سبتميوس سيفيروس

سبتميوس سيفيروس في الصراع الذي دار بين سيفيروس ونيجر على العرش الإمبراطوري وضح تضاؤل أهمية إنتاج مصر من الحبوب على مقدرات الحكم في روما.

فمجرد ما أصبح لسيفيروس السيادة على روما أسرع لتأمين أفريقيا خشية أن يستولي عليها نيجر من مصر فيضع يده على أهم مصدرين للإمداد بالحبوب ويتمكن من تجويع روما وإخضاعها بينما في أيام فسبسيان كان يعتقد أنه من الممكن تحقيق ذلك بالاستيلاء على مصر وحدها .

ومن المحتمل أن سيفيروس قد تمكن من الاستيلاء على مصر من شمال أفريقيا قبل المعركة النهائية مع نيجر في كيزيكوس . وأقدم وثيقة مؤرخة باسم سيفيروس بتاريخ 26 نوفمبر 193 من أوكسير نيخوس .

ومن الواضح أن الوالي مانتنيوس سابينوس الذي استمر في الولاية على مصر تحت حكم بيرتيناكس ونيجر وسيفيروس – لم يتخذ موقفًا حاسمًا في النزاع بين الطرفين المتنازعين نيجر وسيفيروس ومن المحتمل جدًا أن المصريين عمومًا كانوا مستعدين لقبول الطرف الأقوى والاعتراف به.

في العام الثامن من حكمه (199/200) زار سيفيروس مصر وأحدث تغييرات هامة في حكم البلاد. وكانت زيارته على نفس نمط زيارة هادريان حيث رحل إلى مصر من فلسطين عن طريق بلوزيوم وأمضى بعض الوقت في الإسكندرية ثم صعد في النيل جنوبًا إلى طيبة. وكان هذا هو نفس خط السير التقليدي لأي سائح روماني لمصر .

صورته على احدى العملات

وينعكس صدى زيارة سيفيروس للإسكندرية في العملات السكندرية التي ضربت احتفالاً بتلك المناسبة وهي تشبه تمامًا العملة التي ضربت للاحتفال بزيارة هادريان من قبل مع تغيير في صورة الإمبراطور فقط .

ومثل هادريان أقام سيفيروس كثيرًا من المباني فقد أقام معبد كيبيلي Kybele وحمامات عمومية وجمنازيوم ومجمعًا للآلهة في الإسكندرية .

ومثل هادريان أيضًا زار سيفيروس تمثال ممنون الذي يصدر أصواتًا مع شروق الشمس ولكنه ألحق الضرر بالتمثال حيث يعتقد أن سيفيروس هو الذي قام بإعادة بناء الجزء الأعلى من التمثال الضخم وبذلك هدم السطح الخارجي الذي كانت تصدر منه الأصوات مع شروق الشمس.

أما في المسائل الإدارية فقد فاق سيفيروس نظيره وقدوته هادريان: فإذا كان هادريان قد أسس مدينة أنطينوبوليس ومنحها مجلسًا للبولي فإن سيفيروس منح مجلس بولي (المجلس التشريعي) للإسكندرية وكذلك من الممكن أن يكون ذلك جزءًا من سياسة مدروسة كانت تهدف إلى تقوية النفوذ الروماني تحت الأنماط اليونانية في المدن. وكذلك لتحسين الجهاز الإداري فيما يتصل بجباية الضرائب. وفي الوقت ذاته يقال أنه أحدث تغييرات كثيرة في القوانين ومما يؤيد ذلك الأجوبة الخطية للإمبراطور في أثناء زيارته للإسكندرية على بعض الأسئلة القانونية في بعض المشكلات من المصريين والتي وردت إلينا في وثيقة مؤرخة بالفترة من ديسمبر 199 إلى إبريل 200 (Columbia P.123 من الإسكندرية).

ولا يبدو أنه اتخذ آية إجراءات عسكرية محددة في أثناء زيارته لمصر فقد منعه المرض من الذهاب إلى منطقة الشلال والحدود الإثيوبية. وعلى الرغم من وجود مبنى يعود إلى فترة حكمه في بريميس بالنوبة بما قد يوحي بأنه كانت هناك نية للتحرك إلى الجنوب منها فإننا لا نستطيع أن نجزم بما يوحي به هذا المبنى.

كان للحروب الأهلية في أرجاء الإمبراطورية أثرها في نشر القلاقل من جانب القوات المشتتة ومن جانب الناس الذين كانوا يتنقلون بين الولايات ويكسبون قوتهم من اللصوصية ولاسرقة وانتشر قطّاع الطرق في معظم بلدان البحر المتوسط، وفي مصر تبرز هذه الظاهرة من خلال مرسوم للوالي سوباتيانوس أكويلا تحت حكم سيفيروس يصدر فيه أوامر لمحاولة وضع حد لتلك الأعمال، كما أن هناك مرسومًا مماثلاً صدر عن الوالي التالي باريبيوس جونكينوس حت حكم كاركلا – يصدر فيه أوامر مشددة جدًا للموظفين المحليين بتعقب اللصوص ومعاقبة من يأويهم.

مولده :

سيبتموس سيويروس Lucius Septimius Severus أو سيفروس

ولد في 11 ابريل نيسان من عام 145 بمدينة لبدة الكبرى – بليبيا الحالية. وهو من عائلة ليبية عريقة، و كان جده فارساً غنياً، وكان أحد اقاربه مسئولاً في الولاية الرومانية والذي ساعده في دخول المجلس الروماني كسناتور ومؤيد للامبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius ، كانت لغته الاصلية هي (الامازيغية) . اما اللاتينية فقد كانت بالنسبة له لغة أجنبية لكنه تعلَّمها منذ طفولته ، فهي لغة الإمبراطورية الرومانية وظل يتكلمها برطانة طيلة حياته، كان خصومه يطعنون في عدم أصالته فهو في نظرهم اجنبي (بربري) و بوصفه يتحدث في القصر باللغة ( الامازيغية البونية) و لم يتعلم اللاتينية الا كلغة ثانوية ، كما أن شقيقته لم تتعلم اللاتينية قط ، وكانت تتفاهم في بيتها بروما باللغة الامازيغية “الليبية القديمة”. استطاع الامبرطور سبتيموس سيفروس تذليل الصعاب و التغلب علي الاعداء في جو مشحون بالتوتر و محفوف باخطار محدقة.

درس البلاغة والقانون والآداب و الفلسفة في أثينا وفي روما ، ثم اشتغل بالمحاماة في روما . لم تكن حياة سيبتموس تخلو من الحركة والتنقل من منصب إلى اخر، فقد تولى ولاية جنوب اسبانيا ثم عاد إلى افريقيا كممثل للامبراطور ثم كممثل عن العامة( غير النبلاء) في مجلس الشيوخ بروما ، أصبح عام (173 م) عضوا في مجلس الشيوخ الروماني بدعم من الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) ، وفي عام 175 تزوج من باشيا مارشيانا Paccia Marciana ذات الاصول الليبية. وفي عام (179 م) عين قائدا للقوات الرومانية المرابطة في سوريا.

زوجته جوليا دومنا

انتعشت حياة سفيروس مع صعوده الوظيفي وخاصة بعد انتقال الحكم من الامبراطور ماركوس أوريليوس إلى كومودوس فتولى العديد من المناصب الرفيعة كنائب قنصل ثم عمل في سوريا كقائد ثم حاكم لمنطقة الغال (فرنسا الحالية)و صقلية و النمسا و المجر . وفي فترة حكمه لبلاد الغال وفي سنة 187 تزوج من جوليا دومنا Julia Domna وهي من عائلة سورية مرموقة ورزق منها بولدين : الاول ولد سنة 188 وسماه باسيانوس Bassianus وهو من عرف لاحقا باسم الامبراطور كاراكلا Caracalla الذي اصبح من أهم الأباطرة الرومان بعد ذلك والابن الثاني ولد سنة 189 واسمه جيتة .

كان بالرغم من لهجته اليربرية من أحسن الرومان تربية وأكثرهم علما في زمانه ، وكان مولعا بأن يجمع حوله الفلاسفة والشعراء ، بيد أنه لم يترك الفلسفة تعوقه عن الحروب ، ولم يدع الشعر يرقق من طباعه ، كان وسيم الطلعة ، قوي البنية ، بسيطا في ملبسه ، قادرا عن مغالبة الصعاب ، بارعا في الفنون العسكرية ، مقداما لا يهاب الموت في القتال ، قاسي القلب لا يرحم إذا انتصر ، كان لبقا فكها في الحديث ، نافذ البصيرة في قضائه ، قديرا صارما في أحكامه.

تنصيبه كأمبراطور :

انتقل ليكون قائدا عاما للقوات الرومانية في (بانونيا) ، وفي ذلك الوقت قام الحرس الإمبراطوري (البريتوري) بانتفاظة ضد الامبراطور (برتناكس) واغتياله في 28 مارس 193 ، وأعلن الحرس أن التاج سيكون من نصيب الذي سوف يمنحهم أكبر عطاء ، و تقدم بعض القادة بعروضهم من العطاء للجنود و عرض عليهم أن يقدم لكل جندي مبلغ قدره (12000) دراخمة حين يجلس على العرش ، وخرق العرف الروماني ودخل في إبريل/نيسان 193م بقواته العسكرية روما ، رغم إنه لبس ثيابه المدنية ، حينذاك أعلن مجلس الشيوخ تسميته إمبراطورا.

تم تنصيب سبتيموس كأمبراطور لروما في 9 أبريل 193، واضطر عندئذ لخوض المعارك ضد منافسيه ، قاد الامبراطور سيبتموس الجيش الروماني في منطقة نهري الراين و الدانوب ولكن ولاء حاكم بريطانيا الروماني كلوديوس ألبينوس Albinus كان محل شك من الامبراطور فارسل له مبعوثا و عرض عليه لقب القيصر الذي قبله، في هذه الاثناء حصلت الحرب الاهلية الرومانية بعد ادعاء دسديوس جوليانوس في روما خلافة الامبراطور المغتال بدعم من الحرس الامبراطوري في روما ولكن سلطة جوليلنوس لم تتجاوز حدود إيطاليا ، وكان وجدد أكثر من مدعي لمنصب الامبراطور يشكل خطر على الامبراطورية الرومانية كما كان يعنقد سيبتموس، ولذا عمل على وجود سلطة حاكمة واحدة مقبولة في روماولذا امر قواته بالتوجه إلى المدينة، ولم يواجه اي مقاومة في تقدمه إلى شمال إيطاليا وهزم مؤيدي جوليانوس في بداية يونيو حين وصل إلى انترامنة 50 ميل شمال روما، وتحول ولاء الحرس الامبراطوري إلى سيفروس وتم اعلان ديدوس جوليانوس كعدو للشعب وقتل، ودخل سيفروس روما بدون قتال.

الحرب الاهلية :

ومع كل ذللك فان الحرب الاهلية لم تنتهي حيث وضع حاكم اقليمي اخر عينه على العرش الروماني وهو حاكم سوريا نيجر Pescennius Niger واستولى على المنطقة الشرقية للامبراطورية واتخذا من بيزنطية Byzantium كقاعدة لعملياته ضد القوات الغربية بقيادة سيفروس، وحيث ان نيجر لم يستطع التقدم بقواته ناحية أوروبا فان القتال انتقل إلى اسيا في اواخر ديسمبر 193 ، وفر في بداية يناير 194 إلى الجنوب ووقعت اسيا وبيثنيا (إيران) تحت حكم سيفروس ثم تلتهما مصر وفي نهاية فصل الربيع تمت الهزيمة الساحقة لنيجر وقتل. الا ان بيزنطة رفضت الاستسلام فارسل سيفروس رأس نيجر إلى المدينة لدفع سكانها المحاصرين إلى اليأس ولكن دون فائدة، فلقد بقت المدينة مقاومة لمدة سنة كاملة مما دفع سيفروس إلى هدم اسوارها عقابا لهم.

اعماله :

بعد توليه مقاليد الحكم قام ببذل الجهود الكبيرة في سبيل الإصلاح وتحسين أوضاع الجيش والقضاة وإزالة مساوئ الفتن الأهلية ، ووجه العناية إلى الولايات فأقام فيها كثيراً من المنشآت والأبنية العامة والحمامات وسواها. وجعل الخدمة العسكرية إجبارية على كل الولايات عدا أهل إيطاليا، ثم قام بحلِّ الجيش الامبراطوري وأحدث حرسا جديدا أعضاءه من سائر الولايات بعد أن كان هذا الحرس إيطاليّاً فقط.

كان لا يشبع من أكاليل الغار ، ثماني عشرة سنة وهو في حروب مستمرة وسريعة ، زاد عدد الجيش ، ورفع رواتب الجند ، وقاتل منافسيه ، وقضى على الفتن، وقاتل لاسترداد مناطق قديمة ، وضم مناطق جديدة للإمبراطورية ، دك بيزنطية بعد حصار دام أربعة سنوات ، و غزا بارثيا (فارس) و استولى على (طشقونة) وضم (بلاد النهرين) لهذه الإمبراطورية ، لقد أعاد لعرش روما مكانته ، وخلص الإمبراطورية من تركة فساد متراكم من استبداد (كاليجولا) وبلاهة كلوديوس وجنون نيرون وطغيان أنطونيوس.

اهتمامه بموطنه ليبيا :

لم تلهه مشاغله عن وطنه ليبيا الذي لم يعلن جنوبه بعد الولاء لامبروطورية روما بل و شكل تهديدا علي المدن الساحلية و أمنها و استقرارها . و علي الرغم من هذا فقد علّق سيفروس أهمية كبري له، فاعتنى عناية خاصة بالزراعة التي ازدهرت إزدهارا كبيراً و اهتم بالتجارة . و كانت ليبيا تسمي آنذاك بمخزن الغلال في الشرق و كانت مركزا تجاريا هاما يشكل همزة و صل بين الشرق و الغرب و بين أواسط أفريقيا و سواحل البحر الابيض المتوسط.

قوس النصر في مدخل مدينة لبدة

كما طور مسقط رأسه لبدة الكبرى فأنشأ فيها العديد من المباني والحمامات ووسع من الاسواق والمسارح.

رغم شيخوخته وكبر سنة وإصابته بداء النقرس إلا إن ذلك لم يقيده من تسجيل انتصارات وتسجيل أسمه في صفحات التاريخ ، وهو بهذه الحالة قد وصل إلى (كلدونيا) وانتصر على الاسكتلنديين في عدة وقائع ، ثم عاد إلى (بريطانيا) . وهناك عندما وصل إلى (يورك) سنة 211 م كان على موعد مع الموت. قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : ” لقد نلت كل شيء ، ولكن ما نلته لا قيمة له، وكانت آخر وصاياه (الحفاظ على الأسرة الامبراطورية والعمل على استرضاء الجيش).

احتفاء ليبيا به :

وضع تمثاله في أهم ساحة في ليبيا ، كما سميت على اسمه بعض المنتجات المحلية .

الولاه الرومان في عصر سبتيموس سيفيروس :

– ماتينيوس سابينوس 193
– أولبيوس بريميانوس 194
– ايميليوس ساتورنينوس 197
– ماكيوس لاتوس 201
– سوباتيانوس أكيلا 201
– مانيوس فليكس كريثنتيليا نوس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *