر خطورة من تلك الحادثة التي أثارت اشمئزاز جوفينال: فقد استدعيت القوات الرومانية لكي تضع حدًا للنزاع الذي تفجر بين مدينتي أوكسير ينخوس وكينوبوليس في إقليم النومات السبع نتيجة للإهانات المتبادلة التي ألحقها سكان المدينتين لمعبود المدينة الأخرى.

متابعة قراءة دوميتيان

العمارة المصرية القديمة

كانت مصر تمتلك منذ أقدم العصور الجيولوجية المقومات البيئية الطبيعية والعناصر الضرورية لتأسيس حضارة محلية عريقة وهذه العناصر البيئية قد أثرت بدورها في أقدم السلالات البشرية التي استقرت على أرض مصر كما أثرت في نشأة الحضارة المصرية القديمة وساهمت في نموها بفضل مجهودات الإنسان المصري القديم .

ومن هنا فلا غني للفنان المصري التعرف علي العوامل المختلفة التي كان له فيها تأثير واضح مثل طبيعة مصر وما لها من اثر علي سكانها وعلي الفنانين وهي تمتاز بقوة شخصيتها ووضوح معالمها وجلاء مظاهرها وانتظام أحوالها ومن هنا نلاحظ أن فن كل أمه يخضع المؤثرات لمدة تختص بطبيعة الإقليم الذي نشأت فيه ومن الخطأ مقارنة فن دولة بفن دولة أخري وكل ذلك لأن الفن عامة والعمارة خاصة تتأثر بالعديد من العوامل المختلفة المتعلقة بالدولة مثل التأثيرات الجغرافية والمناخية والدينية وغيرها .
وسوف نتحدث عن العوامل التى اثرت على العمارة الفرعونية القديمة:-

1 ـ العوامل الجغرافية :
متابعة قراءة العمارة المصرية القديمة

البطالمة والديانة المصرية

أدرك الإسكندر والبطالمة أنه كان من الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين ضد الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية ، ولذلك وضع الإسكندر والبطالمة نصبًا أعينهم الاعتراف بالديانة المصرية دينًا رسميًا .
وكان ذلك ينطوي على إظهار احترامهم وإجلالهم لهذه الديانة ، وكذلك على السماح للمصريين بحرية عبادة آلهتهم القديمة وقد سهل على البطالمة اتباع هذه السياسية عاملان: أحدهما أن “الدولية” التي تمخض عنها العصر الهلينيسي جعلت ميول هذه العصر تتجه نحو الحرية الفكرية وحرية الاعتقاد، والآخر أن الإغريق كانوا يكنون للديان المصرية احترامًا عميقًا، ولما كان الباعث على إتباع هذه السياسة هو رغبة البطالمة في توطيد دعائم ملكهم، فإنهم لم يألوا جهدًا في العمل على إظهار إجلالهم واحترامهم للديانة المصرية. وقد رأينا أدلة ملموسة على ذلك فيما أسلفناه من اهتمام البطالمة باتخاذ صفات الفراعنة، وتصويرهم على جدران المعابد على نمط الفراعنة القدماء، بل تصويرهم على الأحجار الكريمة والنقود في شكل آلهة مصرية، ولتحيق هذه السياسة، اتبعوا وسائل شتى يمكننا تلخيصها في تقديم القرابين وإرجاع تماثيل الآلهة التي كان الفرس قد أخذوها من البلاد، ومنح المعابد هبات مالية وأراضي، وإنشاء المعابد والهياكل وإصلاحها وزخرفتها، ومنح المعابد حق حماية اللاجئين إليها.
الإسكندر الأكبر:

ويمكننا الوقوف على مدى ما قام به هؤلاء الملوك الغرباء في هذا الصدد من استعراض ما وصل إلينا من أخبار كل منهم، أما الإسكندر الأكبر فإنه عندما نزل في منف، كان همه الأول أن يقدم القرابين للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس، وبعد ذلك وضع أساس معبدًا إيزيس في الإسكندرية، وشيد في معبد الأقصر أمام قدس الأقداس، مكان قاعة ذات أربعة أعمدة، هيكلا صغيرًا كان مصريًا في عمارته وزخرفته، ويزين هذا الهيكل صور تمثل الإسكندر في حضرة الآلهة آمون وموت وخنسو، الذين أهدى إليهم هذا الهيكل، وأصلح الإسكندر مدخل البوابة التي كانت تكون الواجهة الغربية في معبد الكرنك العظيم أيام تحتمس الأول وأنشأ معبدًا في الواحة البحرية.

بطليموس الأول:

وما كاد بطليموس الأول يطأ أرض مصر، عندما نصب واليًا عليها في عام 323 ق.م، حتى بادر بإظهار احترامه للديانة المصرية بأن تبرع بمبلغ قدره خمسون تالنتا (أي حوالي 10.000 جنيه) للاحتفال بجنازة أحد العجول المقدسة، ولم يكتف بطليموس بذلك، فإن نصب الوالي التذكاري، الذي عثر عليه في القاهرة في عام 1871، يعطينا صورة صادقة لمجهودات بطليموس الأول في هذه الناحية، وهذا النصب عبارة عن لوحة من الجرانيت الأسود، يزين أعلاها منظر ينقسم قسمين يمثل أحدهما ملكًا يقدم القرابين إلى حورس إليه مدينة بي (Pe) ويمثل الآخر الملك وهو يقدم القرابين إلى بوتو (Buto) إلهة مدينتي بي وتب (Tep). ويرجع تاريخ النص إلى “العام السابع من حكم الملك الإسكندر المعمر أبدًا في الوقت الذي يبدأ فيه فيضان النيل، أي في شهر يونيه عام 311، ويحدثنا هذا النص بأن أرض باتانوت (الجزء الشمالي من محافظتي الغربية وكفر الشيخ) كانت دائمًا أبدًا ملكًا لإلهي بي وتب، وأن إجزر كسيس سلب الإلهين هذه الأرض، غير أن خباش أعاد للألهين ممتلكاتهما وأضاف إليها، وحذا بطليموس حذو خباش فقد أعاد منح كافة هذه الممتلكات لإلهي بي وتب، وقد كان خباش زعيم الحركة الوطنية، التي قام بها المصريون ضد الفرس ي عام 486، ويبدو أن بطليموس الأول قد أراد بما أورده في هذا النص أن يذكر المصريين بمساوئ حكم الفرس، والفرق بين معاملتهم الآلهة المصرية ومعاملته هو هذه الآلهة، كما أنه بمحاكاته ما فعله من قبل الزعيم الوطني خباش، أراد أن يظهر في ثوب زعيم الحركة الوطنية، هذا إلى أنه رمى إلى تذكير المصريين، بطريق غير مباشر، بالخدمات التي سبق أن أسداها الإغريق للمصريين كلما ثاروا ضد الفرس، ويردد هذا النص العبارة التقليدية القائلة بأنه أعاد المعابد ما وجده في آسيا من أثاث المعابد وكتبها المقدسة وتماثيل الآلهة.

وتشير أدلة أخرى إلى أن بطليموس عني منذ قدومه إلى مصر بافتقاء أثر الفراعنة في اهتمامهم بالمنشآت الدينية، فإنه أعاد إنشاء قدس الأقداس في معبد الكرنك بسام فيليب ارهيدايوس، وزخرف باسم الإسكندر الرابع قاعة ي معبد الكرنك، يظن أنها قاعة احتفالات تحتمس الثالث، وقد وجد في هذه القاعة تمثال طريف للإسكندر الرابع، إذ أنه مثل من الأمثلة النادرة لفن النحت التي يمتزج فيها الطراز المصري بالطراز الإغريقي. وشيد بطليموس في عهد الإسكندر الرابع هيكلاً في بني حسن، وقد صور الملك في أعلى واجهة الهيكل راكعًا يقدم تمثال “الصدق” إلى الإلهة باشت (Pasht)، ووقفت الآلهة حتحور خلف الملك، الذي صور أيضًا على أحد جانبي الباب في حضرة آمون وحورس، وعلى الجانب الآخر في حضرة تحوت وخم Chem. وأقام بطليموس الأول بوابة أمام معبد الفنتين، صور عليها الإسكندر الرابع وهو يتعبد إله خنوم. وإذا كانت هذه المنشآت ثانوية، فإنها كانت على الأقل مثلاً حذا حذوة خلفاء بطليموس الأول.

بطليموس الثاني:

وتدل الوثائق التي وصلت إلينا من عصر بطليموس الثاني فيلادلفوس على أنه لم يتوان في إظهار إجلاله واحترامه للآلهة المصرية: فإن لوحة بيثوم التي أقيمت في العام الحادي والعشرين من حكمه (265 / 264 ق.م) تنبئنا بأن هذا الملك زار بيثوم ثلاث مرات. أما الزيارة الأولى فكانت في العام السادس من حكمه (عام 280 / 279) عندما بدأ العمل في القناة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، وزار بلاد الفرس وأحضر من هناك تماثيل الآلهة، وأهدى معبدين إلى توم (Toum) وأوزيريس، إلهي بيكرحت (Pikerehet). أما الزيارة الثانية فكانت في العام الثاني عشر (عام 274 / 273)، عندما اصطحب معه أخته وزوجه الملكة ارسينوي الثانية وأجزل الهبات لآلهة بيثوم. أما الزيارة الثالثة فكانت في العام الحادي والعشرين (عام 265 / 264) عندما منح الملك المعابد المصرية هبة مالية قدرها 750000 دين (Deben)، وهو ما يوازي 3125 تالتنت من الفضة، أي ما يزيد على نصف مليون جنيه. وتؤكد هذه الوثيقة مما ورد في هذه الوثيقة وفي قراري كانوب ورشيد أن البطالمة كانوا يهبون العابد منحًا معينة، إلى جانب ما كانوا يمنحونها في مناسبات خاصة، وتحدثنا لوحة مندس عن تقدير فيلادلفوس لإله هذه المدينة والهبات التي أجزلها له.

وقد شيد فيلادلفوس عددًا كبيرًا من المعابد المصرية اختص إيزيس باثنين منها، فإنه بدأ بناء معبدها الكبير في جزيرة فيلة، وأقام لهذه الإلهة معبدًا آخر في الدلتا في بهبيت الحجارة ـ بالقرب من سمنود ـ مكان معبد نكتانبو الأول، وقد امتاز هذا المعبد ببهائه ورونقة، إذا بني جميعه من جرانيت أسوان الأحمر، وأنشأ فيلادلفوس معبدًا صغيرًا لا محوتب في جزيرة فيلة. وشيد كذلك معبدين آخرين على الأقل، أحدهما في مندس والآخر في نقراطيس، وأقام بوابة أمام معبد موت في الكرنك.

بطليموس الثالث:

وتحدثنا وثيقة كانوب عن سياسة بطليموس الثالث يورجتيس نحو الديانة المصرية، فإن هذه الوثيقة تروى لنا كيف أن الملك بطليموس (بن بطليموس وأرسينوي الإلهين الأخوين) وبرينيكي أخته وزوجته، الإلهين الخيرين، يجزلان دائمًا للمعابد الوطنية نعمًا كثيرة عظيمة، ويزيدان مظاهر الإجلال للآلهة، ولا يدخران وسعًا في العناية بأبيس ومنفيس وغيرهما من الحيوانات المقدسة المشهورة مهما كفلها ذلك من النفقات، وتعيين الكهنة المناسبين، وأن الملك بعد قيامه بحملة في الخارج أعاد إلى مصر التماثيل المقدسة التي كان الفرس قد أخذوها منها…”. ثم تمضي الوثيقة في سرد لأعمال الطيبة التي قام بها الملك نحو رعاياه، فإنه نشر السلام في البلاد، ودافع عنها ضد أعدائها، وأقام فيها حكومة رشيدة، وعندما قل الفيضان عن مستواه العادي ولم يسد حاجات البلاد، نزل الملك والملكة عن جانب غير قليل من دخلهما لإنقاذ حياة الكهنة والأهالي، فإنهما أحضرا القمح من سوريا وفينقيا وقبرص وغيرها من البلاد بسعر مرتفع، وإزاء كل هذه الخدمات “قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك والملكة وأبويهما وجديهما، وأن يحمل الكهنة في كل المعابد لقب كهنة الإلهين الخيرين وذلك إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن تضاف في كل معبد قبيلة خامسة من الكهنة تحمل اسم الإلهين الخيرين وتكون على قدم المساواة مع القبائل الأربع القديمة، وأن يقيم الكهنة في أوائل كل عام في كافة المعابد حفلاً قوميًا مقدسًا، إجلالا للملك والملكة، وأن تقام لبرينيسكي ابنة الإلهين الخيرين التي توفيت فجأة مراسم الإجلال في كل المعابد، وأن يقام لها أيضًا في جميع المعابد من الدرجتين الأولى والثانية تمثال من الذهب المطعم بالأحجار الكريمة، وأن تقام في أبرز مكان في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثاني والثالثة صورة من هذا القرار، على لوحة من الحجر أو البرنز، مكتوبة باللغات الهيروغليفية والديموتيقية، ليثبت القساوسة في طول البلاد وعرضها أنهم يكرمون الإلهين الخيرين وسلالتهما كما هو حق.

إن هذه الوثيقة عبارة عن قرار أصدره مجمع الكهنة، الذي انعقد في مدينة كانوب في السادس من شهر مارس عام 237 عقب عودة بطليموس الثالث مكرهًا من حروبه في آسيا بسبب الثورة التي نشبت في مصر نتيجة لحدوث مجاعة فيها، وقد وصلت إلينا ثلاث نسخ من الحجر لهذه الوثيقة، عثر على أولاها في عام 1865 بين أطلال مدينة تانيس القديمة، ووجدت الثانية في عام 1881، وهاتان الوثيقتان موجودتان الآن في متحف القاهرة. أما النسخة الثالثة فإنها محفوظة في متحف اللوفر وبها عطب كثير.

أما عن المنشآت الدينية التي أقامها هذا الملك، فإنه أكمل معبد إيزيس في فيلة، الذي لم يتم بناؤه في عهد أبيه بطليموس الثاني، إذ أن المدخل الكبير من الناحية الشمالية يحمل نقشًا باللغة الإغريقية مؤداه أن الملك بطليموس والملكة برينيكي وأبناءهما يهدون الهيكل إلى إيزيس وحاربو كراتس، وقد وجدت في جزيرة بيجه (Biggch) المجاورة لجزيرة فيلة بقايا معبد وجد عليها اسم بطليموس الثالث وأسماء بعض الفراعنة القدماء. وقد بدأ في إقامة معبد لإيزيس في أسوان، وشيد معبدًا صغيرًا في إسنا، والباب الخارجي لمعبد فتاح والمدخل الأكبر لعبد خنسو والمعبد الشمالي لمعبد مونتو بالكرنك، ولا بد من أنه شيد معبدًا جديدًا لأوزيريس في كانوب، فقد عثر هناك على لوحة ذهبية كانت قد وضعت، كما هي العادة في أغلب الأحوال، بين أحجار الأساس، وتحمل هذه اللوحة نقشًا بالإغريقية هذا نصه: “الملك بطليموس بن بطليموس وأرسينوي، الإلهين الأخوين، والملكة برينيكي، أخت الملك وزوجته، يهديان هذا الهيكل إلى أوزيريس”. لكن لعل أهم آثار هذا العاهل في بناء المعابد هو معبد حورس في إدفو الذي وضع أساسه في 23 من أغسطس عام 237، إلا أن بناءه وزخرفته لم يتما إلا في ديسمبر عام 57 ق.م في عهد بطليموس الثاني عشر. ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أنتجه في العمارة المصرية في عهد البطالمة.

ومما يجدر بالملاحظة أنه صاحب ازدياد المنشآت الدينية المصرية التي أقامها هذا الملك عقب قرار كانوب الإقلال من القرابيين التي كانت تقدم للمعابد في أنحاء العالم الأغريقي، لأن باوسانياس، الذي شاهد كثيرًا من التمثيل والقرابين التي قدمها بطليموس الأول والثاني في كل أنحاء بلاد الإغريق، لم يذكر لنا أنه شاهد قربانًا أو تمثالاً قدمه بطليموس الثالث، على الرغم من أن سلطانه كان يمتد على بحر إيجه أكثر من سلفيه، ومعنى ذلك أن ازدياد عناية هذا الملك بالديانة المصرية قلل من اهتمامه بالديانة الإغريقية.

بطليموس الرابع:

ولما كان البطالمة الثلاثة الأوائل يعتمدون اعتمادًا كليًا على الإغريق في تكوين قواتهم الحربية، فإن جل اهتمامهم كان موجهًا إلى كسب عطف الإغريق، هذا وإن كانوا لم يغفلوا المصريين بتاتًا من حسابهم، لكنه عندما انقطع وفود الإغريق إلى مصر منذ أواخر القرن الثالث بسبب نقص عددهم، نتيجة لاشتراكهم في حروب خلفاء الإسكندر بمثابة جنود مرتزقة، وفي الحروب الداخلية التي قطعت أو صال بلاد الإغريق، ونتيجة لتحديد النسل بينهم، اضطر البطالمة منذ عهد بطليموس الرابع إلى الاعتماد على المصريين أيضًا في بناء قواتهم الحربية؛ فلم يكن هناك مفر عندئذ من أن يعدلوا سياستهم إزاء المصريين، ولذلك كان بطليموس الرابع أول من توج منهم فرعونًا على نمط الفراعنة القدماء وأول ملك من البطالمة تعرف حتى الآن. أن اسمه قرن بالألقاب الفرعونية كاملة في كافة الوثائق الرسمية سواء أكانت مسجلة بالهيروغليفية أم الديموتيقية أم الإغريقية. ولا عجب إذن أن لوحة بيثوم، التي حفظت لنا القرار الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في نوفمبر عام 217، تحدثنا بأن اهتمام بطليموس الرابع بإظهار إجلاله للآلهة والديانة المصرية على الدوام حدا به إلى أن يفيض عليها بالهبات من واسع كرمه، فكافأته الآلهة على ذلك بأن عقدت له ألوية النصر وكلأته بعنايتها وحفظته من كل مكروه. وتحدثنا هذه الوثيقة بأنه ما كاد يصل على علم الملك أنه قد لحق تماثيل الآلهة المصرية في فلسطين كثير من الأذى، حتى أصدر أمرًا كريمًا بألا يتعرض لها أحد ثانية بمكروه، وذلك رغبة منه في أن يدرك جميع الأجانب عظيم اهتمام الملك بآلهة مصر وشدة حرصه عليها، وكذلك أمر بأن تنقل إلى مصر كل موميات الحيوانات المقدسة، وبأن يقام لها حفل عظيم وتدفن في مقابرها، وبأن ينقل إلى معابدها في مصر في حفل كريم ما وجد مشوهًا من التماثيل.

وقد كان الملك معنيًا بأمر التماثيل المقدسة التي نقلت من مصر إلى آشور وفينقيا عندما انتهك الفرس حرمه المعابد المصرية، ولذلك أمر بالبحث عن هذه التماثيل وإعادتها إلى مصر، وأقام حفلاً كبيرًا إجلالاً لما وجد من هذه التماثيل، وقضي بأن تعاد إلى حيث كانت من قبل. وبعد عودة الملك إلى مصر، زار المعابد وقدم القرابين إلى الآلهة ومنح المعابد هبات كثيرة إلى جانب ما كان قد منحها من قبل، وأقام تماثيل كثيرة في المعابد بدل ما فقد منها، وأصلح التماثيل التي كانت في حاجة إلى إصلاح، وأنفق في سبيل ذلك مبالغ طائلة، وأمر بأن تصاغ آنية المعابد من الذهب والفضة، وأجزل الهبات لرجال الدين، وإزاء كل هذه الحسنات التي تفضل بها الملك، قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي كانت تقدم للمك ولأخته وأسلافهما من أسرة البطالمة، وأن يقام تماثلان من طراز مصري للملك ولأخته في أبرز مكان في كل معبد من معابد مصر، وأن يوضع تمثال الإله المحلي في كل معبد أمام تمثال الملك، أن يقيم كهنة المعابد الصلوات للتماثيل لثلاث مرات يوميًا، وأن يقام في كافة معابد مصر كل عام حفل يبدأ يوم ذكرى انتصاره على عدوه ويدوم خمسة أيام.

وكان طبيعيًا أن يوجه بطليموس الرابع اهتمامه إلى المنشآت الدينية، فقد أسهم في بناء معبد حورس في إدفو، ذلك المعبد الذي بدأه أبوه.
وتحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “قد تم بناء قاعة قدس الأقداس للإله حورس الذهبي في السابع من شهر أبيب في السنة العاشرة من حكم الملك بطليموس فيلوباتور، وزينب جدرانها بنقوش بديعة وبالاسم الأكبر لصاحب الجلالة وبصور آلهة إدفو وإلهاتها، وفي العام السادس عشر من حكم جلالة الملك تم بناء مدخلها الأكبر (أو مدخل المعبد الأكبر) والباب المزدوج لردهته الكبيرة، وعندئذ اندلع لهيب الثورة واختفت جماعات من الثوار داخل المعبد..”. وقد وجد خرطوش هذا لملك على أبنية مختلفة في الأقصر، مما يثبت أنه إذا لم يكن قد شيد هناك مباني جديدة فلا أقل من أنه زين أبنية قائمة أو أصلحها. وقد بدأ فيلو باتور غربي النهر بناء ذلك المعبد الأنيق الصغير الذي يعرف باسم دير المدينة، وحاول إتمام المعبد الصغير الذي بدأه أبوه في الفنتين، وقد وجداسم فيلو باتور على أماكن مختلفة من مجموعة المعابد في فيلة. ومما يستحق الذكر أنه وجد معبد للإله أر ـ هس ـ نفر (Ar-hes nefer) شرقي المعبد الكبير في فيلة، وأنه قد ثبت أن فيلوباتورا شيد المقصورة الداخلية ي هذا المعبد، وأن الملك النوبي إرجامنس (Ergamenes) أضاف إلى هذه المقصورة قاعة أمامها، لكنه لم يتمها. وقد وجد في دكة (جنوبي فيلة بسبعين ميلا) معبد مشايه لهذا المعبد اشترك في بنائه أيضًا إرجامنس وفيلوباتور، لكن الملك النوبي هو الذي بني هنا المقصورة الداخلية وفيلوباتور القاعة التي أمامها. وشيد فيلو باتور معبدًا لآلهة الشلال على جزيرة سهيل جنوبي أسوان، وأضاف إلى مباني معبد إيزيس في أسوان الذي بدأه أبوه، لكن بناء هذا المعبد لم يتم حتى اليوم.

بطليموس الخامس:

وتستطيع الوقوف على مدى اهتمام بطليموس الخامس إبيفانس بالديانة المصرية من قرار حجر رشيد الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في 37 من مارس عام 196. ويحدثنا هذا القرار بأن بطليموس الخامس قام بخدمات كبيرة للمعابد والآلهة ورعاياه، فإنه خصص للمعابد دخلا من المال والقمح، وتكبد نفقات طائلة ليعيد الرفاهية إلى البلاد ويقيم المعابد، وأمر بأن تحفتظ المعابد بكافة الموارد التي كانت لديها في عهد أبيه، وأحيا ما أهمل من طقوس الآلهة، وقدم من الهدايا إلى أبيس ومنفيس وسائر الحيوانات الأخرى المقدسة في مصر أكثر مما قدم إليها الملوك الآخرون، ووجه عناية كبرى إلى دفنها وما يقدم إلى هياكلها، وأحتفظ بمكانة المعابد المصرية، وصرف مبالغ طائلة في زخرفة معبد أبيس، وأسس معابد وهياكل ومذابح، وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح من المؤسسات الدينية، فقد كان إلهًا كريمًا تفيض نفيه بالبربكل ماله صلة بالديانة، ولذلك قرر القساوسة جميعًا أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك وأسلافه، وأن يقام له في أبرز مكان في كل معبد تمثال من طراز مصري يوضع إلى جانبه تمثال الإله الرئيسي في المعبد، وأن يقيم القساوسة الصلاة للتمثالين ثلاث مرات يوميًا، وأن يقام لهذا الملك في كل معبد تمثال وهيكل من الذهب يوضعان في قدس الأقداس مع الهياكل الأخرى، وأن يقام حفل كبير في المعابد في السابع عشر وفي الثلاثين من كل شهر، لأن الملك توج في السابع عشر من شهر بابه (Phaophi) وولد في الثلاثين من شهر مسري (Nesore)، وأن يقام في كل المعابد سنويًا عيد إجلالاً لملك يدوم خمسة أيام، تبدأ في اليوم الأول من شهر توت، وأن يحمل القساوسة لقب قساوسة الإله إبيفانس إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن يذكر اسم كاهن هذا الإله في الوثائق الرسمية، وأن يكتب هذا القرار على لوحة من الصخر بالهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، وتقام في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثانية والثالثة.

أما عن منشآت بطليموس الخامس الدينية، فقد حدثنا عنها هذا القرار بصفة عامة، ونجد ما يؤيد ذلك في نصوص المعابد في إدفو وفيلة، فقد ساهم إبيفانس في إتمام معبد إدفو العظيم، وأتم معبد (أر ـ هس ـ نفر) الذي بدأه أبوه والملك النوبي إرجامنس في جزيرة فيلة، ويبدو أنه شيد مدخل معبد إمحوتب في هذه الجزيرة، فقد صور على الجانب الأيسر لهذا المدخل أمام إمحوتب، وعلى الجانب الأيمن أمام ثالوث الشلال، خنوم وساتت (Satet) وأنوكت (Anuquet)، وكذلك أمام أوزيريس وإيزيس وإمحوتب. ولعل الأخطار التي تهددت الإمبراطورية المصرية والثورات التي اندلع لهيبها في البلاد شغلت هذا الملك عن القيام بمنشآت عظيمة.

بطليموس السادس:

أما بطليموس السادس فيلومتور، فإنه لم تصل إلينا نقوش من عهده لتحدثنا عن هباته للمعابد والآلهة، لكن ليس معنى ذلك أنه لم يعن بإظهار إجلاله للديانة المصرية، لأننا نرى دليلاً كافيًا على ذلك في منشآته الدينية، فقد ساهم بدوره في تشييد معبد إدفو، إذ تحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “في أول شهر طوبة في العام الخامس من حكم بطليموس فيلومتور، وضعت البوابة الخشبية الكبيرة في قاعة المنتصر الأعظم وكذلك الأبواب المزدوجة في بهو الأعمدة الثاني، واستؤنف العمل ثانية داخل قاعة الأسلحة في العام الثلاثين من حكم هذا الملك”. وشيد فيلومتور معبد سوبك وحورس في كوم أمبو. وبدأ بناء معبد خنوم في إسنا، وبنى هيكلاً في معبد موت، وأضاف مدخلاً إلى معبد فتاح بالكرنك، وأقام هو وأخوه بطليموس الثامن بابا فيم عبد آموت ـ رع هناك، وأضاف بهوًا إلى معبد أنطيوبوليس (قاو الكبير)، وساهم في إكمال معبد إيزيس الكبير فيلة، وبدأ في إقامة معبد لحتحور في هذه الجزيرة، وأضاف بوابة إلى الهيكل الذي أقامه الملك النوبي أزاخر آمون (Azechramon) في دبود ( Debod) وهي تقع جنوبي فيلة بنحو عشرة أميال.

بطليموس الثامن:

ونتبين مدى اهتمام بطليموس الثامن يورجتيس الثاني بشئون الديانة المصرية من القرار الذي أصدره في عام 118، ليضع الأمور في نصابها في مصر، بعدما عانته من الاضطرابات العنيفة بسبب المشاحنات الداخلية بين أفراد أسرة البطالمة، وخاصة بين بطليموس الثامن وكليوبترة الثانية، فقد كان من بين ما تضمنه هذا القرار قيام الخزانة الملكية بدفع نفقات دفن العجول المقدسة، وتأييد حق المعابد ـ التي تتمتع بهذا الحق ـ في حماية اللاجئين إليها. وتحدثنا نقوش معبد إدفو عن الأراضي التي وهبها البطالمة لهذا المعبد، حتى أنه في نهاية عهد بطليموس الثامن كان هذا المعبد يملك أراضي في أربع مديريات، تبلغ مساحتها أربعة عشر ميلاً مربعًا وربع الميل.

أما المنشآت الدينية التي قام بها هذا الملك فمتعددة، ونجد بين نقوش معبد إدفو “استمر العمل حتى اليوم الثامن عشر من شهر في العام الثامن والشعرين من حكم بطليموس يورجتيس الثاني وزوجه الملكة كليوبترة، لإتمام نحت النقوش على الحجر، وزخرفة الجدران بالذهب والألوان، وصنع الأبواب من الخشب وعمل قمتها من البرونز الجيد، وعمل إطارات الأبواب ومزاليجها، وتثبيت ألواح ذهبية على الأبواب، وإتمام الجزء الداخلي من المعبد”. وقد أقام هذه الملك هيكلاً للآلهة أبيت (Apit) في الكرنك، وقام بإضافات إلى معبدي دير المدينة ومدينة هابو، وشيد بالقرب من المعبد الأخير هيكلاً صغيرًا للإله توت، وبدأ بناء معبد في الكاب وأضاف بيت الولادة إلى معبد كوم أمبو، وأقام مسلتين صغيرتين من الجرانيت أمام معبد إيزيس الكبير في فيلة، وأضاف إلى الفناء الخارجي في هذا المعبد دهليز من الأعمدة، وأتم معبد حتحور في فيلة، الذي بدأه أخوه بطليموس السادس، وأضاف إلى معبدي دبود، ودكة.

بطليموس التاسع والعاشر:

وتحدثنا نقوش معبد إدفو بأن الأخوين، بطليموس التاسع سوتر الثاني وبطليموس العاشر الإسكندر الأول، أعطيا معبد إدفو هبات من الأراضي مساحتها خمسة أميال مربعة وربع الميل، وقد منح بطليموس العاشر في عام 95 ق.م. معبد أثرببيس (Artribis) حق حماية اللاجئين، وأضاف بطليموس التاسع إلى مباني معبد مداموت، وأعاد بناء بوابة طهراقة في معبد مدينة هابو، وأتم معبد الكاب، وشيد أقبية معبد دندرة، وأتم بيت الولادة الذي بدأه بطليموس الثامن أمام معبد حورس في إدفو، وأضاف إلى هذا المعبد الفناء الخارجي، بما فيه من أعمدة عددها اثنان وثلاثون عمودًا، وأضاف إلى معبد إيزيس الكبير في فيلة، ونجد آثار منشآت هذا الملك في تالميس (كلبشة) بالنوبة وفي الواحة الخارجة. أما بطليموس العاشر فإنه أعاد بناء معبد دندرة، وأتم المنشآت التي كان أخوه قد بدأها، ومثل ذلك الجدار الخارجي الذي يحيط بمعبد إدفو.

بطليموس أوليتس وكليوبترة السابعة:

ولم يقم بطليموس الثاني عشر (الزمار) إلا بمنشآت ثانوية، فإنه أقام مذبحًا لإيزيس وخم (Khem) وهه (Heh) في فقط، وأتم بناء وزخرفة معبد إدفو، فإنه وضع أبوابًا برونزية للبوابة الكبرى في هذا المعبد، وزين هذه البوابة بمناظر تمثله وهو يضرب أعداءه ف يحضرة حورس إله إدفو وزجه حتحور إلهة دندرة. وقد ساهم أيضًا في إتمام بناء الجزء الرئيسي من معبد كوم أمبو، وشيد البوابة الخارجية لهذا المعبد، ونجد صورة وخرطوشة في عدد من المعابد ف يجزيرتي فيلة وبيجه، وفي الكرنك ودندرة، مما يدل على أنه خصص جانبًا من عنايته وأمواله للديانة المصرية، وليس أدل على اهتمام الملكة كليوبترة السابعة بالديانة المصرية من ذهابها في خلال العام الأول من حكمها إلى الوجه القبلي، حيث اشتركت بنفسها، على رأس جمع حاشد من رجالها وكهنة طيبة وهرمونثيس، في موكب بوخيس (Buchis)، عجل هرمونثيس المقدس، وكان يعتبر الصورة المجسدة لإله الشمس رع، الذي كانت هي ابنته، ويضاف إلى ذلك أنها أقامت معبدًا في هرمونثيس، صورت في جدرانه القصة التي زعمت فيها أنها انجبت قيصرون ن الإله آمون رع، وفضلاً عن ذلك فإنها أمرت بتصوير نفسها هي وقيصرون على جدران معبد دندرة.

مصر الإسلامية و الأموية و العباسية


خلافة الراشدين
هشام بن عبد الملك 641 م
عمر بن الخطاب

644 م
عثمان بن عفان

656 م
على بن أبى طالب

الخلافة الأموية
661 م
معاوية بن أبى سفيان

680 م
يزيد بن معاوية

684 م
معاوية بن يزيد

684 م مروان بن الحكم

685 م عبد الملك بن مروان

705 م الوليد بن عبد الملك

715 م سليمان بن هبد الملك

717 م عمر بن عبد العزيز

720 م يزيد بن عبد الملك

724 م الوليد بن يزيد بن عبد الملك

742 م يزيد بن الوليد بن يزيد

743 م ابراهيم بن الوليد بن يزيد

744 م مروان بن محمد بن الحكم

744 م الخلافة العباسية
750 م أبوالعباس عبد الله بن محمد

754 م أبو جعفر عبد الله المنصور
775 م محمد بن عبد الله المهدى
784 م موسى الهادى
786 م هارون الرشيد
809 م محمد الامين
813 م عبد الله المأمون
833 م أبو اسحق محمد المعصم بالله
841 م الواثق بالله
846 م لمتوكل على الله
861 م محمد المنتصر بن المتوكل
862 م المستعين بالله بن المعتصم
866 م المعتز بالله بن المتوكل
869 م المهتدي بالله بن الواثق
870 م المعتمد بالله بن المتوكل
892 م المعتضد بالله بن الموفق بن المتوكل
902 م أبو محمد المكتفى بالله
902 م المقتدر بالله بن المعتضد
932 م أبو منصور القاهر بالله بن المعتضد
934 م أبو العباس الراضى بالله بن المقتدر
941 م المتقى بالله ابراهيم بن المقتدر
944 م المستكفى بالله بن المكتفى
946 م المطيع لله بن المقتدر

حكام مصر
العصر العتيق

الأسرة الثالثة
الأسرة الثانية
الأسرة الأولى

2649 – 2575

سانخت ( نب كا ) 2649 – 2630د
جسر ( نثرى خت ) 2630 – 2611
سخم خت 2611 – 2603
خع با 2603 – 2599
حونى 2599 – 2575
2770 – 2649

حتب سخموى – رع نب – نثرى خت – ونج – سندج – برايب سن – خع سخم –
خع سخموى .
2920 – 2770

ميناء ( نعمر أو حور عحا ) جر – واجت – دن – عج ايب – سمرخت – قاعا . .
الدولة القديمة
2575 – 2134

الأسرتان السابعة والثامنة
الأسرة السادسة
الأسرة الخامسة
الأسرة الرابعة

فترة غامضة تعاقب فيها على العرش عدد كبير من الملوك الذين حكموا لفترات قصيرة وأشهرهم
نفر كارع .
2323 –2150

تتى 2323 – 2291
وسر كارع

2291 – 2289
ببى الأول ( مرى رع )
2289 – 2255
مرن رع الأول

2255 – 2246
ببى الثانى ( نفر كارع )
2246 – 2152
مرن رع الثانى

2152 – 2150

2465 – 2323


وسركاف 2465 – 2458
ساحورع 2458 – 2446
نفر اير كارع

2446 – 2426
شبسس كارع

2426 – 2419
رع نفر ف 2419 – 2416
نى وسر رع

2416 – 2392
من كاو حور

2392 – 2388
جد كا رع

2388 – 2356
ونيس ( أوناس )

2356 – 2323
2575 – 2465

سنفرو 2575 – 2551
خوفو 2551 – 2528
رع جدف 2528 – 252

خفرع 2520 – 2494
با اف رع 2494 –2490
منكاورع 2490 -2472
شبسسكاف 2472 –2467
خنت كاوس 2467 – 2465
عصر الاضمحلال الأول
2134 – 2040

الأسرة الحادية عشرة (طيبة)
الأسرتان التاسعة و العاشرة

(هير أكليوبوليس)

انيوتف الأول

2134– 2118
انيوتف الثانى

2118 – 2069
انيوتف الثالث

2069 – 2061
نب حبت رع منتوحتب 2061 – 2010
2134 – 2040

مجموعة من الملوك باسم خيتى ومرى كارع وايتى.

الدولة الوسطى
2040 – 1640

الأسرة الثالثة عشرة
هؤلاء حكموا مصر
الأسرة الثانية عشرة
الأسرة الحادية عشرة (توحيد مصر من جديد)

1783- بعد 1640

حوالي 70 ملكا من اشهرهم :
امنمحات الخامس- سوبك حتب الأول – حور- امنمحات السابع –
سوبك حتب الثانى – خنجر (أوسر كارع) – نفر حتب
الأول – مونتو ام ساف
سنوسرت الثاني
سنوسرت الثالث ( خع كاورع )
1898-1841
امنمحات الثالث ( ني ماعت رع )
1841-1797
امنمحات الرابع ( ني ماعت خرو رع )
1799- 1787
نفرو سوبك (سوبك كارع)
1787-1783
1991 – 1783

(معظم ملوك هذه الأسرة اشتركوا خلفاءهم معهم فى الحكم فى سنيهم الأخيرة)

امنمحات الأول (سحتب ايب راع)
1991 – 1962
سنوسرت الأول (خبر كارع)
1971 – 1926
أمنمحات الثانى (نوب كاو رع )
1929 – 1892
نب حتب رع – منتوحتب

2061 – 2010
سعنخ كارع – منتوحتب 2010 – 1998
نب تاوى رع – منتوحتب 1998 – 1991

الأسرة الرابعة عشرة

مجموعة من الملوك المعاصرين للأسرتين الثالثة عشرة و الخامسة عشرة

عصر الاضمحلال الثانى
1640 – 1532

الأسرة السابعة عشرة
الأسرة السادسة عشرة
الأسرة الخامسة عشرة (الهكسوس )

مجموعة من الملوك الطيبيين المعاصرين للهكسوس فى الشمال ، ومن أشهرهم انيوتف

( 1640 – 1635 ) – سوبك ام ساف الأول والثانى – تاعا الأول – تاعا الثانى
(سقنن رع ) – كاموس 1555 – 1550
اسرة صغيرة من الهكسوس معاصرة للأسرة الخامسة عشرة
ساليتس – شيشى – خيان –ابو فيس ( 1585 – 1542 ) – خمودى
(1542 – 1532 )

الدولة الحديثة
1550 –1070

هؤلاء حكموا مصر
الأسرة التاسعة عشرة الأسرة الثامنة عشرة
مرن بتاح (بان رع حوتب اير ماعت )
1224 – 1214
سيتى الثانى (أوسر خبرو رع ستب ان رع)
1214 – 1204
آمون مس ( مغتصب للعرش أبان عهد سيتى الثانى)
سيبتاح 1204 – 1198
تاوسرت (ملكة)
1198 – 1196
1307 – 1196

رمسيس الأول ( من بحتى رع )
1307 – 1306
سيتى الأول ( من ماعت رع )
1306 – 1290
رمسيس الثانى (أوسر ماعت رع ستب ان رع )
1290 – 1224
1550 – 1307

أحمس ( نب بحتى رع )
1550 – 1525
امنحتب الأول ( جسر كارع )
1525 – 1504
تحتمس الأول ( عا خبر كارع )
1504 – 1492
تحتمس الثانى ( عا خبر ان رع )
1492 – 1479
تحتمس الثالث ( من خبر رع )
1497 – 1425
حتشبسوت (ماعت كارع )
1478 – 1458
( تداخل مع تحتمس الثالث )
امنحتب الثانى ( عا خبرو رع )
1425 – 1401
تحتمس الرابع ( من خبرو رع )
1401 – 1391
امنحتب الثالث ( نب ماعت رع )
1391 – 1353
امنحتب الرابع ( اخناتون )
( نفرو خبرو رع – وع ان رع )
1353 – 1335
سمنخ كارع ( عنخ خبرو رع )
1335 – 1333
( شريك فى الحكم لاخناتون )
توت عنخ آمون 1333 – 1323
أى (خبرو رع)
1323- 1319
حورمحب ( جسر خبرو رع)
1319 – 1307

النشيد الوطنى

النشيد الوطنى الحالى : بلادى بلادى

اضغط للاستماع لنشيد بلادى بلادى

http://egyptana.egypty.com/media/eg_anthems.mid
لكى حبى و فؤادى
بلادى بلادى بلادى

أنت غايتى و المراد
مصر يا أم البلاد

كم لنيلك من أيادى
و على كل العباد

فزت بالمجد القديم
مصر يا أم النعيم

و على الله اعتمادى
مقصدى دفع الغريم

فوق جبين الدهر غرة
مصر أنت أغلى درة

و اسلمى رغم الأعادى
يا بلادى عيشى حرة

أوفياء يرعوا الزمام
مصر أولادك الكرام

باتحادهم و اتحادى
سوف نحظى بالمرام

نبذة عن النشيد الوطنى المصرى الحالى : بلادى بلادى
كان هذا النشيد الوطنى من تأليف الشاعر الراحل يونس القاضى و قام بتلحينه الفنان الخالد سيد درويش و لكنه عندما أكمل تلحينه مات قبل أن يسمعه ملحنا

و قد استشف الشاعر يونس القاضى كلمات هذا النشيد من كلمات الزعيم الراحل مصطفى كامل قد قالها عام 1907 و كانت ” بلادى بلادى لك حبى و فؤادى …. لك حياتى ووجودى , لك دمى , لك عقلى و لسانى , لك لبى و جنانى , فأنت أنت الحياة … ولا حياة إلا بك يا مصر”

و قد اتخذت مصر هذا النشيد “بلادى بلادى” نشيدا قوميا ووطنيا لها بعد حرب أكتوبر المجيده تحديدا عام 1979 .

النشيد الوطنى السابق : و الله زمان يا سلاحى

اضغط للاستماع لنشيد والله زمان يا سلاحى

http://egyptana.egypty.com/media/egf_anthems.wma
اشتقت لك فى كفاحى و الله زمان يا سلاحى
يا حــرب و الله زمان انطق و قول أنا صاحى
زاحفة بترعد رعود و الله زمان ع الجنود
الا بنصر الزمان حالفة تروح لم تعود
شيلوا الحية على الكفوف هموا وضموا الصفوف
منكم من نار الميدان ياما العدو راح يشوف
ياللى اتبنيت عندنا يا مجدنا يا مجدنا
عمرك ماتبقى هوان بشقانا و كدنـــا
الشعب جبال الشعب بحور الشعب بيزحف زى النور
زلزال بيشق لهم فى قبور بركان غضب بركان بيفور

نبذة عن النشيد الوطنى السابق : و الله زمان يا سلاحى
كتب هذا النشيد الشاعر الراحل صلاح جاهين لتغنيه كوكب الشرق سيدة الغناء العربى أم كلثوم و ذلك عام 1956 ثم اتخذ هذا النشيد كنشيد وطنى لمصر فى الفترة ما بين عام 1960 حتى عام 1979 ويذكر أن هذا النشيد أيضا كان نشيدا و طنيا للعراق فى الفترة مابين عام 1965 حتى عام 1981 .


ملتقى طلاب المحروسة _ ذاكــرة التـاريخ _ حالة مصر منذ الأسرة السادسة والعشرين حتى الفتح المقدوني

حالة مصر منذ الأسرة السادسة والعشرين حتى الفتح المقدوني

لما كان أول عهد مصر باستقرار الإغريق فيها يرجع إلى ما قبل الفتح المقدوني بعدة قرون، وكان الإغريق قد لعبوا دوراً هامًا في تاريخ مصر منذ العصر الصاوي، فإنه لكي تفهم بجلاء تاريخ مصر في عصر البطالمة، يجدر بنا أن نستعرض في إيجاز حالة مصر منذ العصر الصاوي.

ملوك نباتا يردون على الوادي وحدته:

عندما سيطرت أسرة ليبية على مصر في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد، انقسمت البلاد إلى إمارات محلية، ورفض كهنة آمون، سادة طيبة، الخضوع لسلطان الليبيين يبدو أن الكثيرين منهم آثروا الهجة جنوبًا إلى بلاد كوش، وكانت تعتبر ملكًا لآمون، وهناك عند الشلال الرابع في المدينة التجارية الكبيرة “نباتا” أقام كبير الكهنة القادمين من طيبة ملكًا جديدًا وجعل من نفسه وارثًا شرعيًا لعرش فرعون، ولم يكد الملك الشاب بعنخي يستوى على عرش نباتا حتى صح عزمه على أن ينقذ شمال وادي النيل من أيدي الغاصبين وعلى أن يرد على الوادي وحدته، وفي عام 740 كللت مجهوداته بالنجاح.

أشور تفتح مصر:

وعندما استولت آشور على مصر في عام 671 ولم يستطع طهراقا. خامس ملوك نباتا، ضد الغزو الأجنبي عن شمال مملكته انسحب جنوبًا تاركًا الدلتا تحت رحمة الآشوريين، وما كاد أشيور حادون (Esarhaddon) يعود إلى نبنوي، حتى استعاد طهراقا سطرته على الدلتا. وعندما ارتقى أشور بانيبال العرش أعاد فتح مصر في عام 667 ثم أقام نخاو، أمير سايس. حاكمًا على الدلتا وأحاطه برجال أشوريين وبذلك حال دون نجاح طهراقا في استعادة الدلتا. وعندما أفلح تنوت أموت (Tanutamon) خليفة طهراقا. في غزو الدلتا ونصب نفسه في منف فرعونًا على مصر بأجمعها، استنباط أشور بأنيبال غضبًا وغزا مصر ثانية في عام 663وطارد تنوت أمون في الوجه القبلي، ثم ترك مصر تحت أمرة ابستيك. ومع ذلك يبدو أن تنوت أمون احتفظ بنفوذه في طيبة حتى عام 661، وهو العام الذي حمل فيه ايستيك ألقاب الفراعنة بعد أن بسط سلطانه على مصر كلها، وأصبح ملكها دون منازع من البحر إلى أسوان.

تأسيس الأسرة السادسة والعشرين:

وهكذا أسس أبستيك (663ـ 609) الأسرة السادسة والعشرين وجعل سايس (صا الحجرة بالقرب من كفر الزيات) حاضرتها، ولم يبث أن حرر مملككته من كل تبعية لأشور. وبيان ذلك أنه إزاء انهماك أشور حينذاك في حربها مع علام (Elam) لم يعبأ أشور بانيبال بما كان جارياً في مصر مادام أبستيك يدفع له الجزية، ويحتمل أنه استمر يفعل ذلك بانتظام حتى حوالي عام 651 عندما سحبت الحامية الأشورية من الدلتا بسبب مقتضيات حرب علام ونشوب ثورة في بابل. ومن ثم توقف أبستيك عن دفع الجزية لأشور، وبعد حروب علام المضنية. كان ابستيك يفضل جنوده المرتزقة في مركز أقوى من أن تتهدده أشور.

استقرار الإغريق في مصر:

وقد كان في مصر إذا ذاك عدد كبير من الإغريق، فإنه منذ حوالي 725 ق “م” أخذ تجار ميلتوس (Miletos = ملطة) يترددون كثيراً على مصاب نهر النيل وبخاصة المصب العربي. عند قانوب (أبر قير) لها لسيولة الوصول إليه من بحر أبجة وأما بعد عن حركة تشاو الفينيقيين. وقد ترتب على ازدياد تدفق التجارة الإغريقية أن فرع النيل القانوني أخذ يزداد في الأهمية على فرعه بلوزي، وكانت تجارة مصر مع فينيقيا قد أكسبته أهمية كبيرة في عهد الأسرتين العشرين والثانية والعشرين، أي في عهد الرعامة (حوالي 1198 ـ 1090) وملوك بوباسطس (حوالي 945ـ 725).

تأسيس نقراطيس:

وعلى مقربة من سايس، أسس تجار ميلتوس محلة لهم، أطلق عليها اسم “قلعة أهل ميلتوس”، ويحدثنا استرابون بأن تجار ميلتوس أقاموا محلتهم في عصر أبستيك، أي حوالي عام 650ق.م. ولكنه من المحتمل أنها أقيمت حوالي عام 700 أو قبل ذلك، ولعل أن ما حدث في عصر أبستيك هو أن القلعة ازداد اتساعها، وأصبحت تعرف باسم نقراطيس (Naucratis= نوم جعيف بمحافظة البحيرة) ويفضل الثروة التي عادت على مصر من تجارة الإغريق تسكن أبستيك من استخدام عدد كبير من الجنود الإغريق والأناضوليين ساعدوه على توطيد مركزه في مصر، وبذلك تخلص من منافسيه ومن تهديد ملوك نباتا ومن سيطرة الأشوريين.

عطف ملوك العصر الصاوي على الإغريق:

وعندما استتب الأمر لأبستيك كافأ جنوده المرتزقة بأن اتخذ منهم وحدهم حرسه الخاص ما أساء إلى الجنود المصريين. فلم يكن من الحامية التي وشعها الملك عند أسوان للدفاع عن الحدود الجنوبية إلا أنها هاجرت إلى بلاد النوبة، فقد عز عليها أن يختص الملك جنوده الإغريق بتكوين حرسه الخاص.

وقد أقام أبستيك لهؤلاء الجنود معسكرين، أحدهما في ماريا (Marea) بالقرب من فانوب، والآخر في دفنة (Dephna= تل دفنة عند برزخ السويس) ليكونا بمثابة حصنين يصدان هجمات كل من تحدثه نفسه بالاعتداء على مصر، وأباح أبستيك للإغريق أن يشئوا مؤسسات في سايس ونقراطيس وقانوب. وقد هدأت الحال في مصر بفضل الحزم الذي أبداه أبستيك، وسرعان ما أصبحت علاقته مع أشور علاقة الند للند، لكنه لما كان هذا الملك مديناً بمركزه في مصر لأشور، فإنه لم ينس ذلك وبقى حليفًا أمينًا لأشور حتى توفي في عام 609، وخلفه ابنه نخاو الثاني الذي حاول دون جدوى مساعدة أشور على بابل. ومن ثم وقف جهوده على الأعمال السليمة في مصر، فاهتم بشق قناة تربط النيل بالبحر الأحمر، وأوفد بعثة لترتاد سواحل إفريقيا، ووجه عناية خاصة إلى تجارة مصر، فأثرت البلاد، وازدهرت فيها فنون السلم، وظهر في كل فروع الفن طراز جديد يمتاز بأحياء طراز الدولة القديمة.

وعندما توفي نخاو الثاني في عام 593، خلفه ابنه أبستيك الثاني الذي حكم حتى عام 588. ولعل أهم ما يعنينا في هذا المقام من أمر أبستيك الثاني هو أنه اقتفى أثر أبيه وجده في إتباع سياسة مشربة بروح العطف نحو الإغريق. ولا جدال في أن عطف ملوك مصر في العصر الصاوي على الإغريق يرجع إلى ما كانوا مدينين به من ثروتهم لتجارة الإغريق، وكذلك إلى ما كانوا يستشعرونه من الحاجة الملحة إلى معونة الإغريق العسكرية، وذلك من ناحية للذود عن حياض مصر ضد المالك الفنية القوية في أسيا، ومن ناحية أخرى لدفع ما يتهدد العرش من الأخطار الداخلية.

ازدياد العطف على الإغريق يلهب شعور المصريين:

بيد أن ازدياد ذلك العطف أثار شعور المصريين بالتدريج، حتى دفعهم إلى الثورة على إبريس (Apries) (588-566) وكان شاباً متهوراً، خاضعًا لجنوده الإغريق إلى حد بعيد. وقد أزكى حقد المصريين عليه فشل الحملة التي أرسلها لمساعدة الليبيين ضد إغريق قوريني، فاندلع لهيب ثورة قومية سعادية للأجانب، حمل لواءها قائد مصري يدعي أماسيس (Amasis) ولم تنته هذه الثورة في عام 569 إلا بإعلانه شريكًا لأبريس في المك، لكن ابريس قبل بعد ذلك بثلاث سنوات وخلفه أماسيس وحده على العرش.

ارتقى أماسيس العرش بوصفه عدو الإغريق، لكنه كان أفطن من أن يحتفظ بهذه الصفة وكذلك من أن يصبح صديقًا حميمًا للإغريق وبخاصة أول الأمر، فنهج في سياسته طريقًا وسطًا. و لكي يرضى شعور الشعب ألغى معسكر دفنه ونقل جند هذا المعسكر إلى منف، حيث اتخذ منهم حرسًا خاصًا بحجة وضعهم تحت رابته، وأمر بأن ينزل في نقراطيس جميع الإغريق المدنيين المقيمين في مصر. وبالتدريج ازداد عطفه على الإغريق وضوحًا. ونستدل على ذلك من صداقته لبولوقرانس (Polycrates) طاغية ساموس وقرويسوس (Croesos) ملك لوديا، ومن هداياه الثمينة للمعابد الإغريقية، ومن اتخاذه زوجة له سيدة إغريقية قورينية لعلها كانت أميرة من أسرة باتوس ملوك قوريني.

وفي عهد أماسيس ساد الأمن والسلام في البلاد، فازدادت ثروة مصر نتيجة لرواج تجارتها شمالاً وشرقًا وجنوبًا كما ازداد عدد سكانها، وأنشئت عدة معابد كبيرة، وازدهرت العلوم والفنون حتى بلغت شأوا بعيدًا. وفي هذه الأثناء كان قورش يشيد صرح دولة فتية هي دولة الفرس التي أصبحت قوة يخشى بأسها بعد استيلاء قورش على ميديا في عام 550، مما أفزع قرويسوس ملك لوديا وحدًا به إلى محاولة درء هذا الخطر بتكوين حلف من ثلاث دول كبرى وهي لوديا وبابل ومصر. فما كان من قورش إلا أنه بادر إلى غزو لوديا ولم يواف عام 546 حتى كان قد استولى عليها، وشفع ذلك بالاستيلاء على كل الشواطئ الجنوبية لآسيا الصغرى، وفي عام 539 استولى على بابل، وبعد ذلك بقليل دخلت سوريا وفلسطين حظيرة الإمبراطورية الفارسية. وأما مصر فإنها كانت لا تزال مستمتعة باستقلالها عند وفاة أماسيس في عام 526.

الفرس يفتحون مصر:

وفي عصر أبستيك الثالث غزا قمبيز مصر، وتوج نفسه ملكًا عليها في مايو عام 525، واتخذ لقب فرعون ليكسب نفسه مركزًا شرعيًا في نظر المصريين، لكنه لم يلبث أن أثار عواطفهم بانتهاكه حرمة الديانة المصرية. وفي عام 522 خلفه دار على العرش، فأظهر بعد نظر وكياسة جدير بن بملك عظيم وزار مصر حوالي عام 518 حيث توج عليها فرعونًا. ولعل أهم بقايا عصره في مصر معبد هبيس في الواحة الخارجية. ويضاف إلى ذلك أنه أتم قناة نخاو وكانت تصل النيل بالبحر الأحمر، مخترقة وادي الطميلات. واتبع دارا سياسة التسامح ليمحو أثر الآثام التي أساء بها سلفه إلى المصريين.

الثورة المصرية الأولى على الفرس:

ومع ذلك فإنه ما كاد المصريون يعرفون أن دارا قد توفي حتى هبوا ثائرين ونصبوا خباش ملكًا عليهم في عام 485. وقد ساعد الأثينيون المصريين في ثورتهم لأن الفرس كانوا عدوًا مشتركًا للفريقين، ولا يزالون يشكلون خطرًا داهما على الإغريق كافة برغم فشلهم في غزو أثينا قبل هذه الثورة بخمس سنوات. وفي عام 484 أتى أجزركسيس (Xerxes) ابن دارا إلى مصر وأخذ الثورة وقضى على خباش، وفرض غرامة كبيرة على معبد بوتو (Buto) في الدلتا لأنه كان قد نادى بالثورة، وجعل حالة مصر أسوأ مما كانت عليه قبل، وضيق الخناق على المصريين فوضع فرسًا حتى في الوظائف غير الكبيرة. وإذا كان يرجح أنه قد كان بين جباة الضرائب الذين عجت بهم البلاد عندئذ كثيرون من المصريين، فلا شك في أنه كان بينهم أيضًا كثيرون من السوريين والبابليين والفرس، وكان كل همهم ملء خزانة الملك الأكبر. غير أن مصر، وقد أثرت ثراء كبيرًا في العهد الصاوي، بقيت غنية كذلك على الأقل في بداية العهد الفارسي برغم كل ما عانته من الغزو والمذابح والاضطهاد. وتشير الوثائق الكثيرة التي وجدت في مصر من عصر دارا إلى رفاهية البلاد ورخائها، لكننا لا نجد لهذه الوثائق نظائر بعد ثورة خباش والنير الذي وضعه أجزر كسير على رقاب المصريين. وكثيرًا ما نجد في الوثائق الأرامية التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس أسماء يهودية أو سورية أو بابلية، مما يشير إلى أن عدد كبيرًا ما نجد في الوثائق الأرامية التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس أسماء يهودية أو سورية أو بابلية، مما يشير إلى أن عددًا كبيرًا من صغار التجار الشرقيين قد تبعوا الفرس وجباتهم إلى مصر. ولاشك في أنه قد ترتب على الحروب الطويلة التي خاضتها الفرس في بداية القرن الخامس مع أثينا وحلفائها أن انقطعت تقريبًا تجارة مصر مع بلاد الإغريق مما عاد بضرر بليغ على نقراطيس، لكنه لا سبيل إلى الشك في أنه كانت لمصر تجارة واسعة برًا وبحرًا مع بلاد العرب وسوريا وفينيقيا وأيونيا، إلى جانب تجارتها المنكمشة مع بلاد الإغريق. وكان يقوم بنقل كل هذه التجار بحارة أو رجال قوافل من الأجانب. وفي هذا الوقت استقرت القبائل العربية النبطية في مدينة البتراء، حيث سيطروا على طريقين تجاريين أحدهما من خليج العقبة إلى فلسطين والآخر من مصر إلى بابل عبر جرها (Gerrha).

الثورة المصرية الثانية:

وفي عام 465 توفي أجزركسيس، فكان ذلك إيذانا بيدء ثورة جديدة في مصر للتخلص من النير الفارسي. وقد حمل لواء هذه الثورة أحد أمراء أسرة أبستيك وكان يدعى أيناروس (Inaros)، فطرد جباة الضرائب الفرس وأخيمنس (Achaemenes) نائب الملك، ولكن الحامية الفارسية انسحبت إلى منف فحالت دون انضمام وادي النيل إلى الدلتا. وعندما تحرج مركز ابناروس، لعجزه عن الحصول على مساعدة الوجه القبلي وعودة أخيمس على رأس جيش جديد، وفدت على مصر نجدة إغريقية. وبيان ذلك أن أسطولاً أثينيا مكونًا من مائتي مركب كان يقوم بأعمال حربية بالقرب من شواطئ قبرص وعندما علم القواد الأثينيون بثورة أيناروس بادروا بمد المعونة له، فقد كان هذا الأسطول على أتم استعداد لمساعدة أي عدو للفرس. وبفضل هذه المساعدة انتصر المصريون على العدو المشترك.

ولم يغادر الأثينيون مصر بعد ذلك بل بقوا سادة البلاد فحاول أرتجازركريكس (Artaxerxes) دون جدوى اغراء اسبرطة بغزو أنيقا لكي يضطر الأثينيون إلى الخروج من مصر. وأخيرًا أرسل الملك الأكبر جيشًا قويًا إلى مصر هزم المصريين وحلفاءهم وطرد الإغريق من منف وحاصرهم في جزيرة بروسويس (Prosopis) عامًا ونصف عام، حتى أاخضعهم (456) وقضى على أيناروس. وهكذا أخضع الفرس مصر ثانية. فيما عدا أميرتايوس (Amyrtaeos) “ملك الأدغال” الذي عجز الفرس عن القضاء عليه بسبب اتساع الأدغال، ولأن أهل الأدغال كانوا أكثر المصريين مقدرة على الحرب. وحدث أن أرسل الأثينيون خمسين مركبًا لنجدة قواتهم في مصر، فدخلت هذه المراكب فرع النيل المنديسي (نسبة إلى مندس Mendes = تل الربع قرب السنبلاوين بمحافظة الدقهلية) دون علم بما كان قد حدث، فهوجمت برًا وبحرًا ولم ينج منها سوى عدد قليل.

هرودوتوس يزور مصر:

وفي عصر أرتاجزركسيس الأول زار هرودوتوس مصر. ويرجح أن هذه الزيارة تمت بين عام 448، عندما عقدت أثينا الصلح مع الفرس، وعام 445، عندما كان في أثينا قبل ذهابه إلى ثوربى (Thurii) التي أشترك في تأسيسها عام 443، وكانت مصر تنعم إذ ذاك بالهدوء، لكنه كان هدوء منوك القوى المستسلم، ذلك أنه بوفاة الزعيم الأثيني قيمون (Cimon) وعقد صلح قالياس (Callias) في عام 448 انتهت المحاولات الأثينية لتحطيم قوة الفرس وشد أزر مصر، فنعم الفرس بفترة من الراحة أطالت أمدها الحروب البلوبونيزية بين أثينا واسبرطة (431-404).

ويحدثنا هرودوتوس بأن البلاد كانت في رخاء، لأن التجارة والصناعة كانتا رائجتين. برغم الضرائب الثقيلة المفروضة عليها وكان معدلها يزداد غالبًا دون وجه حق. ولا جدال في أن المصريين أثبتوا مراراً مقدرة غير عادية على النهوض بعد أي خطب نزل بهم، بيد أنه ازاء الثورتين العارمتين اللذين قاموا بهما ضد الفرس في خلال ربع قرن، وما واكب هاتين الثورتين من قتال وتخريب وما أعقبهما من مذابح واضطهاد وإزاء ما سنراه من الجهود التي اضطر البطالمة الأوائل إلى بذلها ـ بسبب ما ترتب على ذلك كله ـ للنهوض برافق مصر الاقتصادية. وإزاء ما يرويه هرودوتوس نفسه عن الضرائب الثقيلة يساورنا الشك فيما يحدثنا به هذا المؤرخ عن رخاء مصر حين زارها في أعقاب الثورة الثانية. ويبدو مما يرويه هرودوتوس أن أبواب البلاد كانت مفتوحة أمام السائحين الأجانب، وأنه كان في وسعهم زبارة المعابد وكل معالم البلاد دون صعوبة أو التعرض لأي خطر من الأهالي ولا يحدثنا هرودوتوس عن مشاهدته أي آثار للتخريب في الوجه القبلي، مما يبعث على الظن بأن الكفاح بين الفرس والمصريين كان مقصورًا على الدلتا وما يجاور منف.

ويبدو من رواية هرودوتوس أن مظاهر الحياة لم تختلف عما كانت عليه قبل ذلك بألفي عام وتشبه عن قرب في بعض النواحي ما هي عليه إلى اليوم، فإن وصف هرودوتوس لحفل ديني في بوباسطس يكاد أن يكون وصفًا لإحدى الحفلات الدينية التي تقام اليوم عن الاحتفال بمولد أحد “الأولياء”. وكان يوجد إذ ذاك كما يوجد اليوم السائحون والأدلاء ، فقد كان هرودوتوس سائحًا وكثيرًا ما كان ضحية لأحد الأدلاء الادعياء ومع ذلك فإن هردوتوس حصل على معلومات تاريخية قيمة، يبين أن مصدرها كان أحيانًا من حادثهم من الكهنة، لكنه يبدو أنه لم يلق الكثيرين من هؤلاء الكهنة. ولم يعتمد هرودوتوس على ما سمعه وحده بل اعتمد أيضًا على ما رآه بنفسه، ثم فسر ما توافر لديه من المعلومات حسبما تراءى له. ويعتقد بعض المؤرخين أن معلومات هرودوتوس عن مصر، على ما بها من أخطاء، ليست عديمة القيمة إلى الحد الذي يعتقده بعض آخر. وفي الواقع بالرغم من كل ما بهذه المعلومات من أخطاء تاريخية، فإنها تعطينا صورة حية لتاريخ مصر في القرن الخامس قبل الميلاد.

إغريق نابهون يزورون مصر:

ولم يكن هرودوتوس الإغريقي النابه الوحيد الذي زار مصر قبل الفتح المقدوني، فإن العلاقات القوية التي نشأت منذ العصر الصاوي بين مصر وبلاد الإغريق شجعت وفود الكثيرين من الإغريق على مصر، أما لمجرد الزيارة والاستطلاع وأما لتلقي العلوم، فيقال أن الفيلسوف الإغريقي طالس Thales زار مصر، ويرجح أنه أخذ عنها فكرته القائلة بأن الماء أحد العناصر الطبيعية الثلاثة، كما أنه تعلم في مصر أصول الهندسة والحساب. وإذا كان هناك شك في أن فيثاغورس وفرقودس (Pherecydes، وهراقليتوس Heraclitos وأنا كساجوراس Anaxagoras) زاروا مصر، فلا شك في أن أفلاطون زارها وتزود منها بالمعلومات كما تزود دموقريتوس (Democritos). ويرجح أن الفكرة الإغريقية عن الروح البشرية القائلة بأنها عبارة عن إنسان له رأس طائر قد أخذت عن مصر، لكنه يظن أن الإغريق لم يأخذوا شيئًا آخر عن مصر إذ ذاك إلى أن جاء عصر البطالمة.

ولم يدم صلح “الثلاثين عامًا” الذي عقد بين أثينا واسبرطة في عام 445 نصف تلك المدة، فقد اندلع لهيب الحرب البلوبونيزية في عام 431، لكن السلام كان سائدًا بين الفرس وبين أثينا واسبرطة، فلم يبال المصريون أكانت أثينا واسبرطة في حرب أم في صلح ما دامت هاتان الدولتان صديقتين للفرس. ووسط الحرب البلوبونيزية توفي أرتاجزركسيس في عام 424، لكن مصر ظلت هادئة حتى نهاية القرن الخامس.
وجدير بالذكر هنا وثيقة أرامية من أواخر هذا القرن عشر عليها في جزيرة الفئتين بأسوان، وهي عبارة عن شكوى كهنة الجالية اليهودية في الفئتين من القائد الفارسي في أسوان لأنه سمح لكنة الإله خنوم المصريين بتدمير المعبد اليهودي هناك ونهبه. وقد يرجع وجود هذه الجالية اليهودية إلى أواخر القرن السابع أو أوائل القرن السادس، عندما وقد كثيرون من اليهود على مصر، على نحو ما رأينا وسنرى فيما بعد.

الثورة المصرية الثالثة

وعندما انتهت الحرب البلوبونيزية في عام 404 بهزيمة أثينا، آلت زعامة بلاد الإغريق إلى اسبرطة، وهي التي وجدت نفسها بعد بضع سنين مشتبكة في صراع مع الفرس، فكان ذلك مواتيًا لمصر، وكانت قد ثارت على الفرس في عام 404، عقب وفاة دارا الثاني. وقد قاد هذه الثورة الجديدة أميرتايوس الثاني الذي حكم مصر ست سنوات لكن حكمه كان مزعزعًا، إلى أن اشتبكت اسبرطة مع الفرس، ولم يساعده على الاحتفاظ بملكه في خلال الشطر الأول من حكمه إلا اشتغال ارتاجزركسيس الثاني بخيانة أخيه قورش (Cyrus). وعقب انتصار الملك الأكبر على أخيه في عام 401، اشتبكت اسبرطة مع الفرس، إلا أن مالك مصر لم يلبث أن حاول اكتساب عطف الملك الأكبر المنتصر، فأثار بذلك عواطف المصريين وكانت معادية للفرس، مما دفعهم إلى خلع أميرتايوس في عام 398 والمناداة بنقريتس (Ne[herites) مكانه ملكًا على مصر وفي عام 396 جمع الملك الأكبر أسطولاً كبيرًا في فينيقيا، يرجح أنه كان يراد به إعادة فتح مصر. لكن اسبرطة وقد خشيت أن يستخدم هذا الأسطول للقضاء على سيادتها البحرية، عرضت في ذلك العام عقد معاهدة مع مصر، التي أصبحت مستقلة تمام الاستقلال، فرحبت مصر بذلك لتضمن معونة الإغريق إذ هاجمها الفرس.

وقد خلف نفريتس ثلاثة ملوك يعنينا منهم أمر ثالثهم وكان يدعى هاقوري (Hakori)، ففي عصره تحالفت مصر مع أفاجوراس (Evagoras) ملك قبرص عام 389، لكن هذه المحالفة حلت الفرس على الإصغاء إلى عروض اسبرطة لقعد الصلح، فقد أعيا اسبرطة نضالها في آسيا وتافت إلى السلم. وفي عام 388 انضمت أثنينا إلى محالفة مصر وقبرص. إلا أنه في عام 386 عقد صلح انتالقيداس (Antaleidas) بين الفرس واسبرطة ثم أثنينا وحلفائها. ولم تعن اسبرطة وأثينا بأن يشمل هذا الصلح مصر، وهي التي سعينا من قبل إلى التحالف معها.

وكان في استطاعة أرتاجزركسيس إذ ذاك أن يهاجم أناجوراس أو هاقوري أو كليهما إذا شاء، لكنه فضل أن يوجه هجومه الأول إلى مصر بين عامي 385 و383، غير أنه باء بالاخفاق. وقد أفلح أفاجوراس بمعاونة هاقوري وأثينا في مناوءة الفرس حتى هزم في البحر وحوصر في جزيرته فعقد صلحا مع الفرس في عام 380. وبعد ذلك بفترة قصيرة وراح ضحية مؤامرة وخلفه ابنه نيقوقلس (Nicocles).

وفي عام 378 توفي هافوري وخلفه نفريتس الثاني مدة أربعة شهور ثم ارتقى العرش نقتانبو الأول (Nectanebo). وقد حالت ظروف أرتاجزركسيس دون مهاجمة مصر قبل عام 364، عندما وجه إليها حملة قوية يشد أررها عدد كبير من المرتزقة الإغريق، إلا أن التوفيق لم يحالف هذه الحملة.
وعندما توفي نقتانبو الأول في عام 361 خلفه على عرش مصر ابنه تزدهور (Zednor = تاخوس Taehos) الذي انتهز فرصة انقسام الإمبراطورية الفارسية بعضها على بعض فأعد حملة لغزو سوريا. وقد استعان تزدهور بملك اسبرطة العجوز اجسيلاوس (Agesilaos) لتدريب جيشه، وبأمير البحر الأثيني خابرياس (Chabrias) لأعداد أسطوله، وانتزع جانبًا كبيرًا من دخل المعابد ليدفع أجر جنوده، مما أغضب المصريين. وعندما وصل الجيش إلى فينيقيا دب الخلاف بين الملك الاسبرطي وتزدهور، وكان المصريون قد ثاروا عليه في مصر، فلم يتردد أجسلاوس في عزل تزدهور إلى الفرس، وقرر الملك الجديد العدول عن الحملة والعودة إلى مصر لدعم مركزه هناك. وعندما استتب الأمر للملك الجديد بعد حرب حامية، غادر مصر أجسيلاوس وخابرياس، فقرر نقتانبو استئجار غيرهما لقيادة قواته، ففي ذلك الوقت كان لا يستطيع أي ملك عاقل الاشتراك في حرب دون استئجار الإغريق لمعاونته. ذلك أن مرتزقة الإغريق هم الذين كانوا يضطلعون بأكبر ابعبء في جيوش كافة القوى المصطرعة.

وفي عام 358 ارتقى العرش الفارسي ارتاجزركسيس الثالث (أوخوس Ochos)، وما كاد يوطد مركزه في إمبراطوريته حتى قرر بالهدوء بتسع سنين. وجدير بالذكر أن نقتانبو الأول والثاني انتهز سنين السلم لرعاية الفنون، فإن النهضة التي سمتاز بها النصف الثاني من فترة الاستقلال، وتثير اهتمامنا باعتبارها المقدمة والحافز للمنتجات الفنية الرائعة في عصر البطالمة الأوائل، لابد من أنها ترجع إلى رعاية هذين الملكين وإلى الإيحاء الذي بثه في الفنون استعادة الاستقلال وبلورة البلاد درجة كبيرة من القوة.

للفرس يستردون مصر:

ولما لم يكن في وسع أوخوس أن يحتمل رؤية مصر مستقلة، ذلك البلد الغني الذي يدر الخير العميم على صاحبه، وكانت في ن ظره ملك أجداده وتبعًا لذلك ملكه أيضاً، فإنه أخذ يعد جيشه أعدادًا حسنًا ويترقس الفرصة المناسبة لغزو مصر. وقد واتته فرصته عندما ثارت فينيقيا وقبره على الفرس بزعامة ملك صيدا، الذي وعده نقتانبو بالمساعدة وأرست إليه في عام 343 قوة من الجنود الإغريق يقودها إغريقي من رود يدعى متور (Mentor) لكن هذا القائد عندما علم باقتراب أوخوس وجيشه دخل مع الفرس في مفاوضات بعلم ملك صيدا. ومع ذلك حاصر الملك الفارسي صيدا، وعندما فتحت له أبوابها قتل ملكها وقبل منتو ورجاله في خدمته. وفي عام 343 زحف أوخوس على مصر يشد أن عدد كبير من الجنود الإغريق، وأفلح في اقتحام تحصينات الدلتا واستولى على منف، ففر نقتانبو إلى بلاد النوبة. وتحدثنا المصادر القديمة أوخوس بانتصاره بإهانة المصريين إهانة فاقت أعمال قمبيز، أسكن حساراً في معبد فتاح وذبح العجل أبيس وقدمه في مأدبة الاحتفال وقد استر حكم الفرس في مصر إلى أن فتحها الإسكندر في عام 332.

طبقات السكان وصفاتهم:

وإذا استعرضنا تاريخ مصر في خلال الثمانية القرون التي أعقبت عصر الملوك الكهنة فإننا نجد أن معظم سكان البلاد كانوا يتألفون من قوة مزارعين محافظين أشد المحافظة، لم تتغير عاداتهم وطباعهم منذ آلاف ؟؟؟ وملوك نباتا والأشوريين والفرس، وأعطى الليبيون والنوبييون أهل مصر ارستقراطية وأسر مالكة، لكن هؤلاء الغرباء اندمجوا في أهالي البلاد في الجوهر، ولم يحتفظوا إلا بمظاهر أصلهم الأجنبي مثل الاسم وما أشبه ذلك. ومن بين كل حكام مصر الأجانب كانت الأسر الليبية أطولها بقاء فإنها بدأت تسيطر على مصر في عهد الأسرة الحادية والعشرين، وبعد ذلك بسبعة قرون كان أمراء سايس لا يزالون يحملون اسم أبسمتيك، وهو الذي يبدو أنه كان ليبيًا. وكان أغلب طبقة المحاربين المصريين في خلال هذه الفترة من أصل ليبي، ولم يقض على العنصر الليبي إلا ظهور الجنود المرتزقة الإغريق والفتح الفارسي. ويبدو المزيج الليبي في الطبقة العليا قيل كل شيء بالإضافة إلى الأسرة المالكة، أما المزيج السامي والأناضولي والنوبي فيبدو غالبا في المدن. أما عنصر أهل الريف، وكان يتألف من غالبية أهل البلاد، فقد بقى بوجه عام مصريًا خالصًا وكذلك بعيدًا عن لاشوائب، لأن الانحلال لم يحل إلا بأهل المدن والطبقات الحاكمة في العواصم.

وقد مر بنا أن الأمة المصرية، برغم ما بلغته إذ ذاك من الثروة والأناقة والرقي الفني، كانت ضعيفة منحلة. إلا أن الأنصاف يقتضينا أن نذكر أن عنصر أهل الريف في الأمة لم يكن ضعيفً، وأنما كان عنصرًا وديعًا يحب السلام فيما عدا المنازعات المحلية بين القرى، حيث كان استعمال “النبوت” شائعًا. وعندما كانت تلك العصى الغليظة في قبضة فرعون حازم أو حاكم أجنبي قوي. فإن أهل الريف كانوا يخضعون له. ولم يقدر على قيادة العلاج خارج مصر. وأبعاده عن أرضه التي يعشقها سوى فرعون شديد. أو حافز قوي. وأما إذا كانت في البلاد حكومة ضعيفة أو إذا حلت بها الفاقة. فإنه كانت كالغاب المكسور لا تستطيع دفع فاتح شديد المراس إلا بالوسائل السياسية. ولا نسمع في هذه الفترة شيئًا جديدًا عن طبقة المزارعين، وفي الواقع يبدو أن أحوال هذه الطبقة لم يطرأ عليها أي تغير يذكر على مر العصور. وأما طبقة المحاربين من المصريين الخالصين، فإنها كانت طبقة ممتازة داخلها الغرور وأما كفايتها إلى حد أن الجنود المرتزقة الإغريق أصبحوا عماد الجيوش المثرية منذ بداية العصر الصاوي، وهوما تأباه كل دولة تحترم وتعتز بكرامتها. وأما طبقة الكهنة فإنها كانت أيضًا طبقة ممتازة، ؟؟ بأحقاد متبادلة بين المعابد المختلفة تمخضت عن تقطيع أوصالها.

وبالغرم مما أصاب الأمة المصرية من الانحلال السياسي، فإنها قوة الحيوية الكامنة فيها بمقدرتها العجيبة على النهوض سريعًا من الحروب المتكررة. وقد أظهر المصريون استمساكًا قويًا بتقاليدهم ليمكن القول بأن نظام الإدارة التقليدي احتفظ به دائمًا مع التعامل الضرورية، بأن النظام المعقد الذي نعرفه من أيام البطالمة والرومان معروفًا قبل ذلك وإنما بشكل أقل تعقيدًا.

وحتى الأسرة الثانية والعشرين كانت كل الوثائق تكتب بالهيوانية أما منذ عهعد ملوك نباتا فقد بدأ استعمال الديموتيقية. ولم يأت الأسرة السادسة والعشرين حتى كانت الديموتيقية تستعمل في كلٍ كافة الوثائق فيما عدا الدينية منها، فقد كانت تكتب الهيراتيقية ذلك فإنه قبل عهد البطالمة لم يوجد إلا قدر طفيف من بالديموتيقية.

وقد كان المصريون شديدي التمسك بدياناتهم، وهي تمتاز في الفترة بازدياد أهمية السحر وبنهضة دينية اصطبغت، كبقية نهضة العصر، يميل إلى القديم، مما أدى إلى أحياء “كتاب الموتى” و”نص الأهرام”، وقد أصبحت الديانة تصطبغ بصبغة جنازية تبعًا ؟؟ التي اكتسبوا أوزيريس على حساب آمون، فقد أخذ هذا الإله تدريجًا من مكانته السامية، وإن كان لا يزال يعتبر في العصر الصاوي “ملك الآلهة” ويحتمل أن تخريب طيبة في عام 663 وضع نهاية هذا الإله الدينية فقد خلفه أوزيريس منذ ذلك الوقت في مخيلة بمثابة الإله الذي يقدسه الجميع .

المزيد

http://history.egypt.com

بطليموس التاسع و العاشر و الحادي عشر

بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر يرتقي العرش:

وعند وفاة يورجتيس، كان ابنه الأكبر من كليوبترا الثالثة مقيمًا في قبرص، وكان شابًا يناهز الخامسة والعشرين من عمره، وكانت كليوبترا الثالثة تضمر لهذا الابن كراهية عميقة، إذ أن باوسانياس يحدثنا بأن التاريخ لا يعرف حالة أخرى كرهت فيها أم أبنها إلى هذا الحد. فلا عجب أنها كانت تفضل تنصيب أخيه الأصغر، الإسكندر، ملكًا أما لإنها كانت تحبه أكثر منه، وإما لاعتقادها أنه كان أضعف من أن يحد من سلطتها.

لكن الإسكندرييين، وقد  أدركوا ما يترتب على عدم احترام القوانين المألوفة لوراثة العرش من بذر بذور الشقاق والنضال، حالوا دون تتويج الإسكندر، وأرغموا كليوبترا على إسناد العرش إلى صاحبه الشرعي، فاضطرت إلى النزول على رغبتهم، وإلى أن تشرك معها ابنها الأكبر بطلميوس التاسع الذي اتخذ اللقب الإلهي فيلومتور سوتر، وأطلق الأهالي عليه لقب لاثورس (Lathyros) ومعناه “حمص”. ويبدو أنه عندما ارتقى بطلميوس التاسع عرش مصر، آثر أخوه الذهاب إلى قبرص للإقامة فيها، ولم يمض وقت طويل قبل إقامته حاكمًا على هذه الجزيرة. وبالرغم من أن لقبه الرسمي كان قائد الجزيرة، فإنه فيما يبدو كان يعتبر نفسه ملكًا في الواقع، إذ أنه عندما ارتقى عرش مصر فيما بعد، اعتبر أن حكمه يبدأ من العام الرابع من حكم أخيه بطلميوس التاسع (عام 114-113)، وهو التاريخ الذي يظن أنه عين فيه حاكمًا لقبرص.

ولم يكن ملك مصر الشاب، أول الأمر، في مركز يسمح له بمقاومة إرادة أ/ه، حتى أنها عندما أردات التنكيل به وطلبت إليه أن يطلق ابنتها كليوبترا الرابعة، وكان قد تزوجها في خلال حياة أبيه وبحبها حبًا شديدًا، أذعن لإرادة أمه (عام 115) وتزوج الأخت الصغرى، كليوبترا الخامسة سليني (Selene = القمر). وإزاء ما نعرفه عن طموح كليوبترا الرابعة وشدة مراسها، يبين أن كليوبترا الثالثة لم تنشد بأقصائها عن بطلميوس التاسع تعكير صفو حياته فحسب بل إخضاعه لإرادتها وتجنيب نفسها متاعب كالتي لاقتها أمها على يديها.
وقد أثبتت كليوبترا الرابعة أنها جديرة بسلسلة الملكات اللائيحملن اسم كليوبترا، إذ أنها لم تستسلم لمصيرها بل صمت على قهر أمها كما قهرت كليوبترا الثالثة أمها من قبل فهي لم تلبث أن ذهبت إلى قبرص لتكون لنفسها جيشاً من الجنود المقيمين هناك، لكن مصادرنا لا تساعدنا على معرفة الدور الذي قام به الإسكندر في هذه المسألة، ولا إذا كانت كليوبترا الرابعة قد فاتحته في الزواج منها، والعمل على ارتقاء العرش سويًا بالقوة، كما يفترض بعض المؤرخين الحديثين، إلا أنه يبدو أن الإسكندر أيدها بعض الوقت، ثم لم تلبث أمه أن كسبت وده بتعيينه حاكمًا لقبرص. وعلى كل حال فإن كليوبترا الرابعة لم تقم طويلاً في قبرص بل برحتها إلى سوريا لتعرض يدها وجيشها على أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس (Cyzicenos) ابن كليوبترا ثيا من أنطيوخوس السابع صيديتينس، وكان قد طرد من سرويا أخاه أنطيوخوس الثامن جروبوس، ابن كليوبترا ثيا ودمتريوس الثاني، وزوج كليوبترا تروفاينا، الأخت الكبرى لكليوبترا الرابعة.

وبتعًا لذلك فإن الحزب بين الأ×وين أصبحت حربًا بين الأختين أيضاً. وعندما خرج جروبوس من مأواه في أسبندوس وانتصر على أخيه واستولى على أنطاكية، كانت كليوبترا الرابعة في هذه المدينة لكنها فرت إلى معبد أبولو في دفنه. ويقال أن الملك المنتصر كان يعتزم العفو عن شقيقة زوجه، غير أن تروفاينا لم تشارك زوجها هذا العطف على أختها وأمرت بإعدامها (عام 112). و يقال أيضاً أن يدي كليوبترا الرابعة قطعت لانتزاعها من المذبح المقدس الذي تعلقت به، وأنها لفظت نفسه الأخير وهي تستمطر اللعنات على أختها، التي لم تلبث أن لقيت حتفها في العام التالي، عندما وقعت في بضة قوزيقنوس الذي قتلها لتهدئة روح أختها (عام 111). وقد أخذت المملكة السورية في الإنهيار نتيجة لانقسامها بين الأخوين، إذ أن جروبوس كان يحكم سوريا السلوقية وقوزيقنوس جوف سوريا. ووسط انهيار السلطة المركزية، أخذت المدن الإغريقية في سوريا تتصرف باطراد كما لو كانت دولاً مستقلة وتحارب أو تتحالف مع بعضها بعضًا كما يحلو لها، وانفصلت قوماجيني (Commagene) عن الدولة، وأصبحت قيليقيا مأوى للقراصنة، وازدادت قوة النبط وكذلك إمارة اليهود، التي أخذت تتابع فتوحاتها في كنف حاكمها وكاهنها الأكبر هورقانوس (Hyrcanos).

انفجار الصراع في أسرة البطالمة، طرد بطلميوس التاسع ليخلفه العاشر:

وقد أفضت أحداث سوريا إلى انفجار الصراع الكامن في أسرة البطالمة، ذلك أن قوزيقنوس حاول عبثًا طرد جروبوس من دمشق والدفاع عن مدن مملكته من اعتداء اليهود عليها. وعندما حاصر اليهود مدينة ساماريا (Samaria) الإغريقية في أواخر أيام هورقانوس، واستغاثت بقوزيقنوس وهزمه اليهود، ناشد مساعدة بطلميوس التاسع (عام 108) فأرسل إليه جيشًا مكونًا من 6000 رجل، لكنه لم يكن نصيب هذه النجدة سوى الهزيمة، وقتل أحد القائدين اللذين تركهما قوزيقنوس أمام ساماريا، واشترى اليهود خدمة الآخر، واستولوا على المدينة وذبحوا أهليها.

وقد أثار تصرف بطلميوس التاسع غضب كليوبترا الثالثة فصممت على تدبير خطة تؤدي إلى أن يخلع الشعب الملك الذي فرضه هذا الشعب عليها. وذات يوم جرى بعض خصاة القصر في الشوارع منخضبين بالدماء وهم يتصايحون بأن الملك أراد قتل أمه وأنهم جرحوا في أثناء دفاعهم عنها. وقد ألهبت هذه المسرحية عواطف الشعب فسارع إلى القصر للقضاء على ذلك الملك العاق، لكنه تمكن من الهرب بحرًا تاركًا وراءه زوجه وابنيه (عام 107).

وعندئذ استدعت كليوبترا ابنها الإسكندر بطلميوس العاشر وأشركته معها. وإذا كانت آخر وثيقة وصلت إلينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس فيلومتور سوتر مؤرخة في 23 من أكتوبر عام 107، فإن أول وثيقة لدينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس اسكندر  الأول ترجع إلى 15 من نوفمبر عام 107، ومن ثم فإن طرد بطلميوس التاسع يكون قد وقع بين هذين التاريخين. وتشير القرائن إلى أن هذا الملك كان قد خلع مرتين قبل ذلك:

أحداهما لمدة بضعة شهور في أواخر عام 110، والآخر لمدة بضعة شهور أيضاً في النصف الأول من عام 108. وقد سارع الرومان إلى الاعتراف بالملك الجديد، ولا شك في أنه كان يسرهم أن يروا الأسر المالكة في شرق البحر المتوسط تسعى إلىح تفها بظلفها.

ولا يفوتنا أن نبين هنا أن كليوبترا قد غضبت من تصرف ابنها لثلاثة أسباب: أولها، هو أنها كانت تميل إلى جروبوس وتكره قوزيقنوس،  فهي لم تغفر له زواجه من ابنتها كيلوبترا الرابعة التي خرجت على طاعتها. والسبب الثاني هو أنه كان ليهود بيت المقدس الذين ازدادت قوتهم زيادة كبيرة تأثير على يهود الإسكندرية، ولاشك في أن هؤلاء قد أغضبهم أن يخف بطلميوس التاسع إلى مساعدة قوزيقنوس على بني جلدتهم، ويظهر أن كليوبترا كان تتطلع إلى الاستعانة بيهود الإسكندرية، لتأييدها في الصراع الداخلي، وبيهود بيت المقدس للتدخل في سوريا تدخلاً مثمراً، ولذلك اقتفت كليوبترا سياسة أبويها، فيلومتور وكبيلوبترا الثانية، في التودد إلى اليهود، ولم تتبع سياسة فيلوبانور ويورجتيس الثاني المناهضة “لشعب الله المختار”. والسبب الثالث، هو أن أقدام الابن على سياسة تعارضها الأم ينهض دليلاً على إفلاته من قبضتها وتحديه لها تحديًا سافرًا لم يكن في وسعها تجاهله، إلا إذا كانت مستعدة للنزول له عن سلطتها، وهذا أمر لم يدر طبعًا بخلدها.

وقد فر لاثوروس هاربًا إلى قبرص فأرسلت أمه قوة ضده. بيد أنه إذا صح ما يوريه يوستينوس، فإن لاثوروس أبى الاشتراك في حرب سافرة مع أمه، وفضل على ذلك الانسحاب إلى سلوقية قرب مصب نهر العاصي، لكن أمه أبت أن تتركه في سلام وجدرت حملة لطرده من تلك المدينة، ومعلوماتنا عن هذه المطاردة محدودة، فهي مقصورة على ما يرويه ديودوروس من أن الملك الطريد كشف أن أحد أصدقائه كان يتآمر ضده فألقى القبض عليه ولم يعد يعد ذلك يثق في أحد. بيد أننا نعرف أن لاثوروس عاد بعد وقت قصير إلى قبرص وأن أمه اخفقت في طرده من تلك الجزيرة.

دولة اليهود:

وقد أصبحت دولة اليهود، صديقة روما، أقوى جزء في سوريا. إذ أنه في نهاية عهد هورقانوس كان اليهود يملكون كل الإقليم جنوبي الكرمل، فيما عدا مدن الساحل: عكا وعمقلان وغزة ودورًا وستراتونوبورجوس (Stratonopyrgos) وعندما توفي هورقانوس خلفه ابنه أريستوبواوس (Aristobolos) لكنه لم يحكم إلا عامًا واحدًا (104-103)، لأنه قتل أمه وأخاه فقضى عليه وخز الضمير، غير أنه في خلال حكمه القصير أرغم الجليليين بحد السيف على اعتناق اليهودية. وبعد وفاته أقامت أرملته سالومي (أو سالينا) ابنًا آخر لهورقانوس يدعى يانايوس (Jannaios) اسكندر، يبدو الآن محققًا أنه كان أول من اتخذ لقب ملك في دولة اليهود الجديدة. ويمكن تتبع اتجاهين هامين في دولة اليهود منذ أن فازت باستقلالها حتى نهاية حكيم يانايوس اكندر، وهما ابتعاد أسرة هاسمونايوس الحاكمة تدريجيًا عن حزب القديسين، واتساع نطاق هذه الدولة تدريجيًا بالفتوحات.  وقد بلغ هذان الاتجاهات ذروتهما في عهد يانايوس، حين امتدت حدود دولة اليهود حتى كادت تطابق حدود مملكة داود.

بطلميوس التاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة يحاولون استرداد جوف سوريا:

وعندما حاصر يانايوس إسكندر مدينة عكا، استغاثت هذه المدينة بطلميوس التاسع (عام 104) فرأى هذا الملك الطريد في ذلك فرصة فريدة لدخول مصر ثانية عن طريق سوريا، كما حاولت زوجة الأولى كليوبترا الرابعة من قبل. ولعله رأى في ذلك أيضاً فرصة لاسترداد جوف سوريا. وتبعًا لذلك فإنه خف إلى عكا على رأس جيش جمعه في قبرص، يحدوه الأمل ويشجعه ما أنهاه إليه سفراء عكا من أنه سيلقى عونًا من المدن الإغريقية الساحلية. لكنه في اللحظة التي نزل فيها إلى البر، علم أن عكا قد غيرت رأيها إلى حد أنها رفضت استقباله، إذ أنه في هذه الدولة السلوقية المقطعة الأوصال كانت المدن أو الأمراء دائمًا على استعداد للإستغاثة بقوى جيرانهم البطالمة، لكن هذه القوى كانت لا تكاد تظهر حتى يثير الخوف وسوء الظن أولئك المتغيثين. وقد جرب ذلك فيلومتور ومن بعده بطلميوس التاسع. وعندئذ عمل ذلك الرجل الماهر يانايوس على شراء خدمات بطلميوس التاسع بمبلغ كبير قدره 400تالنت، وحضه على الاستيلاء على إقليم زويلوس (Zoilos) طاغية استراتونوبورجوس لإعطائه لليهود. وفي الواقع استولى بطلميوس على شخص الطاغية، لكنه علم أن يانايوس كان يتفاوض في الوقت نفسه مع كليوبترا الثالثة، فزحف ضد الملك اليهودي وأنزل به عند أسوفون هزيمة فادحة كانت عبارة عن مذبحة مروعة. وتشويها لسمعة بطلميوس نشر اليهود قصة فحواها أنه لكي يبث بطلميوس الرعب في نفوس خصومه أمر بأن تقطع النساء والأطفال إربًا، والتهم الجنود هذه الأشلاء بعد طهيها. ولم يستح المؤرخ اليهودي يوسف أن يردد هذه القصة التي تثير السخيرة. وبعد ذلك استولى بطلميوس عنوة على عكا. وكان طبيعياً أن كليوبترا الثالثة شهرت السلاح ضد أبنها، إذ لابد من أنها فطنت إلى نواياه وأدركت ما قد تجنيه من وراء حملة سوريا، ولذلك فإنها تحالفت مع يانياوس وجروبوس الذي زوجته كليوبترا سليني.

ولما كانت كليوبترا الثالثة قد أودعت الجانب الأكبر من كنوزها ووصيتها وأحفادها في حراسة معبد أسقلبيوس بجزيرة قوس، فإن هذه الاحتياطات تدل على إدراكها أنها بخروجها من مصر هي والملك والجيش والأسطول وترك مصر دون دفاع والإكندريين طليقين من كل قيد، كانت مقدمة على مخاطرة جسورة. ولا شك في أنه لم يدفعها إلى ذلك إلا الأمل في الفوز بجوف سوريا. وقد فطن إلى هدفها أعداؤها وأصدقاؤها جهودهم في صدها ولم يتحمس يانايوس وجروبوس لتحقيق هدفها. وقد طاردت بطلميوس التاسع الجيوش المصرية بقيادة خلقياس (Chelkias) وأنانياس (Ananias) وكذلك الأسطول بقيادة بطلميوس العاشر الإسكندر الأول. لكن وفاة خلقياس أخرت المطاردة وأتاحت لبطلميوس لانوروس فرصة الهرب جنوبًا صوب غزة. ومع ذلك فإن كليوبترا استولت على عدة من المدن الساحلية ووصلت حتى عكا، حيث خف يانايوس لتحية ملكة مصر.

ويروي المؤرخ يوسف أن بعض “الأصدقاء” أو عزوا إلى كليوبترا بخلع يانايوس والاستيلاء على مملكته، لكن أنانياس نصحها بعدم الإقدام على ذلك العمل الذي كان لابد من أن يفقدها صداقة اليهود قاطبة، فأصغت إلى هذه النصيحة وعقدت مع يانايوس محالفه أطلقت يده في تحقيق أطماعه. وفي تلك الأثناء كان لاثوروس قد وصل إلى غزة وعجزت كليوبترا عن ضم هذه المدينة إلى جانبها، فقد كانت غزة خصمًا عنيدًا لليهود ومن يحالفهم. ومن غزة تابع لاثوروس زحفه صوب مصر مؤملاً مفاجأتها قبل عودة جيش كليوبترا إليها، لكن كليوبترا ما كادت تعلم بزحفه حتى أرسلت جانبًا من جيشها بحرًا فبلغ بلوزيون قبل وصول لاثوروس إليها، مما اضطره إلى الانسحاب إلىغ زة حيث قضى الشتاء مع جيشه الصغير. وانتهى الأمر بعودته إلى قبرص، وعودة كليوبترا الثالثة إلى الإسكندرية (حوالي عام102)، بعد شهور طويلة من حرب لم يتنفذ منها إلا اليهود، الذين انقضوا بعد ذلك على المدن التي كانت لا تزال حرة، وهي جادارا (Gadara) في وادي الأردن، وعسقلان وغزة على الشاطئ. وقد تبع الإستيلاء على غزة (عام 96) مذابح مخيفة، ثم عاد بانايوس إلى بيت المقدس بعد أن حول هذا الشاطئ المزدهر إلى صحراء بلقع.

وفاة كليوبترا الثالثة:

ولم تعمر كليوبترا الثالثة طويلاً بعد محاولتها السورية غير المجدية، إذ أنها توفيت فيما بين 14 و26 من أ:توبر سنة 101 ق.م. ذلك أنه ورد ذكر كليوبترا الثالثة بوصفها شريكة بطلميوس إسكندر في وثيقة ترجع إلى التاريخ الأول، في حين أنه منذ التاريخ الثاني أخذت الوثائق تذكر هذا الملك مع برنيقي الثالثة ابنة بطلميوس التاسع. وبوفاة كبيوبترا الثالثة أصبح بطلميوس العاشر إسكندر الأول ملك مصر اسمًا وفعلاً. ولا نكاد نعرف شيئًا عن هذا الملك، الذي يحدثنا معاصره بوسيدونيوس (Posidonios) الرودسي بأنه كان كأبيه “البطين” منتفخًا من الشحم، إلى حد أنه كان يعجز عن المشي إلا إذا سنده خادم من كل جانب لكنه إذا شرب حتى ثمل أظهر رشاقة فائقة في أداء الرقصات الخليعة. ويتهمه يوستنيوس وباوسانياس وأثينايوس بقتل أمه. ويروي لنا يوستينوس كيف أن هذه الجريمة أثارت غضب الإسكندريين على الملك، إلى حد أنهم ثاروا عليه وطردوه من الإسكندرية. ولسنا نعرف عن يقين إذا كانت كليوبترا الثالثة قد ماتت ميتة طبيعية أم أن ابنها عجل بموتها، لكنه من المؤكد أن وفاتها لم يتمخض عنها طرد ابنها، أو على الأقل أن ابنها لم يطرد عقب وفاتها مباشرة، فقد انقضى بين الحادثتين أثنا عشر عامًا تقريبًا. ولا نعرف شيئًا عن أحداث مصر في هذه الفترة، وأما عن سوريا فإنه قضت على جروبوس طعنات وزيره هيراقليون وتزوجت أرملته سليني من منافسه قوزيقنوس (عام 96)، الذي هزمه وقتله سلوقس السادس أين أخيه، إذ أن فرعي هذه الأسر المنكودة كانا في حرب مستمرة. وقد أفاد الرومان من هذا الاضطراب، فضموا قيليقيا بعد أن أصبحت مأوى للقراصنة.

بطلميوس أبيون يورث قورينايئة لروما:

ويبدو أن أبيون قنع بحكم قورينايئة دون الاستقلال بها إلى أن انفجر الصراع بين كليوبترا الثالثة وبطلميوس التاسع، فأعلن أبيسون استقلاله في عام 107 عندما طرد من الإسكندرية بلطميوس التاسع وهو الذي كان أبيون قد تهد بالاعتراف له بالسيادة. ويبدو كذلك أنه لكي يؤمن أبيون استقلاله ويفوز بتأييد روما، اقتفى أثر أبيه في عام 155 فأوصى بقورينايئة لروما من بعده. وتبعًا لذلك فإنه عندما توفي في عام 96 آلت مملكته إلى روما، فكانت قورينايئة أول جزء  من إرث البطالمة يقع في قبضة روما، غير أنها لم تباشر في الحال حكم قورينايئة، بل سمحت لمدنها الخمس بأن تتولى بنفسها إدارة، أو على الأصح، سوء إدارة شئونها. وقد اكتفت روما بالاستيلاء على أملاك التاج هناك، وبفرض ضريبة على النبات الطبي سيلفيون (Silphion) وكان محصول قورينايئة الرئيسي. ولم تصبح قورينايئة ولاية رومانية إلا في عام 74 ق.م.

طرد بطلميوس العاشر:

وفي عام 89 ق.م كان بطلميوس العاشر، بسبب سلوكه وخوار عزيمته إزاء ضياع قورينايئة، قد أصبح شخصية كريهة، إلى حد أن الإسكندريين ثاروا عليه، وانضم الجيش إلى الثوار فرأى نجاته في الفرار من البلاد. وعندما استطاع بعد ذلك بقليل استرداد الإسكندرية بمساعدة قوة من المرتزقة، ثار عليه الإسكندريون وطردوه ثانية. فقد انفجر مرجل غضبهم عليه، لأنه سطا على مقبرة الإسكندر الأكبر واستولى على التابوت الذهبي الذي دفن فيه، لكي يتمكن من دفع أجور جيشه الجديد. وقد فر بطلميوس العاشر إلى لوقيا ومعه زوجه الملكة برنيقي الثالثة وابنته، لكنه لم يلبث أن هلك في معركة بحرية وهو يحاول، في رأي البعض، الوصول إلى قبرص، وفي رأي البعض الآخر، استعادة مصر من جديد (عام 88).

بطلميوس  التاسع يسترد عرشه:

وبوفاة بطلميوس العاشر خلا الجو لأخيه الأكبر بطلميوس التاسع، الذي اسدعاه الإسكندريون ليتولى ثانية حكم مصر وقبرص. ولما كانت آخر وثيقة مؤرخة باسم بطلميوس إسكندر ترجع إلى 6 من سبتمبر عام 88، وكانت قد وصلت إلينا من منطقة طيبة وثيقة بتاريخ 4 من أ:توبر عام 88 ومؤرخة باسم بطلميوس فيلومتور سوتر، فإن هذا يدل على أنه في خلال الفترة الواقعة بين هذين التاريخين طرد الأول واستعاد الثاني عرشه.

ولما كان بطلميوس التاسع قد بلغ عندئذ الرابعة والخمسين تقريبًا، وكانت لأحداث قد ملأت نفسه مرارة، فإنه للوفاء بمقتضيات التقاليد التي كانت تحتم وجود زوجين على العرش لم يفرك في الزواج من جديد وإنما استدعى من لوقيا ابنته برنيقي الثالثة وهي التي كانت زوجة بطلميوس العاشر، وأشركها معه في الملك وعرفاً سويًا باسم الإلهين فيلادلفوس فيلومتورس سوترس.

وفي الحال أقلق بال بلطميوس التاسع في خلال الفترة الثانية من حكمه ثورات المصريين، فزحف (عام 88) على طيبة، معقل الثورة، واشتبكت قواته معها في حرب دامت ثلاث سنوات وانتهت بتخريبها (عام 85). وفي ذلك الوقت كانت الحرب مستعرة بين روما وميثريدانس يوباتور ملك بونتوس. وكانت سياسة مصر تؤثر السلامة والعافية، فقد كانت تنطوي على الحياد إلى أن تتبين لها نتيجة هذا الصراع العنيف. وكان لسياسة الإسكندرية بعض العذر في ترددهم، فقد كان لا يتيسر لأحد عندئذ أن يتنبأ بالمستقبل، ويعرف أكانت روما أم بونتوس هي التي ستصبح أقوى دولة في الشرق الأوسط. ذلك أنه في عام 88 قهر ميثريدتيس جيشًا رومانيًا في آسيا الصغرى، واستولى على  ولاية آسيا الرومانية، وأرسل قوة إلى بلاد الإغريق، حيث ثارت أثينا على روما، ومع ذلك فإن روما كانت لا تزال قوة يخشى بأسها. وفي خلال تقدم ميثريداتس غربًا، استولى على قوس، فوقع في قبضته أحفاد كليوباترا الثالثة والكنوز المصرية، وكانت كليوبترا الثالثة قد أرسلتها إلى هذه الجزيرة مع أحفادها لتكون الكنوز وهؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان ابنى بطلميوس التاسع وكذلك ابن بطلميوس العاشر من زوجة لا نعرف من كانت، وإن كان البعض يظن أنها كليوبترا الرابعة إذا صح أنها تزوجت بطلميوس العاشر مدة وجيزة في الفترة بين انفصالها عن بطلميوس التاسع وزواجها من أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس، ولكننا نستبعد ذلك لأننا لا نعقل أقدام  بطلميوس العاشر على تحدي أمه بالزواج من أخته بعد أن طلقها أخوه الأكبر بأمر الأم. ويفسر بقاء ابن بطلميوس العاشر طوال هذه المدة في جزيرة قوس بعدم اطمئنان أبيه إلى مركزه على عرش مصر في تلك الأثناء ولعل هذا يفسر أيضاً الاحتفاظ بالكنوز المصرية في قوس. وعقب وفاة بطلميوس العاشر، كان ابنه هذا وابنا عمه هم الورثة الشرعيون لعرش مصر بعد بطلميوس التاسع، ولذلك فإنه كان يقلق بال الإسكندرية وقوعهم في قبضة ملك بونتوس.

وعندما تولى النبيل الروماني صلا قيادة الحرب ضد ميثريداتس، وأخذ يضيق الخناق على قوات ميثريداتس في بلاد الإغريق، كان ميثريداتس لا يزال قوة يخشى بأسها، هذا إلى أن مقاليد الأمور في روما لم تلبث أن انتقلت إلى الشعبيين خصوم صلا الذين اعتبروه عدوًا للدولة. ولما كان يتعذر عندئذ التنبؤ سواء بنتيجة الصراع الراهن بين ميثريداتس وصلا أم بنتيجة الصراع المقبل بين صلا وخصومه الرومان، فإن مصر وغيرها من الدولة الموالية لروما كانت لا تميل إلى توريط أنفسها بتقديم مساعدات كبيرة إلى صلا خشية اغضاب ميثريداتس من ناحية والحكومة الرومانية المناهضة لصلا من ناحية أخرى. وتبعًا لذلك فإنه في شتاء عام 87/86، حين كان صلا يحاصر أثينا، وجاء رسوله لوقولوس (Locullus) ى الإسكندرية يطلب إمدادًا من السفن، أحسن بطلميوس التاسع استقباله، لكنه لم يعطه إلا عددًا قليلاً من السفن لتصحبه حتى قبرص (عام 86)، وإن كان قد عرض عليه عدة هدايا لم يقبل منها لوقولوس إلا حجرًا كبيرًا من الزمرد عليه صورة للملك، رأى من الحكمة ألا يرفضه خشية أن يغضب الملك فيوعز بقتله في عرض البحر، مما يشير إلى الفكرة التي كونها المبعوث الروماني عن أخلاف الملك. بيد أن الأثينيين أفاضوا في امتداح بطلميوس التاسع بسبب سخائه في مساعدتهم على إعادة بناء مدينتهم، بعد الأهوال التي أنزلها صلا بأثينا انتقامًا من خروجها على طاعة روما. وقد شهد باوسانياس بعد ذلك بقرنين التمثالين اللذين أقامهما الأثينيون لبطلميوس التاسع فيلومتور سوتر وبرنيقي الثالثة عند مدخل الأوديون (Odeon). وقد توفي هذا الملك في الثانية والستين تقريبًا من عمره، في أواخر عام 81 أو أوائل عام 80 ق.م، وكان يشوبه شيء من الضعف وميل إلى القسوة، لكنه كان بريئًامن الأطماع الجامحة.

مصرع برنيقي الثالثة وبطلميوس الحادي عشر:

وعندما توفي بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر دون أن يوجد في مصر من سلالته الشرعية سوى ابنته برنيقي الثالثة، آل الملك إليها بمفردها. ولم يعترض الإسكندريون على ذلك، لأنهم كانوا يحبونها حبًا جمًا، ويخشون تجدد الخلافات الأسرية إذا أثاروا مشكلة حق إمرأة لا زوج ولا وريث لها في التربع على العرش بمفردها، فأثروا الهدوء والسكينة على مراعاة التقاليد مراعاة دقيقة.

ويحدثنا باوسانياس بأن برنيقي كانت الذرية الشرعية الوحيدة التي أنجبت بطلميوس التاسع. ومعنى ذلك أن ابنيه اللذين كانا في قوس، وأصبح أحدهما ملك مصر بطلميوس الثاني عشر والآخر بطلميوس ملك قبرص، لم يكونا شرعيين. لكن يوستينوس يحدثنا بأن بطلميوس التاسع أنجب ولدين من كليوبترا سليني. وفي نقش من قورينايئة ورد ذكر ابن بطلميوس التاسع من كليوباترا سليني. ويحدثنا شيشرون بأن بطلميوس الثاني عشر كان ابنًا شرعيًا لبطلميوس التاسع. وإزاء هذه القرائن نرجح أن ابني بطلميوس التاسع (وهما اللذان كانت كليوبترا الثالثة أرسلتهما إلى قوس حوالي عام 103 محافظة على سلامتهما ثم وقعا في قبضة ميثريداتس) كانا ابنين شرعيين. ويبدو لنا أنهما لو كانا غير شرعيين لما عنى ميثريداتس بأن يخطبهما لابنتيه على نحو ما سنرى، ولما عنيت كليوبترا الثالثة بإرسالهما إلى قوس مع الابن الشرعي لعمهما. وإذا كان من الواضح أنها أرسلت ابن بطلميوس العاشر محافظة على سلامته، فلعل الغرض الظاهر من إرسال ابني بطلميوس التاسع كان أيضًا المحافظة على سلامتهما، لكنه لعل الغرض الحقيقي كان الخوف من أن ينتهز خصومها فرصة تغيبها عن مصر فيتآمروا على إقامة أحدهما ملكًا.

وقد مر بنا أنه عندما استولى ميثريداتس على قوس (عام 88) وقع في قبضته أولئك الشبان الثلاثة، لكن ابن بطلميوس العاشر تمكن من الفرار والانضمام إلى ثلا الذي أخذه معه إلى روما (عام 83). وعندما توفي بطلميوس التاسع. كان صلا قد أصبح دكتاتور روما وسيد العالم الروماني. ولا أدل على مدى ما وصل إليهالنفوذ الروماني في مصر من أنه عندما قرر صلا أن يقيم على عرشها صنيعة له يلوذ بحمايته، وأرسل بعد وفاة بطلميوس التاسع ببضعة شهور بطلميوس إسكندر الثاني، إلى الإسكندرية مزودًا بأمر منه، لم يكن في وسع الإسكندريين مناهضته، فنؤدي بهذا الشاب ملكًا “بطلميوس الحادي عشر إسكندر الثاني” وتزوج برنيقي الثالثة ابنة عمه، وكانت أيضًا زوج أبيه فيما مضى. ولسنا نعرف إذا كان هذا الزواج قد تم بناء على توصية صلا بقصد التوفيق بين فرعي الأسرة، أو أن الإسكندريين هم الذين فرضوه على الملك الجديد، فقد جرت التقاليد بأن يتخذ الملك لنفسه زوجة من الأسرة المالكة، ولم تبق في مصر سيدة من نسل البطالمة الشرعي سوى برنيقي. وفضلاً عن ذلك فإنه وفقًا لأحكام القانون الخاص الإغريقي كان يجب على الوريثة أن تتزوج أفرب أقاربها حفاظًا على الإرث في الأسرة.

ويبدو أن برنيقي لم تعبأ بهذا التغير، لاعتقادها بأنها ستستطيع السيطرة على زوجها الصغير ووضع كل السلطة الفعلية في قبضتها، إذ أنه لم يكن معقولاً ولا مكنًا أن تنزل تلك الملكة طائعة عن السلطة التي تمتعت بها مدة طويلة، لكن بطلميوس الحادي عشر، برغم صغر سنه، كان مصممًا على أن يكون ملكًا اسمًا وفعلاً. ولذلك فإنه سرعان ما ضاق ذرعًا بزوجه وقتلها في اليوم التاسع عشر من زواجه منها، دون أن يدخل في حسابه الإسكندريين الذين أثارهم مقتل ملكتههم المحبوبة إلى حد أنهم انقضوا على القصر في الحال، وجروا الملك منه وقتلوه في الجومنازيوم، فلم يدم حكمه أكثر من تسعة عشر يومًا.

ضياع إمبراطورية البطالمة وتغلغل النفوذ الروماني في مصر:

ويتضح بجلاء مما مر بنا أنه منذ أن فقد البطالمة إمبراطوريتهم على عهد بطلميوس الخامس، اقتصرت سياستهم الخارجية ـ بقدر ما سمحت لهم الثورات القومية  والمنازعات الأسرية والسياسة الرومانية ـ على محاولة بلطميوس السادس والتاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة استرداد جوف سوريا، لكنهم باءوا بالفشل وفقدوا أيضًا قورينايئة. وقبل فشل بطلميوس السادس في استرداد جوف سوريا، نكب بهوجوم أنطيوخوس الرابع الذي لم ينقذ مصر من براثنه إلا تدخل روما، لا حبًا في استقلال مصر، ومن ثم فإن البطالمة أصبحوا يدينون لروما بعرضهم. ولا أدل على ذلك من اعتماد كل من بطلميوس السادس والثامن على روما لتأييد قضيته في أثناء نزاعهما، فلا عجب أن أفضى ذلك كله إلى ازديايد نفوذ روما في مصر. وينهض دليلاً على هذا النفوذ إقامة بطلميوس الحادي عشر على عرش مصر بأمر صلا.وإذا كانت روما قد انتهزت كل الفرص لتسيطر على السياسة المصرية في الداخل وفي الخارج، فإن مصر كانت لا تزال تحتفظ باستقلالها على الأقل في الظاهر. وعندما وقع الشرق تدريجيًا في قبضة الجمهورية الرومانية، أصبح مصير مصر مثل مصير باقي العالم الهلينيسي متوقفًا على مصير الصراع بين الأحزاب في روما، على نحو ما سنرى.