ديكيوس

ديكيوس ترايانوس ديكيوس او تراجان داكيوس حكم في (249-251) شارك حكمه مع ابنه في السنة الاخيرة ، حتى قتلوا سويا معركة abrittus . وفي عهده برز عنصر جديد من عناصر القلق لأباطرة روما فيما يتعلق بمصر وبدأ الإحساس بهذا العنصر الجديد في السياسة المصرية ولم يكن هذا العنصر إلا ازدياد قوة ونمو الديانة المسيحية مما أجبر حكام البلاد على الاعتراف بوجودها .

وفي الواقع فقد كانت هناك محاولات عارضة وذات طابع محلي في خلال القرن الثاني تهدف إلى منح انتشار الديانة الجديدة، ولكن أول هجوم عارم على تلك الديانة حدث في عهد ديكيوس عندما أصبح يُنظم اختيار أو امتحان منظم كان كل شخص يُجبر بمقتضاه على تقديم الأضحيات والقرابين للآلهة وأن يتذوق هذه القرابين وكان من يرفض القيام بذلك يقع تحت طائلة الاتهام ويعدم بينما يحصل من يؤدي هذا الاختبار ويستجيب له على شهادة من لجنة الامتحان تفيد بحسن أدائه للطقوس المطلوبة وقد وصلتنا أمثلة عديدة على مثل هذه الشهادات في أوراق البردي.

يتضامن انحدار الأحوال مع ضعف الديانة المصرية اشتداد عود الديانة المسيحية، فلا نجد لأحد هؤلاء الأباطرة التسعة من بعد “كاراكالا” ثمة ذكر على جدران المعابد المصرية أو نلمح وجود خراطيش تخصهم. وأول من نلمح له من أعمال أو خراطيش – على قلتها، هو الإمبراطور “تراجان داكيوس”.

ويظهر في لقبه اللقب المعتاد الذي يعبر عن تراجع قوة وكفاءة المؤسسة الكهنوتية في مصر وذلك منذ فترة قبل عهد “داكيوس” وهو لقب “أوتوقراتور قيصر”، تاكاس نيتخ = داكيوس . ومثل صورة باهتة لما كان عليه الأباطرة الأقوياء متابعة قراءة ديكيوس

البطالمة والديانة المصرية

أدرك الإسكندر والبطالمة أنه كان من الأسباب التي أحفظت قلوب المصريين ضد الفرس أنهم انتهكوا حرمة الديانة المصرية ، ولذلك وضع الإسكندر والبطالمة نصبًا أعينهم الاعتراف بالديانة المصرية دينًا رسميًا .
وكان ذلك ينطوي على إظهار احترامهم وإجلالهم لهذه الديانة ، وكذلك على السماح للمصريين بحرية عبادة آلهتهم القديمة وقد سهل على البطالمة اتباع هذه السياسية عاملان: أحدهما أن “الدولية” التي تمخض عنها العصر الهلينيسي جعلت ميول هذه العصر تتجه نحو الحرية الفكرية وحرية الاعتقاد، والآخر أن الإغريق كانوا يكنون للديان المصرية احترامًا عميقًا، ولما كان الباعث على إتباع هذه السياسة هو رغبة البطالمة في توطيد دعائم ملكهم، فإنهم لم يألوا جهدًا في العمل على إظهار إجلالهم واحترامهم للديانة المصرية. وقد رأينا أدلة ملموسة على ذلك فيما أسلفناه من اهتمام البطالمة باتخاذ صفات الفراعنة، وتصويرهم على جدران المعابد على نمط الفراعنة القدماء، بل تصويرهم على الأحجار الكريمة والنقود في شكل آلهة مصرية، ولتحيق هذه السياسة، اتبعوا وسائل شتى يمكننا تلخيصها في تقديم القرابين وإرجاع تماثيل الآلهة التي كان الفرس قد أخذوها من البلاد، ومنح المعابد هبات مالية وأراضي، وإنشاء المعابد والهياكل وإصلاحها وزخرفتها، ومنح المعابد حق حماية اللاجئين إليها.
الإسكندر الأكبر:

ويمكننا الوقوف على مدى ما قام به هؤلاء الملوك الغرباء في هذا الصدد من استعراض ما وصل إلينا من أخبار كل منهم، أما الإسكندر الأكبر فإنه عندما نزل في منف، كان همه الأول أن يقدم القرابين للآلهة الوطنية والعجل المقدس أبيس، وبعد ذلك وضع أساس معبدًا إيزيس في الإسكندرية، وشيد في معبد الأقصر أمام قدس الأقداس، مكان قاعة ذات أربعة أعمدة، هيكلا صغيرًا كان مصريًا في عمارته وزخرفته، ويزين هذا الهيكل صور تمثل الإسكندر في حضرة الآلهة آمون وموت وخنسو، الذين أهدى إليهم هذا الهيكل، وأصلح الإسكندر مدخل البوابة التي كانت تكون الواجهة الغربية في معبد الكرنك العظيم أيام تحتمس الأول وأنشأ معبدًا في الواحة البحرية.

بطليموس الأول:

وما كاد بطليموس الأول يطأ أرض مصر، عندما نصب واليًا عليها في عام 323 ق.م، حتى بادر بإظهار احترامه للديانة المصرية بأن تبرع بمبلغ قدره خمسون تالنتا (أي حوالي 10.000 جنيه) للاحتفال بجنازة أحد العجول المقدسة، ولم يكتف بطليموس بذلك، فإن نصب الوالي التذكاري، الذي عثر عليه في القاهرة في عام 1871، يعطينا صورة صادقة لمجهودات بطليموس الأول في هذه الناحية، وهذا النصب عبارة عن لوحة من الجرانيت الأسود، يزين أعلاها منظر ينقسم قسمين يمثل أحدهما ملكًا يقدم القرابين إلى حورس إليه مدينة بي (Pe) ويمثل الآخر الملك وهو يقدم القرابين إلى بوتو (Buto) إلهة مدينتي بي وتب (Tep). ويرجع تاريخ النص إلى “العام السابع من حكم الملك الإسكندر المعمر أبدًا في الوقت الذي يبدأ فيه فيضان النيل، أي في شهر يونيه عام 311، ويحدثنا هذا النص بأن أرض باتانوت (الجزء الشمالي من محافظتي الغربية وكفر الشيخ) كانت دائمًا أبدًا ملكًا لإلهي بي وتب، وأن إجزر كسيس سلب الإلهين هذه الأرض، غير أن خباش أعاد للألهين ممتلكاتهما وأضاف إليها، وحذا بطليموس حذو خباش فقد أعاد منح كافة هذه الممتلكات لإلهي بي وتب، وقد كان خباش زعيم الحركة الوطنية، التي قام بها المصريون ضد الفرس ي عام 486، ويبدو أن بطليموس الأول قد أراد بما أورده في هذا النص أن يذكر المصريين بمساوئ حكم الفرس، والفرق بين معاملتهم الآلهة المصرية ومعاملته هو هذه الآلهة، كما أنه بمحاكاته ما فعله من قبل الزعيم الوطني خباش، أراد أن يظهر في ثوب زعيم الحركة الوطنية، هذا إلى أنه رمى إلى تذكير المصريين، بطريق غير مباشر، بالخدمات التي سبق أن أسداها الإغريق للمصريين كلما ثاروا ضد الفرس، ويردد هذا النص العبارة التقليدية القائلة بأنه أعاد المعابد ما وجده في آسيا من أثاث المعابد وكتبها المقدسة وتماثيل الآلهة.

وتشير أدلة أخرى إلى أن بطليموس عني منذ قدومه إلى مصر بافتقاء أثر الفراعنة في اهتمامهم بالمنشآت الدينية، فإنه أعاد إنشاء قدس الأقداس في معبد الكرنك بسام فيليب ارهيدايوس، وزخرف باسم الإسكندر الرابع قاعة ي معبد الكرنك، يظن أنها قاعة احتفالات تحتمس الثالث، وقد وجد في هذه القاعة تمثال طريف للإسكندر الرابع، إذ أنه مثل من الأمثلة النادرة لفن النحت التي يمتزج فيها الطراز المصري بالطراز الإغريقي. وشيد بطليموس في عهد الإسكندر الرابع هيكلاً في بني حسن، وقد صور الملك في أعلى واجهة الهيكل راكعًا يقدم تمثال “الصدق” إلى الإلهة باشت (Pasht)، ووقفت الآلهة حتحور خلف الملك، الذي صور أيضًا على أحد جانبي الباب في حضرة آمون وحورس، وعلى الجانب الآخر في حضرة تحوت وخم Chem. وأقام بطليموس الأول بوابة أمام معبد الفنتين، صور عليها الإسكندر الرابع وهو يتعبد إله خنوم. وإذا كانت هذه المنشآت ثانوية، فإنها كانت على الأقل مثلاً حذا حذوة خلفاء بطليموس الأول.

بطليموس الثاني:

وتدل الوثائق التي وصلت إلينا من عصر بطليموس الثاني فيلادلفوس على أنه لم يتوان في إظهار إجلاله واحترامه للآلهة المصرية: فإن لوحة بيثوم التي أقيمت في العام الحادي والعشرين من حكمه (265 / 264 ق.م) تنبئنا بأن هذا الملك زار بيثوم ثلاث مرات. أما الزيارة الأولى فكانت في العام السادس من حكمه (عام 280 / 279) عندما بدأ العمل في القناة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، وزار بلاد الفرس وأحضر من هناك تماثيل الآلهة، وأهدى معبدين إلى توم (Toum) وأوزيريس، إلهي بيكرحت (Pikerehet). أما الزيارة الثانية فكانت في العام الثاني عشر (عام 274 / 273)، عندما اصطحب معه أخته وزوجه الملكة ارسينوي الثانية وأجزل الهبات لآلهة بيثوم. أما الزيارة الثالثة فكانت في العام الحادي والعشرين (عام 265 / 264) عندما منح الملك المعابد المصرية هبة مالية قدرها 750000 دين (Deben)، وهو ما يوازي 3125 تالتنت من الفضة، أي ما يزيد على نصف مليون جنيه. وتؤكد هذه الوثيقة مما ورد في هذه الوثيقة وفي قراري كانوب ورشيد أن البطالمة كانوا يهبون العابد منحًا معينة، إلى جانب ما كانوا يمنحونها في مناسبات خاصة، وتحدثنا لوحة مندس عن تقدير فيلادلفوس لإله هذه المدينة والهبات التي أجزلها له.

وقد شيد فيلادلفوس عددًا كبيرًا من المعابد المصرية اختص إيزيس باثنين منها، فإنه بدأ بناء معبدها الكبير في جزيرة فيلة، وأقام لهذه الإلهة معبدًا آخر في الدلتا في بهبيت الحجارة ـ بالقرب من سمنود ـ مكان معبد نكتانبو الأول، وقد امتاز هذا المعبد ببهائه ورونقة، إذا بني جميعه من جرانيت أسوان الأحمر، وأنشأ فيلادلفوس معبدًا صغيرًا لا محوتب في جزيرة فيلة. وشيد كذلك معبدين آخرين على الأقل، أحدهما في مندس والآخر في نقراطيس، وأقام بوابة أمام معبد موت في الكرنك.

بطليموس الثالث:

وتحدثنا وثيقة كانوب عن سياسة بطليموس الثالث يورجتيس نحو الديانة المصرية، فإن هذه الوثيقة تروى لنا كيف أن الملك بطليموس (بن بطليموس وأرسينوي الإلهين الأخوين) وبرينيكي أخته وزوجته، الإلهين الخيرين، يجزلان دائمًا للمعابد الوطنية نعمًا كثيرة عظيمة، ويزيدان مظاهر الإجلال للآلهة، ولا يدخران وسعًا في العناية بأبيس ومنفيس وغيرهما من الحيوانات المقدسة المشهورة مهما كفلها ذلك من النفقات، وتعيين الكهنة المناسبين، وأن الملك بعد قيامه بحملة في الخارج أعاد إلى مصر التماثيل المقدسة التي كان الفرس قد أخذوها منها…”. ثم تمضي الوثيقة في سرد لأعمال الطيبة التي قام بها الملك نحو رعاياه، فإنه نشر السلام في البلاد، ودافع عنها ضد أعدائها، وأقام فيها حكومة رشيدة، وعندما قل الفيضان عن مستواه العادي ولم يسد حاجات البلاد، نزل الملك والملكة عن جانب غير قليل من دخلهما لإنقاذ حياة الكهنة والأهالي، فإنهما أحضرا القمح من سوريا وفينقيا وقبرص وغيرها من البلاد بسعر مرتفع، وإزاء كل هذه الخدمات “قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك والملكة وأبويهما وجديهما، وأن يحمل الكهنة في كل المعابد لقب كهنة الإلهين الخيرين وذلك إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن تضاف في كل معبد قبيلة خامسة من الكهنة تحمل اسم الإلهين الخيرين وتكون على قدم المساواة مع القبائل الأربع القديمة، وأن يقيم الكهنة في أوائل كل عام في كافة المعابد حفلاً قوميًا مقدسًا، إجلالا للملك والملكة، وأن تقام لبرينيسكي ابنة الإلهين الخيرين التي توفيت فجأة مراسم الإجلال في كل المعابد، وأن يقام لها أيضًا في جميع المعابد من الدرجتين الأولى والثانية تمثال من الذهب المطعم بالأحجار الكريمة، وأن تقام في أبرز مكان في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثاني والثالثة صورة من هذا القرار، على لوحة من الحجر أو البرنز، مكتوبة باللغات الهيروغليفية والديموتيقية، ليثبت القساوسة في طول البلاد وعرضها أنهم يكرمون الإلهين الخيرين وسلالتهما كما هو حق.

إن هذه الوثيقة عبارة عن قرار أصدره مجمع الكهنة، الذي انعقد في مدينة كانوب في السادس من شهر مارس عام 237 عقب عودة بطليموس الثالث مكرهًا من حروبه في آسيا بسبب الثورة التي نشبت في مصر نتيجة لحدوث مجاعة فيها، وقد وصلت إلينا ثلاث نسخ من الحجر لهذه الوثيقة، عثر على أولاها في عام 1865 بين أطلال مدينة تانيس القديمة، ووجدت الثانية في عام 1881، وهاتان الوثيقتان موجودتان الآن في متحف القاهرة. أما النسخة الثالثة فإنها محفوظة في متحف اللوفر وبها عطب كثير.

أما عن المنشآت الدينية التي أقامها هذا الملك، فإنه أكمل معبد إيزيس في فيلة، الذي لم يتم بناؤه في عهد أبيه بطليموس الثاني، إذ أن المدخل الكبير من الناحية الشمالية يحمل نقشًا باللغة الإغريقية مؤداه أن الملك بطليموس والملكة برينيكي وأبناءهما يهدون الهيكل إلى إيزيس وحاربو كراتس، وقد وجدت في جزيرة بيجه (Biggch) المجاورة لجزيرة فيلة بقايا معبد وجد عليها اسم بطليموس الثالث وأسماء بعض الفراعنة القدماء. وقد بدأ في إقامة معبد لإيزيس في أسوان، وشيد معبدًا صغيرًا في إسنا، والباب الخارجي لمعبد فتاح والمدخل الأكبر لعبد خنسو والمعبد الشمالي لمعبد مونتو بالكرنك، ولا بد من أنه شيد معبدًا جديدًا لأوزيريس في كانوب، فقد عثر هناك على لوحة ذهبية كانت قد وضعت، كما هي العادة في أغلب الأحوال، بين أحجار الأساس، وتحمل هذه اللوحة نقشًا بالإغريقية هذا نصه: “الملك بطليموس بن بطليموس وأرسينوي، الإلهين الأخوين، والملكة برينيكي، أخت الملك وزوجته، يهديان هذا الهيكل إلى أوزيريس”. لكن لعل أهم آثار هذا العاهل في بناء المعابد هو معبد حورس في إدفو الذي وضع أساسه في 23 من أغسطس عام 237، إلا أن بناءه وزخرفته لم يتما إلا في ديسمبر عام 57 ق.م في عهد بطليموس الثاني عشر. ويعتبر هذا المعبد من أروع ما أنتجه في العمارة المصرية في عهد البطالمة.

ومما يجدر بالملاحظة أنه صاحب ازدياد المنشآت الدينية المصرية التي أقامها هذا الملك عقب قرار كانوب الإقلال من القرابيين التي كانت تقدم للمعابد في أنحاء العالم الأغريقي، لأن باوسانياس، الذي شاهد كثيرًا من التمثيل والقرابين التي قدمها بطليموس الأول والثاني في كل أنحاء بلاد الإغريق، لم يذكر لنا أنه شاهد قربانًا أو تمثالاً قدمه بطليموس الثالث، على الرغم من أن سلطانه كان يمتد على بحر إيجه أكثر من سلفيه، ومعنى ذلك أن ازدياد عناية هذا الملك بالديانة المصرية قلل من اهتمامه بالديانة الإغريقية.

بطليموس الرابع:

ولما كان البطالمة الثلاثة الأوائل يعتمدون اعتمادًا كليًا على الإغريق في تكوين قواتهم الحربية، فإن جل اهتمامهم كان موجهًا إلى كسب عطف الإغريق، هذا وإن كانوا لم يغفلوا المصريين بتاتًا من حسابهم، لكنه عندما انقطع وفود الإغريق إلى مصر منذ أواخر القرن الثالث بسبب نقص عددهم، نتيجة لاشتراكهم في حروب خلفاء الإسكندر بمثابة جنود مرتزقة، وفي الحروب الداخلية التي قطعت أو صال بلاد الإغريق، ونتيجة لتحديد النسل بينهم، اضطر البطالمة منذ عهد بطليموس الرابع إلى الاعتماد على المصريين أيضًا في بناء قواتهم الحربية؛ فلم يكن هناك مفر عندئذ من أن يعدلوا سياستهم إزاء المصريين، ولذلك كان بطليموس الرابع أول من توج منهم فرعونًا على نمط الفراعنة القدماء وأول ملك من البطالمة تعرف حتى الآن. أن اسمه قرن بالألقاب الفرعونية كاملة في كافة الوثائق الرسمية سواء أكانت مسجلة بالهيروغليفية أم الديموتيقية أم الإغريقية. ولا عجب إذن أن لوحة بيثوم، التي حفظت لنا القرار الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في نوفمبر عام 217، تحدثنا بأن اهتمام بطليموس الرابع بإظهار إجلاله للآلهة والديانة المصرية على الدوام حدا به إلى أن يفيض عليها بالهبات من واسع كرمه، فكافأته الآلهة على ذلك بأن عقدت له ألوية النصر وكلأته بعنايتها وحفظته من كل مكروه. وتحدثنا هذه الوثيقة بأنه ما كاد يصل على علم الملك أنه قد لحق تماثيل الآلهة المصرية في فلسطين كثير من الأذى، حتى أصدر أمرًا كريمًا بألا يتعرض لها أحد ثانية بمكروه، وذلك رغبة منه في أن يدرك جميع الأجانب عظيم اهتمام الملك بآلهة مصر وشدة حرصه عليها، وكذلك أمر بأن تنقل إلى مصر كل موميات الحيوانات المقدسة، وبأن يقام لها حفل عظيم وتدفن في مقابرها، وبأن ينقل إلى معابدها في مصر في حفل كريم ما وجد مشوهًا من التماثيل.

وقد كان الملك معنيًا بأمر التماثيل المقدسة التي نقلت من مصر إلى آشور وفينقيا عندما انتهك الفرس حرمه المعابد المصرية، ولذلك أمر بالبحث عن هذه التماثيل وإعادتها إلى مصر، وأقام حفلاً كبيرًا إجلالاً لما وجد من هذه التماثيل، وقضي بأن تعاد إلى حيث كانت من قبل. وبعد عودة الملك إلى مصر، زار المعابد وقدم القرابين إلى الآلهة ومنح المعابد هبات كثيرة إلى جانب ما كان قد منحها من قبل، وأقام تماثيل كثيرة في المعابد بدل ما فقد منها، وأصلح التماثيل التي كانت في حاجة إلى إصلاح، وأنفق في سبيل ذلك مبالغ طائلة، وأمر بأن تصاغ آنية المعابد من الذهب والفضة، وأجزل الهبات لرجال الدين، وإزاء كل هذه الحسنات التي تفضل بها الملك، قرر القساوسة أن تزاد مظاهر الإجلال التي كانت تقدم للمك ولأخته وأسلافهما من أسرة البطالمة، وأن يقام تماثلان من طراز مصري للملك ولأخته في أبرز مكان في كل معبد من معابد مصر، وأن يوضع تمثال الإله المحلي في كل معبد أمام تمثال الملك، أن يقيم كهنة المعابد الصلوات للتماثيل لثلاث مرات يوميًا، وأن يقام في كافة معابد مصر كل عام حفل يبدأ يوم ذكرى انتصاره على عدوه ويدوم خمسة أيام.

وكان طبيعيًا أن يوجه بطليموس الرابع اهتمامه إلى المنشآت الدينية، فقد أسهم في بناء معبد حورس في إدفو، ذلك المعبد الذي بدأه أبوه.
وتحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “قد تم بناء قاعة قدس الأقداس للإله حورس الذهبي في السابع من شهر أبيب في السنة العاشرة من حكم الملك بطليموس فيلوباتور، وزينب جدرانها بنقوش بديعة وبالاسم الأكبر لصاحب الجلالة وبصور آلهة إدفو وإلهاتها، وفي العام السادس عشر من حكم جلالة الملك تم بناء مدخلها الأكبر (أو مدخل المعبد الأكبر) والباب المزدوج لردهته الكبيرة، وعندئذ اندلع لهيب الثورة واختفت جماعات من الثوار داخل المعبد..”. وقد وجد خرطوش هذا لملك على أبنية مختلفة في الأقصر، مما يثبت أنه إذا لم يكن قد شيد هناك مباني جديدة فلا أقل من أنه زين أبنية قائمة أو أصلحها. وقد بدأ فيلو باتور غربي النهر بناء ذلك المعبد الأنيق الصغير الذي يعرف باسم دير المدينة، وحاول إتمام المعبد الصغير الذي بدأه أبوه في الفنتين، وقد وجداسم فيلو باتور على أماكن مختلفة من مجموعة المعابد في فيلة. ومما يستحق الذكر أنه وجد معبد للإله أر ـ هس ـ نفر (Ar-hes nefer) شرقي المعبد الكبير في فيلة، وأنه قد ثبت أن فيلوباتورا شيد المقصورة الداخلية ي هذا المعبد، وأن الملك النوبي إرجامنس (Ergamenes) أضاف إلى هذه المقصورة قاعة أمامها، لكنه لم يتمها. وقد وجد في دكة (جنوبي فيلة بسبعين ميلا) معبد مشايه لهذا المعبد اشترك في بنائه أيضًا إرجامنس وفيلوباتور، لكن الملك النوبي هو الذي بني هنا المقصورة الداخلية وفيلوباتور القاعة التي أمامها. وشيد فيلو باتور معبدًا لآلهة الشلال على جزيرة سهيل جنوبي أسوان، وأضاف إلى مباني معبد إيزيس في أسوان الذي بدأه أبوه، لكن بناء هذا المعبد لم يتم حتى اليوم.

بطليموس الخامس:

وتستطيع الوقوف على مدى اهتمام بطليموس الخامس إبيفانس بالديانة المصرية من قرار حجر رشيد الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في 37 من مارس عام 196. ويحدثنا هذا القرار بأن بطليموس الخامس قام بخدمات كبيرة للمعابد والآلهة ورعاياه، فإنه خصص للمعابد دخلا من المال والقمح، وتكبد نفقات طائلة ليعيد الرفاهية إلى البلاد ويقيم المعابد، وأمر بأن تحفتظ المعابد بكافة الموارد التي كانت لديها في عهد أبيه، وأحيا ما أهمل من طقوس الآلهة، وقدم من الهدايا إلى أبيس ومنفيس وسائر الحيوانات الأخرى المقدسة في مصر أكثر مما قدم إليها الملوك الآخرون، ووجه عناية كبرى إلى دفنها وما يقدم إلى هياكلها، وأحتفظ بمكانة المعابد المصرية، وصرف مبالغ طائلة في زخرفة معبد أبيس، وأسس معابد وهياكل ومذابح، وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح من المؤسسات الدينية، فقد كان إلهًا كريمًا تفيض نفيه بالبربكل ماله صلة بالديانة، ولذلك قرر القساوسة جميعًا أن تزاد مظاهر الإجلال التي تقدم للملك وأسلافه، وأن يقام له في أبرز مكان في كل معبد تمثال من طراز مصري يوضع إلى جانبه تمثال الإله الرئيسي في المعبد، وأن يقيم القساوسة الصلاة للتمثالين ثلاث مرات يوميًا، وأن يقام لهذا الملك في كل معبد تمثال وهيكل من الذهب يوضعان في قدس الأقداس مع الهياكل الأخرى، وأن يقام حفل كبير في المعابد في السابع عشر وفي الثلاثين من كل شهر، لأن الملك توج في السابع عشر من شهر بابه (Phaophi) وولد في الثلاثين من شهر مسري (Nesore)، وأن يقام في كل المعابد سنويًا عيد إجلالاً لملك يدوم خمسة أيام، تبدأ في اليوم الأول من شهر توت، وأن يحمل القساوسة لقب قساوسة الإله إبيفانس إلى جانب ألقابهم الأخرى، وأن يذكر اسم كاهن هذا الإله في الوثائق الرسمية، وأن يكتب هذا القرار على لوحة من الصخر بالهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، وتقام في كل معبد من معابد الدرجات الأولى والثانية والثالثة.

أما عن منشآت بطليموس الخامس الدينية، فقد حدثنا عنها هذا القرار بصفة عامة، ونجد ما يؤيد ذلك في نصوص المعابد في إدفو وفيلة، فقد ساهم إبيفانس في إتمام معبد إدفو العظيم، وأتم معبد (أر ـ هس ـ نفر) الذي بدأه أبوه والملك النوبي إرجامنس في جزيرة فيلة، ويبدو أنه شيد مدخل معبد إمحوتب في هذه الجزيرة، فقد صور على الجانب الأيسر لهذا المدخل أمام إمحوتب، وعلى الجانب الأيمن أمام ثالوث الشلال، خنوم وساتت (Satet) وأنوكت (Anuquet)، وكذلك أمام أوزيريس وإيزيس وإمحوتب. ولعل الأخطار التي تهددت الإمبراطورية المصرية والثورات التي اندلع لهيبها في البلاد شغلت هذا الملك عن القيام بمنشآت عظيمة.

بطليموس السادس:

أما بطليموس السادس فيلومتور، فإنه لم تصل إلينا نقوش من عهده لتحدثنا عن هباته للمعابد والآلهة، لكن ليس معنى ذلك أنه لم يعن بإظهار إجلاله للديانة المصرية، لأننا نرى دليلاً كافيًا على ذلك في منشآته الدينية، فقد ساهم بدوره في تشييد معبد إدفو، إذ تحدثنا نقوش هذا المعبد بأنه “في أول شهر طوبة في العام الخامس من حكم بطليموس فيلومتور، وضعت البوابة الخشبية الكبيرة في قاعة المنتصر الأعظم وكذلك الأبواب المزدوجة في بهو الأعمدة الثاني، واستؤنف العمل ثانية داخل قاعة الأسلحة في العام الثلاثين من حكم هذا الملك”. وشيد فيلومتور معبد سوبك وحورس في كوم أمبو. وبدأ بناء معبد خنوم في إسنا، وبنى هيكلاً في معبد موت، وأضاف مدخلاً إلى معبد فتاح بالكرنك، وأقام هو وأخوه بطليموس الثامن بابا فيم عبد آموت ـ رع هناك، وأضاف بهوًا إلى معبد أنطيوبوليس (قاو الكبير)، وساهم في إكمال معبد إيزيس الكبير فيلة، وبدأ في إقامة معبد لحتحور في هذه الجزيرة، وأضاف بوابة إلى الهيكل الذي أقامه الملك النوبي أزاخر آمون (Azechramon) في دبود ( Debod) وهي تقع جنوبي فيلة بنحو عشرة أميال.

بطليموس الثامن:

ونتبين مدى اهتمام بطليموس الثامن يورجتيس الثاني بشئون الديانة المصرية من القرار الذي أصدره في عام 118، ليضع الأمور في نصابها في مصر، بعدما عانته من الاضطرابات العنيفة بسبب المشاحنات الداخلية بين أفراد أسرة البطالمة، وخاصة بين بطليموس الثامن وكليوبترة الثانية، فقد كان من بين ما تضمنه هذا القرار قيام الخزانة الملكية بدفع نفقات دفن العجول المقدسة، وتأييد حق المعابد ـ التي تتمتع بهذا الحق ـ في حماية اللاجئين إليها. وتحدثنا نقوش معبد إدفو عن الأراضي التي وهبها البطالمة لهذا المعبد، حتى أنه في نهاية عهد بطليموس الثامن كان هذا المعبد يملك أراضي في أربع مديريات، تبلغ مساحتها أربعة عشر ميلاً مربعًا وربع الميل.

أما المنشآت الدينية التي قام بها هذا الملك فمتعددة، ونجد بين نقوش معبد إدفو “استمر العمل حتى اليوم الثامن عشر من شهر في العام الثامن والشعرين من حكم بطليموس يورجتيس الثاني وزوجه الملكة كليوبترة، لإتمام نحت النقوش على الحجر، وزخرفة الجدران بالذهب والألوان، وصنع الأبواب من الخشب وعمل قمتها من البرونز الجيد، وعمل إطارات الأبواب ومزاليجها، وتثبيت ألواح ذهبية على الأبواب، وإتمام الجزء الداخلي من المعبد”. وقد أقام هذه الملك هيكلاً للآلهة أبيت (Apit) في الكرنك، وقام بإضافات إلى معبدي دير المدينة ومدينة هابو، وشيد بالقرب من المعبد الأخير هيكلاً صغيرًا للإله توت، وبدأ بناء معبد في الكاب وأضاف بيت الولادة إلى معبد كوم أمبو، وأقام مسلتين صغيرتين من الجرانيت أمام معبد إيزيس الكبير في فيلة، وأضاف إلى الفناء الخارجي في هذا المعبد دهليز من الأعمدة، وأتم معبد حتحور في فيلة، الذي بدأه أخوه بطليموس السادس، وأضاف إلى معبدي دبود، ودكة.

بطليموس التاسع والعاشر:

وتحدثنا نقوش معبد إدفو بأن الأخوين، بطليموس التاسع سوتر الثاني وبطليموس العاشر الإسكندر الأول، أعطيا معبد إدفو هبات من الأراضي مساحتها خمسة أميال مربعة وربع الميل، وقد منح بطليموس العاشر في عام 95 ق.م. معبد أثرببيس (Artribis) حق حماية اللاجئين، وأضاف بطليموس التاسع إلى مباني معبد مداموت، وأعاد بناء بوابة طهراقة في معبد مدينة هابو، وأتم معبد الكاب، وشيد أقبية معبد دندرة، وأتم بيت الولادة الذي بدأه بطليموس الثامن أمام معبد حورس في إدفو، وأضاف إلى هذا المعبد الفناء الخارجي، بما فيه من أعمدة عددها اثنان وثلاثون عمودًا، وأضاف إلى معبد إيزيس الكبير في فيلة، ونجد آثار منشآت هذا الملك في تالميس (كلبشة) بالنوبة وفي الواحة الخارجة. أما بطليموس العاشر فإنه أعاد بناء معبد دندرة، وأتم المنشآت التي كان أخوه قد بدأها، ومثل ذلك الجدار الخارجي الذي يحيط بمعبد إدفو.

بطليموس أوليتس وكليوبترة السابعة:

ولم يقم بطليموس الثاني عشر (الزمار) إلا بمنشآت ثانوية، فإنه أقام مذبحًا لإيزيس وخم (Khem) وهه (Heh) في فقط، وأتم بناء وزخرفة معبد إدفو، فإنه وضع أبوابًا برونزية للبوابة الكبرى في هذا المعبد، وزين هذه البوابة بمناظر تمثله وهو يضرب أعداءه ف يحضرة حورس إله إدفو وزجه حتحور إلهة دندرة. وقد ساهم أيضًا في إتمام بناء الجزء الرئيسي من معبد كوم أمبو، وشيد البوابة الخارجية لهذا المعبد، ونجد صورة وخرطوشة في عدد من المعابد ف يجزيرتي فيلة وبيجه، وفي الكرنك ودندرة، مما يدل على أنه خصص جانبًا من عنايته وأمواله للديانة المصرية، وليس أدل على اهتمام الملكة كليوبترة السابعة بالديانة المصرية من ذهابها في خلال العام الأول من حكمها إلى الوجه القبلي، حيث اشتركت بنفسها، على رأس جمع حاشد من رجالها وكهنة طيبة وهرمونثيس، في موكب بوخيس (Buchis)، عجل هرمونثيس المقدس، وكان يعتبر الصورة المجسدة لإله الشمس رع، الذي كانت هي ابنته، ويضاف إلى ذلك أنها أقامت معبدًا في هرمونثيس، صورت في جدرانه القصة التي زعمت فيها أنها انجبت قيصرون ن الإله آمون رع، وفضلاً عن ذلك فإنها أمرت بتصوير نفسها هي وقيصرون على جدران معبد دندرة.

إشراك ملوك وملكات البطالمة في العبادة مع الآلهة المصرية

إشراك ملوك وملكات البطالمة في العبادة مع الآلهة المصرية
وتحدثنا لوحة مندس بأن بطليموس الثاني أشرك زوجه أرسينوي الثانية مع كبس مندس “الإله الاكبر، حياة رع، الكبش الذي ينتج، أمير الشابات، صديق البنت والأخت الملكية، الملكة وسيدة البلاد، أرسينوي التي تعيش إلى الأبد”.

وقد أشركت أرسينوي كذلك مع توم (Toum) في بيثوم، ونيت في سايس، وفتاح في منف، وموت (Mout) في طيبة، ومونت في هرموننيس، وخفسو في الكرنك، وسبك في كروكديلبوليس بالفيوم، وإيزيس في فيلة إلخ.

ونتبين من قرار كانوب أن الإلهين المنقذين الأخوين والإلهين الخيرين كانوا يعتبرون قرناء الآلهة المصرية في كل المعابد ويشركون في العبادة، وأن القرابين كانت تقدم للإلهين الخيرين ثلاث مرات شهريًا، وذلك إلى جانب الاحتفال بأعيادهما السنوية، مثل عيد ميلاد الملك وعيد ارتقائه العرش، وأنه تقرر عبادة ابنتهما برينيكي في كل معابد مصر، وفي عهد بلطميوس الرابع أشرك الإلهان المحبان لأبيهما، وفي عهد بطليموس الخامس أشرك الإلهان الظاهران، وهكذا يبدو أن إشراك الملك الحاكم وزوجه في العبادة مع من سبقه من البطالمة المؤلهين والآلهة المصرية كان تقليدًا مرعيًا منذ عهد بطليموس الثاني بل لا يبعد منذ أتخذ البطالمة صفات الفراعنة، فقد مر بنا أن فرعون كان يعتبر ابن الإله المحلي في كل مكان وتقام الطقوس باسمه في كل معبد ، وقد كان نتيجة طبيعية لاعتبار الملك بطليموس وزوجه إلهين شريكين للآلهة المصرية في المعابد التي أقيمت من أجل تلك الآلهة أن جدران المعابد كانت تزين بصورهما في ملابس الفراعنة وأوضاعهم باعتبارهما إلهين، تحيط بهما نقوش هيروغليفية تسبغ على الملك ألقاب الفراعنة التقليدية وتسجل تقواه وما جاد به من الخيرات، ويجب أن يلاحظ أن الصور التي تمثل أي ملك من ملوك البطالمة على جدران المعابد المصرية صور تقليدية للملك بوصفه فرعونًا اصطنعت وفقًا لتقاليد الفن المقدس، وليست فيها أية محاولة لإبراز صورة حقيقية للملك، فلا يمكن أن نستخلص من تلك الصور شكل الملك الحقيقي ولا الرداء الذي كان يضعه فعلاً في حياته اليومية. وقد ترتب على عبادة أفراد أسرة البطالمة باعتبارهم آلهة مصرية ما نجد لهم من التماثيل وكذلك الصور سواء على النقود أم على الأحجار الكريمة في شكل الآلهة والآلهات المصرية. وأكثر هذه التماثيل والصور تمثل أميرات البطالمة في شكل الإله إيزيس.

ويستوقف النظر أنه عندما نصب البطالمة أنفسهم آلهة وعبدهم الإغريق عبادة رسمية، كان كهنة هذه العبادة الإغريقية يذكرون في ديباجة الوثائق في كل أنحاء البلاد، على حين أن كهنة عبادة البطالمة عبادة مصرية كانا لا يذكرون في ديباجة الوثائق، غير أن كتاب الوثائق (Monographoi) الوطنيين كانوا يكتفون عادة بأن يذكروا بعد التوقيع أنهم يكتبون باسم القبائل الخمس من كهنة آمون رع مثلاً في طيبة، وكهنة مونت في هرمونثيس، و”لآلهة الأخرى المشتركة معه”. وفي بعض الأحيان كان الكتاب يعددون من هذه الآلهة الأخرى الشريكة (Synnaoi Paredroi)، أي الملوك المؤلهين الذين كانت لهم ألقابهم المقدسة، وتقوم القبيلة الخامسة من الكهنة بطقوسهم الخاصة، فنجد في آخر وثيقة، بتاريخ 29 كيهك في الثالث والعشرين من حكم بطليموس الخامس (3 فبراير 182 ق.م)، “كتب هذا بابي (Pabi) ابن كلودج (Kloudj) باسم كهنة القبيلة الخامسة، الذين كانوا كهنة آمون ـ رع ـ سونتر (Mounrasonther) والإلهين الأخوين والإلهين الخيرين والإلهين المحبين لأبيهما والإلهين الظاهرين”. ويبدو أن النص هنا على القبيلة الخامسة بدلاً من الصيغة العادية “باسم القبائل الخمس” يشير بجلاء إلى أن عبادة البطالمة في المعابد المصرية كانت من اختصاص هذه القبيلة الخامسة، التي يبدو أن بطليموس الثالث أنشأها لهذا الغرض.
Comments
أضف جديد بحث RS

مميزات العصر الهلينيستي

وبموت الإسكندر يبدأ في العالم الإغريقي العصر الذي اتفق المؤرخون على تسميته بالعصر الهلينيسي. ولما كان تاريخ مصر منذ الفتح المقدوني قد أصبح يتصل اتصالاً وثيقًا بالعالم الإغريقي، فإن عهد البطالمة ينتمي إلى العصر الهلينيسي . وينتهي هذا العصر بموقعة أكتيوم في عام 31 ق.م. وهي التي بسط الرومان بعدها سلطانهم على مصر، وكانت آخر مملكة هلينيسية لا تزال مستقلة، ولو اسمًا . ولما كانت معالم هذا العصر قد بدأت قبل وفاة الإسكندر واستمرت في البقاء إلى ما بعد أغسطس، فإنه يتبين لنا أن هذين التاريخين ليسا سوى اصطلاح اتفق عليه المؤرخون، لكن هذين التاريخين ينمان عن حقيقتين: وإحداهما هي أن أعمال الإسكندر تكشفت عن نتائج غيرت وجه العالم فلم يعد شيء على حالته السابقة. والحقيقة الأخرى هي أنه بعد خضوع العالم الهلينيسي لروما وتدهوره مع تدهور الإمبراطورية الرومانية أبان حروب روما الأهلية، أعيد بناؤه ثانية مع الإمبراطورية الرومانية على قواعد جديدة، ومن ثم بدأت الحضارة الإغريقية ـ الرومانية.ويختلف العلماء في تعريف العصر الهلينيسي، فيرى بعضهم أنه عصر حضارة جديدة تتكون من عناصر إغريقية وشرقية، ويرى بعضهم أنه عصر انتشار الحضارة الإغريقية بين الشرقيين، ويرى بعضهم أنه لا يتعدى استمرار الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة. وفي رأينا أنه مزيج من ذلك كله، لأن كلاً من هذه الآراء يحتوي على قدر من الحقيقة، ففي هذا العصر استمرت الحضارة الهلينية القديمة على أسسها السالفة في جوهرها، لكنه داخلتها بعض العناصر الشرقية، ولم تنتشر هذه الحضارة في ربوع الشرق فحسب بل أن مراكزها الرئيسية لم تعد في بلاد الإغريق القديمة، وإنما في عواصم الممالك الجديدة التي أنشأها خلفاء الإسكندر الأكبر على أنقاض الإمبراطورية المقدونية. فلا عجب أن وصفت الحضارة الهلينيسية بأنها حضارة ملكية، والحضارة الهلينية الكلاسيكية بأنها حضارة المدن الحرة.

مميزات العصر الحضارية:

ويمثل هذا العصر من بعض النواحي مرحلتين من مراحل الحضارة، أثمرت في أولاهما العلوم والفلسفة والآداب وغيرها من مظاهر النشاط الفكري، في ظل عالم إغريقي ـ مدقوني مستقل. وأما في المرحلة الثانية فقد نضب معين الإنتاج العقلي وقام الشرق في وجه الغرب، وحين كانت هذه الثورة تهدد العالم الإغريقي ـ المقدوني انقضت روما على هذا العالم واستولت عليه وآلت إليها زعامة الحضارة الإغريقية. و يمكن أن نعزو ضعف النشاط العقلي في المرحلة الثانية إلى عاملين: وأحدهما هو نقص عدد الإغريق الصميمين بانتظام بعد حوالي عام 200ق.م. والآخر هو مجهودات روما في تحطيم الروح المعنوي بين الإغريق.

ويمثل العصر الهلينيسي من نواح كثيرة وحدة واحدة، ذلك أنه بالرغم من أن الدول الإغريقية تمسكت من الوجهة العملية بمبدأ الانفصالية والاستقلال، فإنه من الوجهة النظرية خلفت فكرة العالمية هذا المبدأ، ومن ثم نشأت فكرة وجود عالم واحد (oikoumene) يعتبر ملكًا مشتركًا للبشر المتحضرين، ومن أجله وجدت لغة مشتركة (Koine) ساعدت التقرب بين عناصر هذا العالم، فقد أخذ المتعلمون في كل مكان يستمعلون لهجة أنيقًا، التي نشأت منها تدريجيًا اللغة الإريقية الهلينيسية، فقال اللغة التي كتبت بها التوراة الجديدة. وإذا كانت اللهجات المحلية بقيت مدة طويلة في بعض الأفحاء، فإنه لم يأت القرن الأول حتى كانت اللغة المشتركة” مستعملة في كل مكان.

انتشار التعليم

ويمتاز العصر الهلينيسي بانتشار التعليم وتقدمه، ولا أدل على من أن المواطن (Gymnasiarch) الذي كان يناط به الإشراف على التعليم في الدولة الإغريقية أصبح أهم حكامها. وانتشرت المدارس الأولية للبنين والبنات في أكثر الدول الإغريقية تحضرا، بل كان الأولاد والبنات يتعلمون معًا في بعض المدن مثل تيوس (Teos) وخيوس (Chios)، كان ذلك من قبل في أسبرطة. ويبدو أن تعليم البنات كان يقف عند انتهائهن من هذه المدارس. أما الأولاد فإنهم كانوا ينتظمون بعد ذلك في سلك الجومنازيوم (gymnasium) ويتلقون فيه عادة في التاسعة عشر والعشرين من عمرهم تعليم الشبان، (Ephebeia) ، وكان الهدف لهذا التعليم تدريبهم عسكريًا، لكنه كان يشمل أيضًا تثقيفهم، لأن التدريب العسكري في بعض المدن إجباريًا، لكنه لم يلبث أن أصبح عام اختياريًا. وقد أوجدت اللغة المشتركة والتعليم حضارة مشتركة في العالم الإغريقي، انتشرت في كنفها الآداب والفلسفة، وعمت في ظلمها حرية الفكرة والقول، وزالت الكراهية العنصرية، اللهم إلا إذا استثنينا المصريين واليهود.

روح الأخاء:

وقد ساعدت فكرة العالمية وانتشار التعليم واستخدام لغة مشتركة على تقدم روح الأخاء الإنسانية في الوقت الذي استعرت فيه نار الحروب والمنازعات بين الإغريق، إذ أن الدول الإغريقية أخذت تلجأ منذ القرن الثالث أكثر من أي وقت مضى إلى فض ما قد ينشب بينها من الخلافات على الحدود بالتحكيم بدلاً من الحرب. بل استطاع الإغريق في خلال الجزء الأكبر من القرن الثالث أن يخففوا من ويلات الحرب، إذ أن العرف كان فيما مضى يبيح للمنتصر أن يقتل رجال المدن التي يستولى عليها، وأن يبيع نساءها وأطفالها، لكن الإسكندر الأكبر استبدل بذلك بيع جميع السكان، ثم قضى خلفاء الإسكندر على هذه العادة الشائنة، وقبل عودة الحرب ثانية إلى فظاعتها الأولى منذ أواخر القرن الثالث، نستشف دليلاً على استيقاظ العواطف الإنسانية في الحركة التي بدأت في النصف الثاني من ذلك القرن، وتكشفت عن اعتراف الدول الإغريقية بأن بعض المدن أو الأماكن “مقدسة” كالمعابد، أي لا يجوز أن يعتدي عليها الأفراد أو الدول.

مركز المرأة:

ولقد تأثر مركز المرأة في العصر الهلينسي بالدور الذي لعبته الأميرات المقدونيات العظيمات في الفترة التالية لوفاة الإسكندر، إذ أن شأن تلك الأميرات لم يكن أق لمن شأن الرجال العظام من حيث الاضطلاع بأدوار هامة في الحياة العامة، فقد كن يستقبلن البعثات السياسية، ويبنين المعابد ويؤسسن المدن، ويستأجرن الجنود المرتزقة، ويقدن الجيوش، ويدافعن عن القلاع، ويضطلعن بالوصاية على الملك أو يشتركن فيه. فلا عجب إذن أنه كان لسيدة جميلة قادرة مثقفة، مثل أرسينوي فيلادلفوس، أثر أي أثر حتى على رجال عصرها، ومن القصور المقدونية امتدت الحرية النسبية إلى النساء العاديات، فاستطاعت من شاءت منهن أن تتحرر إلى حد كبير من ربقة التقاليد القديمة، فكان في الإمكان إذ ذاك أن تحصل النساء على كل ما يردن من التعليم، فظهرت بينهن في القرن الثالث الفيلسوفة والشاعرة والفنانة. ووجدت أندية خاصة للنساء في أثينا والإسكندرية، لكنه لا شك في أن هذه الحرية لم تكن إلا من نصيب الأقلية من نساء هذا العصر.

الأندية:

وربما كان ظهور أندية السيدات صدى للاتجاه الذي نشط في العالم الإغريقي منذ حوالي عام 300 نحو تكوين جمعيات صغيرة كانت قبل كل شيء اجتماعية ودينية تقوم حول عبادة إله معين. وأخذت تظهر أيضًا في أثينا وقوس جمعيات عرفت بحرف أصحابها، لكن نقابات أصحاب الحرف لم تعرف في العصر الهلينيسي إلا في مصر. وقد كانت هذه الأندية أو الجمعيات تتخذ من نظم الدول أساسًا لنظمها، فكان لها من الحكام مثل ما كان للمدن، وكانت تصدر قرارات مثل المدن، لكنه لم تكن للأندية عادة أغراض سياسية.

سخاء الأغنية وقلة الأجور:

ولعله من أبرز مظاهر هذا العصر الزاخر بالمقتضيات ذلك البون الشاسع بين سخاء الأغنياء وقلة الأجور، فقد كان الأغنياء على أتم الأهمية للتبرع بأموالهم في خدمة الدولة بقدر ما كانوا غير مستعدين لدفع أجور مناسبة، فكثيرًا ما لبى الأغنياء نداء دولهم فأعاروها مبالغ كبيرة دون أرباح، أو تبرعوا لها بهذه المبالغ، أو أخذوا على عاتقهم إنشاء معبد أو جسر أو سفينة حربية أو إقامة حفل عام أو تمثال. وعلى الرغم من هذا الروح النبيل، فإن الناس في هذا العصر لم يعرفوا الأخاء كما تعرفه اليوم، أو بعبارة أخرى مساعدة الأغنياء للفقراء بطريقة منتظمة مثل إنشاء جمعيات خيرية أو مستشفيات أو ما أشبه ذلك.

اضطرابات اجتماعية

وقد كان هذا العصر حتى أوائل القرن الأول عصر رخاء بوجه عام للطبقات العليا، ونستدل على ذلك من رواج التجارة، وانتشار الأندية وإقامة الحفلات، والترف في المأكل والملبس، والعناية بتخطيط المدن وبناء المنازل وأثاثها. وقد أدى تدهور قيمة النقد حوالي عام 300 إلى ارتفاع الأسعار، لكنه لم يقابل ذلك ارتفاع مماثل في أجور العمال بل أحيانًا هبوطها، فاتسع الفارق بين الأغنياء والفقراء مما أدى إلى اضطرابات اجتماعية، ساعد على اشتعال لهيبها مذاهب الرواقيين التي كانت تنادي بالمساواة والأخاء.

وجوه الشبه والخلاف بين العصرين الهلينيسي والحديث

ويبدو لأول وهلة أن وجه الشبه بين العصر الهلينيسي والعصر الحديث قريب جدًا، فقد كانت توجد الكثرة نفسها من الدول الكبيرة والصغيرة التي تسودها حضارة رفيعة مشتركة، ونشأت فيها أفكار الإنسانية والأخاء وتحرير المرأة، وانتشر فيها التعليم انتشاراً أخرج أفواجًا من أنصاف المتعلمين، ونشأت فيها متاعب قاسية من جراء الأسعار والأجور نشطت روح الحزبية وأدت إلى الأفكار الاشتراكية والشيوعية. ومع أنه كانت توجد ظواهر كثيرة تشبه ظواهر حديثة فإن التشابه ليس تامًا بين العصرين. ولعل مرد ذلك أن اختلاف جوهري أساسه أن العالم القديم لم يعرف الآلات وكان يعج بالعبيد هم الذين اعتد عليهم النشاط الاقتصادي إلى حد كبير.

عصر البطالمة شطران:

ويمكننا دون تردد أن تقسم عصر البطالمة إلى شطرين: الأول منذ البداية حتى معركة رفح عام 217 ق.م. والثاني من هذا التاريخ حتى سقوط دولة البطالمة. وسنشهد في الشطر الأول تشييد دولة البطالمة وإمبراطوريتهم البحرية، وقدوم الإغريق إلى مصر وتغلغلهم في أنحائها واغتصابهم مواردها واحتلالهم أرفع المناصب فيها، حين كان المصريون يرزحون تحت أعباء أثقلت كاهلهم، لكن شعورهم بضعفهم تركهم يئنون من جراحهم صابرين على ما رمتهم به الأقدار حتى يحين يوم الخلاص. وأما في الشطر الثاني فسنشهد كيف انبعث الروح القومي نتيجة لموقعة رفح، تلك المعركة التي تعتب ردرة في تاريخ الجيوش المصرية، فقد كانت الفرق المصرية دعامة النصر على جيوش ملك سوريا الإغريقية. وقد أزكى ذلك الفوز روح الوطنية الكامن في الصدور وأعاد إلى المصريين الثقة بأنفسهم، وأرغم البطالمة على النزول عن صلفهم وجبروتهم والنظر بعين جديدة إلى هذا الشعب الذي انتزع أبناؤه نصرًا عز على القوات الإغريقية، ومن ثم أخذ البطالمة يتبعون سياسة جديدة في حكم المصريين كما سنرى بالتفصيل.