كاليجولا

كاليجول عندما ارتقى الإمبراطور كاليجولا عرش الإمبراطورية فإن نتائج ضعف السلطة المركزية للإمبراطورية سرعان ما وضحت في الإسكندرية حيث اشتعلت العداوة القديمة الكامنة والمكبوتة بين الإغريق واليهود . وقد كانت إشارة تفجر هذه العداوة هي وصول أجريبا إلى الإسكندرية في طريقه لتقلد أمور المملكة التي آلت إليه بحكم صداقته للإمبراطور .

إن رواية اليهود لما أعقب ذلك – كما يرويها فيلون وجوسيفوس – تلقى باللوم كله بطبيعة الحال على الإغريق، ولكن ربما يلاحظ أن زيارات أجريبا وولده للإسكندرية كانت دائمًا ما تتزامن مع أحداث الشغب. وقد كان الملك المعين حديثًا معروفًا جيدًا لدى المرابين السكندريين، وكان في ارتقائه المفاجئ من الإفلاس إلى العرش ما أتاح الفرصة للغوغاء أن يتندروا به في دعابة فجة فألبسوا أحد الحمقى المعتوهين تاجًا ورقيًا وقادوه في الطرقات مستهزئين بالملك محدث النعمة. وقد بدأت الاضطرابات عندما تأكد الإغريق من أن أجريبا سوف يعرض قضية اليهود أمام صديقه الإمبراطور فشرعوا في إيجاد تبرير لأفعالهم بدعوى أن اليهود قد أغفلوا أمر كاليجولا بإقامة تماثيل له في كل المعابد وأن يدخلوا المعابد اليهودية بغرض إقامة هذه التماثيل فيها. وبهذه الحيلة السياسية اصطنع السكندريون الوالي إلى جانبهم وحرضوه على أن يسحب من اليهود امتيازاتهم الخاصة وأن يجلد ثمانية وثلاثين من شيوخهم على يد جلاد الدولة، وفي الوقت ذاته نهبوا اليهود وذبحوهم على هواهم.

كان والي فلاكوس يتصدى للهود على الدوام ويحول بينهم وبين عرض شكواهم على الإمبراطور إلى أن تكفل أجريبا بقضيتهم وأخذها على عاتقه. وقد كان لأجريبا من النفوذ ما مكنه من إلصاق العار بفلاكوس وعزله من ولاية مصر. وكانت الحجة الزائفة لهذا العزل تتمثل في أنه لم يتمكن من المحافظة على السلام في ولايته وأنه تجاوز سلطاته حينما حرم اليهود من امتيازاتهم، هذا على الرغم من أن مثل هذه الحجج ليست بذات وزن كبير بالنسبة للإمبراطور كاليجولا في الحكم الفعلي في هذه القضية لأن أعمال الشغب قد نشبت بسبب مسألة تأليهه وأن اليهود قد عوقبوا بسبب معارضتهم لرغباته. وربما أضعف من موقف فلاكوس أيضًا نفور السكندريين الإغريق منه رغم أن ثلاثة من زعمائهم هم ديونيسيوس ولامبون وايزيدوروس كانوا هم أكبر المحرضين له على فعله مع اليهود. وكان سبب ذلك أن ايزيدوروس لم ينل ما كان يأمله من نفوذ بسياسته المعادية لليهود فأثار مظاهرة ضد الوالي في الجمنازيوم واضطر نتيجة لذلك أن يفر هاربًا وهناك بعض الشذرات التي ترجع إلى تلك الفترة وتعبر عن وجهة النظر الإغريقية ويبدو أن هذه الشذرات توضح أن ديونيسيوس أيضًا أن متواطئًا في دسائس غامضة ضد فلاكوس.

تدل الاحتياطات التي اتخذت لترحيل فلاكوس إلى روما على قوة مركز الوالي في مصر: فقد أرسل أحد كبار الضباط خصيصًا من روما وبرفقته كتيبة من الجنود وحينما اقترب من الإسكندرية انتظر حتى حل الظلام ثم دخل إلى الميناء وأسرع بعد ذلك باغت الوالي قبل أن تصله أنباء وصول السفينة الرومانية وألقى القبض عليه وهو يتناول الطعام في حفلة عشاء وعاد به إلى السفينة دون تأخير.

نجح أجريبا في إلحاق الخزي والعار بفلاكوس ولكنه لم يتمكن من توفير مناخ ملائم لسماع السفارة التي بعث بها اليهود إلى روما لعرض قضيتهم أمام الإمبراطور كاليجولا وكان على رأس هذه السفارة اليهودية فيلون وكانت هناك أيضًا في المقابل سفارة تمثل إغريق الإسكندرية وكان المتحدي الرسمي باسمها هو أبيون. وقد أجهد الجانبان نفسهما في الجري وراء الإمبراطور في أرجاء القصر ومحاولة الحصول على بعض الحجج أو التفسيرات عند مناقشة بعض التوافه المقحمة على الموضوع الأصلي والتي شغلت معظم اهتمام البلاط. وأخيرًا وحين بدا أن الأمر الوحيد ذا الأهمية هو عبادة الإمبراطور فإن اليهود قد سروا حينما طردهم الإمبراطور وهو يتظاهر بالشفقة الممزوجة بالاحتقار فهؤلاء الناس الذين لم يدركوا بعد أنه إله.

الولاه الرومان في عصر كاليجولا :

– نافويوس سرتوريوس ما ماكرو ( عين ولم يتول )
– فتراسيوس بوليو     39

البطالمة يفرضون على الكهنة إظهار الولاء لهم

لقد رأينا أن العامل المادي كان من أهم الوسائل التي لجأ البطالمة إليها للحصول على طاعة القساوسة وإخلاصهم، ولما كان البطالمة يريدون أن تعلن هذه الطاعة وهذا الإخلاص، فإنهم فرضوا على الكهنة أن يرسلوا كل عام ـ إلى أن أعفاهم بطليموس الخامس من ذلك ـ وفدا منهم إلى الإسكندرية للاحتفال بعيد ميلاد الملك والتعبير عن إخلاصهم وولائهم له .

ويعتقد بعض المؤرخين أن المؤتمرات الكهنة كانت تعقد كل عام يوم عيد ميلاد الملك، أي أن هؤلاء المؤرخين يربطون بين مؤتمرات الكهنة والزراية السنوية إلى الإسكندرية، على حين يرى البعض الآخر أن الزيارة والمؤتمر كنا شيئين مختلفين، وهذا في رأينا أقرب إلى الصواب، لأن زيارة الإسكندرية كانت سنوية، أما المؤتمرات فإنها كانت لا تعقد إلا في مناسبات خاصة، وإن كان الإثنان يتمان بأمر من الملك لإظهار ولاء الكهنة له. متابعة قراءة البطالمة يفرضون على الكهنة إظهار الولاء لهم

إشراك ملوك وملكات البطالمة في العبادة مع الآلهة المصرية

إشراك ملوك وملكات البطالمة في العبادة مع الآلهة المصرية
وتحدثنا لوحة مندس بأن بطليموس الثاني أشرك زوجه أرسينوي الثانية مع كبس مندس “الإله الاكبر، حياة رع، الكبش الذي ينتج، أمير الشابات، صديق البنت والأخت الملكية، الملكة وسيدة البلاد، أرسينوي التي تعيش إلى الأبد”.

وقد أشركت أرسينوي كذلك مع توم (Toum) في بيثوم، ونيت في سايس، وفتاح في منف، وموت (Mout) في طيبة، ومونت في هرموننيس، وخفسو في الكرنك، وسبك في كروكديلبوليس بالفيوم، وإيزيس في فيلة إلخ.

ونتبين من قرار كانوب أن الإلهين المنقذين الأخوين والإلهين الخيرين كانوا يعتبرون قرناء الآلهة المصرية في كل المعابد ويشركون في العبادة، وأن القرابين كانت تقدم للإلهين الخيرين ثلاث مرات شهريًا، وذلك إلى جانب الاحتفال بأعيادهما السنوية، مثل عيد ميلاد الملك وعيد ارتقائه العرش، وأنه تقرر عبادة ابنتهما برينيكي في كل معابد مصر، وفي عهد بلطميوس الرابع أشرك الإلهان المحبان لأبيهما، وفي عهد بطليموس الخامس أشرك الإلهان الظاهران، وهكذا يبدو أن إشراك الملك الحاكم وزوجه في العبادة مع من سبقه من البطالمة المؤلهين والآلهة المصرية كان تقليدًا مرعيًا منذ عهد بطليموس الثاني بل لا يبعد منذ أتخذ البطالمة صفات الفراعنة، فقد مر بنا أن فرعون كان يعتبر ابن الإله المحلي في كل مكان وتقام الطقوس باسمه في كل معبد ، وقد كان نتيجة طبيعية لاعتبار الملك بطليموس وزوجه إلهين شريكين للآلهة المصرية في المعابد التي أقيمت من أجل تلك الآلهة أن جدران المعابد كانت تزين بصورهما في ملابس الفراعنة وأوضاعهم باعتبارهما إلهين، تحيط بهما نقوش هيروغليفية تسبغ على الملك ألقاب الفراعنة التقليدية وتسجل تقواه وما جاد به من الخيرات، ويجب أن يلاحظ أن الصور التي تمثل أي ملك من ملوك البطالمة على جدران المعابد المصرية صور تقليدية للملك بوصفه فرعونًا اصطنعت وفقًا لتقاليد الفن المقدس، وليست فيها أية محاولة لإبراز صورة حقيقية للملك، فلا يمكن أن نستخلص من تلك الصور شكل الملك الحقيقي ولا الرداء الذي كان يضعه فعلاً في حياته اليومية. وقد ترتب على عبادة أفراد أسرة البطالمة باعتبارهم آلهة مصرية ما نجد لهم من التماثيل وكذلك الصور سواء على النقود أم على الأحجار الكريمة في شكل الآلهة والآلهات المصرية. وأكثر هذه التماثيل والصور تمثل أميرات البطالمة في شكل الإله إيزيس.

ويستوقف النظر أنه عندما نصب البطالمة أنفسهم آلهة وعبدهم الإغريق عبادة رسمية، كان كهنة هذه العبادة الإغريقية يذكرون في ديباجة الوثائق في كل أنحاء البلاد، على حين أن كهنة عبادة البطالمة عبادة مصرية كانا لا يذكرون في ديباجة الوثائق، غير أن كتاب الوثائق (Monographoi) الوطنيين كانوا يكتفون عادة بأن يذكروا بعد التوقيع أنهم يكتبون باسم القبائل الخمس من كهنة آمون رع مثلاً في طيبة، وكهنة مونت في هرمونثيس، و”لآلهة الأخرى المشتركة معه”. وفي بعض الأحيان كان الكتاب يعددون من هذه الآلهة الأخرى الشريكة (Synnaoi Paredroi)، أي الملوك المؤلهين الذين كانت لهم ألقابهم المقدسة، وتقوم القبيلة الخامسة من الكهنة بطقوسهم الخاصة، فنجد في آخر وثيقة، بتاريخ 29 كيهك في الثالث والعشرين من حكم بطليموس الخامس (3 فبراير 182 ق.م)، “كتب هذا بابي (Pabi) ابن كلودج (Kloudj) باسم كهنة القبيلة الخامسة، الذين كانوا كهنة آمون ـ رع ـ سونتر (Mounrasonther) والإلهين الأخوين والإلهين الخيرين والإلهين المحبين لأبيهما والإلهين الظاهرين”. ويبدو أن النص هنا على القبيلة الخامسة بدلاً من الصيغة العادية “باسم القبائل الخمس” يشير بجلاء إلى أن عبادة البطالمة في المعابد المصرية كانت من اختصاص هذه القبيلة الخامسة، التي يبدو أن بطليموس الثالث أنشأها لهذا الغرض.
Comments
أضف جديد بحث RS